Skip to content
غلاف كتاب بيدرو بارامو
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

بيدرو بارامو

3.9(٣ تقييم)٧ قارئ
عدد الصفحات
١٤٤
سنة النشر
1999
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
٢٬٥٧٣

عن الكتاب

إذا كان رولفو قد استخدم تقنيات حديثة في قصصه القصيرة، فإنه يستخدم في روايته وسائل أخرى متقدمة لينزل إلى طبقة مستقلة عن الزمن. إن الحكاية تبدو وكأنها تنساب في مقاطع جليدية تذوب بمجرد ملامستها. قد تبدو الحكاية في هذه الرواية بسيطة إذا ما اقتصر تحليلها على حدود تناقض بيدرو بارامو / سوزانا سان خوان: حالة مألوفة جداً -رغم جماليتها- تدور حول الحب المستحيل والملعون. ولكن، حين أدخل رولفو شخصية خوان بريثيادو، الذي لامناص للقارئ من مطابقته مع نفسه، أصبحت احتمالات الاهتمام لانهائية، لأننا ننتقل من عالم إلى آخر، ونصل إلى حكاية خارقة ذات شاعرية كونية فخمة ومبهمة. رواية بيدر بارامو ليست مقسمة إلى فصول، فتقنية المقاطع التي اختارها رولفو تجعل الفصول أمراً لا لزوم له. وليس في الرواية أجزاء أيضاً، مع أن كثيرين يسعون لشق الكتاب إلى شقين اعتباراً من موت خوان بريثيادو، وكأن الموت ( أو الحياة ) يمكن قياسه في بيدر بارامو بالسنتمتر، وليس فحيحاً يخرج طافياً من الأعماق. وكثيراً ما نلتقي أيضاً بآراء تبحث حول مغزى الرواية. مع أن سحر الرواية هو في عدم وجود أي مغزى واقعي لها: إنها الإنسانية كما تبدو من الجانب الآخر، من ذاكرة ضبابية وبعيدة عن نطاق المنطق، من افتراض لا يُفسِر وإنما يتسرب إلى البديهة ويهزها.

اقتباسات من الكتاب

أريد إقناع نفسي بأنك طيب وأنك تتلقى هناك تقدير الجميع،إنما ليس كافيا أن تكون طيبا.الخطيئة ليست طيبة.وللقضاء عليها يجب أن تكون قاسيا وصارما أريد أن أصدق أنهم جميعا مازالوا مؤمنين،إنما لست أنت من يحفظ لهم إيمانهم ،إنهم يحتفظون به بسبب الخرافة والخوف السيد القسيس كونتلا

— خوان رولفو

1 / 2

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

فرحان ريدان
فرحان ريدان
٢‏/١١‏/٢٠١٩
ساردُ بيدرو بارامو بقلم : فرحان ريدان * في مفتتح بيدرو بارامو يطالعنا ساردها بوصفه سارداً ملتحماً بحكايته:(متمَاهياً بمرْويه) وما يكشفُ عن هذا التَّماهي : السردُ بصيغة ضمير المتكلم : " جئتُ إلى كومالا لأنهم قالوا لي بأن أبي يعيش هنا، إنه شخصٌ يُدعى بيدرو بارامو أميَ قالت ليَ ذلك. وقد وعدْتُها بأن أحْضُرَ لمقابلته ... قبْلَ ذلك كانت قد قالت لي : - لا تستعْطِه شيئاً. طالبْه بحقنا .. خذْ منه غالياً ثمن النسيان الذي ترَكَنا فيه - هذا ما سأفعلُه يا أماه .. " ولعل الملمح الجمالي الأبرز في السرد بضمير المتكلم كامنٌ في انسراب السرد إلى أعماق الشخصية وكشفِهِ عن الراعش العميق الذي يموْرُ في ثنايا نفسها فيشعُرُ المتلقي وكأنه إزاء بوْحٍ حميْم ما يجعلُهُ أكثر قرباً وتعلُّقاً بالنص المسرود ،إنها قدرةُ ضمير المتكلم على إذابة المسافة بين النص والمتلقي من جهة وإذابة الظروف الزمنية والسردية بين السارد والشخصية المسرودة من جهة أخرى . ويكفي أن نتأمَّلَ قليلاً في مفتتح بيدرو بارامو كي ندركَ رشاقة َنقلة السرد من صيغة ضمير المتكلم إلى صيغة ضمير المخاطب: " لا تستعطه شيئاً ..طالبْهُ بحقنا ..خذ منه غالياً ثمن النسيان الذي تركنا فيه " وهذه مزية أخرى للسرد بضمير المتكلم . غير أنه ضميرٌ يُحيْلُ على الذات "ومرجعيتهُ جوانية " ما يجعلُ رصْدَه للعالم الخارجي ذاتياً، وفيه انفصالٌ عن الموضوعية التي يتمظهر فيها السارد بصيغة ضمير الغائب(الراوي العليم) .وهذه الذاتية التي يُسبغها السارد بضمير المتكلم على مسروده تجعله سارداً غير موثوق. ثم إنه ساردٌ وفي نفس الوقت واحدٌ من شخوص الرواية ،وفاعلٌ في أحداثها : إنه ساردٌ ومسرود، ومن هنا تنبثق إشكاليته .على ذلك فهو ساردٌ إشكاليٌ ، وغير موثوق : " لقد كنتُ أتصوَّرُ رؤية تلك المنطقة من خلال ذكريات أمي ،من خلال حنينها.. فقدْ عاشت دائماً وهي تتنهَّدُ شوقاً إلى كومالا .. إنني آتٍ اليوم بدلاً منها. أحملُ معي عينيها اللتين رأتْ بهما هذه الأشياء، لأنها منحتني عينيها لأرى .. " ص 16. نلاحظ هنا كيف أن الساردَ يُجاهرُ في أنه غير موثوق : فهو لا يرى الأحداثَ والأمكنة َ والشخوصَ بعينيه : إنه يراها بعيني أمه . " أوصتني قائلة :"لا تتخلف عن الذهاب"لم أستطع شيئا سوى وعدي لها بأني سأفعل ،ولكثرة ما رددتُ هذا الوعد فقدْ تابعتُ ترديده حتى بعد الجهد الذي بذلتُهُ لأُفلتَ يديَّ من يديها الميتتين " السارد ،واسمُهُ خوان بريثادو ، يرى بعيني أمه الميتة !. " - أتريدني أن أصدقَ أن الإختناق قد قتلكَ يا خوان بريثادو؟ لقد كنتَ متيبساً تماماً.. وها أنتَ ترى ، إننا ندفنك .. - هذا صحيح يا دوروتيا .. لقد قتلتني الأصواتُ الهامسة " ص 100 إن السارد ، ذاته ، ميت ! . لنتأمل ، الآن، في السرد الصادر من منظور دوروتيا : " - إنني شيءٌ لا يزعجُ أحداً. وكما ترى ،فأنا لا أسرقُ مكاناً من الأرض لقد دفنوني في قبرك نفسه واكتفيتُ بالفراغ الذي بين ذراعيك فقط هنا في هذا الركن حيث تجدني الآن. ويخطرُ لي أنه كان يجب أن أكونَ أنا التي أحتضنكَ. أتسمع؟ إنها تمطرُ في الخارج - أشعرُ كأن أحداً يمشي فوقنا - ما عاد بإمكان أحد أن يخيفك .فكِّرْ بأمور سارَّة لأننا سنبقى مدفونين زمناً طويلاً " ص105 نتوهم ونحن نقرأ بيدرو بارامو أن السارد يوجه الحكاية لنا ، نحن القراء، لنكتشف أنه يحكي الحكاية ل ِ دوروتيا المدفونة معه في القبر ذاته: ميت يبوحُ إلى ميتة .إن الحكاية غير موجهة لنا فهل نحْنُ خارجها؟ لنوجز ،أولاً، ملاح السارد الرئيسية :إنه إشكالي. غير موثوق .لا يَرى بعينيه .يرى بعيني أمه.يرى بعيني أمه الميتة.هو ذاته ميت.هو لا يوجه الحكاية لنا.فما هي الأغراض السردية في ذلك؟ للعمل الروائي ،وفقَ تودوروف ، سمتان رئيسيتان : الحكاية ،والخطاب . والحكايةُ في هذه الرواية تبدو بسيطة ً:كي ينفذَ وعْدَه لأمه المتوفاة ،يذهب خوان بريثادو إلى بلدة كومالا، ليبحث عن أبيه بيدرو بارامو.يكتشف ،ونكتشفُ معه ،خيبة الحب (بين بيدرو وسوزانا) ، وخيبة الثورة ،وخيبة الأب رينتيريا ثم نكتشف أن شخصيات الرواية قد ماتت كلها بمن فيها خوان بريثادو: سارد الرواية. إن الموتى يسردون أحداثاً ،وأمكنةً ،وأشخاصاً كانوا ،في زمن ما، أحياءً .إنها(وجهة نظر) الموتى بالحياة. الحكاية ،إذن ،ليست بسيطةً. و(وجهة النظر)تكشف عن العلاقة بين السارد(المتخيَّل ،والميت)والعوالمِ الروائية المتخيَّلة ،ثم إن هذه العلاقة تتجسَّدُ في الخطاب الروائي في الوضعية التي يتخذها السارد. ولكن هل نحن ،القراء ، خارج الحكاية؟ لنصغي إلى صوت دوروتيا : " الوهم ؟هذا يكلف غالياً .فقد كلفني أن أعيش أكثر من اللازم .دفعتُ بهذا دَين العثور على ابني، لنقُل إنه لم يكن إلا وهماً آخر ،لأنه لم يكن لي أي ابن على الإطلاق. وبعد أن متُّ الآن ،أصبح لدي متسع من الوقت لأفكر وأدرك كلَّ شيء .. وصلتُ إلى السماء وتطلعتُ لأرى ما إذا كنتُ سأتعرف على وجه ابني بين الملائكة ..اقترب مني أحد القديسين.. غرس إحدى يديه في معدتي وكأنه يغرزها في كومة من الشمع. وعندما سحبَها أراني شيئاً يشبه قشرة جوزة ..قديس آخر دفعَني من كتفي وأشار إلى بوابة الخروج: اذهبي وحاولي أن تكوني صالحة ليكون مطهرك أقصر " ص104 صوتُ دوروتيا يقطع نياط القلب ويُبكي الحجر ، خاصةً عندما تتمنى لو أنها ، في القبر، هي التي تحضن خوان بريثادو : " لقد دفنوني في قبرك نفسه واكتفيتُ بالفراغ الذي بين ذراعيك ويخطرُ لي أنه كان يجب أن أكونَ أنا التي أحتضنكَ.." وهكذا فإننا ،القراء ،منجذبون ومتعاطفون ومتفاعلون .. ومشدودون إلى الحكاية حابسين أنفاسَنا ، والحكايةُ تهزُّنا وتحرض مخيلاتنا وتنتعشُ في ثنايا نفوسنا ،لسنا خارج الحكاية ولا الحكايةُ تزدهي برونقها إلا في دواخلنا. ثم إن الساردَ ميتٌ ومدفون مع دوروتيا في ذات القبر ولأنها ماتت قبلهُ فقدْ اكتسبتْ خبرةً في شؤون الموت : " ما عاد بإمكان أحد أن يخيفك.. فكِّرْ بأمور سارَّة لأننا سنبقى مدفونين زمنا طويلاً " لا يستطيع القارئ منا إلا أن يرى نفسَه في شخصية السارد خوان بريثادو ، لأننا ندرك جميعاً أننا في نهاية الأمر سوف نموت والاختناق الذي يتحدث عنه بريثادو ينتقل إلينا . والسارد هنا ، ومن ورائه الكاتب، يضغط على مكامن الرعب فينا فهل نحن خارج الحكاية؟ والسارد يسرد أشخاصاً ميتين كانوا قد لعبوا دورا في أحداثٍ جرَتْ في فترة زمنية انقضتْ .إنه سارد لا غاية َ أو أغراضَ ذاتية له فهو ميت . على ذلك فهو ساردٌ (موضوعيٌ) بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ سردية ودلالات رغم عِلْمِنا أن السارد بضمير المتكلم في معظم النظريات النقدية يُنظرُ إلى سرده على أنه(ذاتي) فنحن ،في هذه الرواية، إزاء تقانة سردية حاذقة تقوضُ تصوراتنا المسبقة عن السرد وتخلخلُ الكثيرَ من التنظيرات النقدية .وتقويض الأحكام المسبقة أحدُ الأهداف العليا، وأحدُ الأغراض السردية الحاسمة في هذه الرواية وهو ،أيضاً، في صُلب الخطاب السردي : " – كان الأفضل لو أنكَ لم تخرجْ من أرضكَ .ما الذي جئتَ تفعله هنا ؟ - لقد قلتُ لكِ في البدء .أتيتُ بحثاً عن بيدرو بارامو لأنه كان أبي كما يبدو لقد شدَّني الوهم - الوهم ؟ هذا يكلف غالياً .. " ص 102 لكن من أين تأتينا الأوهام التي تنأى بنا عن الحقيقة ؟ يقول السارد عن أمه : " إنني آتٍ اليوم بدلاً منها. أحملُ معي عينيها اللتين رأتْ بهما الأشياء، لأنها منحتني عينيها لأرى " إنها الأحكام المسبقة التي تتخذ هيئة نظَّارة نضعُها على عيوننا ونرى ،من خلالها ،إلى الوجود، وهذه الأحكام المسبقة تزوِّدنا بها الإيديولوجيا حيناً ، والتمذهبُ والتحزُّبُ حيناً آخر فنجد أنفسنا منحازين ونحن ننظر إلى الظواهر والأحداث والشخوص والوجود ، كيف ،إذن، سنعْرفُ الحقيقةَ إذا كنا نقررُ ، مسبقاً، ماهي .وقد أشرْنا أيضاً كيف تنبثقُ حكاية بيدرو بارامو، وتبرعمُ، وتوْرقُ في مخيلاتنا ،إن الموتى في هذه الرواية ينهضون ويجولون ويتنفسُّون في مخيلات القراء وهذا هو، فيما نعتقد الهدف الجمالي الأول، والأعلى لهذه الرواية: وحدَه الفن يواجه الموت ،وهذا، أيضا، في صلب الخطاب السردي في هذه الرواية .إن الموضع الذي احتله السارد قد استأثرَ إلى حد بعيد بتوجيه المنظور السردي الذي ،بدوْره، يستأثرُ في نسق الرؤية السردية ثم تمظهر كلُّ ذلك في خطاب سردي ينهض على تقانات سردية فذة وذات فرادة ،ويذهب إلى جوهر الكائن ما يجعلنا نقول في ثقة إن رواية بيدرو بارامو إجتراح جمالي ،وإضافة نوعية واضحة في مشهد السرد العالمي. .................................... • روائي سوري
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٦‏/٥‏/٢٠١٥
“يُقدّم مو يان موضوعات أعماله الثرية في أسلوب يجمع بين المحافظة على الأساليب الفنية الأصيلة للأدب الصيني والتأثر الواضح بالتيارات الأدبية الغربية، خاصة مذهب الواقعية السحرية ورائده الروائي العالمي جابرييل جارسيا ماركيز”. هكذا كتب المترجم “حسانين فهمي حسين” في تقديمه لرواية “الذرة الرفيعة الحمراء” للأديب الصيني “مو يان”، الفائز بجائزة نوبل في الآداب سنة 2012، والذي عرّفته لجنة نوبل بأنه: “الأديب الذي يدمج الهلوسة الواقعية بالحكايات الشعبية، والتاريخ المعاصر”. ولفترة طويلة جدًا، كان القراء المهتمون والمتتبعون للأدب اللاتيني يعتقدون بسبب “مئة عام من العزلة” أن “ماركيز” هو أبو الواقعية السحرية. لكن الحقيقة غير ذلك؛ فالأب الشرعي والرائد الحقيقي لما يُعرف بتيار الواقعية السحرية “EL Boom”، هو الأديب المكسيكي “خوان رولفو” الذي حاز هذا اللقب عن استحقاق وجدارة بسبب روايته الوحيدة الأعجوبة “بيدرو بارّامو”. السيميائي الساحر عندما سُئل “خوان رولفو” عن ندرة أعماله وقِلَّتها، أجاب: “لستُ كاتبًا محترفًا، إنني مجرد هاوٍ أكتب عندما تواتيني الكتابة، وعندما لا تأتي، لا أُقدِم عليها أبدًا”. ليثبت لنا “رولفو”، وعن غير قصد منه، أن “الكَيف” هو المعيار الوحيد لديمومة اسم الكاتِب لا “الكَم”. فبالرغم من أن كتابيه المنشورين “السهل المحترق/ مجموعة قصصية- سنة 1953″ و”بيدرو بارّامو/ رواية- سنة 1955″ لم يتجاوԣRعدد صفحاتهما مجتمعين 300 صفحة، إلا أنهما شغلا النقاد والمهتمين بالأدب، وكُتِب فيهما نقد أدبي تجاوز الـ 9000 صفحة، خلال 50 عامًا من صدروهما. وُلِد “خوان رولفو” عام 1918، في بلدة سايولا بولاية خاليسكو المكسيكية. تلك المنطقة الجرداء القاحلة، التي تركها معظم السكان هربًا من الجوع وفرارًا من العنف الناتج عن الاضرابات. في السادسة من عمره، قُتِل أبوه؛ فانتقلت الأسرة إلى سان جابرييل. وفي عام 1926 اندلعت ثورة “لورس كريستوروس” فعاش “رولفو” طفولته في جحيهما. “كانت طفولتي قاسية وبالغة الصعوبة، تبعثرت أشلاء عائلتي بكاملها في منطقة تم تدمير وسحق كل ما فيها. ولا أجد -إلى الآن- تفسيرًا منطقيًا لما جرى. ولا أرمي بالمسؤولية على الثورة؛ فالأمر تمتد جذوره للماضي. شيءٌ كالقضاء والقدر، غير مفهوم. وحتى اليوم، لم أتمكن من العثور على مبرر واحد لقتل أسرتي بهذا الشكل، أو لارتكاب هذه الفظائع والاغتيالات البشعة. فعائلتي كثيرة العدد، لم تتمتع في حياتها بالسلام، فمات أغلب أهلي في سن مبكرة بعدما تم اصطيادهم في كمائن نُصبت لهم، ماتوا جميعًا مغتالين، في حين أن أحدهم قتله جواد”؛ الأمر الذي ورثّه وحدة قاسية وعزلة واكتئابًا لم يبرأ منه -كما قال- أبدًا. وبالرغم من أن رواية “بيدرو بارّامو” تبدو بعيدة كل البعد عن أدب السير الذاتية، إلا أن الحقيقة عكس ذلك؛ فـ “رولفو” كان يسترق فيها السمع لهسيس الموتى من أسرته وأهل قريته، علّه بالكتابة عن أحاديثهم الجانبية يُخلِّص أرواحهم العالقة هناك في “سايولا” ويتحرر هو من كوابيسه الجحيمية إلى الأبد. الرواية الانفجار في مارس عام 1955، ظهرت هذه الرواية التي كتبها “رولفو” في الفترة من أبريل إلى أغسطس عام 1954، في طبعة من 2000 نسخة. وكان أول تناول نقدي لها في المكسيك، نقدًا سلبيًا، كتبه “أرشيبالدو بيرنس” في مجلة “الثقافة”. كما رأى زملاء “رولفو” في “الصندوق الاقتصادي للتنمية الثقافية” أن هذه الرواية ما هي إلا كومة من المشاهد غير المترابطة، وكتاب تافه. ليقول “رولفو” وقتها: “ليس عندي ما ألوم نقادي عليه. فمن الصعب تَقَبُل رواية تُقَدِّم نفسها على هيئة حكاية واقعية عن شيخ قرية، وهي في الحقيقة حكاية عن الناس في بلدتي. في قرية ميتة، كل الناس فيها موتى، بمن فيهم الراوي الذي يروي الحكاية، وشوارعها وحقولها تهيم فيها الأرواح، والأصداء التي يُمكنها أن تنتقل وتنساب بلا عائق عبر الزمان والمكان”. ولم تُحقق الرواية آنذاك أي رواج يُذكر، بل إن 1000 نسخة من الـ 2000 استغرق بيعها أربع سنوات، في حين أن الألف الأخرى نفدت عن طريق الإهداءات. في ذلك الوقت، انتقل “رولفو” إلى “بيراكروث” للعمل في توكيل تجاري لبيع الإطارات. وعند عودته بعد سنوات، اكتشف أن كلًا من “كارلوس بلانكو أجيناجا” و”كارلوس فوينتس” و”أكتافيو باث” قد كتبوا عن “بيدرو بارّامو”، وأن الرواية قد تم ترجمتها إلى الألمانية والهولندية والفرنسية والإنجليزية. “كومالا” التي تعج بالموتى لسنوات طويلة، ظلت أحداث هذه الرواية تلح على “رولفو” وتتشابك في ذهنه دون أن يستطيع أن يخط فيها سطرًا واحدًا. ثم حدث أن زار “سايولا” فوجدها مهجورة، والناس قد رحلوا عنها. لكن أحدهم قرر أن يزرع شوارع القرية بأشجار البلوط. فوفرت له تلك الزيارة رؤية هذه الأشجار وهي تنوح ليلًا، فأدرك كم العزلة التي تُخيّم على المكان. ومن هذه الزيارة؛ انبثقت عزلة “كوامالا”، اسم القرية في الرواية- لتنحل عقدة الخيط، ويكتب “رولفو” عن ماضيه الذي تكتنفه الوحشة وعن وجوده الذي بلا جذور، باحثًا عن حياة أخرى غير تلك المبتورة التي تطارده في كوابيسه. في هذه الرواية، يذهب “خوان بريثيادو” إلى “كومالا” للوفاء بعهد سبق وأن قطعه لأمه وهي تحتضر. “جئت إلى كومالا لأنهم قالوا لي إن والدي يعيش هنا، إنه شخص يدعى بيدرو بارَّامو. أمي قالت لي ذلك. وقد وعدتها بأن أحضر لمقابلته عندما تموت. لقد ضغطت على يديها مؤكدًا أني سأفعل، فقد كانت تحتضر وكنت مستعدًا لتقديم كل الوعود إليها. أوصتني قائلة: (لا تتخلف عن الذهاب لزيارته. اسمه كذا وكذا). لم أستطع عندئذ عمل شيء آخر سوى القول لها إني سأفعل ذلك، و لكثرة ما رددت هذا الوعد؛ فقد واصلت ترديده حتى بعد الجهد الذي تكلفته لأفلت يديّ من بين يديها الميتتين. قبل ذلك كانت قد قالت لي: لا تستعطه شيئًا. طالبه بحقنا، بما كان مجبرًا على تقديمه إليّ ولم يعطني إياه قط. خذ منه غاليًا ثمن النسيان الذي خلّفنا فيه يا بني“. لنكتشف تدريجيًا أن شخصيات المأساة قد ماتت كلها، لكنها تعيش في قبورها/ بيوتها محكومة بقوانين أخرى؛ فلا يبقى أمام القارئ سوى أن يرهف السمع ليستمع إلى هسيس الموتى، إلى قصص حبهم وأحقادهم، إلى أحلامهم وآمالهم؛ فالناس عندما يموتون، يصبح لديهم الكثير ليقولوه. لتتساقط في هذه الرواية، الحدود الفاصلة تمامًا بين الأزمنة والأمكنة، بين الأموات والأحياء. يدرك القارئ الآن وبعد انتشار تيار الواقعية السحرية، الصدمة التي أحدثها “خوان رولفو” في الأدب المكسيكي وأدب أمريكا اللاتينية وقت كتابة هذه الرواية قبل 60 سنة. فالبناء السردي الصادم والانتقال السلس عبر البرازخ الزمنية، والانتقال من حدث لآخر ومن ميت لحيّ، والخروج من عالم الأحياء لعالم الأموات في غمضة عين ودون أي تنويه؛ لازال يُربك قراء “بيدرو بارّامو” إلى يومنا هذا، بالرغم من الانتشار العظيم لمدرسة الواقعية السحرية. فالرواية شبكة معقدة مربكة، لا تكشف عن نفسها للقارئ من القراءة الأولى. ففي الوقت الذي تبدأ فيه الرواية بضمير المتكلم على لسان “خوان بريثيادو”، نجد الحديث وقد تحول بعد عدة صفحات إلى لسان الراوي الغائب الذي يتدخل ويلتقط زمام الحكي، ليُحدّثنا عن “بيدرو بارَّامو” الإقطاعي المهيمن على “كوامالا” والذي أحبّ “سوزانا” نصف المخبولة وقرر بعد موتها أن يُحيل “كوامالا” إلى خراب أبدي. ثم يتداخل السرد ويعود ضمير المتكلم، ولكن على لسان “بيدرو”، وهو صبيّ، ليحكي عن مشهد تُعنّفه فيه أمه، ثم تتحول دفة الحوار ليُصبح على لسان “بيدور” وهو رجل مسن، يستدعي ذكريات حبه لـ “سوزانا”، ليعود “خوان” مرة أخرى ويستلم دفة الحكي من ضمير الغائب ويُكمل هو الحديث قليلًا قبل أن يستلم منه “بيدرو” الخيط مرة أخرى، وهكذا إلى النهاية. الرواية اللعنة تبدو هذه الرواية وكأنها شعوذة ما أو شفرة طلاسم من سحر أسود، كتبها ساحر متمرس. فالصبغة السيريالية التي أصبغها “رولفو” على شخوص الرواية، والعذاب الذي يكتنف أهل القرية وحديثهم الدائم عن الخطايا التي ارتكبوها وأرواحهم القلقة المعذبة وعدم قدرتهم على التطهر؛ يُظهر مدى لهفة “الكاتب” ورغبته الماضية في البحث عن سبب مقنع يُفسر ما تعرضت له عائلته، التي قال عن أفرادها: “إنهم لم يتمتعوا بالسلام قط”، حتى ولو حمّلهم وِزر ما حدث لهم. رواد الأدب وبيدرو بارامو يحكي “ماركيز” أنه كان يزور المكسيك لحضور مؤتمر أدبي في عام 1961، ولم يكن وقتها قد نشر سوى “ليس لدى الكولونيل من يُكاتبه” و”جنازة الأم الكبيرة”، ويشعر كما لو أنه واقف أمام حائط سد عاجزًا عن اكتشاف أية دروب أخرى للإبداع. ثم أتاه صديقه الحميم، الكاتب الكولومبي “ألبارو موتيس”  بنسخة من “بيدرو بارّامو” وصاح به قائلًا: خذ هذه اللعنة واقرأها كي تتعلم! أخذها “ماركيز” ولم ينم ليلتها إلا بعد أن قرأها مرتين. ثم ظل عاجزًا ولمدة ستة أشهر عن قراءة أي عمل أدبي آخر، وكانت هذه الفترة التي سبقت كتابته لمئة عام من العزلة؛ قرأ “ماركيز” “بيدرو بارّامو” وتعلّم. أما “بورخيس” فيرى أن “بيدرو بارّامو” واحدة من أفضل الروايات في الأدب الإسباني، بل وفي الأدب العالمي كله. في حين قال “فوينتس” إن “بيدرو بارّامو” هي أفضل رواية مكسيكية على الإطلاق، وإن “رولفو” جدد الأدب المكسيكي وزاده خصوبة. في حين أن “خوان رولفو” نفسه، قال عنها في حفلٍ أقيم بمناسبة مرور 30 عامًا على نشرها: “إنني أذكر هنا أنني عندما كتبت (بيدرو بارّامو) في شقتي في مبنى يسكن فيه الرسام كورونيل، والشاعر يونيك أوديو، لم أكن أتخيل أبدًا أن ما كتبته عن هواجسي سيكون بعد 30 عامًا مقروءًا في اللغات التركية واليونانية والصينية والأوكرانية. والفضل في ذلك لا يرجع لي، فعندما فكرت في كتابة بيدرو بارامو فكرتُ فقط في التحرر من وطأة قلق مضنٍ“. تلك الرواية التي تُرجمت لأكثر من 50 لغة وطُبع منها ما يزيد عن 420 طبعة، وتعتبر مدخلًا عظيمًا في الأدب اللاتيني وحجر الزاوية في تيار الواقعية السحرية؛ لا يتأتى للقارئ -أبدًا- سبر أغوارها من القراءة الأولى. وجدير بالذكر أنه قد قام بترجمتها للعربية في أربع طبعات مختلفة على مدار سنوات متباعدة، بالترتيب كل من: عبد الغني أبو العزم، صالح علماني، مراون إبراهيم، شيرين عصمت.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٦‏/٥‏/٢٠١٥
يقول ماركيز عن هذه الرواية : لم استطع النوم حتى أنهيتها مرتين ..  كانت صدمتي الأولى حين قرأت إنمساخ كافكا قبل عشر سنوات وهذه الرواية هي صدمتي الثانية ماذا أقول عن بيدرو بارامو أو عن خوان رولفو وروايته الوحيدة التي تمثل واحدة من أروع ما كتب في أدب الواقعية السحرية هذا النص يشبه المشي على شظايا جارحة من الزجاج تسبب لك الألم تدمي قدميك لكنك تكمل المشي مستعذبا وراضيا أشغلني بناء الرواية السردي المحير إذ يبدو وكأنك دخلت منطقة ضبابية تعجز فيها عن الرؤية لا سيما التعقيد الزمني في تسلسل الأحداث إختلاط الماضي بالحاضر .. الأصوات الشبحية لا أنفك أفكر في هذا الأسلوب الخارق أحاول تفسير أحداثها مما اضطرني لأعادة قراءة صفحات كثيرة وحتى بعد الإنتهاء منها وحين فرغت من الشعور بهذا الدوران اللذيذ الذي تحدثه الروايات العبقرية أعدت قراءة الصفحات الخمسين الأولى قراءة سريعة لأقف على حائط الذكريات ما بين طفولة بيدرو وشبابه وحتى وصوله للسلطة لأستطيع أن أجمع بعض القطع المتناثرة بين صفحة وأخرى .. تدور الرواية في إحدى القرى المكسيكية يستلم فيها زمام السرد الراوي خوان والذي يتجه إلى قرية كومالا حسب وصية والدته المحتضرة زوجة بيدرو بارامو ليأخذ حقها وكانت قد تخلت عنه وهجرته إلى بيت أختها منتظرة أن يستدعيها غير أنه لم يفعل قط .. يدخل خوان القرية ليبحث عن والده وليلتقي رجلا أصبح دليله إلى القرية ويكتشف إنه ابنا آخر ليبدرو وهو مجرد واحد من أبناءه الكثر الغير شرعيين أما إكتشافه الأهم هو أن القرية لم تعد مأهولة سوى بأشباح ساكينيها وأصواتهم الهامسة .. يبيت خوان عند دونيا أدوفيخيس التي تحكي له قصتها مع والدته لكنه سرعان ما يكتشف أن دونيا نفسها لم تكن سوى شبحا آخر شنقت نفسها ومازالت روحها معذبة بسبب خطاياها وهكذا ينتقل خوان من بيت لآخر كبيت دونيس وشقيقته التي تعيش معه كزوجة لتتجسد الخطيئة في جسديهما العاريين المنغمسين في بركة من الوحل أثناء هذه المشاهد المتقطعة والتي يشيع فيها جو من السواودية تتداعى ذكريات القرية القرية الميتة تضج بالحياة و رولفو يسمح للأموات أن يعودوا يظهر بيدرو بارامو وهو صغير وحبيبته الأولى والأخيرة سوزانا صديقة طفولته .. ذكريات الطائرات الورقية المصاحبة لسقوط المطر .. الرجل لا ينسى حبه الأول كما يقولون وبيدرو على الرغم من أنه أصبح الرجل الأول والمسيطر على القرية وبيده الحل والربط وحياة القرية قائمة عليه إلا أن كل شيء يتوقف عند سوزانا لقد استمات الرجل لكي يحصل عليها لكنه لم ينل مراده بعد أن رحل الأب بابنته المجنونة لكي يعمل في أحد المناجم وتزوجت سوزانا من رجل مات عنها وكانت تنعيه ولعا وعشقا حتى بعد عودتها وزواجها من بيدرو لكن هل تزوجت سوزانا أم إنها توهمت ! تلك سوزانا التي كانت تثرثر دون أن يفهمها أحد وسوزانا التي ماتت أمها دون أن يحضر جنازتها أحد وفي مفارقة غريبة سوزانا التي حين ماتت تحول موتها لسيرك ! في الجزء الأول من الرواية كان السارد خوان الأبن لكن خوان نفسه سرعان ما مات من الخوف من همسات جدران المنازل في كومالا .. تجمد من الأصوات الهامسة التي لم تكف عن تقديم شهادات من الموتى فوق رأسه القرية ذات الأرواح المعذبة الهائمة تعيد الأحداث وهنا تقف الخطيئة وجها لوجه مع بيدرو الأصوات تنتقم من الأب الجشع مغتصب الفتيات .. بارامو ! فهذا شنق لأنه لم يوفي دينه له وأخرى كانت عشيقه وهذا ابنه الغير شرعي قفز من على حصان إلخ انتقل السارد في الجزء الثاني إلى دورثيا التي يحكي لها خوان قصته وتمضي دورثيا تتحدث عن نفسها وعن أحلامها ورغبتها في طفل لم يولد قط خوان دُفن في نفس قبر دورثيا في مشهد فائق الروعة الرواية تناولت القضايا الزراعية في المكسيك والسلطات الإقطاعية والظروف التاريخية للثورة وبيدرو المتسلط لا شيء يقف في طريقة حتى بعد قيام الثورة فيتعامل معها بذكاء ويمد يده لها حتى لا تجرفه ، الأوراق الأخيرة في الرواية لم يكن لها سارد أو ربما سارد مجهول لايمكن تعتمد على حدسك كثيرا إذ تضيع منك الخيوط في أحيان كثيرة إلا إن نهاية بيدرو بدأت منذ أن دفنت سوزانا إذ يقسم على الإنتقام فيهمل المزرعة والأراضي ويقضي بقية حياته يحدق في الطريق .. تموت القرية بموت بيدرو فبيدرو كان حياتها وموتها كما كانت سوزانا هي الحياة وهي الموت أيضا ! الرواية ليست سهلة في القراءة إذ تقضي ما يقارب الخمسين صفحة وأنت لا تزال تحاول أن تستوعب الحدود الفاصلة ما بين الحياة وما بعد الحياة .. مما يسبب الإرتباك تقنية السرد لم أواجه في مثل صعوبتها إلا عندما قرأت الصخب والعنف .. ويبدو الأمر حقيقة مشابها نوعا فأنت لا تستطيع أن تستوعب كل هذه الأحداث والشخصيات المتشابكة في تلك المشاهد الخاطفة على إنها جرت على مدى سني بيدرو بارامو منذ أن كان طفلا وحتى وفاته وخلال 140 صفحة فقط هذه الرواية تقرأها وأنت تمشي على أصابعك