Skip to content
غلاف كتاب الرجل الذي لا خصال له، الكتاب الأول-1-
مجاني

الرجل الذي لا خصال له، الكتاب الأول-1-

4.0(٤ تقييم)٨ قارئ
عدد الصفحات
٤٥٣
سنة النشر
2003
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
٢٬٠٥٤

عن الكتاب

كان هدف موزيل هو أن تتحول الرواية إلى مادة حيّة تنبعث منها أفكار وأخلاق جديدة، لأن الأخلاق البرجوازية القديمة قد استهلكت وباتت عقيمة. والرواية من هذه الناحية هي محاولة لتفكيك عقدة مركبة وتفسيرها من أجل وضع "سياسة سليمة للتنظيم الروحي والعقلي" على حدّ قول موزيل، سياسة يمكن أن تعتبر الإجابة الوحيدة على أسئلة الحياة والموت.

عن المؤلف

روبرت موزيل
روبرت موزيل

روبرت موزيل (بالألمانية: Robert Musil). هو كاتب نمساوي ألماني. ولد عام 1880 في كلاجنفورت، ومات عام 1942 في جنيف. درس موزيل في الهيئات التعليمية العسكرية في النمسا هندسة الآلات الميكانيكية، ثم درس فيما

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٤‏/١٠‏/٢٠١٥
رواية الرجل الذي لا خصال له – التي صَدَرَ الجزء الأول من ترجمتها العربية عن "منشورات الجمل" (2003)، بترجمة فاضل العزاوي – هي "رواية القرن العشرين"، بحسب ما أظهر استطلاعٌ للرأي أجرتْه دار الأدب في ميونخ ودار نشر برتلسمان الألمانية في مطلع العام 1999. يومذاك أجمع النقاد والباحثون في الأدب الألماني على اختيار رواية الأديب النمساوي روبرت موزيل (1880-1942) لتتربَّع على رأس قائمة "كلاسيكيات الأدب الألمانيِّ اللغة في القرن العشرين"، قبل رواية المحاكمة لفرانتس كافكا، التشيكي الأصل، التي حلَّتْ ثانية، بينما جاءت رواية الألماني توماس مان الجبل السحري في المركز الثالث. وفيما يلي قراءةٌ في الترجمة العربية لرواية الرجل الذي لا خصال له. كلَّفتْ رواية الرجل الذي لا خصال له مؤلِّفَها الكثير، وربما كلَّفتْه في النهاية حياته! خامرتْ فكرةُ الرجل الذي لا خصال له ذهنَ موزيل منذ مطلع القرن العشرين في أثناء دراسته الجامعية، إلا أنه – بدقَّته الرهيبة في العمل التي تصل إلى حدِّ الهوس! – لم يجد الشكل المقبول لها إلا بعد زهاء عشرين عامًا. وكمثل بطل روايته، حاول روبرت موزيل ثلاث مرات أن يستقر في مهنة يتصورها مبتغاه، ولكن من دون جدوى. عمل أولاً ضابطًا في الجيش، ثم أستاذًا مساعدًا في جامعة شتوتغارت بعد أن درس الهندسة، وأخيرًا باحثًا أكاديميًّا بعدما حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة وعلم النفس. إلا أنه، في كلِّ مرة، كان يهجر مهنته بحثًا عن شيء آخر لا يعلم كنهه. وفي نهاية المطاف، تفرَّغ للكتابة الأدبية، علَّه يجد ما يبحث عنه. حقَّق موزيل شهرةً كبيرة بعد صدور أولى رواياته اضطرابات الربيب تورلس (1906). إلا أن أعماله اللاحقة لم تلقَ النجاح نفسه، الذي لن يصيبه مرة أخرى إلا في العام 1931، عندما نشر الكتاب الأول من الرجل الذي لا خصال له. احتفى النقَّاد الألمان بهذه السيرة الروائية فور صدورها، ووضعوها على ذروة سامقة متفرِّدة، كرواية تؤسِّس للحداثة في الأدب الألماني (إلى جانب أعمال كافكا وهيرمَن بروخ). واعتبرها الأديب توماس مان رواية "استثنائية" بين الروايات الألمانية. لكن النجاح الكبير الذي أصابتْه الرواية لم ينقذ مؤلِّفها من ضائقته المالية، على الرغم من الأقساط المنتظمة التي كان ناشرُه إرنست روفولت يدفعها له مُقدمًا كمكافأة على نشر الرواية الجديدة. وطوال ثماني سنوات، ظل الناشر يلتزم ماليًّا، والكاتب لا يكتب! وفي العام 1933، نفد صبر روفولت، فقطع أقساطه. ووجد موزيل نفسه على حافة الإفلاس والتسول، فتشبَّث بعمل حياته، وأصدر، في العام نفسه، الجزء الثاني من الرجل الذي لا خصال له. شهد العام 1933 أيضًا صعود النازية وتولِّي هتلر السلطة في برلين التي كان يعيش فيها موزيل، فقرر على الفور العودة إلى موطنه النمسا. وسرعان ما أسدل النسيانُ ستائره على الأديب النابغة، ما دفعه إلى جمع مقالات عدة وقصص قصيرة وأصدرها تحت العنوان الساخر: ميراث أثناء الحياة (1936). وبعد عامين، تختفي أعمال موزيل من مكتبات النمسا وألمانيا، ويُمنَع من النشر، فيحيا في عزلة مريرة وفقر مدقع. وعندما "يضم" هتلر النمسا إلى الرايخ الثالث، يقرر موزيل الهرب إلى سويسرا، حيث توافيه المنية في العام 1942، وهو في غمرة الإعداد للجزء الأخير من روايته الذي صَدَرَ بعد وفاته. "الرجل الذي لا خصال له" يُدعى أولريش. وهو في بداية الرواية – آب 1913، أي عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى – في الثالثة والثلاثين من عمره. يشعر أولريش أنه "ولد ومعه رغبة في أن يكون رجلاً عظيمًا". لكن مشكلته هي أنه "ما كان يعرف كيف يصبح واحدًا من العظماء" (ص 43 من الترجمة). وبعد محاولات فاشلة في العمل ضابطًا ومهندسًا، يقرر أن يأخذ إجازة مدة عام من حياته، ليتأمل في أحوال الدنيا والخلق، ويبحث عن الطريق إلى العظمة. يدرك أولريش أن مكمن الخطأ في مكان ما، إلا أنه يعجز عن تحديده. الحقيقة تراوغه. يشعر بالقيم العتيقة تنحل، وبالثوابت تصبح موضعًا للشك والمساءلة. إنه عصر التحولات والتغيرات، عصر يقف على الحافة. الجديد لم يبدأ بعد، والقديم مازال يبسط سيطرته على عقول الناس: "إننا نعيش في زمن عبور. وهو زمن قد يطول حتى نهاية الكوكب." (ص 279) يكتشف أولريش أنه غير قادر على اتخاذ موقف يخصه، فيكتفي بدور المُشاهد السلبي الذي يجلس في مقهى الحياة ويستغرق في التأمل، من دون أن يكون له موقفٌ أو سِمات: إنه يتردد في أن يصنع من نفسه شيئًا ما. فالشخصية، المهنة، نمط الوجود الثابت، هذه كلها في نظره تصورات ينعكس فيها الهيكل العظمي الذي يُفترَض أن يكون كلَّ ما تبقى له في النهاية. يسعى إلى أن يفهم نفسه بطريقة أخرى؛ وبميله إلى كلِّ ما يُغنيه داخليًّا، وإنْ كان ممنوعًا أخلاقيًّا أو ثقافيًّا، يشعر بنفسه مثل خطوة حرة تقوده نحو الجهات كلِّها، من توازن إلى آخر، ودائمًا إلى الأمام. (ص 324) يبدو أولريش بلا "سمات" أو "خصال" لأنه يعجز عن الإفادة الإيجابية من إمكاناته المتنوعة على أرض الواقع؛ لذا يبحث عن "الممكن" بدلاً من "الواقع". والشعور بالتيه والعجز أمام إمكانات الحاضر المتعددة هو ما يَسِمُ أيضًا بطلةَ الرواية ديوتيما، التي اتضح لها أنها ... تعيش في زمن عظيم، مادام الزمن عامرًا بالأفكار العظيمة، ولكن لا يمكن للمرء أن يصدق كم كان صعبًا تحقيقُ الأعظم والأهم منها. كانت جميع الشروط متوفرة، ما خلا شرطًا واحدًا: معرفة أيٍّ منها هي الأعظم والأهم! ففي كلِّ مرة تكون فيها ديوتيما على وشك أن تنحاز إلى فكرة مثل هذه، كان عليها أن تلاحظ أنه سيكون شيئًا عظيمًا أيضًا أن تحقق العكس من ذلك. (ص 296) ويُعتبَر أرنهايم الشخصية المضادة لأولريش في الرواية (وهو بورتريه للسياسي والكاتب الألماني فالتر راتناو، المعاصر لموزيل). أرنهايم يعتقد أنه وصل إلى ما يبحث عنه أولريش: وصل إلى الأخلاق الجديدة الملائمة للعصر الجديد، إلى التوازن بين العقل والروح؛ وهو "توازن" ينتقده أولريش باعتباره محاولة للتوفيق بين "سعر الفحم والروح" (ص 365)، على حدِّ تعبيره. وإذا كان أولريش غارقًا في التأمل والفكر، فإن أرنهايم يرمز إلى الإنسان في العصر الصناعي، الذي يؤمن بقوة الفعل – لا الفكر – في مناحي الحياة كافة. أسباب عدة جعلتْ من هذه الرواية عملاً "عملاقًا" في دنيا الأدب، يحترمه المرء ويتهيب الاقتراب منه. مثلاً: حجم الرواية الضخم الذي جاوز الألف صفحة من الطبعة الألمانية الصادرة بعد وفاة موزيل، وموضوعها الذي يتطرق إلى مجالات عدة، كالفلسفة والتصوف وعلم النفس ونقد العصر وفكرة حتمية التقدم (ما يمثل صعوبة خاصة في الترجمة). تبدو الرواية، للوهلة الأولى، معقدة بسبب فصولها الأشبه بالمقالات،  التي يبدو فيها أثرُ نيتشه – الذي جمع في مقالاته بين التحليل الفلسفي والأسلوب الأدبي الناصع – واضحًا جليًّا. يمزج موزيل أيضًا في هذه الفصول بين أفكاره ونظريات أو آراء نيتشه وفرويد واشبنغلر وإرنست ماخ. وكثيرًا ما يقطع موزيل الخيط الروائي لإفساح المجال أمام التأملات والهواجس والظنون التي تخامر رؤوس شخصياته؛ إذ إنه كان يعتقد أن هذه التقنية هي المُثلى لمضمون روايته (وربما لذلك ظل هذا "النص المفتوح" مخطوطة). إن العصر القلِق، كما يرى موزيل، لا يمكن تصويره من خلال حكاية تقليدية، لها بداية واضحة ونهاية. هذا النوع من "القص البدائي" لم يعد يتلاءم مع الحياة الحديثة المضطربة التي غَدَتْ "عَصِيَّة على القص". فكتابة الرواية، بنظر موزيل، أشبه بعملية نسج لخيوط لا نهاية لها؛ والنتيجة ليست واضحة منذ البدء. الرواية لدى موزيل جدارية ضخمة مفعمة بالتفاصيل الدقيقة، إلا أنها لا تبوح بكلِّ ما فيها لدى النظر إليها للمرة الأولى. لكن، وعلى الرغم من كلِّ التعقيد في تخطيط الرواية، فإن الرجل الذي لا خصال له هي أبعد ما تكون عن الرواية الذهنية المعقدة التي تدور حول أفكار مجردة، بل هي رواية مغرية للقارئ. نعم، النَّفَس السَّرْدي طويل، لكنه لا يُرهِق القارئ ولا يُضجِرُه. ولعل ذلك يعود إلى ما يتَّسم به أسلوبُ موزيل من سلاسة وسخرية هادئة، وإلى أن الحكاية–الإطار تجمع شتات "الأفكار العظيمة" المنبثة في ثنايا الرواية. وهي، إلى ذلك، حكاية تستند إلى وقائع تاريخية جَرَتْ في النمسا. إلا أن موزيل لا يستغرق في وصف تفاصيلها المحلِّية، مما يسهل الأمر على القارئ، أيًّا كان موطنُه. يضيق والد أولريش بخواء حياة ابنه وهامشيَّتها، ويحثه على أن يوطِّد صلاتِه بالطبقة الراقية في "كاكانيا" – وهي التسمية التي يطلقها موزيل على "إمبراطورية النمسا والمجر" التي كان يُرمَز إليها بالحرفين K&K، اللذين يختصران "الإمبراطورية والملكية". كانت الطبقة الراقية في فيينا مشغولة آنذاك بأخبار الاحتفال الذي ينظِّمه الألمان لقيصرهم فِلهِلَم الثاني بمناسبة العيد الثلاثيني لجلوسه على العرش. "ألا تستحق كاكانيا احتفالاً مشابهًا؟"، تتساءل نخبة المجتمع الفيينوي. أما المناسبة فهي مرور سبعين عامًا على اعتلاء قيصر كاكانيا عرش البلاد (المقصود فرانتس يوزف الأول، قيصر النمسا وملك المجر). لذا لا بدَّ من منافسة الدولة الجارة بإقامة "احتفال موازٍ" – هذا ما تقرِّره النخبة. يتم تأسيس لجنة لإعداد الاحتفال تضم ألمع رجال الثقافة والجيش والصناعة، تجتمع في صالون السيدة ديوتيما لمناقشة خير السبل للاحتفال بيوبيل القيصر. يتم اختيار أولريش أمينًا عامًّا للَّجنة التي لم يكن لديها أدنى تصور عن شكل الاحتفال. ولم تتمخض الاحتفالات عن شيء؛ إذ إنها استهلكت نفسها في مآدب عشاء طغى عليها الكلام الأجوف والمؤامرات والمغامرات العاطفية. ومع ذلك، يشعر أعضاء اللجنة بالرهبة لعِظَمِ المهمة الملقاة على عاتقهم. وعبر فصول عدة، يصف موزيل التحضيرات التي تقوم بها الطبقة الراقية للاحتفال الموازي، ويبرهن في ثناياها على عبقريته في النقد والتحليل الساخر لعصر يقف على شفا الانهيار. موزيل بالعربية من المعروف عن روبرت موزيل أنه كان يعيد صوغ بعض فصول روايته مرات عدة تصل أحيانًا إلى العشرين، قبل أن يصل إلى صياغة لغوية وأسلوبية يرضى عنها بعض الرضا! هذا الهوس بالكمال كان أحيانًا يضيِّق الخناق على موزيل، فيشعر بعجزه عن أن يسطِّر حرفًا واحدًا، ما دفعه إلى التردد على أحد الأطباء النفسيين! ولا شكَّ في أن هذا الأسلوب المصقول يمثل امتحانًا عسيرًا وتحديًا كبيرًا لِمَنْ يتصدى لترجمته إلى أية لغة أخرى. فكيف كانت الترجمة العربية؟ لا شك أن الشاعر والروائي العراقي فاضل العزَّاوي بذل جهدًا فائقًا في هذه الترجمة التي جاءت، في مجملها، جيدةً ورصينة، مبدعة في أجزاء منها، أمينة، تخلو من الأخطاء النحوية والصرفية – وإن لم تخلُ من الأخطاء المطبعية وأخطاء الهمزات التي لم تجلس في مكانها الصحيح في كثير من الأحيان! ولعل القارئ العربي يفتقد مقدِّمةً تقرِّب إليه مثل هذا العمل الصعب، وتشرح خلفياته التاريخية؛ وهو أمر ربما يستدركه العزاوي في ترجمته للجزء الثاني الذي سيصدر لاحقًا. ولا تخلو الترجمة من هنات وأخطاء وركاكة أحيانًا، تنجم عن محاكاة صريحة لبنية الجملة الألمانية أو عن حرفية في الترجمة. وتبدو هذه الحرفية إشكاليةً، خصوصًا لدى ترجمة التعبيرات الاصطلاحية. مثلاً: عندما يقرأ المرء "صديقة النهود" (ص 122)، فقد تذهب به الظنون كلَّ مذهب، لكنه لن يهتدي إلى أن المقصود هنا هي "الصديقة الحميمة المقرَّبة إلى القلب"! كذلك إذا قرأ المرء "سمعوا عشب التاريخ ينمو أمامهم" (ص 249)، فلن يفهم أحد – على ما أعتقد – أن المقصود هو الإلمام بكلِّ ما يحدث، أو أن المرء لا تخفى عليه خافية، أو – كما يقال – أن المرء "يسمع دبيب النمل". ما يلفت النظر في هذه الترجمة أيضًا هو الإفراط في استخدام فعل الملكية (انطلاقًا من الأصل الألماني). المرء لدى العزاوي "يملك" الصديق والأب (بدلاً من أن يكون لديه)، و"يمتلك" الخصال (بدلاً من أن يتسم بها)، والفرصة (بمعنى تسنح له أو تؤاتيه)، واللغة (بمعنى إجادتها)، بل وحتى البيرة في المنزل، والمكابدات الروحية! كذلك، يلتزم العزاوي بالترجمة الحرفية لكلمة "حقيقة" التي تَرِدُ كثيرًا في التعبيرات الألمانية ولا تتطلَّب ترجمة؛ إنه يقول مثلاً: "حقيقة أنه لم يفلح" (ص 442، والمقصود لأنه لم يفلح). وكذلك يتساءل المرء لماذا يترجم العزاوي الثالوث الشهير "الحق والخير والجمال" على نحو آخر بقوله: "الحقيقة والطيبة والجمال" (ص 52)؟ وينحو العزاوي أحيانًا – قليلة لحسن الحظ – إلى استخدام ألفاظ مهجورة متقعِّرة، لا تتناسب مع لغة موزيل السلسة. فنجده يفضل استخدام "نفاجة برجوازية" (ص 432) بدلاً من القول "نفخة برجوازية كذابة". وعلى هذا المنوال، نجده يستخدم كلمات مثل "الصعفوق" و"الصعفقة" (ص 64، بينما المقصود هو الهاوي غير المتخصِّص) و"القنزعة" (ص 86، والمقصود في الأصل "البابيون"). ربما كان يعوز المترجم الوقتُ لإعادة النظر في هذه الترجمة الضخمة المرهقة. أو ربما كان يجدر بالناشر أن يعهد بالترجمة إلى مُراجِع يلتفت إلى ما فات على المترجم في غمرة عمله المضني الذي استغرق ثلاثة أعوام. لكن الأكيد أن هنات الترجمة – الموزعة على طول 450 صفحة – لن تعوق القارئ العربي عن الاستمتاع بهذا العمل الفلسفي المهم الذي لم يفقد راهنيَّته بعد.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٤‏/١٠‏/٢٠١٥
تُنسب الحداثة الأدبية في القرن العشرين الى روايات ثلاث: "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست و"عوليس" لجيمس جويس وثالثها "رجل بلا صفات" لروبرت موزيل، التي ترجم جزءها الأول، أخيراً، الى اللغة العربية فاضل العزاوي وصدر عن دار الجمل ألمانيا. وهذه الترجمة، إن اكتملت، تتيح للقارئ العربي ان يقارن بين الروايات الثلاث، وأن يدرك دلالة الحداثة التي توحّد بينها، وأن يتعرّف على النص الروائي النمسوي الأشهر في القرن العشرين. رواية موزيل غريبة الأطوار كمؤلفها، إن لم تتجاوزه غرابة وطرافة. فهذا الرجل، الذي ولد في كلاجنفورت في النمسا عام 1880، اهتم بالفلسفة والعلوم وتطلع الى مهنة عسكرية قبل ان ينصرف عنها ويتفرّغ الى الكتابة الأدبية. أما الرواية، التي تدور أحداثها بين 1913-1914، فقد امتدت كتابتها، من نهاية الحرب العالمية الأولى الى منتصف الحرب الثانية، حين توفي موزيل في منفاه في سويسرا عام 1942، قبل ان ينجز عملاً يقترب من ثلاثة آلاف صفحة. ولهذا لم تظهر الرواية كاملة في طبعتها الألمانية الا في عام 1978، ولم تنشر كاملة باللغة الانكليزية الا عام 1995. "رجل بلا صفات" رواية - رؤيا، ترى الى عالم مقوّض يعد بالكارثة، يختلس من الانسان صفاته ويرمي به الى متاهة مقفلة، تنطقه بكلمات متلعثمة وبصراخ أقرب الى عواء الذئاب. ولعل هذه الرؤية المظلمة هي التي جعلت جورج لوكاش يتحدث طويلاً عن موزيل وهو يقارن بين توماس مان وفرانز كافكا، حيث الأول متورط بعالم قابل للتغيير، بينما الثاني عالق في سياج عالم لا يمكن إصلاحه. تعامل موزيل مع واقع لا ملامح فيه، تتبادل فيه الشخصيات المواقع، كما لو كان كل انسان هو غيره، وكان الجميع وجوداً مبهماً غير قابل للتعيين. فلا فوارق بين الممكنات المشخصة والممكنات المجردة، طالما ان الانسان يعيش عزلة طاغية باردة، وطالما ان الوجود هو ما ترسب منه في طويّة الانسان المعزول. يتحول الانسان في واقع تتبادل المواضيع، كما الأشخاص، مواقعها الى ذاتية لا أفق لها، حقيقتها غيابها وما خلاها أطياف، حتى لو بدا ما خارجها مشخصاً وقابلاً للمعاينة والتعيين. إنه الكائن الذي قُذف به الى عالم يخالطه العماء، فلا وضوح ولا معنى، ولا شيء إلا قدر الانسان البئيس، الذي يحمل في ذاته بشراً لا يقلون عنه عجزاً. حين يجيب "اويرلش" بطل الرواية، عما سيفعله إن حكم العالم بأسره، يقول: "لن يتبقى لي الا الغاء الواقع الفعلي". وعن الغاء هذا الواقع، يما ينطوي عليه من فروق وتناقضات، يصدر الوجود الذاتي الذي "لا صفات له"، لأن وجود "الصفات" يفترض آخرين يتمايز عنهم الانسان المعزول، وهو أمر غير قابل للتحقق في عالم تتساوى فيه المواضيع والبشر، وتقبل بتبادل مواقعها. يختصر الانسان المغترب ذاته الى وعيه، لا يتوقع أفقاً ولا يتطلع الى لقاء آخر، كما لو كان الواقع المشخص حملاً ثقيلاً ينبغي "الغاؤه". لن يتبقى، والحال هذه، أمام "أويرلش" الا احد خيارين: "إما العواء مع الذئاب أو التخلي عن العقل". وواقع الامر، ان في عمل موزيل الكبير مفارقة أو ما هو قريب من المفارقة، ذلك انه يبني عالماً من التفاصيل المشخصة بمعايير "فلسفية" سابقة عليه. بل انه يبني التفاصيل ويوغل في بنائها، موهماً بكتابة ترصد الواقع وتحتفي به، ثم يعود ويذيب التفاصيل جميعاً في بناء ذهني محكم، كما لو كان الواقع اثراً للفكر وموقعاً يختبر الفكر فيه أحكامه وأدواته. يقول موزيل: "إن ما يثير اهتمامي ما هو نمطي على مستوى الفكر، استطيع ان أقول بدقة: الأبعاد الشبحية التي تسكن الوقائع". يبدو الفكر الروائي خالقاً للواقع مرتين: يخلقه وهو يطرد منه وجوهاً ويكتفي بالأطياف، ويخلقه من جديد وهو يضع فيه "فلسفة" تقول بتبادلية المواقع بين المواضيع والشخصيات البشرية. يتلاشى الواقع كما هو، يُلغى في شكله المشخص، ويتبقى "واقع الفكر"، الذي هو الواقع الوحيد الذي يقبل الفن بالتعامل معه. ولعل هذا الواقع، الذي دُفن فيه واقع آخر، هو الذي جعل لوكاتش لا يميل الى موزيل وجعل أدورنو يربط بين الفن الحقيقي والتجريد الفني. بل ان هذا الواقع، الذي استولده الفكر وحدد معنى علاقاته، هو الذي انتج قراءات لاحقة لعمل موزيل، وبين فلسفة هايدغر، وترى فيه اصداء واسعة لكتاب هوسرل الشهير "أزمة العلوم الأوروبية". وبهذا المعنى ايضاً، تتكشف حداثة موزيل، الذي انتقل من مقولة "الانسان"، التي ترد الى القرن الثامن عشر، الى فكرة "الطوية الانسانية"، التي تحتج على انهيار القيم في مطلع القرن العشرين. تحيل مقولة الانسان، وهي لصيقة بفكر الانوار، الى انسان واضح الملامح والى عالم من الأشكال المتميزة، بينما تشير "الطوية الانسانية المغلقة" الى عالم مغاير ألغى الانسان المفرد وحطم الاشكال واحتفى بالسديم. وفي مواجهة عالم تفككت علاقاته، وفقد الانسان فيه صفاته، يكون على الأدب ان ينفصل عن العالم، وان يلوذ بوعي انساني مبدع، يخلق عوالم تبرهن عن ابداعه. يهجر "الفكر الفني" عالماً قبيحاً، ويرحل متسامياً الى عوالم أخرى. يختلط الفن باليوتوبيا ويغدو الفن يوتوبيا وحيدة. وما المستوى الفكري، الذي يشير اليه موزيل وهو يحتفي بواقع الاشباح، الا الابداع الذي يواجه الواقع السديمي في شكل فني، هو الشكل الوحيد الذي له معنى. وهذا الشكل، الذي لا شكل خارجه، يملي على موزيل، الذي كان شغوفاً بالشاعر ريلكه، عملاً خاصاً في اللغة وأسلوباً كتابياً متفرداً. وواقع الأمر ان هذا الروائي، الذي أحرقت النازية روايته، سعى الى أسلوب أدبي لا يرتاح كثيراً الى النظرية الأدبية، بمعناها الشائع. فقد اشتق أسلوبه من ثقافته المتنوعة، التي تضمنت علم النفس والفلسفة والهندسة والرياضيات، منتهياً الى صيغة كتابية لا تعوزها المفارقة، تضع الأفكار المجردة في لغة مأخوذة بالمحدد والمشخص. ولهذا فإن الشخصيات، وهي تقبل بتبادل المواقع تعريفاً، تتكلم بلغات مختلفة فردية، تضيء مراجعها المهنية والطبقية والنفسية، كأن تتكلم إحداها بلغة "جنرال في الجيش النمسوي"، وآخر بلغة رجل أعمال عصامي أو بلغة خادمة أمية، وصولاً الى شخصية القاتل "موسبروجر"، الذي انطقه الروائي بلغة مدهشة. تحقق اللغة، بهذا المعنى، وظيفتين: تقوم ظاهرياً، بتمييز الشخصيات من بعضها، إذ لغة كل فرد تغاير لغة غيره، وتعلن، جوهرياً، عن موت العالم الذي تعيش فيه، لأن اللغات متصارعة متنافرة متناكرة، لا تنجز الايصال ولا تقوم به، تاركة كل فرد مع لغة غريبة لا تصل الى غيره، ولا يرحّب غيره بها. وضع موزيل في روايته تصوراً أخلاقياً، يحتج على عالم دنيء يرحّب بالقتلة، يصيّر الانسان ذئباً ويدفع من رفض "الحيوانية" الى الجنون. تغدو الحياة اليومية، في هذا التصور، مجالاً للمرض، بقدر ما يصبح ما هو نقيضها مجالاً للفن، الأمر الذي يحوّل "المرضي" الى مقولة جمالية، طالما ان الرواية تتعامل مع "واقع الفكر" لا مع "الواقع الخام"، الذي لا يقبل الفكر بالتعامل معه. ينطوي جوهر الحياة اليومية، وهي مبتذلة ورخيصة لزوماً، على المرضى والأمراض، ويقول العمل الفني بـ"إنسان معزول" لا ينتظر شيئاً، جوهره العمل الفني الذي جاء منه. جوهران متعارضان، لا جسور بينهما ولا حوار، ذلك ان العالم الذي "لا صفات فيه" هو عالم الموتى وعالم الذين فقدوا عقولهم وأرواحهم. يقول موزيل: "لو كانت للانسانية أحلام جماعية، فلن تحلم الا ان تكون موسبروجر"، والأخير هذا قاتل سادي معتوه وأقرب الى الكابوس. يؤبلس الاحتجاج الأخلاقي الوجود الانساني، يلغي الوجوه واحتمال الاختلاف، ويطمئن الى قناع رمادي ينتشر فوق البشر جميعاً. وعن هذا المنظور، الذي يواجه المعيش بالجمالي، تصدر رؤية سكونية، ترى الى جوهر فني ينقض الحياة اليومية والى جوهر انساني أحلامه الكبيرة كوابيس قاتلة. لا غرابة في ان يتعامل موزيل مع شخصيات معطاة مرة واحدة، بعد ان أقال المحتمل الايجابي من وظيفته وألغى بممحاة مخلصة كل الآفاق الممكنة. لا جديد في حياة مبتذلة تحوّم فوقها الأطياف، ولا جديد في منازل مغترب لا ينتظر شيئاً. تطرح رواية "رجل بلا صفات" قضية الزمن ولا تطرحها تماماً، لأنها تضيء جوانبها بلا توقف. فالوجود الذي لا صفات فيه وجود تحرّر من التناقض، لا يحتاج الى الحركة ولا تعرف الحركة طريقها اليه، حدّه الأول جوهر مريض وحده الآخر هرب من مرض لا شفاء منه. والانسان الذي لا صفات له يقوم خارج ذاته، لأنه لو أقام داخلها لامتلك صفاته وغدا مفرداً فاعلاً، يرفض ويقبل ويختار، من دون ان يتلاشى في سديم عاطل عن الحركة. تتراصف الشخصيات ساكنة في منظور معين، يلغي الحركة في اتجاه ويرسلها طليقة في اتجاه آخر: يلغي الحركة وهو ينكر التغير والمستقبل والآفاق، ويرسلها طليقة في حقل الكتابة الروائية، التي عليها ان تنزاح عن كتابة سائدة، وأن تعثر على "أسلوبية" جديدة، تقول الأفكار المجردة بلغة مشخصة، وتعطي مقولات هايدغر وهوسرل وشبنجلر صوغاً جديداً، يساكن فيه الأدب الفلسفة وتتعايش فيه الفلسفة والفلسفة الأدبية في آن. والسؤال الذي يُطرح مباشرة هو الآتي: ما معنى الحاضر في زمن ساكن تتقاسمه جواهر ثابتة متعارضة؟ يقوم الجواب في أزمة معنى الوجود الانساني، التي تجعل من الحاضر لحظة أبدية ومن الأبدية الانسانية حاضراً لا جديد فيه. في الحالين يبدو التطور، كما المستقبل، كلمة لا معنى لها، كما لو كانت الأزمنة المريضة تقبل بتبادل مواقعها ايضاً، إذ المستقبل راقد في الماضي، وإذ الماضي لا يقل شراً عن الحاضر. يشرح السكون، من حيث هو شكل التمثيل الأدبي للواقع، منظوراً يحايث العمل الأدبي، يصرّح بإنسان مريض قذف به الى هذا العالم، واحتفظ بمرضه في جميع الأزمنة. يتضمن عمل موزيل، كما أعمال كافكا وجويس وبيكيت، منظوراً لا يلتقي مع تصورات تولستوي وبلزاك وديستويفسكي وغيرهم، الأمر الذي يغوي بعض القراء بالتمييز بين أدب متشائم وأدب متفائل، أو بأدب ملتزم بطموحات الانسان وآخر ملتزم بجمالية الكتابة ودفن آفاق الانسان. والتمييز لا صحة فيه، لأنه يفصل بين التاريخ الروائي والتاريخ الاجتماعي، كما لو كان للأدب تاريخ متصل متجانس، يعطي أقواله بأدوات متماثلة. فإضافة الى الاحتجاج الأخلاقي العاصف على واقع يختلس من الانسان أحلامه، فإن في رواية موزيل ما يستنكر حداثة غير عاقلة، تكرس الإنجاز الحداثي لأغراض قاتلة. فقد كتب موزيل روايته بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة وبعد اتفاقية فرساي، التي زعزعت أوروبا، وبعد أزمة الحداثة، كما عاشتها فيينا، وكتاب هوسرل عن أزمة العلوم وأفكار هايزنبيرغ عن أزمة الفيزياء وآراء شبنجلر عن "سقوط الغرب"... أعطت هذه العناصر مجتمعة رؤيا متشائمة، لا تحتفل بمعنى التاريخ ولا ترى جدوى في الاحتفال أو غيره، تجانس بين الأزمنة، وتضع الأزمنة كلها في فضاء ساكن شحيح الضوء، تعوي فيه الذئاب ومجرمون ومعتوهون، لا يستنكر وجودهم أحد. الواقع أفكار والوقائع جملة أفكار والأفعال الانسانية ممكنات حالمة، هذا ما يقول به موزيل، الذي نظر الى الفلسفة بعين الأديب، ومارس الأدب بطريقة الفيلسوف. ولأنه أدرك ببصيرة ثاقبة ان الأدب وحده لا يغير الواقع في شيء، فقد اكتفى بتغيير الأدب، حين أضاف اليه احد الاعمال الروائية الاكثر أهمية في القرن العشرين. كان أخلاقياً مرتين: مرة أولى شجب فيها حضارة متقدمة لا تعتزل الحروب، ومرة ثانية في عمل روائي نموذجي، يصوغ احتجاجه الاخلاقي بأدوات فنية لا يعوزها الاتقان.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٤‏/١٠‏/٢٠١٥
إذا كان لا بد من حصر نتاج موزيل الأدبي في عبارة واحدة شديدة التعميم، فيمكن القول ان هذا النتاج يفصح عن قدر كبير من الدقة التعبيرية المشفوعة بالتأمل والصبر والمعاناة الجمالية، ويتمتع بروح الانضباط في اعطاء التفسيرات والتبريرات واطلاق الاحكام. وقد ينطوي هذا التعريف المقتضب على بعض الفائدة في ما يتعلق بقراءة هذا النمط من الأدب التجريبي العصيّ على التبويب. ولكي تتخذ العبارات النثرية المستحدثة شكلها النهائي، فان موزيل كان يحوّر فيها ويعيد صياغتها او يأتي بما يتناقض ومعناها الأساسي، على اعتبار ان كل قاعدة فنية بحتة يمكن ان تُنسف ببساطة بما ينفي او يلغي هذه القاعدة، وعلى اعتبار ان الحقيقة نفسها، كما يراها موزيل، ما هي الا المسيرة الشاقة والمعقدة التي تمر عبر محطات الاخطاء، فكان يقدم احياناً على اعادة كتابة فقرات طويلة او حتى فصول منتهية اكثر من عشرين مرة! ولعلّ روايته الضخمة، غير المكتملة "الرجل بلا ملامح"، والتي تحولت الى مجازفة حياتية خطيرة، وجدت نهايتها في وفاة الكاتب نفسه، خير دليل على اعتنائه بتشذيب وتهذيب صياغاته واستنباط تراكيب ومعان جديدة لوصف حركات النفس وصفاً داخلياً استبطانياً، اتخذ في ما بعد مصطلح الأدب التعبيري، اي الكتابة من الداخل، على نقيض ما اصطلح عليه بالانطباعية التي تلتقط الظواهر الفوقية السريعة او الكامنة في صفحة الواقع بحساسية فنية عالية وبصيرة مرهفة. ويعمد المذهب التعبيري الى مخاطبة الحواس، او بالاحرى مخاطبة مملكة الحواس، مخاطبة عقلية ونفسية، ومناقشة اشكالاتها وتداخلاتها بالعالم الخارجي، والتعرض الى مسائلها المباحة والمحرمة. ويعتني ايضاً باستخدام اسلوب التشريح من دون اجراء عمليات التخدير اللازمة، اعتماداً على التحليل النفسي الفرويدي - النيتشوي، بغية اضاءة اعماق الانسان بموضوعية جدلية ملتزمة بدلالات الزمان والمكان. بيد ان اهمّ ما يميز عمل موزيل هو ترابط الوقائع وانتظامها في تيار موحد يسير بتأن، وأحياناً بتدفق حسبما تقتضي حالة الابطال النفسية وانثيال الصور والافكار، وقد اصطلح على هذا النمط من الكتابة بمصطلح مأخوذ من الميكانيك والبصريات هو "الدقة البؤرية". تعرضّ موزيل منذ كتاباته الأولى الى موضوعات العزلة والاغتراب والحزن والقطيعة عن المجتمع، وذلك بالاستناد الى دراسة معالم المدينة الأوروبية الحديثة وتحليل امراضها المزمنة من وجهة نظر مدنية وليبرالية موضوعية، اضافة الى تناوله الموضوعات اللازمنية مثل الحب والموت والمقاومة والخيانة والاندحار. ويعتبر موزيل الى جانب نخبة من الكتّاب الألمان من امثال توماس مان وبرتولد برشت وغيرهارد هاوبتمان وفرانتس كافكا وراينر ماريا ريلكه، ممن يحسب لهم وضع ملامح او أسس مدارس ادبية جديدة، من ابرز مؤسسي "مذهب النثر التعبيري"، اي اعتماد اسلوب التصوير الهادئ والبطيء للانفعالات والمشاعر، وتعميق ما يبدو عابراً وعادياً بغية تحقيق دهشة الاكتشاف او الصدمة المباشرة التي تأتي بها ضربة مباغتة، وكذلك الاعتناء بايقاع الكلمات وموسيقاها والخلط بين المادي والحسي والوجداني بما يسمى بالمزاوجة الحسية - المادية اللاعقلانية مثل: "كان حزنهم حزناً ما قبل ربيعي"، او "كان بلداً تعبه تعب البحر الطاووسي الزرقة"، او "لقد تحركت عربة حمير الافكار"، او "مثلما تطرد الاشباح الأيام الصبيانية العري"... فضلاً عن استخدام الظلال الداخلية والايماءات والاقتصاد في السرد الى حد بتر الكلمات والإحجام عن الشرح والتفسير والاستطراد وما الى ذلك من خواص هذا المذهب. ولد روبرت فون موزيل في العام 1880 بمدينة كلاغنفورت النمساوية، وبدأ تعليمه في مدرسة داخلية ثم انتقل منها الى الكلية التي كان والده يدرّس فيها الهندسة الميكانيكية، حيث تخرّج روبرت موزيل مهندساً. لكنه بعد ان بدأ يظهر اهتماماً بالكتابة رفض مهنة التدريس وتفرّغ للأدب. انتقل بعد ذلك الى برلين، العاصمة السياسية والفكرية لألمانيا آنذاك، ودرس في جامعتها الرياضيات وعلم النفس التجريبي والفلسفة، وبالأخص المنطق على يد كارل شتومف، ونال في العام 1908 الدكتوراه على اطروحته عن الفيلسوف النمساوي ارنست ماخ. ومع ذلك، فانه رفض من جديد العروض التي تقدمت بها جامعتا غراس وميونيخ للعمل في التدريس، والتحق بالجيش النمساوي بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى وأصبح مسؤولاً عن مكتب التربية والتوجيه العسكري. وعقب انتهاء الحرب قدم الى برلين مرة اخرى ليمارس مهنة الصحافة، الا انه آثر العودة الى فيينا بعد فترة صغيرة، ليشتغل هناك في مجال النقد المسرحي. وبعد انضمام النمسا الى الرايخ الألماني الثالث غادر بلده واختار جنيف منفى له حتى وفاته في العام 1942. نشر موزيل عدداً من الأعمال الادبية، من اهمها: "اضطرابات المتدرب تورلس" رواية 1906، "توحدات" روايتان قصيرتان 1911، "المستهامون" مسرحية 1924، "ثلاث نساء" قصص 1924، الجزءان الأول والثاني من "الرجل بلا ملامح" رواية 1930 - 1932، وأصدرت زوجته بعد وفاته الجزء الثالث من الرواية في العام 1943. ومنذ روايته الأولى "اضطرابات تورلس"، التي حققت نجاحاً كبيراً فور نشرها، تمكن موزيل من اثارة الوسط الادبي في المانيا والنمسا. ويعود ذلك النجاح، الذي لم يرتح له موزيل، ليس الى اللمسات التعبيرية المبتكرة او الصياغات الجمالية والفنية غير المألوفة آنذاك والتي ربما لم يكن قد ادركها احد في حينه على النحو الصحيح، وكذلك ليس الى المعرفة الفلسفية والتربوية المبثوثة في ثنايا الرواية المعتمدة اسلوب الانتقال التطوري بالبطل من حالة سلبية لاواعية الى حالة متنورة، ذات افق متفتح عقلياً ونفسياً وبلاغياً، بل يعود بالدرجة الأولى الى خامة الرواية نفسها وروح المعالجة الشبابية التي غلبت عليها. كان هدف موزيل المعلن هو كتابة رواية تناقش مملكة الحواس من نواح متعددة، فجاءت الرواية من هذه الناحية حافلة بمشاهد الإثارة والقسوة والتعذيب الجسدي والنفسي والاحتجاج العنيف على قيم المجتمع البرجوازي القديم وأخلاقه وقيوده التي اخذت بالتفكك تحت ضربات الرأسمالية الصناعية الصاعدة بحدة في مطلع القرن الحالي. ويعتقد بعض الباحثين بأن هذه الرواية التي جسّدت روحاً متمردة ومفرطة الحساسية كانت متأثرة برواية غوته التطورية المعروفة "اعوام تدريب فيلهام مايستر" التي عالجت صيرورة فتى انتقل من حالة نكوص ذهنية الى مرحلة متقدمة من التفكير، بلغت ذروتها في اكتشاف فيلهلم للفن وشغفه بالشعر لدرجة اصبح معها غير قادر على التمييز بين الحياة اليومية والفن والحقيقة الموضوعية. وأدّى به هذا الخلط في الاخير الى الاحباط وخيبة الأمل، تماماً مثلما صار اليه حال المتدرب تورلس، بطل موزيل المبكر، الذي اقدم على حرق جميع محاولاته الشعرية في نوبة غضب ويأس. وربما كانت التلقائية المتعمدة التي كتب بها موزيل رواية "تورلس" سبباً مباشراً لنجاحها وشهرتها السريعة. على أية حال، اعترف موزيل نفسه بتلك التلقائية التي اخذ يكافحها في ما بعد وبكل اصرار كما لو انها داء وبيل. وأدى انشغاله المكثف بالأسلوب الجمالي والبحث عن الحالات المثلى المنتقاة باطنياً والجديرة بالتناول، وكذلك ابتعاده عن الحبكة ووحدة السرد والموضوع، الى نفور جمهور القرّاء من كتاباته والى فقدان موقعه وصيته باعتباره روائياً يتمتع باستقلالية فنية وأصالة اسلوبية. الا انه شعر بارتياح لذلك التطور، اذ ان نجاحه السريع شكّل له مصدر قلق وإزعاج، فكتب بهذا المعنى يقول: "على رغم انني لم اضع قيمة كبيرة للحبكة، لكنني مع ذلك كنت امنحها حقها كاملاً وعلى نحو غريزي. انني اخضع نفسي عادة الى رؤية ارتجالية - قد أثبت النجاح صحتها - رؤية تتعلق بالشيء الذي عليّ ان ارويه، فاكتفي مقتنعاً ببعض الافكار التي انثرها في متن العمل". اصبحت رواية "اضطرابات المتدرب تورلس" التي كان عنوانها يوحي الى حد ما بالطبع التربوي لها - اكتفت الرواية بتصوير ازمة البطل لكي تفتح امامه في آخر المطاف منفذاً للخلاص - بمثابة نقطة انطلاق لعمل موزيل الكبير الذي اصيب بعارض اللاانتهاء، حتى بعد ان بلغ حجمه اكثر من الف صفحة. اختبارات الاسلوب كتب موزيل بعد "تورلس" عدداً من الاعمال، ونشر مجموعتين قصصيتين هما "توحدات" ذات الطابع التجريبي الصرف والبناء المركّب البالغ التعقيد و"ثلاث نساء" التي ضمت ثلاث قصص طويلة ذات منحى يقترب كثيراً من الواقع والوضوح نوعاً ما، على النقيض من "توحدات" التي ضمت قصتين طويلتين ايضاً هما "اتمام الحب" و"اغراءات فيرونكا الهادئة". واعتبرت هاتان القصتان الولادة الحقيقية لمدرسة النثر التعبيري في المانيا، الا ان محللي الأدب آنذاك لم يدركوا هذا الاتجاه الغريب باعتباره تجربة جديدة في الكتابة، انما حسبوه انعكاساً شعرياً لمذهب التحليل النفسي الفرويدي. وعلى رغم امتداحهم الجرأة التحليلية النادرة التي حفلت بها القصتان، لكنهم سجّلوا ولادة التعبيرية باسم الكاتب الألماني كازيمير ادشمدت بعد صدور روايته القصيرة "المصبّات الستة" في العام 1915. واعتباراً من تاريخ صدور "توحدات" في العام 1911 بات موزيل لا يثير الاعجاب وحده، بل الريبة ايضاً وعدم الارتياح بسبب طغيان المنحى التعبيري على اسلوبه الرافض للتبويب والانتماء الى الاشكال التقليدية. وبعد ذلك حلّت فترة توقف شبه تام عن الكتابة الادبية، دامت عشرة اعوام، لم يكتب خلالها سوى مسرحية "المستهامون" التي جلبت له تهمة مفادها انه لا يجيد الكتابة للمسرح، وان هذه القطعة الدرامية تصلح للقراءة وليس للتمثيل، لا سيما بعدما عرضت على احد مسارح برلين، ملخصة ومن دون موافقة موزيل، ومنيت بفشل ذريع. لكنه اعاد المحاولة مرة اخرى، فألّف كوميديا جديدة بعنوان "فنسنس وصديقة الرجال المتنفذين" ليقلع بعدها عن الكتابة للمسرح نهائياً. لقد حقق غايته منها، واقتربت لغته اكثر فأكثر من الحقيقة التي آمن بها، وأصبحت مرهفة حادة، وفي غاية الدقة، مثلما اتضح ذلك في مجموعته القصصية "ثلاث نساء" كمحاولة اخيرة للتأكد من متانة الأسلوب وعمقه. الرجل بلا ملامح كان موزيل بحاجة الى تلك المقدمات والتمارين المتغايرة كلها لكي يتفرغ الى عمله الأساسي الاخير "الرجل بلا ملامح". وهناك من النقاد من ذهب الى القول ان موزيل ما كان ليكتب هذه الرواية الضخمة لو انه وقع على اسلوب فنّي وجمالي في اعماله الأولى يتناسب مع طموحاته. في البدء اعتمد موزيل اثناء كتابته الرواية على ملاحظاته ويومياته التي تردد فيها اسم فريدريك نيتشه كثيراً، واستطاع ان يجعل من افكار هذا الفيلسوف حقلاً واسعاً للتجارب، حتى انها اصبحت ذخيرة غنية، كان الكاتب يستل منها ما يشاء لينوّع عليه. وهناك عبارات واضحة في يومياته المبكرة تشير الى تأثره العميق بنيتشه، شأنه شأن الكثير من الكتـّاب الألمان في ذلك العهد: "ان نيتشه يرينا جميع الطرق والدروب التي تسير عليها اذهاننا وعقولنا من دون ان يأخذ بأيدينا او يسير امامنا على واحد منها". وبالاضافة الى ذلك الفهم النيتشوي التزم الكاتب بمنطق غير مألوف يقول: "ان التفكير الفلسفي يبدأ أول الامر من لحظة الاندهاش، ولذلك فإن على اشخاص الرواية ان يتمتعوا دائماً بموهبة الاندهاش وما يترتب عليها من نوازع وتداعيات وانفعالات، لكي يتمتعوا على الأقل بقدر من الحيوية والفعالية". ان رواية "الرجل بلا ملامح" كانت مصممة منذ البداية باعتبارها عملاً ادبياً يعارض القيم والاخلاق الكاذبة والمفتعلة التي جاء بها العصر الحديث، عصر التمدن والرأسمالية الصناعية المنهمكة بمشاريع العمران والتقدم والهيمنة. ويضع الكثير من الاسئلة التي طرحها ذلك العصر موضع الشك والتساؤل، بغية الوصول الى نظام اجتماعي وأخلاقي خال من الزيف والخداع، الى نظام انساني متكافئ، لا تتجه اليه اصابع الاتهام والادانة. يدور أول محور للرواية بين ثلاث شخصيات، تمثل كل واحدة منها بؤرة فكرية مستقلة تتمتع بطاقة شبابية ونمط حياتي خاص، ثم تبتعد هذه الشخصيات عن المحور المركزي بالتدريج، وعلى نحو متساو، الا انها سرعان ما تجتمع من جديد وقد لحقت بها طوائف وفرق اجتماعية متباينة او متداخلة في بعضها، فتتحول الرواية في نهاية المطاف الى بانوراما عصر كامل، وتكشف لنا عن تطور مجتمع حديث بجميع طبقاته وأشكال وجوده ومبادئه ومأساته ومهزلته. ذكر موزيل في احدى المقابلات الصحافية 1926 انه انجز رواية تتناول الفترة الزمنية ما بين 1912 و1914، اي العام الذي بدأت عمليات التعبئة العامة للحرب على حد تعبيره، "عندما تمزّق العالم برمته ومعه الفكر، وأصبح من المستحيل ترقيعهما، وبذلك التمزّق تنتهي الرواية"، التي هي، حسب اعتقاده، ليست رواية تاريخية، اذ ان السرد الواقعي لأحداث واقعية لم يكن من صلب اهتمامه، انما تهتم برصد النمط او المعيار او الطابع النوعي للعالم، اي "الجانب الشبحيّ والمظلم من الاحداث". وكان الهدف الذي سعى اليه موزيل، حسبما ورد في تلك المقابلة، هو المساهمة في التغلب روحياً ونفسياً على مصاعب العالم، حتى لو تم ذلك عن طريق الرواية. يركّز الحدث الرئيسي للرواية على فترة زمنية قصيرة نسبياً من صيف 1913 الى عشية اندلاع الحرب في 1914، ويستعرص الاجواء السياسية والفكرية في العاصمة النمساوية فيينا التي جعلها الكاتب رمزاً لمجتمع انتقالي يعاني من التمزّق والأعراض المرضية المزمنة التي نخرت بنيته ودفعت به الى الانهيار التام، نتيجة للحرب التي دفنت مملكة الدانوب الكبرى تحت انقاضها الى الأبد. وعلى رغم ان عنوان الرواية "الرجل بلا ملامح" يوحي بالبساطة والألفة، الا انه يشكل بنظر بعض الدارسين خلاصة الرواية كلها. فهذه العبارة الشعرية غير المتكلفة هي المفتاح الحقيقي لفهم العمل، لأن موزيل نفسه طبّق هنا صفات الشيء وملامحه وانعكاساته الاجتماعية حسبما تقررها نظرية عالم الفيزياء والرياضيات أرنست ماخ الذي ينطلق في اطروحته "تحليل المشاعر وعلاقة المادة بالنفس" من فرضية تقول ان ليست هناك حقيقة مستقلة عن الوعي، وان ليس هناك وعي مستقل عن الحقيقة. ومن خلال التجانس والتفاعل بين الحسّي والمادي تنشأ الحقيقة التي توفر امكانية فهم العناصر الفيزياوية والروحية للعالم، كما ان هذه العناصر تنعكس في الجسم المادي بوصفها علامات جسدية، وتنعكس في النفس بوصفها مشاعر. كان هدف موزيل كما ذكر ذات مرة هو ان تتحول الرواية الى مادة حيّة تنبعث منها افكار وأخلاق جديدة، لأن الاخلاق البرجوازية القديمة قد استُهلكت وباتت عقيمة. والرواية من هذه الناحية هي محاولة لتفكيك عقدة مركبة وتفسيرها من اجل وضع "سياسة سليمة للتنظيم الروحي والعقلي" على حد قول موزيل، سياسة يمكن ان تعتبر الاجابة الوحيدة على اسئلة الحياة والموت. وقد صرّح ذات مرة: "اريد ان اقدم مساهمة ما بغية النهوض بهذا العالم روحياً وعقلياً. وسأكون شاكراً لجمهور القرّاء اذا ما صرفوا النظر عن نوعية الاسلوب الجمالية، وأظهروا تفهماً لارادتي، لأن الاسلوب بالنسبة اليّ هو اظهار الفكرة على نحو جلي". وكتب ايضاً في يومياته، مشيراً الى الدور الاجتماعي والسياسي للكاتب: "ان اكتب عملاً ادبياً واحداً خير لي من ان احكم الرايخ الألماني برمته، فضلاً عن ان الكتابة اصعب من ذلك بكثير". اعتقد موزيل عندما شرع بكتابة روايته الممتنعة عن الانتهاء بأنه سوف يعيش عشرين عاماً اخرى لكي ينجزها، اذ انه لم يكن قد فكّر في الموت بجدية حتى ذلك الوقت، على رغم تدهور صحته، فقبل وفاته بعام واحد دوّن في يومياته شيئاً عن مخاوفه الصحية: "غالباً ما تولد لديّ انطباع بأن قواي النفسية والروحية قد اصابها الضعف والفتور، لكن الاصح هو ان المعضلات الكبيرة المحيطة بي كانت تتجاوز طاقتي الجسدية على الدوام". والآن بات من الصعب التنبؤ بالزمن الذي كان سيحتاجه موزيل لاتمام روايته التي تحولت الى مجازفة حياتية، فقد عاجله الموت وهو منعزل معوز ومنسي في منفاه السويسري. "كان قد جلس صباحاً في بيته الكارتوني الصغير في احدى ضواحي جنيف يعيد النظر في مخطوطاته، بعد ان دوّن في دفتر صغير الساعة التاسعة وعشرين دقيقة، ومن ثم الساعة الحادية عشرة، موعد السيجارتين الأوليين من مجموع ثمان سمح له الطبيب بها يومياً، وفي وقت الظهيرة بالضبط انتابته جلطة دماغية". غير ان فصول المأساة لم تنته بموته، اذ اعقب ذلك صمت وتجاهل تامان الى ان نشرت "التايمز" اللندنية مقالة مثيرة عن موزيل اشادت بكتاباته واعتبرته من اهم الكتّاب الألمان في القرن العشرين، على رغم التجاهل والصمت المطبق حوله. كان الفصل الذي اشغال عليه في الساعات الاخيرة يحمل عنوان "انفاس يوم صيف"، لكنه رحل وترك على طاولة المنفى عملاً حياتياً كبيراً غير متكمل. ونشرت بعض الجرائد خبر وفاته على نحو مقتضب، اذ لم يعد يتذكره احد في المانيا النازية. كان موزيل كتب قبل خمسة عشر عاماً من وفاته ينعى الشاعر النمساوي ريلكه: "ان موت ريلكه لم يكن بنظر الناس حدثاً ذا شأن!" ويبدو ان الرثاء قد انطبق عليه شخصياً، اذ لم يشارك في تشييع جنازته في السابع عشر من نيسان ابريل 1942 سوى ثمانية اشخاص