Skip to content
غلاف كتاب أغنية هادئة
📱 كتاب إلكتروني

أغنية هادئة

3.7(١ تقييم)٣ قارئ
عدد الصفحات
٢٢٢
سنة النشر
2017
ISBN
9789981720350
المطالعات
٨٣٠

عن الكتاب

قرّرت مريم، وهي أمّ لطفلين، أن تستأنف العمل في أحد مكاتب المحاماة رغم تحفّظ زوجها. وهكذا شرع الزوجان في البحث عن مربية. بعد عملية انتقاء مُحكَمَة، وقع اختيارهما على لويز التي اكتسبت بسرعة حبّ الطفلين، واحتلّت بالتدريج مكانة مركزيّة في البيت. وبذلك تنشأ علاقة تبعيّة متبادلة تتقوّى شيئاً فشيئاً إلى أن تنتهي بمأساة. من خلال وصف دقيق للزوجين وكذا لشخصية المربية الآسرة والملغزة، تنكشف أمامنا الكثير من قضايا عصرنا كمعنى الحب والتربية، والعلاقة بين السيطرة والمال، وشيوع الأفكار المسبقة الطبقية والثقافية... يضفي أسلوب ليلى سليماني القوي والصارم، الذي تتخلّله مقاطع شاعريّة سوداويّة، على النص مَسحة من التشويق الخلاب منذ الصفحات الأولى. * * * "قصّة مثيرة، رائعة ولاذعة في نفس الوقت، تصوِّر صراعاً عنيفاً مُستلهَماً من وقائع الحياة اليومية". مجلة لوباريزيان

عن المؤلف

محمد التهامي العماري
محمد التهامي العماري

من مواليد سنة 1963 بالمغرب، ناقد أدبي ومترجم، حاصل على دكتوراه الدولة في النقد المسرحي. فاز بجائزة الأطلس الكبير للترجمة التي تمنحها السفارة الفرنسية بالمغرب مرتين، دورتي 2010 و2012

اقتباسات من الكتاب

لطالما رفضت أن يمثّل الطفلان عائقاً أمام نجاحها وحريتها، وأن يكونا مثل المرساة التي تسحب إلى القعر، وتجر وجه الغريق إلى الوحل. لما وعت هذا الوضع في البداية، أصيبت بنوبة حزن عميقة، وتملكها إحساس بالظلم والإحباط. تنبهت إلى أن هذا الشعور بالنقص وإساءة التصرف سيلازمانها طوال حياتها، مثلما سيلازمها الإحساس بأنها ضحت بجانب من حياتها لحساب جانب آخر. وجعلت من ذلك قصة مأساوية، رافضة التخلي عن الحلم بأمومة مثالية، مؤمنة بعناد بأن كل شيء ممكن، وأنها ستحقق أهدافها، ولن تشعر بمرارة ولا تعب، ولن تمثل دور ضحية ولا بطلة.

1 / 4

يقرأ أيضاً

غلاف الأمير الصغير

الأمير الصغير

أنطوان دو سانت-أكزوبيري

غلاف أنقذني

أنقذني

محمد التهامي العماري

غلاف بعد 7 سنوات

بعد 7 سنوات

غيوم ميسو

غلاف الحياة في مكان آخر

الحياة في مكان آخر

ميلان كونديرا

غلاف الهوية

الهوية

ميلان كونديرا

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

غلاف الخيميائي

الخيميائي

باولو كويلو

المراجعات (٦)

رانيا منير
رانيا منير
٦‏/٦‏/٢٠١٨
بعد قراءاتي للرواية قرأت حواراً مع الكاتبة تقول فيه: "الأم قادرة على أن تكون رئيسة دولة من دون أي مشكلة. لا شيء يقف أمامها إن أرادت أن تحقق مشروعها. المرأة قادرة على العمل والكتابة وتربية الأبناء".. بصراحة هذا الكلام جميل ومشرق ومتفائل لكن قبل أن تقرأ الرواية، أما بعد قراءتها فأنتِ عزيزتي المرأة ستكرهين أن تكوني امرأة عاملة أو زوجة أو أماً أو أي شيء من الأساس.. لا البؤس ولا الفقر ولا الفوارق الاجتماعية ولا الاختلال النفسي ولا كل التحليل لشخصية المربية يمكن أن تبرر جريمة قتلها لطفلين.. وصفت عدة مراجعات الرواية، خاصة بعد فوزها بجائزة الكونغور، بالمتعة والتشويق، لكنها في الواقع رواية كابوسية خانقة يكفي أن تبدأ بخبر قتل الطفلين لتتابع القراءة فقط لتفهم دوافع المربية وسبب جريمتها التي غالباً لن تجدها في النهاية. تقول ليلى سليماني أن فكرة أن ندفع لشخص لكي يحب أبناءنا بدلاً عنا كانت فكرة آسرة بالنسبة لها.. هذا ما نفعله تماماً ندفع للمربيات ليهتموا بأبناءنا ويحبوهم بدلاً عنا، نضعهم في مدارس خاصة لنشتري لهم حباً واهتماماً أكبر، نغمرهم بالألعاب والهدايا لنعوض عن غيابنا وتقصيرنا..
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٥‏/٦‏/٢٠١٨
حُصِدت جائزة الغونكور للعام 2016 من قِبل رواية “أغنية هادئة” المغربية الأصل ليلى سليماني. الرواية أسالَت الكثير مِن المداد خاصة أنها ثالث رواية مُسطّرة بقلَم مِن أصل عربي تحوز الجائزة الفرنسية العريقة، بعد اللبناني أمين معلوف والمغربي الطاهر بن جلون. تبدأ الرواية برائحة الدماء وآثارها في أرجاء الشقة الصغيرة، وجثة الطفل ذي العامين، وقَيء الأم وانهيارها الذي تمثَّل في صرخة كأنها عِواء أنثى ذئبٍ مكلومة. ثم الشرطة التي تتجول في المكان، والطفلة التي خبَت مقاومتها للموت، والإسعاف التي جاءت لتنقل لويز وضحايا ذلك القَدر الكبير مِن العُنف أقدَمت عليه، والجيران المتحلقون خارج الشقة المدماة.. مشهدٌ كامل من الرعب والقَرف صوَّرته ليلى سليماني بعدَسةِ لُغتها السلِسة البسيطة. إنه مشهد النهاية، النهاية المأساوية لـِ لويز وآل ماسّي. هل سيؤدي هذا الاسترجاع (flashback) إلى حرقِ أحداث الرواية أو جعل القارئ يفقد الرغبة في مواصلةِ قراءتها؟ الرواية لا تُعنى بتشويق القارئ مِن خلال أحداثها، بقدر ما تحاول تحليل مجموعات من المواقف مِن زاوية نظر الشخصية الرئيسية ولو أدى ذلك إلى التأرجُح في الزمن. وهذه هي أبرز سِمات الرواية النفسية التي تبحثُ في المؤثرات السيكولوجية الداخلية والخارجية التي أدت إلى الحدَث الرئيس عِوض السير بالأحداث في خطٍّ تصعيدي ترتفع وإياهُ أنفاس القارئ قبل أن تتهاوى مع مشهد النهاية. ولأن الرواية تبدأ بالصدمة الأولى فإنّ كل ما يليها مِن فقرات لا يتعدى أن يكون أغنيةً هادئة.. فكرة الرواية في الأساس مقتبسة عن جريمة حقيقية. وهي إذن (الفكرة) ليسَت بالشيء المُميز لذاته، ولكنها أثّرت في الروائية فتناولتها بأسلوبها، وحوّلتها من خبر جريمة اعتاد الناس القراءة عنه يوميا على صفحات الجرائد إلى تحفة أدبية تكادُ شخصياتها تنبعث عبر الورق. وهنا تتجلى موهبة ليلى سليماني. المميز في أغنية هادئة، أنها تطلّ على القارئ بأكثر من وجه واحد.. هي زوايا للنظر يمكن لكل واحدٍ أن يتناول الرواية منها على طريقته وحسَب ما يمليه عليه حسّه الفني والنقدي، وقد التقطتُ أنا سبعا منها. سأعرُج عليها بلا إسهاب، مع ثقتي أنّ القارئ النبيه قد يلتقط غيرها أو يتعمق في شِعابها أكثر. هل الشر أصيل في الإنسان؟ الشر بحسب المؤلفة بذرة شيطانية مغروسة داخل كل إنسان فينا، حقيرة متجاهلة، لكن ما إن تمتد يدٌ لها أو أيادٍ لتتعهدها بالرعاية حتى تنمو وتشرئِب بعنقها نحو السماء مُخلِّفة خسائر لا تُحصى، مُحرقةً كل ما يقف في طريقِها بلا تمييز بين أخضَر ويابس ولا حي وميت. لويز كانت امرأة طيبة.. أو هكذا كانت تبدو طوال حياتِها الماضية.. لكن هل يُمكن وصف إنسان ما بأنه طيِّب أو شِرير؟ شابةً، تزوّجت لويز برجل أساءَ مُعاملتها، وعاشَت الفقر والقهر: اشتغلَت خادمةً ومربية في البيوت رافقَت المَرضى، سلّت عن العجائز، أبدَعت في رِعاية الأطفال، تحملّت ذلك دون أن تئنّ أو تشتكي أو تتذمّر. ابنتها ستيفاني التي كانت ترافقها خلال خِدمتها في البيوت، أنهكَها التمييز الصارخ الذي يبديه مشغلو أمها بينها وبين أولادِهم على الرغم مِن لطفهم الظاهر.. التمييز الذي يُبديه القدر حين يهب بعض الناس كلَّ شيء ولا يَمنح الآخرين أي شيء.. ستيفاني فشلت في ممارسة الخُضوع، ثم فشِلت في الدراسة ثم غادَرت إلى مكانٍ غير معلوم تاركة أمها تُجابه رياح الأقدار وحيدة بلا سَند. استقر الحال بالمرأة الأربعينية النحيلة أخيراً في بيت آل ماسيه، أحبّتهم وأحبت الطفلين ميلا وآدم.. لكن يبدو أنها أحبتهم بعنف، إذ ما إن بدا لها أنّ دورها يوشك على الانتهاء حتى عمدت إلى قتلِهم وقتل نفسها، كالقطّة التي تأكل أطفالَها ربما؟ أم أن الحب قد تحول إلى حِقد؟ مهلا، لكن القطة لا تقتل نفسَها ! هيكل الدجاجة كأني به أجمَل وأبلغ جزءٍ في الرواية.. لعلّه الجزء الذي يقول كل شيء: كانت ميريام ماسّيه، مشغلة لويز حريصة متيقظة، كأي أم واعية، في كل ما يخص تغذية طفليها. وكانت تراقب كل ما يتواجد داخل الثلاجة على الرغم من ضيق وقتها وقلّة تواجدها في المنزل. خاصة بعد أن لاحظت أن المربية أو “النونو” كما يسمونها في الأوساط الراقية، لا تتردد في إعطاء الطفلين الطعام المُتقادِم. وقد كانت تعليماتها للويز بهذا الصدد دقيقة واضحة، لكن الـنونو لم تمتثل. لم تنظف الثلاجة، كما أمرت ميريام، ولم تُلق ما ترى ربة البيت أنه طعام فاسد، هي التي صارت تشعر أنها أكثر من مجرد مربية عند آل ماسيه.. هي التي تعيش البؤس والحرمان، وتُطاردها الضرائب والديون، والمعرضة للطرد من الغرفة الحقيرة التي تأويها. وهكذا حَدث أن قررت ميريام أن تقوم بنفسها بعد مغادرة لويز ذات مساء بإلقاء كل ما تحويه ثلاجتها من طعام منتهي الصلاحية، خاصة تلك الدجاجة الكاملة التي لم تُأكل منها نتفة واحدة. في الصباح الباكر، كعادتهما، التقَت المرأتان عند الباب، تدخُل لويز وتُغادر ميريام، لتعود هذه الأخيرة في المساء مُصادفةً مشهدا من فيلم رعب في لم يكن في الحسبان: هيكَل الدجاجة التي ألقَتها في الليلة الماضية، مُشذبا من اللحم نظيفا من الدهن، بلا كسر ودون أن تنقصه عظمة واحدة، متربعا على طبقٍ وسط مائدة المطبخ ! في تحد واضح، أخرجت لويز الدجاجة الملقاة مِن كيس الأزبال، وأكلَت منها هي وجعلت الطفلين يتنافسان على ذلك آمرةً إياهما ألا يُفسِدا تناسُق الهيكل العظمي، كما علِمت ميريام من ابنتها ذات الأعوام الخمسة. كيف تجرأت لويز على تحدي صاحِبة البيت على هذا النحو؟ هل كان ذلك أول دليل على أن المربية بدأت تفقد قدرتها على الصبر والتحكم؟ بالنظر إلى التراكمات النفسية التي عاشتها لويز، واعتبارا للفترة العمرية الحرجة التي صادفت وجودها في بيت بول وميريام، وما يعتريها من اضطرابات هرمونية تؤثر على المزاج.. فإنه لا شك أن الجواب هو نعم. 2 هل من السليم أن نترك أطفالنا للمربية؟ لم تكن ميريام شَخصية سيئة، ولقد كانت لطيفة في تعاملها مع لويس إلى الحد الذي جعل زوجها يذكرها دونما مرة بأنها هي صاحبة البيت وليست لويز. لويز بدورها، لم يسبق –بحسب علم الوالدين- أن أساءت معاملة إيما آدم، بل إن الطفلين أحباها واعتبراها أما بديلة. وكل ما فعلته ميريام هو أنها سعت لتحقيق الحلم الذي طالما راودها في أن تصبح مُحامية هي التي عشقت القانون ودرسته، لكنّ زواجها وإنجابها طفلين في عمر مبكر جعلها تؤجل هذا الحلم، وربما تلغيه لولا.. لولا ظهور لويز. كانت ميريام امرأة بائسة بحقّ، ظروفها المادية كانت قاسية، هيأتها رثة.. كانت تعرف أن بوسعها قلب الوضع لصالحها، لكن لمن تترك طفليها الجميلين؟ من تأتمن عليهما؟ ثم ظهرت لويز.. كانت رقيقة كملاك، أحبتها ميلا منذ أول لقاء.. واختارتها بعد أول دعابة أطلقتها لويز، ثم صارت هذه الأخيرة جزءا من الأسرة. وبفضلها استطاعت ميريام أن تغيب عن البيت نهارات كاملة، وهي وزوجها في غاية الاطمئنان. عمل ميريام هذا، سيحسن من وضع آل ماسيه المادي، وسيصنع الفرق. كأن المؤلفة تريد أن تقول بذلك، أنّ كلّ ما يجنيه الأثرياء على هذه الأرض ما كان ليتم لولا الفقراء والبؤساء من مواطنيهم. الغني يحتاج إلى الفقير حتى يزداد غنى، بينما تزداد أوجاع هذا الأخير وإحباطاته، ليشعر في داخله أنه كدجاجة أُكل لحمُها وجلدُها وشحمها وتُرك في صَحن هيكَلُها الذي لا يصلح لشيء.. إنها الصورة البليغة. 3 عاصمة الأنوار حناءٌ على شعر مُقمّل ثمة مثل أمازيغي يقول: “رْحني خْ تيشي” ترجمته الحرفية “الحناء على رأس المقمّل” ويستعمل للسخرية ممن يحاول تزيين وضع رديء دون معالجته من الداخل أولا. لويز تعيش في باريس، عاصمة الأنوار التي يحلم الكثير من الشباب في عالمنا بالهجرة إليها، والعيش بين أحضانها. بينما تصور ليلى سليماني الوجه القبيح والنَّتن لهذه المدينة من خلال حياة امرأةٍ يقهرها الفقر وتُثقلها الديون والضرائب. في باريس توجد مناطق رمادية مخصصة للبؤساء يعيشون فيها دون أن يحق لهم التعبير عن غضبهم ويأسهم..كأن باريس تخفيهم داخِلها، مغطيةً إياهم بقناعها البهي ذي الألوان الزاهية.. لويز، امرأة فقيرة، وعوض أن تساعدها الدولة تقهرُها وتُثقل كاهلها بديونٍ تخصّ منزلا لم تعد تمتلكه، هي التي تسكُن غرفة بائسة (استوديو) لا تدخلها إلا ظلاما خوفا مِن عيون مالِكها المُتطلِّب. كيف يعقل أن تضم الجمهورية الفرنسية مَوئل إحدى أعرق الثورات في تاريخ البشرية أُناسا مثل لويز؟ أناسا لا مأوى لهم؟ أين حقوق الإنسان؟ بل أين هي الإنسانية؟ ومع ذلك فإن هؤلاء الذي يجب عليهم أن يكدّوا ليلَ نهار دون أن يستطيعوا توفير أبسط حقوقهم (السكن اللائق) إنهم أناسٌ يعيشون داخل باريس، إلا أنّ كل نصيبهم منها، مشاهدة مواطنيهم المُرفهين داخل المحلات والمطاعم والتفرُّج على واجِهات المحلات الزجاجية وقِطع الثياب الغالية، دون أن يكون لهم أي حق في اقتناء شيء مِن ذلك. ما الذي تفعله الرأسمالية المتوحشة بالعالم؟ 4 هل يحمي الحذر من القدر؟ لا بد لكل من يقرأ الرواية أن يضع نفسه مكان آل ماسّيه ويسأل: ألم تكن هناك إشارة واحدة على أن لويز يمكن أن تكون قاتلة؟ تصوّر الروائية بعض تجليات السلوك العدائي عند لويز، لكنها تجليات طفيفة وغير مؤكدة، إذا استثنينا قصة الدجاجة. لويز عاشت بين آل ماسيه لسنين وقبل ذلك عاشت بين أناس يحترمونها، عاشت كأنها كأسٌ ظل يُملأ ويُملأ ولَم يحن له أن يفيض إلا حين صار في منزل ميريام وبول.. صِدقا لا يحمي الحذر من القدر. 5 والمرأة والتحرر والوظيفة لويز كانت تجمع كل صفات المربية الصالحة. وقد اختارها بول وميريام بعناية من بين عدة مربيات، حَرِصا على أن لا تكون عَجوزا ولا مُدخِّنة ولا مُحجبة.. وإن لم يكن من الممكن ائتمان مربية فيها كل مواصفات الإنسان الرصين المتزّن نفسيا على أطفالنا، فإن نساء العالم كلهّن مخيرات بين الجلوس في البيت لرعاية الأولاد، أو الخروج للعمل.. 6 الـ “تمغربيت” في الرواية في الرواية مغربيتان: وفا وميريام، وكلتاهما منسجمتان تماما في المجتمع الفرنسي، مع فارق أن ميريام مولودَة في فرنسا وذات أصل مغاربي، ووفا مغربية تنتظِر تسوية وضعية إقامتها داخل الأراضي الفرنسية، معتمدة في ذلك على الزواج من رجل فرنسي لا يجمعها به غير المصلحة. لكن هناك رائحة أخرى لتمغربيت في الرواية: ميريام الأم الثكلى خلال بحثها عن مربية، كانت تتجنب أن تتعثر بواحدة من أصل مغاربي، وقد عللت ذلك لزوجها بكونها لا تريد أن تُفاجأ ذات يوم بطفليهما وهما يتبادلان مع مربيتهما كلمات عربية. لم تكن تريدها محجبة أيضا، كأن ميريام المغاربية الأصل تتفادى كل ما يمت بصلة لأصلها وفصلها.. السبب لا تشير إليه الرواية، وبهذا يبقى باب التخيلات مفتوحا للقارئ. 7 أغنية هادئة: الأغنية الهادئة، أو تلك التي تبدو لنا هادئة، حين نصخي السمع إليها بتركيز قد نتفاجأ بوجود عدد غير يسير من الآلات الموسيقية، أوركسترا كاملة: كمنجات، وفيولات، وكونترباز، وهارمونيكا، وناي، وبانفلوت، وأورج، وأحيانا طبل وكورال أيضا. لكننا لا ننتَبه لأنّ اللحن الهادئ يغمرنا.. الأغنية أيضا تختلف عن الموسيقى بأن فيها غناءً، فهل تسرقنا الألحان من سماع ما يقولُه المغني؟ هل نُصغي إليه وإلى وجعه؟ الأغنية الهادئة لا تُخفي أشياء ولكنها تضمّها بين الأصوات المتعددة، وما علينا إلا أن نركز جيدا حتى يتبدى لنا أقل صوت وأرقّ نغم. و ما هذه التي بين أيدينا إلا أغنية هادئة واحدة من بين أغنيات عِدة.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٥‏/٦‏/٢٠١٨
مع تطور الحياةِ وتقديم النظام الرأسمالي لمزيد من الإحتياجات المُفتعلة تتكاثر مشاكل الإنسانِ وتذوي عاطفتهُ ويُصبحُ قريباً من صورة الكائن الذي قدمته (ماري شيللى) في روايتها (فرانكشتاين)، إذ لم يَعُد له إهتمام خارج الأعمال الوظيفية فالبتالي لايوجد مايبعث على الإستغراب إذا تَحولت المشاعر الإنسانية إلى سلعة مُتداولة في سوق العمل، تُواكبُ الكاتبة الفرنسية من أصل مغربية (ليلى سليماني) في روايتها (أُغنية هادئة) التي فازت بجائزة غونكور 2016وصدرت ترجمتها العربية مؤخراً تداعيات تفشي ظاهرة المربيات المستأجرات في المُجتمع الفرنسي بوصفه نموذجاً لمجتمعات حديثة حيث تُشخصُ حالة النساء اللائي يتكفلنَ برعاية الأطفال الذين عندما يشبَون عن الطوق لايتعرفُون عليهُنَّ كأنَّ بالكاتبة تُشيرُ إلى نوع جديد من العمال وهم مُغْتَربون بما ينتجونهُ، وهذا يبدو واضحاً حين تتحدثُ صاحبة (في حديقة الغول) عما تتخيله بعض المربيات التي كلما صادفن مراهقين ربينَهُمْ لما كانوا صغاراً بأنهم يعرفونها لكن الخجل هو مايمنع التواصل بين الطرفين، لا مراءَ أن هذا الأمرُ له تأثير على الجانب النفسي لدي طبقة النساء القادمات من بلدان اسيوية وأفريقية، وبذلك تتجاوز ليلى سليماني الدائرة الضيقة لموضوعات راهن عليها الكُتاب الذين هاجروا إلى الغرب من بلدان ذات هوية إسلامية إذ إعتمدوا المشكلات المنتشرة في بيئة المنشأ تيمات لأعمالهم الروائية بينما إستقت الفائزة بجائزة غونكور مادة مسرودها داخل المجتمع الذي تحتك به دون أن يؤدي ذلك إلى إنسلاخ الرواية من أبعادها الإنسانية العميقة. بداية درامية لايمكن توصيف ما تستهل به الروايةُ إلا بأنه صادم لإنَّ المشهد الذي يصورُ مسرح الجريمة يأتي مناقضاً مع مايوحي به العنوان، إذ ماتراهُ يذكرك ببدايات أفلام الجريمة التي يغيبُ فيها الحوارُ وينقلُ لك الكاميرا صور سيارات الإسعاف ورجال الشرطة وأشرطة تُعزل مكان الحادث عن المارة تمهيداً لإجراء التحقيقات، تبدأُ رواية ليلى سليماني على هذا المنوال أيضاً حشد من الناس ومقتلُ طفلة ونقلُ أخيها إلى المستشفى فالأخير يعانى ضيقاً في التنفس، والأُمُ في حالة الإغماء ومن ثُمَّ يتوالى عرض الظروف التي إختارت فيها الأسرة لويز مربية لطفليها إذ إتصل بولُ بمشغيلتها السابقة لمعرفة المزيد عن شخصية المربية يبدو أن مايسمعه والد الطفلين مُشجعاً فعلاً أن تعامل المرأة مع (ميلا، آدم) يفيضُ بالمودة وتملأُ ما يتركه غياب مريم من الفراغ العاطفي، فالاخيرة قررت مزاولة العمل عقب لقائها بزميلها الجامعي باسكال وتجاذبا أطراف الحديث وتلقيها رسالة نصية منه بعدما عرفت بأنَّ باسكال تدير مكتباً للمحاماة مبدياً إستعداده لمناقشة فكرة عودة زميلته إلى العمل إن هي لديها رغبة في ذلك الأمر، وجدت مريم في عرض باسكال فرصة للخروج من رتابة حياتها العادية سرعان ما إنغمست في تفاصيل عملها أحياناً تقتضي طبيعة العمل بأن تغادرَ البيت للإحتجاج على قرار الإعتقال أحد المتهمين وبذلك تطول أوقات العمل ما يجعلُ اللقاء بينها وبين زوجها بول أمراً نادراً فهو بدوره يقضي جُلَّ وقته في إستديوهات ملبياً مطالب المغنيين في تسجيل الأصوات وتوزيع الموسيقى، لذا تنظمُ المربية شؤون البيت بل تعوض الوالدين في حضور الإجتماعات المدرسية تقوم لويزحتى بما ليس ضمن لائحة واجباتها، ويذيعُ صيتها كطباخة ماهرة بين أصدقاء بول، على الرغم من توبيخ مديرة مدرسة (ميلا) لمريم متهمة الآباء والأمهات بالإهمال كما حملتها حماتها مسؤولية مرض الإبنة غير أن كل هذا لم يَعُدْ يؤثر على مسار المحامية النشيطة، لكن بجانب الهدوء الذي يسودُ عالم أسرة (بول ومريم) حيثُ ساهمت لويز في بنائه ثمة عالم آخر مشحون بالتوتر والتوجس من تضخم المشاكل تتداعي أركانه يوما بعد اليوم هذا هو شكل الحياة الخاصة للمربية لويز، إذاً يتنقلُ الراوي العليم الذي هو وجه آخر من الذات الكاتبة بين حيوات لويز، ويستبطنُ سرائر شخصيتها، إضافة إلى ذلك يمتازُ أُسلوب الكاتبة بالتناوب بين المشاهد بحيثُ لايسترسلُ السردُ في رصد موقف معين إنما يتحولُ من مشهد إلى آخر بعدما يصحَبُك الراوي في رحلة أسرة (بول) إلى اليونان برفقة المربية والإستجمام في جزيرة سيفنوس سينطلقُ الراوي من وجهة نظر السيدة روزغرينرغ لوصف شخصية لويز والإنطباع الذي ستأخذه منها بساعات قبل وقوع الحادث، كما يتضحُ في السياق نفسه مصير إبنة المربية (ستيفاني) التي هربت إلى الجنوب ويُذكرُ سبب إختفاء ستيفاني فوجودها لم يعجبْ زوج الأمِ جاك مع أنها أخذت تساعدُ الأم في بعض الأمور الخاصة برضاعة الأطفال، أخيراً تغادرُ هذه الأجواء الخانقة، مُثيرة السؤال هل تنجح في صناعة حياة أخرى مغايرة لما تعيشهُ الأمُ؟ بهذا يكون الضوءُ مُركزاً على شخصية لويز وعلاقاتها مع فرانك الرسام الذي أبى الإقرار بإن سيتفاني إبنته من المرأة التي تخدمُ أُمه العجوز جونيفيف بل هو نصح لويز بإسقاط الجنين، زدْ على ذلك فإنَّ الكاتبة تُمرر المواقف التي تَنُمُ عن الشعور بالإستعلاء لدى الأُسر التي تشتغلُ لديها لويز، فآل روفيي لايعجبُ لهم وجود ستيفاني إبنة المُشغَلة في بيتهم ولا إختلاطها بإطفالهم كما يتضايقون عند رؤية أمارات الشعور بالإستمتاع بادية على ستيفاني كأن الإستمتاع ليس مهنة لهذه الطبقة المسحوقة، ضف إلى ذلك ماتم إيراده في سياق هذا العمل من مقاطع سردية بصيغة خبرية كلها تهدف إلى إبانة التناقضات التي تُفندُ صحة الصورة التي تخليناها عن الغرب بإعتباره قطعة من الفردوس. بابل حديثة بما أنَّ لويز تستقطبُ إهتمام المتلقي وتظل محوراً لكل الوحدات السردية لذا ما إنفكَّ السؤالُ عن الدافع وراء إرتكاب الجريمة يشغلُ ذهن القاريء وذلك يعتبرُ عاملاً للحفاظ على عنصر التوتر الدرامي طوال الرواية إذ أنَّ شبح الجريمة يلوح في تلافيف كل مفصل، وما تندمجُ في بناء القصة الأساسية من قصص أخرى مثل ماترويه وفاء عن رحلتها من الرباط إلى باريس وعملها في أحد الفنادق ومن ثم زواجها التمويهي بيوسف للحصول على مستندات ضرورية لمطالبة بالجنسية الفرنسية، إذ إختارت الكاتبة الحديقة كونها مكاناً مفتوحاً وعاماً للقاء بين وفاء ولويز وغيرها من المربيات من الأجناس والألوان المُخْتَلِفة بحيثُ تبدوالحديقة بابل العصر الحديث وسوقاً للبحث عن المربيات، كل ذلك يُقربُك أكثر من الحدثِ الذي يستندُ إليه البرنامجُ السردي، كما تعولُ الكاتبةُ على مشاهد وامضة لتعزيز القناعة بتفاقم ظاهرة التمييز العنصري حيثُ يتعجبُ أفرادُ أسرة بول حين مصادفتهم لويزفي الشارع تمشي لوحدها وتنظر إلى واجهة المحلات مايعني أن هؤلاء لايتصورون وجود حياة أخرى لمربيات خارج مايحددونه لها في منازلهم، كما تتعرض لويز للتوبيخ من صاحب المنزل الجشع الذي يستغلُ المغتربين بطريقة أخرى، تتراكم المشاكل ما ينعكس على طبيعة العلاقة بين مريم ولويزهذا من جانب وماتمرُبه المربية من سوء الأوضاع والإحتقان النفسي من جان آخر.يقودكَ من جديد إلى النقطة التي إنطلقت منها الرواية، إذ تبدأُ النقيبة نينا دورفال في شارع هوتفيل بإعادة تمثيل الجريمة، ولحظة مقتل ميلا على يد المربية التي كانت تُهْدهدُ بأغنياتها الطفلين قبل أن يدفع بها الغضب الثاوي في أعماقها إلى دائرة الإجرام، تُحسبُ للكاتبة دقة الإختيار للموضوع ومن ثُمَّ أبانت مشكلة لم يسبق لغيرها مُقاربتها بهذا الأسلوب المُكثف والمشوق كما برعت الكاتبة في توزيع مادتها بطريقة تولد فائضاً من المتعة أثناء قراءتها.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٥‏/٦‏/٢٠١٨
بعد رواية أولى “في حديقة الغول”، 2014 وضعت الكاتبة المغربية المقيمة في باريس منذ سبع عشرة سنة ليلى سليماني قدمها على درب الكتابة السردية، لتنشر رواية ثانية عنوانها “أغنية هادئة” حازت إعجاب النقاد والقراء على حدّ سواء، ووصلت إلى القوائم القصيرة للجوائز الفرنسية الكبرى، وأهمها غونكور التي منحتها جائزتها لهذا العام. وهي العربية الثالثة التي تفوز بها بعد المغربي الطاهر بن جلون واللبناني أمين معلوف. امرأة محطمة تنتمي رواية “أغنية هادئة” إلى جنس القصص السيكولوجية المثيرة، التي تقوم على التشويق والمواقف المتشابكة، وهي هنا لا تتوقف عند الحدث، بل تبحث عن الدوافع التي أدت إليه، والعوامل النفسية والاجتماعية التي مهدت لوقوعه. فمنذ الصفحات الأولى يُصدم القارئ بجريمة قتل فظيعة راح ضحيتها طفلٌ وَأخوه الرضيع، والمكان بيتهما الذي يفترض أن يكون مرفأ آمنا، والقاتل حاضنُتهما التي عافها الموت بعد محاولة انتحار فاشلة. وينتأ في ذهنه سؤال محيّر: “لماذا؟” ذلك السؤال الأزلي منذ بدء الخليقة كما يقول أمبرتو إيكو، هو ما سوف تجهد الرواية في تلمس إجابته، والإيحاء بأسبابه، وتضع الإصبع على بعض أدْواء حياتنا المعاصرة، والعلاقات المريبة بين السّيّد والمسود في مجتمع مديني متطور. المفارقة أن هذه “النونو”، كما تسمّى في العائلات الموسرة، اختارها الأبوان بول ومريم ماسّيه بعناية، واشترطا ألا تكون “عجوزا ولا محجَّبة ولا مدخِّنة”، فكانت لويز ملبية لتلك الشروط وزيادة، حيث وجدا فيها منذ الأيام الأولى “لؤلؤة نادرة”، حازت كل صفات المربّية الرؤوم، والخادم النشيطة، التي تدبر شؤون البيت وحاجة الطفلين كأحسن ما يكون التدبير، في غيابهما. ذلك أن الأب المنتج في غياب دائم لظروف العمل، والأم المحامية قررت بعد إجازة الولادة أن تلتحق بمكتب محاماة. وكان الزوجان يقابلان رعايتها بالبيت وبطفليهما بحنان بالغ، حتى صارت لديهما فردا من أفراد العائلة، لا يترددان في دعوتها إلى مرافقتهم جميعا حتى خارج فرنسا في أوقات العطل. بمرور الأيام، صارت لويز لا غنى عنها، خصوصا بالنسبة إلى مريم الموزعة بين أمومتها ورغبتها في النجاح المهني. ولكن ما لبثت حالة الحاضنة النفسية أن تأزمت، واستبد بها شعور حاد بالوحدة، فبدأت تستعيد أحلامها المجهضة، وتوازن بين وضعها كخادم تأتمر بأوامر سيّديها، وتلبي رغباتهما، ووضع هذه العائلة المحظوظة، فتنقم على هذه الفوارق الاجتماعية التي تميز بين خلق الله، وتستحضر شتى الأحكام المسبقة لتغذي غيرة سرعان ما تحولت إلى حسد ثم إلى حقد، وتنغلق على نفسها شيئا فشيئا، وتمعن في هذيان سوف يدفعها إلى تلك العاقبة الوخيمة، ما يعني أن جدلية السيد والعبد تستند دائما إلى شيء غير سويّ. فخلف المظاهر الخداعة، تختفي في الواقع امرأة محطمة، كانت تنحدر يوما بعد يوم إلى قيعة مظلمة، في غفلة من الأبوين اللذين لم يلحظا في سلوكها ما يريب، لانشغالهما بحياتهما المهنية، وفي سقوطها أوقعت الطفلين معها. والقارئ، في هذه المأساة المعلنة، يتقدم يقظا، موتورا، يدفعه الفضول إلى أن يتلمّس في هذا التوازن الظاهر العلائم المنذرة بالكارثة. الرواية تغوص في دهاليز النفس المظلمة، وتسبر جرائر الوحدة وآليات الإذلال والهيمنة الاجتماعية أغنية للتهديد تحيلنا شخصيات الرواية على قبح المجتمعات الغربية، التي تتغذى من الفراغ، فمريم التي تركت بيتها وطفليها من أجل المحاماة، لا تدري عمن سوف تحامي ولا عن أي قضية سوف تدافع. وبول الذي فعل الشيء نفسه لتحقيق حلمه بإنتاج موسيقيين أيّا ما يكن لونهم الفني أو هويتهم، لا يسترعي اهتمامه غير ساعة الروليكس التي يحاول إخفاءها عن أمه سليلة جيل مايو 68 المتمرد على البورجوازية والليبرالية. ولكن الانحراف الأكبر تمثله لويز، تلك الأربعينية الهزيلة والمحبطة، التي تعيش وحيدة في بيت قذر، وكانت قد ضاقت ذرعا بابنتها، بعد أن هجرها زوج كان لا يتورع عن تعنيفها، وآثرت تربية أبناء الموسرين. وكانت عند لقائها ببول ومريم مثقلة بالديون، فقبلاها بحفاوة دون أن يكلفا نفسيهما البحث عن أصلها وفصلها قبل أن يوكلا إليها أعز ما يملكان، وكأنهما سعيدان هما أيضا بالتخلص من حمل ثقيل يعرقل طموحهما. والكاتبة لا تقع في مانوية مبسطة، تضع في جانب أُمًّا لم تلحظ شيئا ولم تتوقع من خادمتها شيئا، وفي الجانب المقابل امرأة يسوقها قدرها إلى الجنون، بل تضع المرأتين في علاقة غير متناظرة، تجعل كليهما في طرفي نقيض من السلّم الاجتماعي، حيث تراقب إحداهما الأخرى وتغبطها على حظوة مزعومة. الأولى تُخضع أمومتها لما يشبه التعاقد من باطن، فتوكل للثانية أغلى ما عندها، دون أن تعرف شيئا عنها، أو تتحدث إليها. والثانية تعمل على إخضاع العائلة كلها لمشيئتها بتصرفات تبدو في الظاهر بريئة، ولكنها تنمّ في الواقع عن نية مضمرة. "أغنية هادئة" تنتمي إلى جنس القصص السيكولوجية المثيرة، التي تقوم على التشويق وكشف أعماق الشخصيات “أغنية هادئة” هي في الأصل أغنية تهدهد بها الأمهات أطفالهن، ولكنها هنا أشبه بموسيقى جنائزية، تصور من خلالها الكاتبة الأمومة واستلاب الخدم في عصر التحرر الأنثوي، وهي ثيمة لم يهتم بها الكتاب الفرنسيون منذ أوكتاف ميربو في “يوميات خادمة” وجان جينيه في “خادمات” إلا عرضا. إنها رواية الغوص في دهاليز النفس المظلمة، وسبر جرائر الوحدة وآليات الإذلال والهيمنة الاجتماعية، والتأكيد على أن الإنسان يمكن أن يكون جلاّدا وضحية في الوقت نفسه.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٥‏/٦‏/٢٠١٨
«توفي الرضيع. لم يستغرق موته سوى بضع ثوان (...) أما الطفلة الصغيرة، فكانت لا تزال حية عند وصول النجدة». بهذه الكلمات وعلى جريمة مروعة ارتكبتها مربية في حق طفلين ترعاهما، تفتتح من سطورها الأولى رواية «أغنية هادئة». يكاد القارئ لا يلتقط أنفاسه، فهو يتابع صورة الأم المذعورة والمنهارة أمام مشهد ولديها الممددين بلا حراك، والقاتلة التي تحاول أن تنتحر، ورجال التحقيقات الذين يلملمون الألعاب المتناثرة ويضعونها في أكياس بلاستيكية، ويرفعون البصمات. بداية صادمة لرواية بديعة، نالت بمجرد صدورها باللغة الفرنسية اهتمام القراء، ثم توجت بالـ«غونكور» أرفع جائزة أدبية في فرنسا، وكتب حولها الكثير، لكنها بقيت مجهولة بالنسبة للقارئ العربي. صدور ترجمتها بعد أربعة أشهر من فوزها بالجائزة، عن «المركز الثقافي العربي» وبدعم من وزارة الثقافة المغربية، يتيح للقارئ العربي التمتع بنص إنساني عميق نادراً ما يجده في الإصدارات الروائية العربية التي سيّست أكثر مما تحتمل، وسطحت حتى بات تراكم الأحداث والشخصيات وأحياناً الجثث فيها، من المخارج المحببة للكاتب، بدل أن يعتمد الاستبطان وسبر أغوار الشخصيات. الكاتبة الشابة ليلى سليماني (مواليد الرباط 1981)، ذات الأصول المغربية، التي اختارت فرنسا مكان دراستها الجامعية وإقامتها وعملها صحافية، هي المرأة العربية الأولى التي تفوز بـ«غونكور»، بعد كاتبين رجلين هما الطاهر بن جلون عام 1987، وأمين معلوف عام 1993. «أغنية هادئة» هي روايتها الثانية بعد «في حديقة الغول»، وهي بسيطة، تستعير الحياة اليومية لمشاهدها، وعائلة كملايين غيرها في العالم، وأحداثاً تتكرر باستمرار، ولا يمكن أن يتبادر إلى ذهن أحد أنها قد تؤدي إلى فاجعة. توحي الكاتبة بأنها روت القصة كلها في الصفحات الثلاث الأولى. مات الطفلان، وبقي الوالدان أمام كارثة لا تصدق، أما المربية فذهبت إلى المحاكمة. قد يظن القارئ، ألا شيء تبقى أمام ليلى سليماني لتحكيه إلا ما سيحل بهذه القاتلة بعد القبض عليها. لكن ما سيحدث هو العكس تماماً. فالقارئ لا يفعل طوال الصفحات المئتين واثنتين وعشرين للرواية سوى استعادة ما حدث، ومحاولة فهم، كيف وصلت عائلة عادية استعانت بمربية إلى هذا الدرك الجحيمي؟ وما الذي دفع بالسيدة المثالية التي أدهشت الزوجين بتفانيهما في خدمتهما إلى قتل طفليهما البريئين؟ نص جميل يلتهم في جلسة واحدة، لا لملاحقة القصة وخيوطها الضائعة، لأن الحكاية تقرأها على الغلاف الأخير كاملة، وهي بسيطة ومفجعة في آن واحد. مريم وبول، هما والدا آدم وميلا. تضيق مريم ذرعاً بمهمتها الأمومية التي تجعلها حبيسة المنزل وتعيقها عن أي ممارسه مهنية، هي المحامية التي حلمت بالمحاكم والمرافعات والنجاحات، ووصلت بسبب كبح طموحها ومهماتها المنزلية المنهكة، إلى حافة الانهيار. لقاؤها بزميل قديم ناجح عرض عليها العمل معه، فتح لها أبواب الأمل. الزوج بول ذو شخصية دمثة، لطيفة، متجاوبة، ومتفهمة. الإعلان الذي طلبا عبره مربية، جعلهما أمام مهمة اختيار، بين عدة سيدات توافدن على المنزل من جنسيات مختلفة. اختيارهما للويز، السيدة البيضاء الرصينة، سيغبطان نفسهما عليه، وكأنهما لا يصدقان هذا الحظ الذي غير حياتهما. نطوي الصفحات ونحن نقرأ عن تسلق الزوجين سلم النجاح، درجة تلو أخرى، بعد أن اطمأنا إلى أن طفليهما في أياد أمينة. «وبدأت أوقات عمل مريم تطول أكثر فأكثر... وبمقدار انزعاجها من هذا الجانب، كانت في قرارة نفسها مسرورة من تطوع لويز للقيام بأعمال لم تطلبها منها قط». تعمل لويز رويداً رويداً على انتزاع سلطات جديدة في المنزل، ثم يصبح اصطحابها، في الإجازات أيضا، أمراً لا بد منه. وصارت «كجندي يصرّ على التقدم مهما كلفه الثمن. وأشبه بكلب كسر أطفال أشقياء قائمته». لا تتعب لويز هي التي «لم تعد ترغب إلا في شيء واحد: أن تعيش معهم، وتجد مكاناً بينهم، وتحفر عندهم وكراً». الرواية كلها عبارة عن «فلاش باك». عودة إلى الوراء لنسمع الحكاية بلسان محايد، من راو يرى الأمور من عل، يستكشف المشهد كله أمام القارئ، ويتركه يتمكن من خريطة تكتمل تدريجياً، خاصة حين نذهب أيضا إلى حياة لويز، ولادة طفلتها ستيفاني نتيجة حياة نصف متهتكة. زواجها غير الموفق من جاك الذي لا يترك خلفه غير الديون، ثم هجر ستيفاني أمها بغتة واختفاؤها، وبقاء لويز وحيدة في منزل كئيب، وسخ ومهمل، تتركه كل يوم لتذهب وتعتني بنظافة منزل آخرين، محرومة من ابنتها بينما عليها أن تجلب السعادة لأولاد غيرها، وهي تفعل ذلك بكل رحابة، لكنها تنتهي إلى الانهيار. «أغنية هادئة» هي قصة مجتمع عصري، مشغول بالطموح، وحب الوصول. مجتمع لاهٍ عن أساسياته لأنه ابتكر جوهراً بديلاً سرعان ما يكتشف الناس أنه لا يجلب السعادة، ولا يملكون الاستغناء عنه. هي قصة الوقت الضيق دائماً، الذي لا يسمح للأهل بالسؤال عن ماضي الشخص الذي يعهدون إليه بأعزّ ما يملكون. وهذا الشخص الذي غالباً ما يأتي من بيئة بائسة، وعليه أن يواجه مسرات الآخرين برحابة غير إنسانية. الراوي المحايد، تقنية سمحت للروائية ليلى سليماني، أن تقدم لقارئها حكايتها بمشاهد بانورامية تنتقل فيها بين بيت لويزا وعائلتها ومحيطها وأماكن عملها السابقة ونزهاتها القليلة، ويوميات بول ومريم وأصدقائهما ومحيطهما وأماكن عملهما وإجازاتهما ومنزل الجدين، كما سمحت لها بأن تنتقل في الزمن تقديماً وتأخيراً، كما تشاء، وبحرية لا تشعر القارئ بالإرباك أو فقدان خيط القص. لذلك مهما تعددت الأماكن والأحداث، نجد أنفسنا أمام أسلوب بسيط، سلسل، يتدفق صوراً ومشاهد وأحداثاً، لا تترك مجالاً للإرباك أو التعثر. تسمح «أغنية هادئة» برؤية تأملية متمعنة، في كثير من الظواهر التي باتت جزءاً من يومياتنا دون أن تستوقفنا، تأخذ قارئها إلى عالم الأطفال، عالم الأعمال، عالم الخادمات والمربيات أيضاً اللواتي يجتمعن في الحديقة القريبة من منزل مريم، بعد أن يجلبن الأولاد الذين يعنون بهم لتسليتهم. هناك تلتقي لويز بوفاء، التي تصبح صديقة لها دون أن تكشف عن دواخلها الشريرة. التغيرات التي تطرأ على سلوك لويز، تشعر أصحاب البيت بالأرق، دون أن تجعلهم يتخذون أي تدبير لصرفها من العمل. الوقت ضيق، والانشغالات كثيرة، ولا مجال للتوقف والتأمل. تتمادى لويز في التخطيط لجعل وجودها في البيت قدراً لا يمكن الاستغناء عنه. يصل الأمر إلى حد تدخلها لدى الزوجين لإنجاب طفل ثالث: «سيحل هذا الطفل كل مشاكلها. يكف عنها الألسنة النمّامة في الحديقة. ويصون منزلتها داخل مملكتها. اقتنعت بأن ميلا وآدم لا يتركان لمريم وبول الوقت للاهتمام بنفسيهما. وهما بذلك يعرقلان ميلاده. وإذا كان الزوجان لا يلتقيان، فالطفلان هما السبب». نطلع على جانب من التحقيقات، لكننا لن نعرف أبدا ما الحكم الذي سيصدر على لويز؟ ولن نسمعها تروي بلسانها ما دفعها إلى القتل. كل توقعات القارئ تذهب سدى، ومع ذلك يبقى مستمتعاً. فالحكاية هي عن كل هؤلاء النساء المطعونات في أمومتهن، المعذبات في قصورهن المهني، وتشتتهن بين الواجبات الكثيرة والرغبات الدفينة. حكاية الإنسان العصري المدمى بالتناقضات ومحدودية الإمكانات. رواية هادئة وسلسلة تقود إلى بركان من الأسئلة.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢‏/٧‏/٢٠١٧
منحت جائزة غونكور، للفرنسية من أصل مغربي ليلى سليماني (35 عاما) عن روايتها "أغنية هادئة"(أو "عذبة" أو "حلوة" كل يترجمها بمزاجه). وتصبح سليماني ثاني مغربية ومغاربية تفوز بالجائزة العريقة بعد الطاهر بن جلون الذي نالها عام 1987 وهو اليوم ومنذ عدة سنوات أحد أعضاء لجنة تحكيم نفس الجائزة(وسبق أن كتب عن الفائزة). وتصبح ليلى سليماني من جهة أخرى ثالث عربية تفوز بهذه الجائزة بعد بن جلون واللبناني أمين معلوف (1993). وبحسب بعض المراقبين لم يأتِ فوز سليماني (1981) مفاجئاً حين تمّ إعلانه، لأنّ الترحيب الذي لاقته روايتها الثانية مهّد لفوزها بالجائزة الأدبية الأعرق في فرنسا. وبدت المنافسة محتدمة بين رواية سليماني وبقية روايات القائمة القصيرة: "الآخر الذي نعشقه" (غاليمار) لكاترين كوسيه، "وطن صغير" (غراسيه) لغاييل، "آكلة لحوم البشر" (سوي) لريجيه جوفريه. وبرغم ان ليلى سليماني شبه مغمورة في العالم العربي- المشرقي تحديداً، ولم تترجم ولا يوجد عنها بالعربية سوى مقالات نادرة على الانترنت، سارع بعض الكتاب(العرب) الى تدوين المطولات عنها، والتي تشبه بعضها، لأنها تستند الى وكالات. ولدت ليلى في العام 1981 في الرباط من أم ذات أصول فرنسية وجزائرية ومن أب مغربي، حين بلغت الثامنة عشرة من العمر، غادرت المغرب لتستقر في باريس. كانت تحلم بأن تصبح طبيبة نفسية، لكن ميولها الأدبية ستقودها إلى دراسة العلوم السياسية، قبل التسجيل في معهد لتلقين التمثيل، بعدها ستتابع ليلى دراستها في شعبة الإعلام في أحد المعاهد الباريسية العليا، لتتلمذ على يد كريستوف باربيي، مدير تحرير لكسبريس، الذي سيوفر لها تدريبا مهنيا في الأسبوعية. وجدت الشابة نفسها مثل سمكة في الماء في لكسبريس، فتوجهت إلى مجلة جون أفريك، وكانت حينها حديثة العهد بالزواج بأنطوان الذي التقته في حانة. الزوج مصرفي، بروتستانتي، حاد ورصين؛ على عكسها تماما: "لكنه يحب المتع مثلي. لدينا معا العشق للاحتفال". تقول ليلى. عملت خمس سنوات في مجلة "جون أفريك" ثم استقالت لتتفرغ للكتابة. "أغنية هادئة" (هي الرواية الثانية للكاتبة الغونكورية بعد "في حديقة الغول") سجلت مبيعات مرتفعة في المكتبات، وهي تروي قصة جريمة قتل طفلين على يد مربيتهما. ورغم هذه الأطوار التي تبدو تابعة لسرد "الإثارة" فإن الرواية تتطرق في العمق إلى العلاقات الاجتماعية القائمة على السيطرة والبؤس. أما رواية "في حديقة الغول" فصدرت في العام 2014 ورشحت لجائزة لو فلور في السنة نفسها. وتتناول قصة إعلامية تدعى أديل روبنسون أدمنت الجنس وخيانة زوجها بسبب مشاكل نفسية، وقالت إن ما عاشه رئيس البنك الدولي السابق دومينيك ستروس خان واتهامه باغتصاب خادمة في فندق بالولايات المتحدة الأميركية هو ما ألهمها تأليف الرواية، حيث تساءلت "شاهدت هذه الصور لرجل شاحب ومنكسر، وهذا ما جعلني أتساءل: كيف يمكن لرجل تحكم إلى هذا الحد في حياته ووصل إلى أعلى درجات مهنته أن يخسر كل شيء بسبب مسألة جنسية، وسرعان ما قررت تأليف الرواية على أن تكون البطلة امرأة". ويكتب الطاهر بن جلون عن رواية سليماني "الكتاب يفرض نفسه علينا ويجعلنا في وضع يمنعنا، أخلاقيا، من الحكم على الكاتبة". قبل أن يختم: "النهاية تتميز بحبكة ممتازة. الكتاب يمنح نفسه للقراءة دفعة واحدة، والقارئ يفتن بين طياته بقوة وجرأة وموهبة الروائية الشابة. فمرحى في حديقة الكتابة والخيال بجميع أشكاله". وتعتبر الكاتبة المغربية المرأة رقم 12 التي تحصل على الجائزة خلال 112 سنة من تاريخها. وقالت سليماني، وهي أم بدورها "إن فكرة أن تدفع لغرباء حتى يحبوا أطفالك بدلا منك هي فكرة ساحرة. تعيش الأمهات في خوف من ان يسرق الغرباء قلوب أطفالهن". وقالت للصحافيين الذين تجمعوا أمام المطعم الذي أعلنت فيه الجائزة "من الصعب الحديث عن الأدب وسط هذا الجنون". وأهدت سليماني الجائزة لوالديها، خاصة لوالدها الذي رحل قبل 10 سنوات. وبالرغم من أن القيمة المادية للجائزة لا تتجاوز 10 يورو، إلا أنه ستتسبب بزيادة كبيرة في مبيعات الكتاب... ويبقى السؤال هل تستحق ليلى جائزة غونكور؟ من باب فتح النقاش...