Skip to content
غلاف كتاب موسم الهجرة إلى الشمال
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

موسم الهجرة إلى الشمال

3.5(٧ تقييم)٣٠ قارئ
عدد الصفحات
١٦٨
سنة النشر
2012
ISBN
9786000080327
التصنيف
فنون
المطالعات
٣٬٠٥٣

عن الكتاب

أي شيء جذب آن همند إليّ ؟ لقيتها وهي دون العشرين، تدرس اللغات الشرقية في اكسفورد، كانت حية، وجهها ذكي مرح وعيناها تبرقان بحب الاستطلاع رأتني فرأت شغفاً داكناً كفجر كاذب، كانت عكسي تحن إلى مناخات استوائية، وشموس قاسية، وآفاق أرجوانية، كنت في عينها رمزاً لكل هذا الحنين، وأنا جنوبي يحن إلى الشمال والصقيع" مصطفى سعيد إنسان متسربل بالأسرار، قادته قدماه للاستقرار في تلك القرية السودانية للعمل بالزراعة بعد أن كان في الخرطوم تأجراً، يعمل بأرضه يفلحها يزرعها، وفي عشية من العشيات ينطلق الشعر الإنجليزي على لسانه وكأنه الإنكليزي، في نظراته عمق، وعلى أسارير وجهه هدوء، وفي أوصاله سكينة تتسرب بثقة إلى مرافقه، لم يكن راوي حكاية ذاك الرجل الذي هاجر في يوم من الأيام إلى الشمال إلى بلد الصقيع ذاك الراوي، أشد شغفاً من القارئ الذي يتابع سر غريب مسكون بإنسان أكثر غرابة منه، من خلال أحداث وسرديات موسم الهجرة إلى الشمال.

اقتباسات من الكتاب

نحن هكذا وكل سيارة تمر بنا طالعة أو نازلة ، تقف ، حتى اجتمعت قافلة عظيمة ، أكثر من مائة رجل طعموا وشربوا وصلوا وسكروا . ثم تحلقنا حلقة كبيرة ، ودخل بعض الفتيان وسط الحلقة ورقصوا كما ترقص البنات وصفقنا وضربنا الأرض بأرجلنا وحمحمنا بحلوقنا ، وأقمنا في قلب الصحراء فرحاً للاشيء . وجاء أحد بمذياعه الترانزستور، وضعناه وسط الدائرة ، وصفقنا ورقصناه على غنائه. وخطرت لأحد فكرة ، فصف السواقون سياراتهم على هيئة دائرة وسلطوا أضوائها على حلقة الرقص ، فاشتعلت شعلة من الضوء لا أحسب تلك البقعة رأت مثلها من قبل . وزغرد الرجال كما تزغرد النساء وانطلقت أبواق السيارات جميعاً في آن واحد . وجذب الضوء والضجة البدو من شعاب الوديان وسفوح التلال المجاورة ، رجال ونساء ، قوم لا تراهم بالنهار كأنهم يذوبون تحت ضوء الشمس . اجتمع خلق عظيم ودخلت الحلقة نساء حقيقيات ، لو رأيتهن نهاراً لما أعرتهن نظرة ، ولكنهن جميلات في هذا الزمان والمكان . وجاء اعرابي بخروف وكأه وذبحه وشوي لحمه على ناء أوقدها . وأخرج أحد المسافرين من السيارة صندوقين من البيرة وزعهما وهو يهتف : " في صحة السودان . في صحة السودان " . ودارت صناديق السجائر وعلب الحلوى ، وغنت الاعرابيات ورقصن ، وردد الليل والصحراء أصداء عرس عظيم كأننا قبيل من الجن . عرس بلا معنى ، مجرد عمل يائس نبع ارتجالا ً كالأعاصير الصغيرة التي تنبع في الصحراء ثم تموت . وعند الفجر تفرقنا . عاد الاعراب أدراجهم إلى شعاب الأدوية . تصايح الناس : " مع السلامة . مع السلامة " . وركضوا كل إلى سيارته .أزت المحركات ، وتحولت الأضواء من المكان الذي كان قبل لحظات مسرح أنس ، فعاد إلى سابق عهده ، جزء من الصحراء. واتجهت أضواء السيارات ، بعضها نحو الجنوب صوب النيل ، بعضها نحو الشمال صوب النيل . وثار الغبار واختفي ثم ثار واختفى . وأدركنا الشمس على قمم جبال كررى أعلى أم درمان .

1 / 2

يقرأ أيضاً

المراجعات (٥)

A
Abdullah Sallam
١٦‏/٥‏/٢٠٢٤
"موسم الهجرة إلى الشمال" هي رواية للكاتب السوداني الطيب صالح، وتعتبر واحدة من أبرز الأعمال في الأدب العربي المعاصر. الرواية نُشرت لأول مرة في عام 1966 وتُعد تحفة أدبية تناقش قضايا مثل الاستعمار، الهوية، والصراع الثقافي. تدور أحداث الرواية حول شخصيتين رئيسيتين: الراوي، الذي يعود إلى قريته في السودان بعد سنوات من الدراسة في أوروبا، ومصطفى سعيد، وهو شخصية غامضة ومثقفة تحمل تاريخًا معقدًا ومؤلمًا في انجلترا. تتقاطع حياتهما وتكشف عن تحديات الاندماج بين الشرق والغرب. يتميز أسلوب الطيب صالح في هذه الرواية بالعمق النفسي والتصوير الغني للبيئة والشخصيات. يستخدم اللغة بشكل شاعري وفعّال ليعبر عن التناقضات والصراعات الداخلية التي تواجه الشخصيات. "موسم الهجرة إلى الشمال" تعتبر تأملاً عميقًا في موضوعات مثل الاستشراق والاستعمار، والتأثيرات النفسية والثقافية للتفاعل بين الشرق والغرب. تطرح الرواية أسئلة حول الهوية والانتماء وتأثير الثقافات المختلفة على الفرد. تُعتبر هذه الرواية عملاً رائدًا في الأدب العربي، وقد لاقت استحسانًا كبيرًا على المستوى العالمي، حيث تم ترجمتها إلى عدة لغات واعتُبرت واحدة من أهم الروايات في القرن العشرين.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٦‏/٤‏/٢٠١٥
للروائي السوداني الطيب صالح والذي أطلق عليه النقاد؛ عبقري الرواية العربية بسبب أسلوبه المميز المتفرد.   الرواية سردت باللغة العربية الفصحى. تم نشرها عام 1966 عن دار العودة للنشر في لبنان. جاء الكتاب في 176 صفحة من الحجم المتوسط.   زمن أحداث الرواية شمل  الفترة التي كانت فيها معظم البلدان العربية تحت سيطرة الاستعمار  الأجنبي. أما مكان الرواية فقد تنقل ما بين بريطانيا والسودان بشكل رئيسي، وشمل بعض البلدان الأخرى كأمكنة فرعية دارت فيها الأحداث كمصر.   مصطفى سعيد كان الشخصية المحورية للرواية.   كان مصطفى سعيد تلميذا متفوقا، مما خوله الحصول على منحة أتاحت له فرصة الدراسة في مصر، ومن ثم بريطانيا ليأخذ شهادة الدكتوراة في علم الاقتصاد، ثم التدريس في جامعاتها.  من خلال تواجد مصطفى سعيد في بريطانيا، يتعرف على العديد من السيدات اللاتي يعتبرنه شخصا جذابا،  وتكون له مغامراته الرومانسية معهن ، تنتهي بعض منها بالانتحار، الى ان تنتهي بزوجته التي اقدم على قتلها بسبب خيانتها.  وقد كان اعتقاده انه يقوم بالانتقام من الاستعمار عن طريق   النساء اللاتي التقاهن، وكانت له علاقاته الرومانسية معهن.   ينتهي المطاف بمصطفى سعيد في قرية في السودان حيث يتزوج هناك من حسنه التي تنجب له ولدين.   في القرية يلتقي بأكثر رجالها حكمة وذكاء، ويطلب منه أن يكون وصيا على ولديه بعد وفاته.   تتعرض الرواية أيضا الى الوضع الذي ما زالت أوطاننا تعاني منه متمثلا  بالفساد، المحسوبيات، الظلم وغياب العدالة.  فمن يحتل المراكز الكبيرة يسمح لنفسه بسرقة قوت الفلاح الغلبان، ويستأثر بكل المراكز الحساسة والمناصب العليا،  بيد أنه وضع لا يتغير. الرواية تتحدث عن زمن سبقنا بمائة عام، والحال ما زال على ما هو عليه إن لم يكن أسوأ.   كما تعرضت الرواية إلى بعض الشرائح المجتمعية في السودان، والتي أظن بأنها تغيرت نتيجة للتغيرات التي شملت كل أرجاء وطننا العربي في جميع النواحي سواء الاقتصادية او الثقافية او السياسة.  فقد تحدثت الرواية عن مجتمعات ينقصها العلم، وتتعاطى الخمور بشكل يومي وكأنه من ضمن طبيعة عاداتها.  كما تتحدث عن المرأة ودورها المهمش ، وهيمنة الرجل وديكتاتوريته في تقرير مصير حياتها، حتى لو كان بإجبارها على الزواج رغم عدم موافقتها ورأينا مثالا على ذلك إرغام حسنه على الزواج من رجل كهل يفوقها بالعمر بأربعين عاما.  كما يتحدث عن جرأة بعض السيدات في الحديث في أمور تخدش الحياء بكل أريحية، ولا أدري إن كان هذا من نسج خيال الكاتب أم هو حقيقة، لأن الأمر غير مألوف في مجتمعاتنا العربية المتشابهة في عاداتها وتقاليدها تقريبا. لعله اراد من هذا العرض أن يلقي الضوء على بعض عيوب المجتمع، لتأخذ طريقها إلى الإصلاح إن كانت ما زالت على نفس الحال.   تعتبر هذه الرواية من أهم الروايات العربية التي تعرضت إلى الصدام الثقافي والحضاري بين الغرب والشرق، وإلى المهاجرين من الشرق بغرض الدراسة أو الحصول على المعيشة الكريمة ،وقد تم ترجمتها إلى عدة لغات أجنبية.   لغة السرد أنيقة ومتينة، وتمتاز بثراء المفردات وقوتها. استخدم الراوي لغة سلسة مفهومة.  أما أسلوب السرد فقد كان مزيجا من المباشر والرمزي.  الرواية تحتاج الى انتباه حاضر لفك ألغازها،  وقراءة مفاتيح شخصياتها، وقد تتفاوت الاراء من قارئ إلى اخر حول مغزى الرواية. انتقل الكاتب من فقرة إلى أخرى ومن زمن الى اخر بذكاء كبير بحيث تندمج الأحداث بانسيابية ملحوظة.   بعض النقاد اعتقد بأن الرواية عبارة عن سيرة ذاتية للروائي الطيب صالح ، لكن هذا ما نفته زوجته التي أوضحت أن الشخصية عبارة عن تركيب ومزج لعدة شخصيات، وأحداث مختلفة بأزمنة متفاوتة . وهذا يحسب طبعا لصالح الكاتب، لأن خلق وتركيب شخصية من عدة شخصيات مختلفة يعتبر ذكاء بحد ذاته.   في الرواية كانت التركيبة السيكيولوجية لمصطفى سعيد مربكة بعض الشيء. إذ أن الرواية أشارت إلى أن مصطفى سعيد لم يكن صاحب مشاعر أو إحساس عميقين.  من ذلك مثلا أنه عندما غادر والدته لم يتأثر لرحيله عنها ولم تهتز مشاعره.  كما أنه وصفه بأنه لا يحمل ملامحا لأي حدث، فكيف بشخصية كهذه أن تحمل عشقا للوطن وتحاول الانتقام من المستعمر كما تبين من أحداث الرواية.  كما أن الشخصية السوية لا تتخذ من المرأة مجالا للانتقام.   كان الراوي لأحداث الرواية والذي لم نتعرف على اسمه؛ هو الشخصية الأكثر مثالية.  فقد أثبت في جميع المواقف أنه على قدر كبير من المسؤولية والوعي والثقافة والخلق الكريم.  فقد كان وصيا حريصا على مصلحة أبناء مصطفى. وتعامل بكل خلق حميد مع أم الأبناء حسنة . كما بين مدى انتمائه الى وطنه، فقد كان الغنى في معانقة جده الذي أغناه عن الغرب بكل ما فيه من حضارة.  وكثرت المواقف المختلفة التي تعزز من مثالية الراوي.   وفي كل قراءة متجددة للرواية سنكتشف الجديد.   تعتبر رواية موسم الهجرة إلى الشمال من أفضل 100 رواية عربية، وأظنها الأهم في تاريخ الطيب صالح الروائي، وبهذا تكون إحدى الروايات التي أضافت الثراء إلى المكتبة الأدبية العربية.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٦‏/٤‏/٢٠١٥
من هو مصطفى سعيد بطل «موسم الهجرة إلى الشمال»؟ شاهدة على زمن الرواية وأبطاله تستجمع خيوط القصة     الخرطوم: جريزلدا الطيب كاتبة هذا المقال جريزلدا الطيب، هي فنانة بريطانية وباحثة في الأدب الأفريقي بلغت اليوم ثمانيناتها. كانت قد تزوجت من عبد الله الطيب، الكاتب السوداني الراحل المعروف، وعايشت الحقبة التي تستوحي منها رواية «موسم الهجرة إلى الشمال أحداثها وأبطالها» في السودان كما في لندن. وهذه الباحثة تكتب اليوم، مفككة الرواية، باحثة عن أصول أبطالها في واقع الطيب صالح، لا كدارسة أكاديمية فحسب، بل كشاهد حي على فترة، لم يبق منها الكثير من الشهود. انها قراءة مختلفة ومثيرة لرواية لا تزال تشغل النقاد... جيل اليوم يعرف الطيب صالح من خلال كتاباته الروائية والمقالات، ومعلوماتهم عن حياته، تعتمد على مقولات وفرضيات، معظمها غير صحيح، تحيط بفلك هذا الكاتب المشهور وروايته ذائعة الصيت «موسم الهجرة إلى الشمال». وهذه المقالة تغطي فجوة زمنية مهمة، تقع بين جيل قراء ومعجبي الطيب صالح الجدد وجيلنا نحن. فأنا أنتمي الى جيل قديم انطفأ عنه البريق، ولكنه عرف الطيب صالح شخصيا في شبابه، وكذلك عرفت الأشخاص والأحداث التي شكلت، على الأرجح، خلفية لـ«موسم الهجرة الى الشمال» لأنها كانت رابضة في وعي المؤلف. والدراسة هذه هي عملية تحليل لمعرفة مفاتيح رواية «موسم الهجرة الى الشمال» roman a_clef بدلا من الفكرة السائدة عنها في المحيط الأدبي كسيرة ذاتية للكاتب كما في دراسة سابقة للناقد رجاء النقاش الذي تعرّف على الطيب صالح في الخليج عندما كان الأخير يعمل هناك، وفي غيرها من الدراسات النقدية لنقاد تبنوا نفس التحليل رغم أن معظمهم لم يتعرّف على طبيعة الحياة في السودان أو في بريطانيا! وندعي من طرفنا، أن مصطفى سعيد بطل رواية «موسم الهجرة الى الشمال» ليس هو الطيب صالح، ولا يستعير جانباً مهماً من سيرته؟ فمن يكون هذا البطل الروائي اذاً؟ هذا سؤال مثير ليس علينا أن نجفل من إجابته، ولكن دعونا أولاً نؤسس تحقيقنا على أن مصطفى سعيد ليس ولا يمكن أن يكون سيرة ذاتية للكاتب. الطيب صالح ذهب الى المملكة المتحدة عام 1952 لينضم الى فريق القسم العربي بالـ«بي بي سي» حيث ظل يعمل هناك على مدى 15 عاما، قام فيها بأعمال متميزة وبدأ وظيفته كمؤلف. ولكن الحقيقة أنه لم يدرس أبدا في أي جامعة في المملكة المتحدة، بينما مصطفى سعيد بطل الرواية يفترض أنه ذهب الى المملكة المتحدة في منتصف العشرينات، وحقق نتائج أكاديمية رفيعة ونجاحا باهرا. وفي الحقيقة أنه لا يوجد سوداني ذهب الى المملكة المتحدة في العشرينات، وهي واحدة من الأحداث المدهشة في الكتاب. ولكن في الثلاثينات ذهب الى المملكة المتحدة كل من الدرديري إسماعيل ويعقوب عثمان لدراسة القانون. ما نود تحقيقه الآن هو أن مصطفى سعيد بطل متخيّل على عدة مستويات في ذهن المؤلف، مصطفى سعيد قد صنع من مزج عدة شخصيات التقاهم بالتأكيد الطيب صالح أو سمع بهم عندما ذهب لأول مرة إلى لندن عام 1952، ولكن قبل أن نمعن أو ننطلق في هذه الفرضية علينا أن ننظر الى شخصية البطل ونقسمها الى ثلاثة محاور: مصطفى سعيد- الأكاديمي السوداني الذي يعيش في لندن. مصطفى سعيد- «دون جوان لندن». مصطفى سعيد - وعودته الى موطنه الأول. يرجح ان مصطفى سعيد الأكاديمي هو شخصية «متكوّنة» من ثلاثة أعضاء في دفعة السودانيين النخبة الذين اختيروا بعناية، وأرسلوا بواسطة الحكومة السودانية عام 1945 لجامعات المملكة المتحدة، وكلهم يمثلون شخصيات بطولية في الوعي الوطني الباكر للسودانيين، أحدهم هو د. سعد الدين فوزي وهو أول سوداني يتخصص في الاقتصاد بجامعة أكسفورد، حيث تزوج فتاة هولندية محترمة ومخلصة وليست شبيهة بالفتيات في الرواية، وحصل على درجة الدكتوراة في العام 1953، وعاد الى السودان، حيث شغل منصبا أكاديميا رفيعا الى أن توفي بالسرطان عام 1959. ولكن قبل ذلك التاريخ في الخمسينات حصل عبدالله الطيب على درجة الدكتوراه من جامعة لندن في اللغة العربية وعيّن بعدها محاضرا في كلية الدراسات الأفريقية والشرقية بالجامعة نفسها، وقبلها بعامين تزوج من فتاة إنجليزية، ومرة أخرى ليست شبيهة بصور فتيات الرواية. إذا هنا مزج الطيب صالح الشخصيات الثلاثة: سعد الدين وحصوله على شهادة بالاقتصاد من أكسفورد والدكتور عبدالله الطيب وتعيينه محاضرا في جامعة لندن. أما الشخص الأكاديمي السوداني الثالث الذي اقتبس الطيب صالح جزءاً من شخصيته لتمثل الصفة الثالثة عند مصطفى سعيد وهي «الدون جوان، الى حد ما، فهو الدكتور أحمد الطيب. هذا الرجل كان جذابا وشخصية معقدة ومفكرا رومانسيا، وكما حال الأكاديميين من جيله شغله الصراع النفسي بين حياته الحاضرة وإرثه القديم، كما كان مجروح العواطف ومهشما بالطموح السياسي ومنافسات الوظيفة لجيله. وكطالب يافع فإن أحمد الطيب كان معجبا جدا بـ د.هـ. لورنس وفكرة «الحب الحر»، ومن المحتمل أنه عند ذهابه الى إنجلترا كان يضع في ذهنه ونصب عينيه إمكانية إقامة علاقات رومانسية مع الفتيات الإنجليزيات. ولكن أول رحلة له للمملكة المتحدة كانت عام 1945-46 وهي فترة قصيرة، ولكن زيارته الثانية عام 1951-1954 أنجز فيها درجة الدكتوراه في الأدب العربي وتزوج من سيدة بريطانية. وقد فشل هذا الزواج والتقي أحمد بزوجة سودانية لطيفة والتي لحد ما تشابه حسنة- ولكن أحمد الطيب لم يستقر في زواجه، كما هو متوقع، وانتهت حياته في السودان فجأة وبطريقة غامضة ومأساوية. وهو بكل تأكيد معروف تماما الى الطيب صالح، وكان يعيش في لندن عندما ذهب إليها الكاتب لأول مرة. وعامل آخر يجب أن يذكر في الربط بين الدكتور أحمد الطيب ومصطفى سعيد، هو أن أحمد الطيب كانت له علاقة وثيقة جدا بصحافي لامع شاب وهو بشير محمد سعيد، جاء من منطقة أو حياة قروية تشابه الى حد بعيد بيئة الراوي في «موسم الهجرة الى الشمال». وإذا عدنا لشخصية الدون جوان عند مصطفى سعيد، فان الطيب صالح لم تكن لديه مبررات عظيمة أو مقنعه لإلقاء نفسه على أجساد النساء الإنجليزيات كانتقام من الإمبريالية لوطنه. أولا، ولنقل بأمانة أن الإمبريالية المذكورة في الرواية ليست بهذا السوء، فإذا كان البريطانيون قد احتلوا السودان وإذا ما كانت لديهم مغامرات في أجزاء من هذا البلد، فذلك لأن التركيب الاجتماعي في تلك المناطق يسمح بإقامة مثل هذه العلاقات بل وحتى يشجعها، ولكن الاستعماريين البريطانيين لم يؤذوا النساء في شمال السودان الإسلامي، لذا فإنه ليس هناك تبرير منطقي لهذا الإنتقام. وترينا الرواية ان الفتيات الإنجليزيات كن ينظرن الى الطلاب الأفارقة كظاهرة مثيرة جديدة تسبح في أفق حياتهن الجنسية والإجتماعية. وفي رأيي أن الكاتب النيجيري شينوا أكليشي تعامل مع هذا الوضع في روايتهNo longer at ease وبطلها «أوبي» بطريقة أكثر واقعية وقابلية للتصديق من رواية مصطفى سعيد، الذي تعامل مع الوضع العام كله وكأنه حقيقة إجتماعية في ذلك الزمان. ولذا علينا هنا توضيح الأمر. ففكرة أن إعجاب النساء البيض بالرجال الأفارقة تتبع لأسطورة الرجل الأفريقي القوي جنسيا، هذه الفكرة موجودة لدى العرب أنفسهم، ومؤكدة في بداية رواية ألف ليلة وليلة فشهرزاد مهددة بالموت من زوجها الملك شهريار الذي خانته زوجته الأولى مع عبد زنجي. كما هناك توضيح آخر يجب أن يوضع في الإعتبار، أن ذلك الجيل من الفتيات والنساء البريطانيات اللواتي تعرّفن على الطلاب الأفارقة في بلادهن في تلك الفترة هن بنات لأمهات حاربن طويلا لأجل المساواة مع الرجل وتخلصن مما يسمى بـ«عقدة أو أسطورة الرجل القوي». ولكن بلا وعي منهن فإن هؤلاء الفتيات كن يبحثن عن الذكر «الجنتلمان»- أو الحمش باللهجة المصرية، وهو الرجل الذي يوافق أدبياتهن وما قرأنه في «روايات جين آير» و«مرتفعات ويزرنج» ونموذج الرجل الغريب الأسود، وهذا ما جعلهن يتوقعن أن يجدنها عند الرجال الأفارقة الذين يبدون واثقين من أنفسهم وقوتهم وشجاعتهم وحمايتهم للمرأة وقناعتهم الثابتة بأنها المخلوق الضعيف الذي يحتاج الى الحماية! وهذا ما فشل الطيب صالح في تصويره. كما أن الفتيات البريطانيات اللواتي أقمن علاقات مع الطلاب الأفارقة كن يعملن على مساعدة هؤلاء الطلاب في بحوثهم الجامعية وكتابتها باللغة الإنجليزية الرصينة. لذا فليس الشكل الخارجي الجذاب لمصطفى سعيد هو الذي قاد الفتيات الإنجليزيات لأن يقعن في غرامه من أول وهلة! ولحسن الحظ أنه لم تكن هناك قضية جنائية لرجل سوداني قتل فيها سيدة بريطانية أو عشيقة، ولكن كانت هناك قصة مأساوية حدثت في الخمسينات تناقلتها الصحف بتغطية واسعة، كانت القصة بين فتاة بريطانية تدعى ناوومي بيدوك وفتاها السوداني عبدالرحمن آدم، كان الإثنان يدرسان بجامعة كمبريدج ونشأت بينهما علاقة عاطفية. وقام والد الفتى بزيارة مفاجئة الى إنجلترا وعارض هذه العلاقة والزواج المخطط له بين الشابين، مما أعقبه انتحار الفتى بالغاز، ومن ثم انتحار الفتاة ناوومي بعده بأيام وبنفس الوسيلة. وكان والدها العطوف المتسامح بروفسور دان بيدو قد ألقى كلمة حزينة في التحقيق، تعاطف فيها مع قصة حب ابنته وأنه كان يتمنى لها زواجا سعيدا. وهو خطاب يشبه في عاطفيته الذي ألقاه والد الفتاة التي قتلها مصطفى سعيد في روايته للمحكمة. بل حتى مشهد المحاكمة نفسه نستطيع ان نجد له من مقابل، فقد حدثت في العام 1947 قضية مشهورة جدا حيث قام حارس مطعم سوداني يدعى محمد عباس ألقي عليه القبض لإطلاقه النار على رجل جامايكي، وقد حكم عليه بالقتل الخطأ. وهذه القضية أثارت حساسية لدى المجتمع السوداني بلندن حيث أن كل السودانيين كانوا معتادين الذهاب الى ذلك المطعم في إيست إند ليتناولوا فيه الأطباق السودانية المحببة. وهذه الحادثة كان قد سجلها عبدالله الطيب في صحيفة «الأيام» التي تصدر في الخرطوم عام 1954. وفي الحقيقة كانت براعة من الطيب صالح أن يقوم بخلط كل تلك الشخصيات والأحداث وإخراج عمل فني رائع منها. أما أكثر الجوانب المثيرة، والمحيطة بمصطفى سعيد فهي عودته لبلده كمواطن غير سعيد، وظاهرة عدم الرضا، وعدم التوافق مع المجتمع الأصل، كان قد تناولها عدد من الكتاب الأفارقة. وهي مشاعر يمكن الإحساس بها في الروايات No Longer at Ease و The Beautiful one is not yet born و Morning yet in Creation و Not yet Uhuru. والقرية في الرواية شبيهة بقرية الطيب صالح التي قمت بزيارتها بمنطقة الشمالية، وهنا نجد السيرة الذاتية بالتأكيد قد دخلت في نسيج الرواية وتلاقي الأجيال هو حقيقي في القرى، إلا أن التعليقات التي قالتها المرأة العجوز في مجتمع محافظ كمجتمعات القرى يجعل المرء يتساءل من أين أتى الطيب صالح بهذه المرأة؟ وقصة حسنة وزواجها الثاني مناف للواقع حيث أن التقاليد القروية تمنح الأرامل الحرية في اختيار الزوج على عكس العذراوات. وفي القرى حيث أن أي شخص له الحرية في التدخل في حياة الشخص الآخر وشؤونه وحيث الناس دائما في حالة إجتماع مع بعضهم البعض. ويمكننا تخيل مدى الفضول في قرية نائية تجاه كل جديد وافد. فمن الطبيعي أن شخصا مثقفا عائدا من أوروبا يريد أن تكون له مملكته الخاصة. وهذه الغرفة الخاصة بمصطفى سعيد شبيهة بغرفة كانت في حي العرب بأم درمان، وصاحبها هو المرحوم محمد صالح الشنقيطي. وهو شخصية سودانية لامعة ومن النخب المثقفة، وهو أيضا أول قاض وبرلماني ضليع تلقى تعليمه ببيروت، وقد جاء ذكره وذكر غرفته في رواية Black Vanguard للكاتب السوري إدوارد عطية التي صدرت في الأربعينات، والذي كان يعمل في مخابرات الجيش البريطاني في السودان. وبالطبع كانت هناك الزيارات العديدة الى منزل محمد صالح الشنقيطي بعد تناول الشاي وبعدها بالتأكيد يذهبون الى الغرفة المهيأة بالأثاث في «الديوان»-الاسم القديم للصالون، المحاط بالزهور. وهي غرفة تبدو عادية من الخارج يهتم بها الشنقيطي يغلقها ويفتحها بنفسه، والكتب بها مرصوصة من الأرض الى السقف ومفروشة بالسجاجيد الفارسية الثمينة والتحف الرومانية. وهذه المكتبة الخاصة تشابه بصورة دقيقة غرفة مصطفى سعيد حيث يسمح للراوي بإلقاء نظرة على الغرفة، وتم إهداء محتويات المكتبة الى جامعة الخرطوم في الذكرى السنوية لرحيله. وبذا نكون قد حققنا تركيبة الشخصية المعقدة لمصطفى سعيد، في هذه الرواية الشهيرة «موسم الهجرة الى الشمال» ليس استناداً فقط إلى وثائق قرأناها، وإنما إلى حقبة كاملة سنحت الفرصة ان أكون شاهدة على أحداثها.
سمي بن معين
سمي بن معين
٣‏/٤‏/٢٠١٣
لا شك أنه لا توجد رواية سودانية ذاعت وانتشرت كما قُدِّر لرواية موسم الهجرة إلى الشمال للأديب الطيب صالح أن تذيع وتنتشر ، فهذه الرواية ترجمت إلى كثير من اللغات الأجنبية وقرِّرت على طلاب بعض الجامعات العربية ، و حضَّرت إحدى الباحثات في مجال علم النفس رسالة دكتوراة في هذه الرواية تحت عنوان "صراع المقهور مع السلطة " ، كذلك مُنعت هذه الرواية من دخول بعض الدول العربية لما فيها من إيحاءات جنسية سافرة . وقد تناول كثير من النقاد هذه الرواية ، وتراوح نقدهم ما بين أكثرية مادحة وقلة قادحة .. ونحن في تناولنا لهذه الرواية سنضرب الذكر صفحاً عما تحمله من ألفاظ تخدش الحياء وتوقظ الشهوات ، لان هذا موضوع يطول بنا الحديث فيه ، و سنتناول هذه الرواية من زاوية الأصالة فحسب لنرى هل هذه الرواية أصيلة في تمثيلها للمجتمع السوداني أم لا . تدور أحداث الرواية حول مصطفي سعيد .. الذي أظهر ذكاءً منقطع النظير خلال مراحله التعليمية وخاصة في إجادة اللغة الإنجليزية غير أنه كان كتلة ذهنية مجردة من العواطف ، ذهب مصطفى سعيد إلى مصر لمواصلة تعليمه ثم إلى إنجلترا بمساعدة مسز روبنسون ، استوعب مصطفى سعيد حضارة الغرب استيعاباً تاماً لكنه لم يستطع تخطيها إبداعياً ولا مقاومتها مقاومة إيجابية فذاب في تلك الحضارة وأخذ يدرِّس الاقتصاد ويسوق الأكاذيب وينتحل الأسماء ليوقع الأوروبيات في حبائله ، وصار ينتقل من فريسة إلى أخرى وبسببه انتحرت ثلاث فتيات : آن ، شيلا ، ايزابيلا . عاد مصطفى سعيد أخيراً إلى قرية نائية في شمال السودان بعد سبع سنوات قضاها في السجن في بريطانيا- لقتله لجين موريس التي لم يستطع إليها سبيلا ، وانتهت حياته غرقاً في النيل ، وأغلب الظن أن الغرق كان انتحاراً . ألاصالة الصياغية : أسلوب الطيب صالح أسلوب فريد متميز ، والقارئ العارف لهذا الأسلوب يستطيع أن يميزه من بين أساليب كثيرة ، الأمر الذي يؤكد الأصالة الصياغية للطيب صالح، كذلك وصفه لريف السودان الشمالي يعد وصفاً دقيقاً يعكس نشأة الطيب صالح الأولى في شمالنا الحبيب . الأصالة الفكرية : أما من ناحية الأصالة الفكرية فالرواية تدور أحداثها في قالب جنسي ، وهذا النوع من الأدب شاع وابتذل بدءً بنجيب محفوظ ، مروراً بإحسان عبد القدوس وأمين يوسف غراب وغيرهم ، وكثر القول في هذا الصدد حتى صدق عليه قول المتنبي : قد أُفسِد ا لقول حتى أُحمِد الصمم أما أفكار الرواية فهي أيضاً ليست أصيلة وندلل على ذلك بما أورده الأستاذ عبد القدوس الخاتم في مقال له بعنوان الطيب صالح بين الرمز والاقتباس ، قال :" إن غرفة نوم مصطفي سعيد بستائرها الوردية وأضوائها الزرقاء والأرجوانية والبنفسجية الموزعة بعناية وسجادها السندسي ومخداتها هي بعينها غرفة نوم من مسرحية (عربة أسمها الرغبة) لوليامز ، ويقول أيضاً ،" وهذا المشهد الأخير قتل مصطفى سعيد لجين موريس- مقتبس بدهاء من مسرحية الدرس للكاتب الروماني أوجين اونيسكو " ويستمر الأستاذ عبد القدوس الخاتم في إيراد النصوص والمقارنة بين نصوص الرواية ا لمقتبس منها ونصوص رواية موسم الهجرة إلى الشمال ، ويبيّن مدى التطابق في الأفكار الكلمات ويورد مقتطفات كثيرة من مؤلفات ج . الفريد بروفورك و ت. س. اليوت وغيرهم . من ناحية أخرى نجد أن علاقة مصطفى سعيد بأمه علاقة باردة جافة ، اسمع إليه وهو يصف لحظات الوداع بينهما : " لا دموع ولا قُبل ولا ضوضاء مخلوقان سارا شطراً من الطريق معاً ثم سلك كل منهما سبيله " ، هكذا في منتهى البساطة ، خلافاً لما عُرف عن السودانيين سيما أهل الريف !! ، وعلى النقيض نجد علاقة مصطفى سعيد بمسز روبنسون علاقة قوية حميمة ، فهي تستقبله معانقة ، وتطوقه بذراعيها ، وتراسله ، وتسأل عن أخباره ، وتعتبره ولدها ، وتبكي لأجله عند سجنه ، وإذا أخذنا في الحسبان أن الرواية موغلة في الرمزية ، وأن كلتا المرأتين والدة مصطفى سعيد و مسز روبنسون- تمثلان ظلاً لحضارتيهما السودانية والإنجليزية تبين لنا عدم صدق هذه الفكرة لأنها فكرة استعمارية تنطق بلسانه وتتحدث بمشاعره وتشوه وجه الحقيقة ، وبالتالي فهي ليست فكرة أصيلة . نقطة أخرى جديرة بالاهتمام هي هذه الروح المأساوية التي اكتنفت الرواية ، فإذا بررنا انتحار أن هلمند ، وايزابيلا سيمور ، وشيلا غرينود بأن ذلك يحدث كثيراً في أوربا ، فبماذا نبرر انتحار مصطفى سعيد وراوي القصة ، ثم قتل مصطفي سعيد لجين موريس ، وقتل حسنة لود الريس ، ثم انتحارها بعد ذلك ، لا شك أن هذا التواتر المأساوي لا يمثل البيئة السودانية إطلاقاً ، وما هو إلا انعكاس لقراءات الطيب صالح في الأدب الإنجليزي الممتلئ بالمأساة ، ومن أراد الدليل فليراجع مكتبة مصطفي سعيد التي هي انعكاس لمكتبة الطيب صالح ليرى أن أكثر الأدباء المذكورين مفرطون في تناول المأساة وعلى رأسهم توماس هاردي . نقطة أخيرة نذكرها وهي الإباحية المطلقة التي تتحدث بها " بت مجذوب" وشربها للخمر وتدخينها للسجائر ، وكذلك إباحية ود الريس ، وجد الرواي الذي يضحك للحديث الماجن ويشارك فيه ويمسك مسبحته .. فهل هذه هي أخلاق أهلنا في الريف الشمالي .. لا شك أن الإجابة لا وألف لا ، فهي إن وُجِدت فحالة شاذة لأشخاص معدودين ، ولكن بهذه النسبة وهذه الطريقة حيث لا هم لجلّ أهل القرية إلا الجنس فهذا غير مقبول .. وبعد .. فهذا غيض من فيض ولكنه يكفي لنخلص منه إلى أن هذه الرواية لا تمثل المجتمع السوداني ، بل تنظر إليه من خلال عدسات غربية مائة بالمائة ، ويمكننا أن نقول في إيجاز إن رواية موسم الهجرة إلى الشمال ليست إلا "سودنة " رائعة لأفكار غربية .
Ahmed Abdel Hamid
Ahmed Abdel Hamid
٢‏/٤‏/٢٠١٣
ذواتنا وجهان، وجهاً يذوب في الشهوات، وآخر يصارع حياتاً عادية، وكلاهما يحقد الآخر .. رواية المطاردة .. كلٌ يطارد الآخر .. العربيد _مصطفى سعيد_ يطارد الراوي الذي اختار أن يعيش بدون صخب، بدونِ نساء، بدونِ شهوات ويتمنى كما لو كان مثله. والرواي لا يفيق من كابوس مصطفى سعيد الذي يذكره دوماً أنه لم يختر أبداً وأن الحياة أعطت مصطفى سعيد ما لم تعطه هو .. الرواية عميقة، وبناءها مُحكم جداً، والكاتب ثقيل الوزن، وأسلوبه غاية في الامتاع.