
كائنات محتملة
تأليف محمد عز الدين التازي
عن الكتاب
" كل المدن التي تنشأ فهي عادة تنشأ على فراغ، وحيث لا يكون شيء من آثار الخطى أو الذكريات، فقبل أن تكون هناك في زرقانة المرسى والديوانة ومحطة القطار، وقبل أن يظهر البنك ومركز الشرطة ومقر الباشاوية و المجلس البلدي، ما كان في زرقانة غير البرج، والعبيد الذين يعيشون بداخله و حواليه. برج بناه أحد الملوك القدامى لحماية الثغـور، وبأولائك العبيد كان يحارب ويَصُدُّ الهجمات ويحمي الثغر البحري، لكنه مات فبقوا هناك منسيين إلى أن جاء من أطعمهم وسَلَّحَهُمْ وأعاد تجنيدهم لحروب أخرى مع القبائل. وكان إلى جانب العبيد الذين يسكنون البرج أغراب جاءوا من القبائل ينتظرون أن تحدث معركة حربية ليتجندوا فيها مقابل ما يمكن أن يحصوا عليه من مكاييل القمح و الذرة وزيت الزيتون، وهذا لا يهم، فقد جاء يوم تجول فيه السنيور فردريكو سبيانو على متن فرسه الدهماء، وسار حول النهر ومضى بفرسه نحو البحر المحدود بجبلين ثم مشى نحو الخليج البحري وغابة الكالبتوس وكثبان الرمل الهائلة في الشمال. وفي تلك الجولة واتته فكرة بناء مدينة صغيرة، فالسنيور سبيانو مهندس متخصص في هندسة المدن، ولقد أغراه المكان القاحل بتنفيذ خطة فأنهى جولته على فرسه الدهماء وتفرغ لوقت قليل لدراستها من كل الجوانب وتوظيف كل العناصر البشرية و الطبيعية لصالحها. اغتبط السنيور سبيانو، وشرب كأسه، ودعا امرأته لمراقصة جميلة، وكان قد خطط لكل شيء. بدأ الأمر بالتخطيط لمدينة هلالية الشكل، تقع محمية بالجبليين بين مصب النهر وبين الخليج البحري، وكثبانُ الرمال وإيجاد مقالع للأحجار يمكن أن يساعدا على ترصيف الطرق واختطاط معالم مواقع البنـاء، وفكر في مولد كهربائي، وفي جلب المياه من الآبار وتصريف الفاسد منها في مطامير سوف يستفها الرمل، كما فكر في بناء كنيسة كاثوليكية في وسط المدينة و في إنشاء حدائق صغيرة. وفر المواد واستأجر الأغراب الذين كانوا ينتظرون حدوث معركة ليتجندوا فيها فجندهم في أشغال البناء وترصيف الطريق وزرع الأشجار. والحوانيت الأولى التي فتحت أبوابها كانت لتزود عمال البناء بالمواد الغذائية، كما بني أول حمام عمومي يسخن الماء بالحطب لاغتسال العَمَلَةِ في ليلة الجمعة وقد اتخذوا من ساحة عراء مكانا لصلاة الجمعة بعد أن اتخذوا من بينهم مؤذنا وإماما، وقد شجعهم السنيور سبيانو على ذلك، ومنحهم عطلة في يوم الجمعة للصلاة كما ضاعف في ذلك اليوم من أجرهم ليذبحوا ذبيحة ويطبخوا الكسكس لغذاء جماعي فكان يأتي للغذاء معهم وهو ريان من خمرته منتش و ضاحك يتعلم منهم بعض الكلمات بالعربية ويعلمهم بعض الكلمات بالإسبانية، وأخذ يتبادل معهم النكاث والتمازح. ثم فتح أول مقهى فظهرت لعبة البار تشي، وجاء بعض الأسبان للسكن في منازل جديدة فظهرت الحانة، والكنيسة، كما بني أول مسجد، ومع ظهور البحارة جاء السمك بكل أنواعه، كما فتح أول جزار محلا لذبائح الغنم و البقر. وأما الإسبان فكانوا يأتون بلحم الخنزير معهم، وبالخمور والورد والعطور والفواكه، كما جاء سكان الأماكن في سوق أسبوعي بالدجاج والبط وفراخ الحمام والتوت الأرضي والجزر والتين والأجاص والبرقوق، وعبقت الأماكن بروائح البشر والطبيخ وظهرت بعض العادات. يقول عنها الناقد محمد أمنصور: " ككل الآلهة المؤسسة للأفعال النموذجية في الأزمنة الأصلية، يقدم فدريكو سبيانو مهندس المدن الإسباني على تخطيط وإنجاز بناء مدينة زرقانة المتاخمة للبحر الفاصل بين إسبانيا والمغرب، وهو تأسيس ستنصهر فيه عناصر تاريخية (البرج) بأخرى أهلية، شبه بدائية (الزنوج) مع عناصر وافدة تنتسب إلى الأزمنة الحديثة (الفوتوغرافيا /السيارة المكشوفة /عري النساء الأوروبيات في الشواطئ). مما سيجعل عملية الخلق تكتسي طابع التكامل بين القديم والحديث، إن لم نقل الكمال. إنها محاولة لإيجاد أصل ثابت لفضاء روائي متخيل يتيح للكاتب إمكانية استكشاف الواقع المغربي المأزوم ومسألته دون إحالة مرجعية مباشرة إليه، وبهذا المعنى. فلا وجود لزرقانة إلا في مخيلة محمد عز الدين التازي (أو قناعه=صلاح) الذي كاد أن يجعل منها يوتوبيا قائمة على الأرض، لولا أن تعقب مصائر كائناتها المحتلمة بين الصعود والانهيار سيضع جوهر العملية السردية (التشخيص) في قلب التحول من مدينة الحلم الفردوسي إلى مدينة الجحيم الأرضي، من المدينة –المثال إلى مدينة البخل والفضائح والنسيان والعطالة والقمع والحرمان.".
عن المؤلف

الروائي المغربي محمد عز الدين التازى من مواليد سنة 1948 بمدينة بفاس ، حاصل على الدكتوراه في الأدب الحديث، يعمل أستاذا للتعليم العالي بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان، عضو عدة جمعيات وهيئات ثقافية. ترجم
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!








