Skip to content
غلاف كتاب حديقة النباتات
مجاني

حديقة النباتات

3.9(٣ تقييم)٧ قارئ
عدد الصفحات
٤٧٥
سنة النشر
2000
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
١٬٣٨٠

عن الكتاب

حوادث وتعليقات وآراء تتعلق بشخصيات فنية وأدبية مثل بيكاسو وفلوبير وبريتون ومونترلان وغيرهم، مع سرد وصفي مشحون بتفاصيل الحرب وأهوالها تتخلل أحداث روايته (حديقة النباتات) للكاتب الفرنسي كلود سيمون حيث تتعدد أشكال العبارات وتوالدها من دون وجود علاقة وثيقة تربط تفاصيل الأحداث بصورة موازية ومتماثلة شكلياً.. رحلة بين صفحات التاريخ والذات يختزل سيمون معانيها بقوله: أن الحقيقة دوما أغرب من الخيال فما الحاجة لاستبدالها، كما أن الزمن يؤكد بأنه لا يمكن رواية الحقيقة تماما كما هي، إذ أن الحاضر يتداخل مع الماضي، وبهذا فلا يمكن أن تكون الذكريات في حالة سبات، تماماً مثل الساعة فعلى الرغم من التقنيات المتطورة فإنها لا يمكن أبدا أن تعود إلى الوراء.. ويرفع الستارة فيكشف المشهد والخشبة والديكور بحركة خاطفة تشبه تفريغ كيس من أشيائه الكثيرة التي لا يجمع بينها سوى تجاورها داخل مساحة واحدة. أي ان كلود سيمون يفرغ حياته أو ذاكرته كما لو انها مِزق وكسور وأشياء تتوزع على أزمنة وأمكنة متعددة. يفرغها هكذا أمامنا كما لو انها كيس أو صندوق خشبي يفتحه ويرفعه ثم يقلبه كي تتساقط أمام أنظارنا هذه الأشياء المودعة مبعثرة على أرض الصفحة المكتوبة كيفما اتفق.. ويحصل بعد ذلك ان يتوحد النص، وكأن في الأمر التئام ما للحظات المبعثرة، غير ان الالتئام هذا لا يستقر كثيراً. اذ يعود التبعثر حتى عندما يستوي السرد الروائي على وتيرة واحدة. فنراه يصف لحظات معاشة أو متخيلة في البحث عن الزمن المفقود وخصوصاً من الحرب، ويقطعها بفقرات مضغوطة وشديدة التلميح مأخوذة من أرجاء الدنيا الأربع، ومعها مقاطع تتضمن عناوين لوحات لرسامين معروفين وفقرات من روايات مارسيل بروست بطريقة تحاول الالتحام بين العناصر الشكلية والأسلوبية المرمى اليها وبين مقتضيات المضمون الروائي كما يراه سيمون. ذلك ان رواية حديقة النباتات ليست فيها شخصيات ولا حبكة ولا حوارات ولا تصاعد درامي، في المعاني المعهودة لهذه الكلمات، بل هناك شخصية واحدة لا غير هي الحياة نفسها، أي المادة التي يسعى الكاتب الى اختبار وتقليب سائر وجوهها بمنتهى الدقة وبواسطة الكلمات. وما يغلب على الرواية ويطغى عليها انما هو السرد الذي يزعم الوصف والمغالاة في مواصلته وتوسمه وتشهيه. لا شيء يفوق السرد، على ان هذا السرد لا يزعم الحياد أو البرودة بل يرسم خطاً تتدفق فيه عبارات مشحونة وسيالة متماوجة، وفي هذا السرد يتعايش الانفعال والحوار والوصف بحيث تتألف منها جملة شديدة الخفقان، قوية وهشة في آن واحد والصورة الجامعة لكل ذلك تقرب ان تكون محاولة محمومة ومتوترة لإنشاء صورة شخصية بورتريه للذاكرة، بحسب عبارة قيلت في مشروعه الروائي، أو نقلت عنه. كما نجد في الرواية تلميحاً الى هذا التصور التجميعي للذاكرة، وذلك في مقطع يتحدث فيه كلود سيمون عن حديقة النباتات الموجودة في باريس. ويرى الكاتب ان قسماً من الحديقة جرى تصميمه وفق مخطط هندسي، بحيث يتشكل منه مستطيل بطول أربعمائة متر تقريباً وعرض يبلغ الخمسين متراً. ثم يصف طريقه واصطفاف الأشجار والأروقة الفاصلة بين المساحات المخصصة للعشب وتلك المخصصة للزهور والنباتات. ويظهر من ذلك كله بحسب وصفه ان الانسان بذل جهده من اجل تدجين الطبيعة واخضاعها خلافاً لمقتضيات حيويتها الهائجة وعدم انضباطها، بل انه يضغط على الحيوية والانفلات هذين كي يذعنا لارادة تتوخى النظام والسيطرة، كما هي الحال مع قواعد المسرح الكلاسيكي التي تحبس اللغة داخل شكل هو أيضاً مصطنع، على عكس الطريقة غير المنتظمة التي بها تفصح الأهواء واللوعات عن مكنوناتها بطريقة طبيعية. صحيح اننا نجد على امتداد الرواية مقاطع مأخوذة من مناطق عدة في العالم، وتحيلنا الى لحظات ومشاهد عرفها الروائي عن كثب، ومن بين الأمكنة هذه نجد الهند ومصر والمكسيك والقدس وبلداناً أوروبية، غير ان العصب الحقيقي لهذه الرواية الاستعادية انما هو الحرب بأدق تفاصيلها وأهوالها. غير ان السرد الوصفي المشحون والمتوتر للحظات الحرب لا يحيلنا بالضرورة الى تلك الحرب الثانية التي عرفها كلود سيمون بل يوظف في ذاكرته المعاشة عن الحرب صوراً وعبارات من حروب اخرى فيها خيول وفرسان ومقاتلات قد يكون رآها في لوحات رسامين أو في أفلام سينمائية أو صور فوتوغرافية: ترتفع خراب معبد مدينة (آبو) فوق الضفة اليسرى للنيل غير بعيد عن الجرف الذي يطل على الشريط الضيق من الأراضي المروية والخصبة الذي يمتد بين النهر والصحراء، قبل ذلك بقليل يمر المرء أمام تمثالي ميمون اللذين كانا في السابق يحرسان مدخل هيكل اختفى الآن، انهما جالسان متوازيين، واتفاعهما يبلغ بناية من خمسة طوابق، مضمومي الركبتين وأيديهما مبسوطة فوق أفخاذهما، محطمي الأنفين ومثبتي العيون في الفراغ، الزمن والرياح والرمال والقرون وتناوب الحر القاسي وبرد الليالي القارس اقتطعت منهما ذراعاً وقدماً وعضواً كاملاً احياناً، وبعثت التشقق في كتلتي مقعديهما، إذ يقال ان ريح الصحراء كانت تصدر في بعض الساعات اصواتاً شبيه باصوات القيثارة، انهما ينتصبان عملاقين غريبين ومتوحدين كحارسين للغز ما لا وجود له فوق حقول تبغ او فول، تستريح في ظلهما احياناً النساء المسلحات بالمناجل والحمير.

عن المؤلف

كلود سيمون
كلود سيمون

كلود سيمون هو كاتب فرنسي ولد في 10 أكتوبر 1913 في أنتاناناريفو لأب عسكري وتوفي في باريس في 6 يوليو 2005 . كان يهتم كذلك بالرسم والتصوير الفوتوغرافي. تحصل على جائزة نوبل في الأدب لسنة 1985.

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٤)

ط
طارق الخالدي
٢٤‏/٦‏/٢٠٢٣
"حديقة النباتات" هي رواية للكاتب الفرنسي كلود سيمون، نُشرت في عام 1969. يُعتبر كلود سيمون واحدًا من أبرز ممثلي الرواية الجديدة في فرنسا، وهو معروف بأسلوبه التجريبي في السرد والكتابة. "حديقة النباتات" تعتبر تجسيدًا لهذا الأسلوب التجريبي، حيث تختلط فيها الزمنية وتتداخل القصص والشخصيات بطريقة غير تقليدية. تدور الرواية حول مجموعة متنوعة من الشخصيات والأحداث، وتمزج بين الوقائع التاريخية والخيال الأدبي. تتسم الرواية بتعقيدها وتتطلب من القارئ التركيز والغوص في طبقاتها المتعددة لفهم الروابط بين مختلف الأحداث والشخصيات. يستخدم سيمون أسلوبًا يتميز بالتفصيل والتحليل العميق للتجربة الإنسانية، ويستكشف من خلالها موضوعات مثل الذاكرة، الحرب، والتاريخ. "حديقة النباتات" تُعد مثالًا على الأدب الذي يتحدى التقاليد السردية ويقدم تجربة قراءة فريدة، تعكس البحث الأدبي المستمر لكلود سيمون وإسهاماته في تطوير الرواية الحديثة.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٦‏/٣‏/٢٠١٥
خسر عالم الأدب بوفاة الروائي الفرنسي كلود سيمون يوم الأربعاء 6 يوليو 2005، مفكراً وأديباً استثنائياً يعد من أهم من أسسوا للرواية الحديثة في فرنسا، وممن تميزوا بأسلوبهم الفريد على الصعيد العالمي. تعتبر أعمال هذا الروائي الذي ولد في مدغشقر عام 1913 وفاز بجائزة نوبل للأدب عام 1985 ودرس فن الرسم، ذات خصوصية وتميز، فلغته وأسلوبه وبنية أعماله عالم فريد بحد ذاته، ولا يمكن للقارئ الذي اعتاد على تلقي المعلومة من الكاتب ولوج عالمه، إذ يتعامل كلود سيمون مع القارئ تماماً كما يتعامل المؤلف مع نصه. أي على القارئ أن يأخذ دوره في النص ويبذل جهداً وتركيزاً استثنائياً لقراءته والعمل على تفكيك النص من خلال متابعة أفكار المؤلف غير المترابطة ليعيد أسوة بالمؤلف بنية العمل وجمع الأفكار للوصول إلى الرؤية الشمولية للعمل. ويتضح ذلك من خلال رده على ما أخذه عليه بعض النقاد من أسلوبه المسترسل والمتداخل حيث يتواصل لديه السرد على مدى صفحات من دون وضعه لفواصل أو نقاط إلى جانب فتح الأقواس المتداخلة التي يغلقها بعد عدد من الصفحات مما يدفع القارئ إلى العودة إلى بداية الفكرة لمتابعة كل مسار متفرع منها، بقوله «إن قراءة كتاب مدام بوفاري لفلوبير التي تعتمد على مجرد فضول معرفة القارئ لما سيحدث للسيدة هي قراءة ميؤوس منها». وجميع أعمال أو روايات هذا الكاتب المرتبطة بالفن التشكيلي من خلال الرسم بالكلمات ووصف الطبيعة بدقة متناهية، تتمحور حول سيرته الذاتية، ابتداء من وفاة والده في الحرب العالمية الأولى بعد عودة العائلة للعيش في بيربيغنان في فرنسا وانخراطه في الجيش، إلى وفاة والدته حينما بلغ الحادية عشرة من عمره، ومن ثم انتقاله إلى باريس للدراسة في كلية ستانسلاس ومن ثم في أوكسفورد وكامبردج، وانتهاء بمشاركته في الحرب الأهلية الاسبانية، ومن ثم انضمامه للجيش الفرنسي لدى بدء الحرب العالمية الثانية ووقوعه في الأسر لدى الألمان ومواجهته الموت تحت امرة قائد متهور، ثم هروبه من معسكر النازيين بعد مضي خمسة أشهر وانضمامه للمقاومة الفرنسية، وبعد انتهاء الحرب مرضه بالسل ولدى شفائه سفره إلى الاتحاد السوفييتي واليونان والهند وغيرها من البلدان. وقد كتب روايته الأولى «الغشاش» خلال سنوات مشاركته في الحرب العالمية الثانية، ونشرها عام 1946 وعاش مرحلة السلام في جنوب فرنسا وأشرف على زراعة كروم أرضه في بلدته. وكتب بعد ذلك روايته «الحبل المشدود» وتدور حول الحرب الاسبانية الأهلية ونشرت عام 1947، وحينما نشرت روايته «الريح» عام 1957، حصد شهرة لا بأس بها، أما رواياته الأربع، «العشب» عام 1958 و«طريق الفلاندرا» عام 1960 و«القصر» عام 1962 وأخيرا «حكاية» عام 1967، فتتناول مجموعة من الأحداث والشخصيات التي تظهر في الأعمال الأربعة. ويجمع النقاد بأنها أهم أعماله. أما أعماله اللاحقة فتضم «معركة فارسالوس» و«تريبتيك». ومن أشهر رواياته أيضا «الدعوة»، التي يتحدث فيها الراوي المدعو بالإضافة إلى أربعة عشر ضيفا من العالم لمشاهدة الاتحاد السوفييتي الجديد عن انطباعاته. وينتقل الراوي بين أحداث ومواقف مختلفة سواء في جغرافية الموقع بين موسكو ومركز آسيا، أو التاريخ بين الحاضر والماضي. ويتجلى هدف الكاتب من خلال تأكيده أن نهاية الحرب الباردة لا تعني أن الماضي يجب أن ينسى بل لا بد أن يبقى حيا في الذاكرة. ويعتبر كلود سيمون من الرواد المؤسسين للرواية الفرنسية الحديثة، وقد صرح لأحد الصحافيين بأن الكتاب الفرنسيين لم يستطيعوا تحقيق إنجاز متميز على صعيد الرواية، في حين تميزوا في أدب السيرة الذاتية، وذلك باستثناء بروست». ويؤكد على ذلك من خلال قول أندريه جيد، «ان فرنسا بالتأكيد ليست موطن الرواية»، حيث أن المقارنة بين الكتاب الفرنسيين في القرن التاسع عشر أمثال سارتر وكامو ومورياك وأعمال ديستويفسكوي تبين الفرق الشاسع، إذ أن شخصيات الأديب الروسي تظهر كما هي في واقع الحياة غير محددة، متناقضة تجمع بين الخير والشر، فهي ظالمة ومظلومة في الوقت ذاته. فروسو وغيره وضعوا تعاليم محددة ومباشرة للأخلاقيات في حين أن عملهم على أدب السيرة الذاتية جعلهم يتحدثون بصورة حيادية من خلال عرض الجوانب السلبية والإيجابية دون تحيز أو تجمل. وعلى الرغم من تصنيف أعمال سيمون في إطار الحداثة، إلا أنه لا يتعامل مع الأدب من خلال هذا المنظور فهو يوضح بأن جميع الفنانين بعد الحرب العالمية الثانية اتخذوا منحى العبثية أو التجريد إلا أن الأدباء أو الفنانين الأصيلين كانوا بعيدين عن ذلك الاتجاه. ويبين بأن الحداثة ذات الأصالة إن جاز التعبير، تعبر عن كل من أسلوب أعماله وأعمال غيره من الفنانين، وعن توليفة الجمع بين المضمون التاريخي والتجربة الذاتية بصورة غير مباشرة، وتجربة الرسام غاستون نوفيلي أوضح مثال على ذلك، فهذا الفنان عاش مرارة الحرب وتجربة الأسر في أحد المعسكرات، مما دفعه بعد انتهاء الحرب للمغادرة إلى جنوب أميركا بحثا عن الماس. وبعد أن عاش في الأدغال وسرق من قبل مرشده، احتضنته إحدى القبائل التي عاش معها بضعة أشهر وفي هذا المنفى الاختياري برفقة أناس بدائيين إنما متحضرين إنسانيا، أدرك إفلاس الحضارة المدنية لعالمه. وحينما عاد رفض منهج التجريدية ووجد لنفسه لغة مختلفة ومعبرة، فلوحاته التي أنتجها كانت تحمل رموزا تجمع بين رسم أجزاء من الجسد وبعض الكلمات أو الحروف. وبالمجمل فإن الدافع دوما هو العودة إلى المصدر، البديهيات وهي في المحصلة أساس الفن والأدب. ويبين كلود بأن هذا المثال إنما يصور أو يجسد عمله الروائي «حديقة النباتات»، إذ اعتمد على فن الكولاج سواء في أخذ مقتطفات من نصوص التاريخ وحوارات لشخصيات تاريخية مثل تشرشل وتروتسكي ورومل والفنانين بروسكي ونوفيلي وبيكاسو مع قراءات للوحاتهم. كما يتجلى أيضا تقدير وتأثر الكاتب بعمالقة الأدب فلوبير وبروست وجيمس جويس وعلى رأسهم ديستويفسكي الذين شكلوا جزءاً من العمل. وهذه الرواية التي تجمع كل ما ذكرناه سابقاً، توحي للقارئ لأول وهلة بأن كاتبها الذي بلغ الرابعة والثمانين قد دخل في متاهة الذاكرة، إلا أنه بالعودة إلى أعماله السابقة التي تتكرر بصورة متجددة في هذا العمل تنفي هذا الانطباع. ففي عمله يتناول مجمل ما طرحه من أفكار وموضوعات من خلال رؤية متقدمة مختزلة، تتناول السياسة والموت والانتحار والمرض، كل ذلك من خلال محور روايته القصيرة «الدعوة». وهذا العمل المستوحى أيضا من سيرته الذاتية، يتناوب السرد فيه بين الراوي والآخر غير المعروف، كما يجسد قضية العلاقة بين الحياة وفعل الكتابة. فتجارب الحياة هي قاعدة الأدب والفن، إلا أن استخدام التجربة هو العمل الخطر، والعلاقة بين الشخص الذي أنتج العمل المقدم والقارئ هو مكمن الصعوبة والتحدي. فالكاتب برأي كلود يخاطر من خلال عمله بمواجهة الاتهام أو المحاباة، وعلى القارئ مقاومة السماح لنفسه بالانجذاب إلى بحث عقيم عن نموذج حقيقي مثالي للإنسان في الحياة. وفي المحصلة، فإن هذه الرواية عبارة عن رحلة تأمل وكشف وإعادة بناء للتاريخ والحياة والذات من خلال مقتطفات، وعبر الانتقال بين المضمون والأشياء المحيطة بالإنسان. ويختزل الكاتب تلك الرؤية بقوله أن الحقيقة دوما أغرب من الخيال فما الحاجة لاستبدالها، كما أن الزمن يؤكد بأنه لا يمكن رواية الحقيقة تماما كما هي، إذ أن الحاضر يتداخل مع الماضي، وبذا فلا يمكن أن تكون الذكريات في حالة سبات، تماماً مثل الساعة فعلى الرغم من التقنيات المتطورة فإنها لا يمكن أبدا أن تعود إلى الوراء.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٦‏/٣‏/٢٠١٥
"حديقة النباتات" رواية كلود سيمون الجديدة . ذاكرة حرب وحياة مبعثرة في لغة مشحونة وقوية .. > لدى قراءة رواية "حديقة النباتات" للكاتب الفرنسي كلود سيمون الحائز عام 1985 على جائزة نوبل للآداب، والرواية صدرت حديثاً عن دار "مينوي" Minuit في باريس، مرصوصة وحاشدة لدى قراءة هذه الرواية، يشعر القارئ، في نظر كاتب هذه السطور بالطبع، بالغبطة. الكثير من الغبطة، وتكاد تكون هذه الغبطة امارة على الشعور بالنعمة، خصوصاً بعد قراءة وعرض وتناول روايتين فرنسيتين صدرتا في الفترة ذاتها تقريباً، أي مؤخراً، وفازتا كل واحدة منهما بجائزة أدبية في فرنسا بطريقة يترجح فيها وجه التسويق الاعلامي والدعاوي على وجه المعيار الأدبي الحقيقي، ونعني بالطبع رواية "المعركة" لباتريك رمبو الفائزة بجائزة غونكور الأدبية لهذا العام، ورواية "سارقو الجمال" للمتحذلق باسكار بروكنر والفائزة بجائزة "رينودو" لهذا العام أيضاً. غبطة القارئ المشار اليها لدى قراءة رواية كلود سيمون تعني في ما عدا المتعة الأدبية و"لذة النص"، بحسب عنوان شهير للكاتب والناقد الفرنسي الراحل رولان بارت، تعني الاطمئنان على صحة الابداع الأدبي أو ما تبقى منه في فرنسا أمام تعاظم أدب الاستهلاك السريع والرخيص بعض الشيء، أحياناً، والمنشود بإلحاح أحياناً اخرى. هذا التقديم السريع الذي لا يخفي طابعه التقويمي الاجمالي، يريد القول أيضاً وبكل بساطة ان رواية كلود سيمون الجديدة رائعة ومدهشة وقوية. ومن شأن رواية من هذا العيار الثقيل ان تختبر أدواتنا المألوفة في القراءة وان تدفعنا بالتالي وبجدارة الى اعادة النظر في طبيعة القراءة نفسها أي في مساحة التسجيل لفعلها وتوغلها في مخيلة القارئ وفي قلبه وعقله. واذا ما بدأنا بالشكل وبجملة العناصر التي يتألف منها أسلوب كلود سيمون، فإننا نراه على امتداد الصفحات الخمسين الأولى تقريباً يضع في الصفحة الواحدة مقاطع سردية متفرقة يفصل بينها حاجز من البياض للتدليل على ان هذه المقاطع غير متصلة ببعضها البعض. وهي بالفعل غير متصلة اذ انها تحيل القارئ الى أمكنة ولحظات ومشاهد وأمور لا شيء يجمع بينها. قد يستثقل القارئ هذه "الفوضى" الموزعة على مقاطع مبعثرة داخل الصفحة الواحدة وقد يتعب من تشتت القراءة وهي تلاحق لحظات سردية مبددة لا تخضع، على ما يبدو، لهندسة بنائية ولا لخيطية مفترضة في توالد العبارات. وقد يحسب القارئ في وهلة أولى ان شكل الصفحة هذه يستعيد شكلاً قديماً ومعروفاً يقوم على عرض متن النص ومعه هوامشه لكنه سرعان ما يكتشف ان الأمور ليست على هذا النحو، بل ان المقاطع المتفرقة والمنفصلة عن بعضها البعض انما هي متون كلها. وقد لا يكون صعباً التكهن بما يريد كلود سيمون الافصاح والتعبير عنه منذ الصفحات الأولى لرواية تحمل طابع السيرة الذاتية من دون ان تقتدي بنمط معين لكتابة هذه السيرة. ما يعلن عنه الكاتب الفرنسي المولود عام 1913 هو نوع من الحركة التي تشبه في ميادين أخرى حركة رفع الستارة كي يتكشف المشهد والخشبة والديكور. والحال ان الحركة هذه تشبه ان تكون حركة خاطفة لتفريغ كيس أو صرة من أشيائه الكثيرة التي لا يجمع بينها سوى تجاورها داخل مساحة واحدة. أي ان كلود سيمون يفرغ حياته أو ذاكرته كما لو انها مِزق وكسور وأشياء تتوزع على أزمنة وأمكنة متعددة. يفرغها هكذا أمامنا كما لو انها كيس أو صندوق خشبي يفتحه ويرفعه ثم يقلبه كي تتساقط أمام أنظارنا، مبعثرة على الأرض، أرض الصفحة المكتوبة، هذه الأشياء المودعة كيفما اتفق. ويحصل بعد ذلك ان يتوحد النص، وكأن في الأمر التئام ما للحظات المبعثرة، غير ان الالتئام هذا لا يستقر كثيراً. اذ يعود التبعثر حتى عندما يستوي السرد الروائي على وتيرة واحدة. فنراه يصف لحظات معيوشة أو متخيلة من الحرب ويقطعها بفقرات مأخوذة من ارجاء الدنيا الأربع، ومعها مقاطع تتضمن عناوين لوحات لرسامين معروفين، وفقرات من روايات مارسيل بروست، خصوصاً "البحث عن الزمن المفقود"، أو حوادث وتعليقات وآراء تتعلق بشخصيات فنية وأدبية بيكاسو، فلوبير، بريتون، مونترلان الخ هي أيضاً تفتقد الى خيط يجــــمع بيــــنها. وفي صورة موازية ومتماثلة شكلياً تتعدد أشكال العبارات وتوالدها. فنراه ينتقل من الجملة الطويلة جداً التي تمتد على صفحات من دون فواصل ونقاط، الى الجملة القصيرة المضغوطة والشديدة التلميح واحترام الفواصل والنقاط. وقد سبق له ان كتب في أعمال سالفة جملة متواصلة ناهزت الخمس عشرة صفحة، وكانت هذه الطريقة واحدة من علامات "الرواية الجديدة" التي يعد كلود سيمون واحداً من روادها الى جانب آلان روب غرييه وآخرين. ثمة بالتأكيد تراسل، ان لم نقل بالالتحام، بين العناصر الشكلية والاسلوبية المرمى اليها وبين مقتضيات المضمون الروائي كما يراه كلود سيمون. ذلك ان رواية "حديقة النباتات" ليست فيها شخصيات ولا حبكة ولا حوارات ولا تصاعد درامي، في المعاني المعهودة لهذه الكلمات، بل هناك شخصية واحدة لا غير هي الحياة نفسها، أي المادة التي يسعى الكاتب الى اختبار وتقليب سائر وجوهها بمنتهى الدقة وبواسطة الكلمات. وما يغلب على الرواية ويطغى عليها انما هو السرد الذي يزعم الوصف والمغالاة في مواصلته وتوسمه وتشهيه. لا شيء يفوق السرد، على ان هذا السرد لا يزعم الحياد أو البرودة بل يرسم خطاً تتدفق فيه عبارات مشحونة، سيالة، متماوجة، وفي هذا السرد يتعايش الانفعال والحوار والوصف بحيث تتألف منها جملة شديدة الخفقان، قوية وهشة في آن. والصورة الجامعة لكل ذلك تقرب ان تكون محاولة محمومة ومتوترة لانشاء صورة شخصية بورتريه للذاكرة، بحسب عبارة قيلت في مشروعه الروائي، أو نقلت عنه. ونجد في الرواية الصادرة مؤخراً تلميحاً الى هذا التصور التجميعي للذاكرة، وذلك في مقطع يتحدث فيه كلود سيمون عن "حديقة النباتات" الموجودة في باريس. ويرى الكاتب ان قسماً من الحديقة جرى تصميمه وفق مخطط هندسي، بحيث يتشكل منه مستطيل بطول أربعمئة متر تقريباً وعرض يبلغ الخمسين متراً. ثم يصف طريقه واصطفاف الأشجار والأروقة الفاصلة بين المساحات المخصصة للعشب وتلك المخصصة للزهور والنباتات. ويظهر من ذلك كله، حسب كلود سيمون، ان الانسان بذل جهده من اجل تدجين الطبيعة واخضاعها خلافاً لمقتضيات حيويتها الهائجة وعدم انضباطها، بل انه يضغط على الحيوية والانفلات هذين كي يذعنا لارادة تتوخى "النظام والسيطرة، كما هي الحال مع قواعد المسرح الكلاسيكي التي تحبس اللغة داخل شكل هو أيضاً مصطنع، على عكس الطريقة غير المنتظمة التي بها تفصح الأهواء واللوعات عن مكنوناتها بطريقة طبيعية". صحيح اننا نجد على امتداد الرواية مقاطع مأخوذة من مناطق عدة في العالم، وتحيلنا الى لحظات ومشاهد عرفها الروائي عن كثب، ومن بين الأمكنة هذه نجد الهند ومصر والمكسيك والقدس وبلداناً أوروبية، غير ان العصب الحقيقي لهذه الرواية "الاستعادية" انما هو الحرب بأدق تفاصيلها وأهوالها. غير ان السرد الوصفي المشحون والمتوتر للحظات الحرب لا يحيلنا بالضرورة الى تلك الحرب الثانية التي عرفها كلود سيمون بل يوظف في ذاكرته المعيوشة عن الحرب صوراً وعبارات من حروب اخرى فيها خيول وفرسان ومقتلات قد يكون رآها في لوحات رسامين أو في أفلام سينمائية أو صور فوتوغرافية. أي ان الرواية تستند بالتأكيد الى ذاكرة معيوشة للحرب لكنها تسعى الى الاحاطة بلغة روائية متسارعة النبض ماهية الحرب نفسها، وان تبدّلت صورها وأمكنتها وفظائعها.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٦‏/٣‏/٢٠١٥
رحلة بين  صفحات التاريخ والذات بصحبة الكاتب الفرنسي كلود سيمون نستشعر أجواء روايته  (حديقة النباتات) الصادرة عن (المدى) للثقافة والنشر بترجمة انطوان حمصي  وهو يختزل لنا معاني الأحداث بقوله: أن الحقيقة دوما أغرب من الخيال فما  الحاجة لاستبدالها، كما أن الزمن يؤكد بأنه لا يمكن رواية الحقيقة تماما  كما هي، إذ أن الحاضر يتداخل مع الماضي، وبذا فلا يمكن أن تكون الذكريات في حالة سبات، تماماً مثل الساعة فعلى الرغم من التقنيات المتطورة فإنها لا يمكن أبدا أن تعود إلى الوراء. رفع الستارة كي يتكشف المشهد والخشبة والديكور. والحال ان الحركة هذه تشبه ان تكون حركة خاطفة لتفريغ كيس أو صرة من أشيائه الكثيرة التي لا يجمع بينها سوى تجاورها داخل مساحة واحدة. أي ان كلود سيمون يفرغ حياته أو ذاكرته كما لو انها مِزق وكسور وأشياء تتوزع على أزمنة وأمكنة متعددة. يفرغها هكذا أمامنا كما لو انها كيس أو صندوق خشبي يفتحه ويرفعه ثم يقلبه كي تتساقط أمام أنظارنا، مبعثرة على الأرض، أرض الصفحة المكتوبة، هذه الأشياء المودعة كيفما اتفق.. ويحصل بعد ذلك ان يتوحد النص، وكأن في الأمر التئام ما للحظات المبعثرة، غير ان الالتئام هذا لا يستقر كثيراً. اذ يعود التبعثر حتى عندما يستوي السرد الروائي على وتيرة واحدة. فنراه يصف لحظات معاشة أو متخيلة من الحرب ويقطعها بفقرات مأخوذة من ارجاء الدنيا الأربع، ومعها مقاطع تتضمن عناوين لوحات لرسامين معروفين، وفقرات من روايات مارسيل بروست، خصوصاً البحث عن الزمن المفقود، أو حوادث وتعليقات وآراء تتعلق بشخصيات فنية وأدبية بيكاسو، فلوبير، بريتون، مونترلان الخ هي أيضاً تفتقد الى خيط يجــــمع بيــــنها. وفي صورة موازية ومتماثلة شكلياً تتعدد أشكال العبارات وتوالدها. فنراه ينتقل من الجملة الطويلة جداً التي تمتد على صفحات من دون فواصل ونقاط، الى الجملة القصيرة المضغوطة والشديدة التلميح واحترام الفواصل والنقاط. وقد سبق له ان كتب في أعمال سالفة جملة متواصلة ناهزت الخمس عشرة صفحة، وكانت هذه الطريقة واحدة من علامات"الرواية الجديدة"التي يعد كلود سيمون واحداً من روادها الى جانب آلان روب غرييه وآخرين.. ثمة بالتأكيد تراسل، ان لم نقل بالالتحام، بين العناصر الشكلية والاسلوبية المرمى اليها وبين مقتضيات المضمون الروائي كما يراه كلود سيمون. ذلك ان رواية"حديقة النباتات"ليست فيها شخصيات ولا حبكة ولا حوارات ولا تصاعد درامي، في المعاني المعهودة لهذه الكلمات، بل هناك شخصية واحدة لا غير هي الحياة نفسها، أي المادة التي يسعى الكاتب الى اختبار وتقليب سائر وجوهها بمنتهى الدقة وبواسطة الكلمات. وما يغلب على الرواية ويطغى عليها انما هو السرد الذي يزعم الوصف والمغالاة في مواصلته وتوسمه وتشهيه. لا شيء يفوق السرد، على ان هذا السرد لا يزعم الحياد أو البرودة بل يرسم خطاً تتدفق فيه عبارات مشحونة، سيالة، متماوجة، وفي هذا السرد يتعايش الانفعال والحوار والوصف بحيث تتألف منها جملة شديدة الخفقان، قوية وهشة في آن واحد والصورة الجامعة لكل ذلك تقرب ان تكون محاولة محمومة ومتوترة لانشاء صورة شخصية بورتريه للذاكرة، بحسب عبارة قيلت في مشروعه الروائي، أو نقلت عنه. كما نجد في الرواية تلميحاً الى هذا التصور التجميعي للذاكرة، وذلك في مقطع يتحدث فيه كلود سيمون عن حديقة النباتات الموجودة في باريس. ويرى الكاتب ان قسماً من الحديقة جرى تصميمه وفق مخطط هندسي، بحيث يتشكل منه مستطيل بطول أربعمئة متر تقريباً وعرض يبلغ الخمسين متراً. ثم يصف طريقه واصطفاف الأشجار والأروقة الفاصلة بين المساحات المخصصة للعشب وتلك المخصصة للزهور والنباتات. ويظهر من ذلك كله، حسب كلود سيمون، ان الانسان بذل جهده من اجل تدجين الطبيعة واخضاعها خلافاً لمقتضيات حيويتها الهائجة وعدم انضباطها، بل انه يضغط على الحيوية والانفلات هذين كي يذعنا لارادة تتوخى النظام والسيطرة، كما هي الحال مع قواعد المسرح الكلاسيكي التي تحبس اللغة داخل شكل هو أيضاً مصطنع، على عكس الطريقة غير المنتظمة التي بها تفصح الأهواء واللوعات عن مكنوناتها بطريقة طبيعية. صحيح اننا نجد على امتداد الرواية مقاطع مأخوذة من مناطق عدة في العالم، وتحيلنا الى لحظات ومشاهد عرفها الروائي عن كثب، ومن بين الأمكنة هذه نجد الهند ومصر والمكسيك والقدس وبلداناً أوروبية، غير ان العصب الحقيقي لهذه الرواية الاستعادية انما هو الحرب بأدق تفاصيلها وأهوالها. غير ان السرد الوصفي المشحون والمتوتر للحظات الحرب لا يحيلنا بالضرورة الى تلك الحرب الثانية التي عرفها كلود سيمون بل يوظف في ذاكرته المعاشة عن الحرب صوراً وعبارات من حروب اخرى فيها خيول وفرسان ومقتلات قد يكون رآها في لوحات رسامين أو في أفلام سينمائية أو صور فوتوغرافية. أي ان الرواية تستند بالتأكيد الى ذاكرة معاشة للحرب لكنها تسعى الى الاحاطة بلغة روائية متسارعة النبض ماهية الحرب نفسها، وان تبدّلت صورها وأمكنتها وفظائعها.