Skip to content
غلاف كتاب سأم باريس
📱 كتاب إلكتروني

سأم باريس

4.0(١ تقييم)٢ قارئ
عدد الصفحات
١٦٠
سنة النشر
2007
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
١٬٥٠٤

عن الكتاب

أغني للكلاب المشؤومة، أكانت تلك التي تهيم على وجوهها، وحيدة، في الممرات المتعرجة في المدن الكبرى، أم تلك التي قالت للإنسان المخذول، بعيون مومئة وروحية: "خذني معك، ومن بؤسينا، قد نصنع نوعاً من السعادة!". ديوان من الشعر لشارل بودلير

اقتباسات من الكتاب

افضال القمر - شارل بودلير / Charles Baudelaire نظر القمر الذي هو النزوة ذاتها، من النافذة، فيما كنت تنامين في مهدك وقال لنفسه: تعجبني هذه الطفلة ، ونزل في نعومة علي سلمه الغيمي ومن دون صخب عبر الزجاج وبسط نفسه عليك في رقة ام حانية، ونشر ألوانه علي وجهك. فبقيت حدقتا عينيك خضراوين، وخداك شاحبين علي نحو غير هادي، وعند تأملك هذا الزائر اتسعت عيناك علي نحو بالغ الغرابة، وضمك برقة الي الصدر حتي انتابتك الي الابد الرغبة في البكاء. ومع ذلك، ففي اتساع فرحة ملأ القمر الغرفة كلها، كجو فسفوري كشراب مضيء وكان كل هذا الضوء الحي يفكر ويقول: ستعانين سرمديا تأثير قبلتي ستكونين جميلة علي طريقتي ستحبين ما احب، ومن يحبني الماء والغمام والصمت والليل والبحر الهائل الاخضر والماء الذي لا شكل له والمتعدد الاشكال، والمكان الذي لن تكوني فيه والعاشق الذي لن تعرفيه والزهور البرية والعطور التي تبعث علي الهذيان والقطط التي تنتشي فوق البيانو والتي تئن كالنساء بصوت خشن وجذاب. وسيعشقك عشاقي ويتودد اليك من يتوددون الي، وستكونين ملكة علي الرجال ذوي العيون الخضراء الذين ضممتهم الي صدري ايضا في مداعباتي الليلية. وعلي اولئك الذين يعشقون البحر، البحر الهائل الصاخب والاخضر. والماء الذي لا شكل له والمتنوع الاشكال والمكان الذي لن يكونوا فيه والمرأة التي لا يعرفونها والزهور المشؤومة التي تشبه المجامر في دين مجهول والعطور التي تجعل الارادة تضطرب والحيوانات المتوحشة والشهوانية التي هي رمز لجنونهم. وانه لهذا ايتها الطفلة الملعونة العزيزة المدللة، اجثو الان عند قدميك باحثا في شخصك كله عن صدي الالوهية المرعب، والعرابة المشؤومة منذرة السوء والمرضعة التي تبث سمها لكل متقلبي الاطوار! ايهما الحقيقية عرفت راهبة من كانت تملأ الجو بالمثل الاعلي. كانت عيناها تنثران الرغبة في العظمة في الجمال في المجد وفي كل ما يبعث علي الاعتقاد في الخلود. ولكن هذه الفتاة المعجزة كانت اجمل من ان تعيش طويلا، وقد ماتت بعد بضعة ايام من تعرفي عليها وكنت انا نفسي من دفنها ذات يوم كان الربيع فيه يحرك مبخرته حتي في القبور انه انا من دفنها باحكام في تابوت من خشب معطر وغير قابل للفساد كنواويس الهند. وبينما بقيت عيناي مغروستين في المكان الذي دفن فيه كنزي رأيت فجأة فتاة صغيرة تشبه الفقيدة علي نحو غريب، تدق الارض الندية بعنف هستيري غريب قائلة وهي تنفجر ضاحكة: اني انا الراهبة الحقيقية اني انا الوغدة الشهيرة! وعقابا علي حماقتك وعماك ستحبني كما انا! ولكني اجبتها غاضبا: لا، لا، لا وحتي اؤكد رفضي علي نحو افضل ضربت بقدمي الارض بطريقة بالغة العنف حتي غاصت ساقي الي الركبة في القبر الحديث وكذئب وقع في الكمين ظللت عالقا ربما الي الابد بحفرة المثل الاعلي. جواد اصيل انها بالغة القبح، ولكنها لذيذة مع ذلك. لقد حفر الزمن والحب باظافرهما علامات عليها، وعلماها بقسوة ما تودي به كل دقيقة وكل قبلة من الشباب والنضارة. انها قبيحة حقا انها نملة عنكبوت اذا شئت مجرد هيكل عظمي ولكنها ايضا ارتواء مهابة سحر خلاصة القول: انها رائعة. لم يستطع الزمن ان يسقط الانسجام الوضيء لمشيتها ولا رشاقة بنيتها غير القابلة للفناء ولم يغير الحب عذوبة نفسها الطفلي، ولم ينزع الزمن شيئا من شعرها الغزير الذي تنبعث من عطوره الصهباء الحيوية الشيطانية لجنوبي فرنسا: نيم، ايكس آرل افينيون ناربون تولوز، مدن باركتها الشمس معشوقات ساحرات! لقد عضها الزمن والحب عبثا بأسنان قوية ولكنهما لم ينتقصا شيئا من السحر الغامض الابدي لنهدها الصبياني. وربما تكون مستهلكة ولكنها غير متعبة وهي دائما بطولية انها تذكر بالجياد الاصيلة هذه الجياد العظيمة التي تتعرف عليها عين عاشقها الحقيقي حتي وهي مشدودة الي مركبة فاخرة للايجار او الي عربة ثقيلة. وفضلا عن لطفها البالغ وتوهجها الرائع فانها تحب كما يحب الانسان في الخريف وكأن اقتراب الشتاء يشعل فيها نارا جديدة وان الخضوع لرقتها ليس فيه ما يرهق علي الاطلاق. المرأة دخل رجل مخيف، ونظر الي نفسه في المرآة ـ لماذا تنظر الي نفسك في المرآة حيث انك لا تستطيع رؤيتها الا في كدر؟. اجابني الرجل المخيف: سيدي، طبقا للمبادئ الخالدة لعام 89 فان كل الناس متساوون في الحقوق وبناء عليه فاني املك الحق في النظر الي نفسي في المرآة، في سعادة او في كدر ولا يرجع هذا الا الي ضميري. باسم التفكير السليم كان لي حق دون ريب اما من وجهة نظر القانون فانه لم يكن مخطئا.

1 / 3

يقرأ أيضاً

المراجعات (١)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢‏/٨‏/٢٠١٥
جرت عادة الباحثين في تاريخ قصيدة النثر العودة بها إلى تلك الكتابات التي نشرها الشاعر الفرنسي شارل بودلير وجمعها في كتابه: سأم باريس Spleen de Paris وعُدّت الأصل الأول لهذه القصيدة ، أو أحد أصولها الأولى ، أو تجربة من تجاربها المبكرة في الأقل. ولكن السؤال الذي أود إثارته هنا هو: هل الكتابات التي ضمها هذا الكتاب قصائد نثر ، أو شكل من أشكالها ، حقاً؟ أعرف أن هذا السؤال ليس بجديد ، فهناك نقاد عاصروا بودلير ، وآخرون جاؤوا بعده ، ومنهم نقاد معاصرون ، لم يتحمسوا لهذا الكتاب ، ومنهم من رفض عدّ نصوصه شعراً ، ومع ذلك يبدو لي أن هذا السؤال ما يزال مشروعاً حتى اليوم. غير أنه لا يستمد مشروعيته عندي من آراء أولئك النقاد ، بل من طبيعة نصوص الكتاب نفسه. علينا أن نتذكر أن بودلير نفسه هو من أطلق على نصوص كتابه اسم: قصائد نثر صغيرة Petite Poemes en Prose. وأحسب أنه لم يرد بهذه التسمية إلا وصفاً مجازياً لها ، حتى لو بدا الأمر لآخرين خلاف ذلك. فمنذ القرن الثامن عشر كان النقد الأدبي في فرنسا يطلق تسمية (قصيدة) على أعمال مسرحية وروائية كثيرة من باب التجوز ، ويبدو بودلير وكأنه أراد تمييز نصوصه عن تلك الأعمال حين أطلق عليها وصف (صغيرة). وبودلير نفسه شاعر مبدع متمكن ، ومثقف محيط بثقافة عصره ، وناقد بصير متمرس ، يدرك الفرق بين الشعر والنثر ، ويميز بينهما تمييزاً دقيقاً يتجاوز حد الوزن والقافية ، ولذلك بحث عن عنوان مناسب لكتابه ، وتردد قبل أن يطلق هذه التسمية على نصوصه ، لا لما فيها من تناقض داخلي واضح كما يبدو في الوهلة الأولى ، بل لحرصه على التوصل إلى تسمية صحيحة ومقبولة لنثره كما أتصور. فحين بدأ التفكير بكتابتها عام 1857 خطر له أن يسميها (قصائد ليلية) متأثراً بعنوان كتاب ألوزيوس بيرتران (غاسبار الليل) ولكنه سرعان ما تخلى عن هذه التسمية. وفي عام 1861 فكر بأن يضع للكتاب عنوان: المتنزه الوحيد ، أوالجوال الباريسي ، ولم يكن قد قرر بعد بأن يعدّ نصوصه: قصائد نثر. وفي وسع المرء أن يلاحظ كيف كان يتحفظ في وصفها من ناحية ، ويسوغ كتابتها من ناحية أخرى ، في رسالته إلى آرسين هوسيه رئيس تحرير صحيفة (لا بريس) حين أراد نشر مجموعة منها في صحيفته. وهذا عندي دليل على تهيبه من كتابتها ، وربما خشيته من موقف الآخرين منها وبحثه عمن يشجعه على المضي فيها. وهو لم يسم نصوصه (قصائد نثر) إلا عام 1866 عندما أرسل رسالة إلى سانت _ بوف ورد فيها عنوان الكتاب بصيغة (سأم باريس _ قصائد نثر صغيرة). وجاء ذلك بعد أن كان قد نشر أغلبها في صحف ومجلات مختلفة. وأخيراً بدا ، حين توفي عام 1867 ، وكأنه لم يستقر بعد على عنوان لكتابه. فقد وجد أصدقاؤه مخطوطته وفيها عنوانان: سأم باريس ، وقصائد نثر صغيرة ، فلم يكن من ناشر الكتاب إلا أن يضع (سأم باريس) عنواناً رئيسياً لها و(قصائد نثر صغيرة) عنواناً فرعياً. إن هذا التردد في اختيار العنوان ، وفي توصيف النصوص ، يدل في رأينا على شيء من الحذر والتخوف من ناحية ، وعلى غموض في الرؤية من ناحية أخرى. إذ وجد الشاعر نفسه أمام تجربة جديدة فيها ما يغامر به بعد أن ذاع صيته شاعراً ورسخت مكانته في عالم الشعر. فمع أن كتابتها كانت مشروعاً واعياً فكر فيه طويلاً وخطط له ، ومع أنه استغرق في إنجاز هذا المشروع بضع سنوات ، ظل يتردد في توصيف نصوصه النثرية ، وفي اختيار عنوان مناسب للكتاب الذي سيضمها. وسنرى في ما بعد كم كان القلق يساوره من نتائج إقدامه على تنفيذ هذا المشروع. ويبدو لي أن بودلير كان يمر بمأزق شعري حين فكر بمشروعه ، وكان يبحث لنفسه عن مخرج من هذا المأزق. فقد بدا وكأنه استنفد ما عنده في ديوان أزهار الشر الذي صدرت طبعته الأولى عام 1857 وهو العام الذي بدأ فيه التفكير بالمشروع ، وهذه ليست محض مصادفة. فلعله أحس ، وهو الشاعر الواعي ، أنه سيكرر نفسه ، إن لم يبحث عن شيء جديد يقوله. والواقع أنه كان قد عثر على هذا الشيء في ما كانت تمر به الحياة في المدن الأوربية الكبرى ، وفي مقدمتها باريس ، من تحولات اقتصادية واجتماعية وعمرانية جديدة أخذت تغير نمط الحياة فيها وتفرز على هامشها نماذج بشرية غريبة وطريفة وبائسة في آن واحد ، ولكنه لم يكن قد وجد بعد الشكل المناسب للتعبير عن هذه التحولات ونماذجها البشرية. ولا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن كتاب بيرتران (غاسبار الليل) هو الذي قاده إلى المخرج ، وأغراه بأن يقوم بمحاولة شبيهة بمحاولته ، وقد اعترف هو نفسه بذلك في رسالته إلى آرسين هوسيه رئيس تحرير صحيفة (لا بريس). كان بيرتران قد قدم في (غاسبار الليل) مشاهد من الحياة اليومية في مدينتي ديجون وباريس أوائل القرن التاسع عشر بطريقة ساخرة أعجب بها بودلير ، ورأى أن بمستطاعه أن يقدم بالطريقة نفسها مشاهد الحياة اليومية الحديثة في باريس زمانه ، فكتب خلال عامي 1860 و 1861 عشر قصائد جمعها بعنوان (لوحات باريسية) ثم ألحقها بديوانه أزهار الشر في طبعته الثانية (1861) عوضاً عن القصائد الست التي كانت المحكمة قد قضت بحذفها منه. ومع أنه لم يكتب هذه القصائد بالقالب الذي كتب به بيرتران قصائده ، ولكنه صاغها في قالب آخر لا يقل صرامة عنه. فبيرتران كتب قصائده بنثر مكثف ، واختار لها شكلاً قريباً من شكل (البالاد) ، أما بودلير فقد صب لوحاته الباريسية في قالب من الشعر الموزون المقفى ، فكانت مفارقة. وعلى الرغم مما اتسمت به هذه القصائد من جدة وجمال بدا له ، في ما يظهر ، أن هذا القالب الصارم لا يلائم كل الأفكار والموضوعات الجديدة التي كان يختزنها ويريد التعبير عنها ، وعندئذ لجأ إلى النثر في كتابتها. أي بمعنى أن بودلير لم يكن يبحث لنفسه عن حرية أوسع من تلك التي يتيحها له الشعر الموزون المقفى ليكتب شعراً جديداً ، كما يقال عادة ، بل كان يبحث عن شكل مرن ، بل كثير المرونة ، يلائم أفكاره عن باريس الحديثة والموضوعات التي تلهمه بها. فقد كان أغلب أفكاره وموضوعاته نثرياً في جوهره ، وكانت به حاجة عملية إلى النثر للتعبير عنها ، فلجأ إلى النثر مضطراً وليس مختاراً ، وهذا يعني أنه انصاع لمتطلبات النثر وليس لمتطلبات الشعر. فكانت النتيجة هي تلك الأشكال النثرية التي قدمها في: سأم باريس. إن معياري للتمييز بين الشعر والنثر هنا ليس الوزن والقافية ، بل طريقة تناول الأفكار والموضوعات. فأغلب ما قدمه بودلير من نصوص في هذا الكتاب لا يعدو أن يكون قصصاً (مثل: الآنسة بيتسوري ، وصور عشيقات ، والحبل ، وموت بطولي) وحكايات (مثل: يأس العجوز ، ولعبة الفقير ، والرامي الغَزًل) ومقالات مكتوبة بلغة أدبية يسهب فيها أحياناً (مثل: الأرامل ، والدعوة إلى الرحيل) ويوجز أحياناً أخرى (مثل: الحشود ، واعتراف الفنان ، والغسق ، والعملة الزائفة) أو ما يتراوح بين الحكاية والمقالة (مثل: الرجل العجوز ، وبائع الزجاجيات السيء ، وفي الساعة الرابعة صباحاً) فضلاً عن بعض المحاورات (مثل: الغريب ، واللاعب الكريم). ويلاحظ أن الغالب على نصوص الكتاب هو المنطق النثري وأدواته اللغوية ، وإن اتخذت أحياناً شكل حكايات غريبة أو أحلام يقظة ، أو تخفّت وراء بعض الصور والتشبيهات والصياغات البلاغية المصطنعة. فهي كثيراً ما تجنح إلى بناء مقدمات منطقية ، وتلجأ إلى التفسير والتعليل ، أو تنساق إلى التقرير المجرد ، أو التأمل الأخلاقي. بل أن النبرة الأخلاقية تكاد تعمها كلها ، فهو يعبر في نهاية الأمر عن موقف شخصي وانطباعات خاصة تجاه أحوال شخصياته الباريسية. وبرغم ما في النصوص نفسها من نبرة نقدية ساخرة ومن اهتمامها بالمتضادات والمفارقات ، وبرغم رشاقة لغة الغالبية العظمى منها ، وانطواء هذه اللغة على صنعة خاصة عنيت بتوافق الحروف الصائتة والجناسات الاستهلالية ، وبالإيقاعات الموزونة في بعض الأحيان ، برغم ذلك كله لم تخرج هذه النصوص من تحت سقف النثر لتعانق روح الشعر في آفاقها. لقد كان بودلير يريد لـ (سأم باريس) أن يكون نظيراً نثرياً لديوان (أزهار الشر) يوازيه ويعادله في الأهمية ، ولكنه لم يبلغ فيه ما بلغه في هذا الديوان من أصالة ومن مستوى فني رفيع ما زال يحتفظ بقوته حتى اليوم. ففي سأم باريس تأثيرات واضحة من بيرتران ، وسانت _ بوف ، وإدغار ألن بو. فمن الأول استلهم الكتابة عن الحياة الباريسية الحديثة ، ومن الثاني استعار شخصية الجوال الباريسي جوزيف دولورم ، ومن الثالث أخذ النبرة العقلانية الهجائية الهزلية. هذا من جهة الأصالة ، أما من جهة المستوى الفني فيمكن القول: إن سأم باريس ليس أكثر من هامش تفصيلي ، أو تفسيري ، لأزهار الشر. إذ راح يستعيد فيه موضوعات هذا الديوان ، على نحو أو آخر ، ويعيد إنتاجها نثراً ، إلى الحد الذي بدت فيه بعض النصوص تفكيكاً نثرياً لقصائد منظومة من قصائده. لهذا كله ، وربما لغيره أيضاً ، لم يتحمس لها ، أو رفضها ، نقاد من مثل: غوستاف لانسون ، وسانت _ بوف ، وغوستاف كان ، وجون وين من المعاصرين ، وغيرهم. وفي محاولة لتبرير ضعف بعض نصوصه ميزت سوزان برنار بين النصوص التي كتبها وهو في أوج نضجه الشعري وهيمنته على حرفته ، وتلك التي كتبها في سنواته الأخيرة ، سنوات عجزه وتدهور صحته وتردي أوضاعه المالية. فقد توالت عليه في تلك الحقبة من حياته مصائب وخيبات عدة حتى فكر عام 1861 بالانتحار. إذ عاوده مرض السفلس في العام نفسه ، وأصيب فوق ذلك بداء المفاصل ، واكتشف أن حبيبته جان دوفال ما زالت تخونه مع غيره ، ثم خاب أمله في الحصول على عضوية الأكاديمية الفرنسية ، وكثرت عليه الديون وملاحقات الدائنين المزعجة ، فكان يتهرب من هؤلاء ، ويبحث عن سبل مضنية ومحرجة لتحسين وضعه المالي ، منها سفرة إلى بلجيكا زادته إحباطاً ، وكان لهذا كله ، وهو ليس بالهين ، تأثيره السلبي في وضعه النفسي ، وفي قدرته على تطوير مشروعه وإتقان ما يكتبه من نصوصه. بل أن برنار لاحظت ما تركه ضغط التزاماته مع الصحف ، واضطراره إلى تسليم نتاجاته في أوقات محددة من مثل هذا التأثير. وقد كانت على حق ، إذ لم تكن لديه من وسيلة لكسب المال يومئذ سوى الكتابة للصحف ونشر المزيد من المقالات والقصائد ، وبيع حقوق نشر مؤلفاته للناشرين لقاء أثمان مجحفة ، حتى بدا ، وهو الحريص على فنه ، وكأنه ينتج من أجل الحصول على المال الضروري لتأمين متطلبات حياته اليومية وتسديد ديونه المتزايدة. ولعل هذا ما جعله يحتفظ بقائمة طويلة من عناوين جاهزة لنصوص ينوي كتابتها عند الحاجة ، أو حين يسنح الوقت ، وقد عثر أصدقاؤه على هذه القائمة بين أوراقه بعد وفاته. وعلى أية حال ظل النقاد يترددون حتى اليوم في وضع أغلب نصوص كتابه في عداد قصيدة النثر. ومنهم من لم يضع إلا القليل منها ضمن هذا التصنيف (مثل: النوافذ ، وفقدان الهالة ، وساعة الحائط ، والرغبة في الرسم). بل منهم من اكتفى بواحدة من هذه كلها أو من غيرها ، فهي مرة: ساعة الحائط ، ومرة: نًعَم القمر ، ومرة: الغرفة المزدوجة ، وكل بحسب معاييره الذوقية والفنية الخاصة. أما هو نفسه فكان يعاني من قلق واضح حيالها منذ البداية ، والدليل على ذلك كثرة أحاديثه عنها في رسائله ولقاءاته. بل يمكن القول إنه تحدث عنها في رسائله أكثر بكثير مما تحدث به عن شعره ، فكان كمن يريد أن يطمئن على سلامة الطريق الذي سار فيه ويقنع غيره بأهمية ما ينتجه. إذ كان ما يفتأ يصرح بأنه بذل جهداً كبيراً في تأليفها ، وكان ما يفتأ يستميل إليها الآخرين ومنهم: آرسين هوسيه ، وسانت _ بوف ، وترويا مثلاً. وفي عام 1863 تعاقد مع الناشر هيتزل على نشرها في كتاب ولكنه تنصل من العقد لسبب مجهول ، يرجح أن يكون عدم ارتياحه لما أنجزه منها ، وإلا فلماذا هذا التنصل والعقد كان مجزياً في حينه وكانت به هو نفسه حاجة ماسة للمال؟ وفي شباط عام 1864 أبلغه مدير صحيفة الفيغارو بأن نصوصه المنثورة (تزعج الناس) وتوقف عن نشر المزيد منها في صحيفته ، وكان هذا مصدراً آخر من مصادر قلقه بشأنها. ثم أنه كثيراً ما نقح هذه النصوص وأجرى تعديلات عليها ، وأضاف إليها ، وغيّر عنواناتها ، حتى بعد نشرها في الصحف بسنوات. وبعد هذا كله لم يكن هو راضياً عن بعضها ، فأهمل عشرة منها ، واقتصر على ضم خمسين نصاً إلى كتابه من النصوص الستين التي ذكر لسانت _ بوف عام 1865 أنه كتبها. بل هو قال لسانت _ بوف إنه لم يعد في وسعه المضي قدماً في مشروعه ، فهلا يدل هذا كله على شدة قلقه وتخوفه من هذا المشروع ونتائجه على مكانته الشعرية؟ وعلى أية حال ، ما إن حل آذار عام 1866 حتى أصيب بجلطة دماغية فظيعة أنهت حياته الأدبية قبل أن تنتهي حياته الفعلية بأكثر من عام ، وبقي كتابه من دون نشر حتى تكفل أصدقاؤه بنشره بعد وفاته. وبعد فإنني أدرك تماماً أن نصوص (سأم باريس) كانت محض تجربة أولى على طريق طويل ستسلكه قصيدة النثر قبل أن تتبلور في أشكالها الراهنة المتنوعة ، ولكن هذه التجربة كانت في الوقت نفسه إنذاراً مبكراً لكتابها وتنبيهاً إلى مخاطر الوقوع في نثرية النثر عند البحث فيه عن شعريته ، على نحو ما نراه اليوم في كثير من الكتابات التي تتخذ لنفسها عنوان: قصيدة النثر. فالحرية المطلقة التي تمنحها هذه القصيدة لكتابها حرية خطرة جداً لا يحسن استثمارها إلا شعراء حقيقيون واعون وقادرون على التمييز بين الشعر الحقيقي والنثر العادي. ذلك لأنها ، وإن كانت بلا شكل مسبق تخضع له وتقيس عليه ، لا بد لها من التشكّل في نهاية الأمر ، ولا بد للشكل الذي تتخذه من أن يكون شعرياً في تقنيته ونسيجه اللغوي بحيث تصبح كتلة لغوية مشحونة ومشعة ، وهذا أمر لا يقوى عليه كتبة الإنشاءات المدرسية الذين يورطون أنفسهم في هذا النوع من الكتابة الشعرية الصعبة ، والتي تبلغ من الصعوبة حد أن يخفق في كتابتها أحياناً شعراء متمرّسون.