Skip to content
غلاف كتاب ثلج
📱 كتاب إلكتروني

ثلج

4.0(٧ تقييم)١٤ قارئ
عدد الصفحات
٤٤٨
سنة النشر
2007
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
٣٬٤٨٣

عن الكتاب

تطرح رواية "ثلج" قضايا التعصب الديني والصراع بين النظام السياسي ممثلا بالجيش والاستخبارات وبين الجماعات الإسلامية، ويتهم باموك بجرأة الجيش والاستخبارات بافتعال الأحداث المنسوبة إلى الجماعات الإسلامية، واختراق هذه الجماعات واستدراجها إلى العنف لتبرير أعمال القمع والاعتقال والتوتر. وانقساما حادا في المجتمع والدولة بل وفي داخل الأسرة الواحدة، فقد كان المجتمع التركي والأسر والأفراد يطور حالة تعايش مع موجة التدين. وكانت هذه الحالة مصدرا لرواية باموك "ثلج" فانطلق منها جاعلا روايته حول أسرة تتكون من أب يساري سابق، وابنتين إحداهما محجبة، والأخرى تكشف عن شعرها، وكانت زوجة لأحد القادة المحليين في حزب الرفاه، وهي أيضا صديقة وزميلة للشاعر كا الذي عاد إلى اسمبول بعد هجرة دامت اثني عشر عاما، وأوفدته الصحيفة التي يعمل فيها في اسطمبول إلى قارس لمتابعة قصة الفتيات المحجبات اللواتي ينتحرن. في رواية ثلج ستجد أجمل من السياسة برغم الجدل السياسي الذي أثارته، تلك المشاهد المتشابكة والكثيرة جدا، عن الهوية والأفكار والتاريخ والذكريات والبؤس في مدينة قارس الجبلية الرابضة فوق قمة أناضولية تحت الثلج، والتي تبدو رغم صغرها متاهة عالمية ووطنية معقدة من العوالم والأفكار والأحداث، الطلاب المتشددون والمتطلعون إلى مثاليات أقرب إلى المستحيل، والفقراء، والأكراد المنشقون، وبقايا وشواهد التاريخ الأرمني في المدينة، الكاتدرائية المهجورة، وعيون الليل وزوار الفجر، والبيوت التي تتدفأ بكهرباء لا تطالها عدادات الفواتير، وأجهزة تلفاز مفتوحة طوال اليوم، ولكن بصوت مغلق. الكتابة هي "عزاء الروح" أو هي الوجود، بالنسبة إلى الكاتب، هذه هي الطريقة التي يُعرّف فيها نفسه باموك في إيجاز شديد، حتى وإن كانت الكتابة نوعاً من التعبير عن الذات والحب. إبراهيم غرايبة

اقتباسات من الكتاب

الفصل الأول الدخول إلي قارص كان الرجل الجالس وراء سائق الحافلة مباشرة يفكر بصمت الثلج. يقول لو كان /صمت الثلج/ الذي يشعر به في داخله بداية قصيدة. لحق بالحافلة التي ستأخذه من أرضروم إلي قارص في اللحظة الأخيرة. بعد سفر دام يومين في حافلة وسط عاصفة ثلجية من اسطنبول وصل إلي كراج أرضروم. وبينما كان يمشي في الممرات القذرة والباردة يحمل حقيبته، محاولا معرفة المكان الذي تنطلق منه الحافلات التي ستقلٌه إلي قارص، قال له أحدهم ثمة حافلة علي وشك الانطلاق، ولأن المعاون علي حافلة الموديل القديم (ماغيروس) لا يريد فتح (الباكاج) الذي أغلقه مرة أخري، قال له: 'مستعجلين' لهذا السبب حمل معه حقيبة اليد الكبيرة ماركة (باللي)، الكرزية الداكنة الموضوعة الآن بين رجليه. كان المسافر الجالس بجانب النافذة يرتدي معطفا رماديا اشتراه من (كاوفهوف) في (فرانكفورت) قبل خمس سنوات. ولنقل من الآن بأن هذا المعطف الجميل ذا الوبر الناعم سيكون بالنسبة إليه مصدر خجل وقلق من جهة، ومصدرّ طمأنينةي من جهة أخري خلال الأيام التي سيقضيها في قارص. بعد انطلاق الحافلة مباشرة فتح المسافر الجالس بجانب النافذة عينيه 'معتقدا أنه سيري شيئا جديدا'. وبينما كان يتفرتبه إلي ندف الثلج الكبيرة التي تندف من السماء مثل ريش الطير، لاستطاع أن يشعر باقتراب عاصفة ثلجية قوية، ولكان من المحتمل أن يفهم منذ البداية أنه سينطلق في سفر يغير حياته كلها، ويعود. ولكن، لم تخطر العودة بباله أبدا. حين بدأ يحل المساء، ركزٌ عينيه علي السماء التي بدت أكثر إضاءة من الأرض، ولم يكن يري في ندف الثلج التي تكبر تدريجيا وتتناثر مع الرياح إشارات كارثة تقترب، بل كان يتفرج عليها وكأنها إشارات لعودة السعادة والصفاء المتبقية من طفولته في النهاية. المسافر الجالس بجانب النافذة عاد إلي اسطنبول المدينة التي عاش فيها سنوات طفولته وسعادته بعد غياب اثنتي عشرة سنة قبل أسبوع إثر موت أمه. بقي هنالك أربعة أيام، وبرزت له سفرة قارص هذه التي لم تكن بالحسبان. كان يشعر بأن الثلج الجميل جدا يمنحه سعادة أكثر من سعادته برؤية اسطنبول بعد تلك السنوات كلها. كان شاعرا، وفي قصيدة كتبها قبل سنوات، وقليلا مايعرفها القارئ التركي قال فيها بأن الثلج يندف مرة واحدة في أحلامنا خلال الحياة. وبينما كان الثلج يندف طويلا صامتا كما يندف في أحلامه، تطهر المسافر الجالس بجانب النافذة بمشاعر البراءة والصفاء التي بحث عنها بلهفة علي مدي سنوات، وآمن بهذه الدنيا بتفاؤل يجعله يشعر وكأنه في بيته. بعد قليل عمل ما، لم يعمله منذ زمن طويل، ولم يخطر بباله. لقد نام في مقعده. لنستفد من نومه، ولنقدم حوله بعض المعلومات. كان يعيش في ألمانيا حياة منفيٌي سياسي علي مدي اثنتي عشرة سنة، ولكنه لم يكن في أي وقت كثير التعلق بالسياسة. الشعر هو تعلقه الأساسي وما يشغل فكره كله. هو في الثانية والأربعين من عمره، عازب، ولم يتزوج أبدا. لا يجنتبه إلي طوله وهو يتلوي في مقعده، ولكنه يجعّدٌج طويل القامة بالنسبة إلي الأتراك. بشرته قاتمة، وقد اصفرت أكثر نتيجة السفر، وشعره خرنوبي. محب للوحدة، وخجول. لو عرف أن رأسه قد مال علي كتف المسافر الذي بجانبه بعد نومه بقليل نتيجة اهتزاز الحافلة، ومال فيما بعد إلي صدره بخجل كثيرا. المسافر الذي انهار جسده فوق جاره حسن النية، وهوإنسان مستقيم ولهذا السبب فهو قدري دائما كأبطال تشيخوف ذوي الحياة الخاصة الجامدة والفاشلة بسبب هذه الخصوصيات. سنعود فيما بعد إلي موضوع القدر كثيرا. اسم المسافر الذي أدرك أنه لن ينام طويلا بسبب جلسته غير المريحة هذه (كريم ألاقوش أوغلو)، ولكن لأنه لايحب هذا الاسم يفضل مناداته بالحرفين الأولين من اسمه وكنيته (كا)، ولأخبركم فورا بأنني هذا ما سأفعله في الكتاب. بطلنا، منذ سنوات المدرسة كان يعاند في كتابة اسمه علي أوراق الامتحان والوظائف (كا)، وكان يوقع علي ورقة التفقد في الجامعة باسم (كا)، وفي هذا الموضوع كان يأخذ بعين الاعتبار الشجار مع معلميه، وموظفي الدولة في كل مرة. لأن هذا الاسم الذي فرضه علي أمه وعائلته وأصدقائه نشره في كتبه الشعرية. كان لاسم (كا) في تركيا، وبين الأتراك في ألمانيا شهرة قليلة وسحرية. الآن، كالسائق الذي تمني للمسافرين سفرا بالسلامة إثر الخروج من مركز انطلاق أرضروم، أضيف أنا: مع السلامة يا كا الحبيب ... ولكنني لا أريد أن أخدعكم: أنا صديق قديم ل (كا)، وما سيقع له في قارص أعرفه قبل أن أبدأ بهذه الحكاية. بعد خورسان انحرفت الحافلة نحو الشمال إلي قارص. وفي إحدي الطرق الصاعدة المتلوية ظهرت فجأة عربة خيل، وحين ضغط السائق بقوة علي المكابح استيقظ كا فورا. لم يستغرق كثيرا دخوله جو الوحدة والتعاون المتشكل في الحافلة. حين تبطئ الحافلة في المنعطفات وعلي أطراف المنحدرات الصخرية كان ينهض علي قدميه لرؤية الطريق بشكل أفضل كالمسافرين الذين يجلسون في الخلف علي الرغم من جلوسه وراء السائق مباشرة. ويشير بإصبعه إلي زاوية غابت عن انتباه المسافر الذي يمسح الزجاج المغشي أمام السائق باندفاع المساعدة (لم ينتبه إلي المساعدة) وحين ازداد تراكم الثلج، ولم تعد المسٌاحات تستطيع مسح الزجاج الأمامي المبيض تماما، كان كالسائق يحاول إيجاد الطريق الذي لم يعد باديا أبدا. لأن الثلج بني علي شاخصات الطريق فلم تعد تقرأ. حين تراكم الثلج جيدا أطفأ السائق الأضواء البعيدة. وبينما كان الطريق يظهر بشكل أوضح في شبه القمة، أظلم داخل الحافلة. المسافرون وسط المخاوف ينظرون إلي أزقة القري الفقيرة تحت الثلج، والمصابيح الذاوية للبيوت المهلهلة ذات الطابق الواحد، وإلي طرق القري البعيدة التي أجغلقت طرقها منذ الآن، والمنحدرات التي تنيرها المصابيح بشكل غير واضح، دون أن يتكلموا فيما بينهم. إذا تكلموا فهم يتكلمون همسا. الجار الذي سقط في حضنه كا كان نائما. سأله بهمس عن الهدف من زيارته لقارص. كان من السهل فهم أن كا ليس قارصيا. همس كا قائلا: 'أنا صحفي'.. هذا لم يكن صحيحا. 'أنا ذاهب من أجل انتخابات البلدية، والنساء المنتحرات' هذا صحيح. قال جاره في المقعد بمشاعر قوية لم يستطع معرفة ما إذا كانت مشاعر اعتزاز أم خجل: 'لقد كتبت صحف اسطنبول كلها أن رئيس بلدية قارص قد قتلشعر نحوه بالشفقة والمحبة. حين فعل كا هذا قلٌ خوفه من العاصفة الثلجية غير المنتهية، وفهم أنهم لن يتدحرجوا إلي أحد المنحدرات، وأن الحافلة ستصل إلي شوارع قارص ولو متأخرة قليلا. حين دخلت الحافلة شوارع قارص المغطاة بالثلج في الساعة العاشرة، أي بتأخير ثلاث ساعات لم يستطع كا معرفة المدينة. ولم يعرف بناء محطة القطارات الذي ظهر أمامه في يوم ربيعي حين أتي إلي هنا قبل عشرين سنة بواسطة قطار بخاري، ولم يستطع إيجاد فندق الجمهورية الذي يوجد في كل غرفة من غرفه هاتف، والذي جلبه إليه الحوذي بعد أن جوٌله المدينة كلها. كأن كل شيء محي تحت الثلج وضاع. عربة أو عربتا خيل في مركز الانطلاق تذكران بالماضي، ولكن المدينة أكثر هما وفقرا مما رآه كا وتذكره. رأي كا من نافذة الحافلة التي بني عليها الجليد الأبنية البيتونية التي أنشئت شبيهاتها في كل مكان من تركيا خلال السنوات العشر الأخيرة، ولوحات (البلغسي غلاس) المتشابهة في كل مكان، وملصقات الانتخابات المعلقة علي الحبال المشدودة بين طرفي الشارع. فور نزوله من الحافلة وملامسة قدمه الثلج الناعم دخل من كمي بنطاله برد قارس. بينما كان يسأل عن فندق (ثلج بلاس) الذي حجز فيه بواسطة الهاتف من اسطنبول رأي وجوها مألوفة بين المسافرين الذين يناولهم المعاون حقائبهم، ولكنه لم يستطع معرفة هؤلاء الأشخاص تحت الثلج. في مطعم (الوطن الأخضر) الذي ذهب إليه بعد أن رتب وضعه في الفندق رآهم من جديد. رجل حفر الزمان عليه آثاره، متعب ولكنه مازال وسيما ومتباهيا، وبجانبه امرأة تبدو وكأنها زوجته بدينة ولكنها حيوية. تذكرها كا. كانا في اسطنبول يعملان في مسرح سياسي كثير الشعارات في السبعينيات. اسم الرجل: (صوناي ظائم). وبينما كان ينظر إليهما شاردا شبه المرأة بإحدي زميلاته في المدرسة الابتدائية. رأي كا الرجال الآخرين علي الطاولة ببشراتهم الشاحبة والميتة الخاصة بأوساط المسرحيين. ما عمل هذه الفرقة المسرحية الصغيرة في هذه المدينة المنسية في هذه الليلة الشباطية المثلجة؟ وقبيل خروجه من هذا المطعم الذي كان يداوم عليه الموظفون ذوو العقادات قبل عشرين سنة اعتقد كا أنه رأي وراء طاولة أخري أحد الأبطال اليساريين حاملي السلاح في السبعينيات. ذاكرته أيضا محيت تحت الثلج مثل قارص المقفرة والشاحبة ومطعمها. أبسبب الثلج ليس ثمة أحد في الشوارع، أم أنه لا يوجد أحد في أي وقت علي هذه الأرصفة المتجمدة؟ قرأ بتمعن ملصقات الانتخابات علي الجدران، وإعلانات مدارس الدورات التعليمية والمطاعم، والملصقات المضادة للانتحار التي علقتها المحافظة وكتب عليها: 'الإنسان إبداع الله، والانتحار كفر'. رأي كا في المقاهي شبه الممتلئة، والتي بني الجليد علي نوافذها جموع الشباب متابعي التلفاز. رؤية الأبنية الحجرية القديمة ذات البنية الروسية التي جعلت لقارص مكانة خاصة في ذاكرته أدخلت الراحة إلي نفسه ولو قليلا. فندق (ثلج بلاس) أحد الأبنية الروسية الظريفة المبنية وفق الطراز المعماري البلطيقي. ويدخل إلي الفندق من تحت قنطرة مفتوحة علي باحة، وهو بناء بطابقين ذو نوافذ ضيفة ومرتفعة طولانيا. شّعّرّ كا بانفعال غير واضح حين كان يعبر من تحت هذه القنطرة التي صمٌمت مرتفعة لتعبر من تحتها عربات الخيول. ولكنه كان متعبا بحيث لم يتوقف عند هذا الأمر. ولأضف أيضا أن هذا الانفعال يتعلق بأحد الأسباب التي جعلت كا يأتي إلي قارص: حين زار كا جريدة الجمهورية في اسطنبول قبل ثلاثة أيام التقي صديق شبابه (طانر)، وقد شرح لكا بأن انتخاباتي بلدية ستجري في قارص، وغير هذا فإن الفتيات في قارص كما في باطمان أصبن بمرض انتحار عجيب، وإذا أراد أن يكتب في هذا الموضوع، ويري تركيا الحقيقية ويعرفها اقترح عليه الذهاب إلي قارص، ومنحه بطاقة صحفي مؤقتة لهذا العمل الذي لم يتحمس له أحد، وأضاف بأن زميلتهما في الجامعة (إيبك) الجميلة في قارص. وعلي الرغم من انفصالها عن مختار فهي هناك في فندق (ثلج بلاس) تعيش مع والدها وأختها. حين كان يستمع كا لكلمات طانر الذي يقدم للجمهورية تحليلات سياسية تذكر جمال إبيك. شعر كا بالراحة بعد أن قدم له المفتاح جاويت الكاتب المتابع التلفزيون في بهو الفندق المرتفع السقف، وصعد إلي الغرفة ذات الرقم 203 في الطابق الثاني. استمع إلي نفسه بانتباه. لم يكن عقله ولا قلبه مهتما بوجود إيبك في الفندق، علي عكس ما خشي منه طوال الطريق. كاد يموت خوفا من وقوعه في العشق نتيجة الإحساس الغريزي القوي عند الذين يتذكرون سلسلة الآلام والخجل فقط من حياتهم العاطفية المحدودة. في منتصف الليل، كان مرتديا منامته. في غرفته المظلمة فتح الستارة قليلا قبل دخوله السرير. وتفرج علي تساقط ندف الثلج الكبيرة غير المتوقف. - 2 - مدينتنا مكان مطمئن الأحياء البعيدة أيقظ الثلج لديه شعور صفاء منسي بتغطيته قذر المدينة وطينها وظلمتها. ولكن كا فقد هذا الشعور بالامتنان من الثلج بعد اليوم الأول الذي قضاه في قارص. الثلج هنا شيء متعب وممل ودافع إلي اليأس. فطوال الليل لم يتوقف عن السقوط. في الصباح كان يمشي كا في الشوارع، ويجلس في المقاهي المليئة بالأكراد العاطلين عن العمل، ويلتقي الناخبين حاملا ورقة وقلما مثل صحفي متعلق بعمله، ويتسلق طرق الأحياء الفقيرة العمودية والمتجاورة، وفي أثناء لقائه رئيس البلدية الأسبق، ومعاون المحافظ، وأقرباء الفتيات المنتحرات لم يهدأ الثلج أبدا. مشهد الشوارع الثلجية كان يبدو له من نافذة أحد البيوت الآمنة في حي (نيشان طاش) حين كان صغيرا كأنه قطعة من حكاية، والآن يبدو له كملجأ أخير وسط أحلامه التي حملها عبر سنوات حول حياة شخص من الطبقة الوسطي، وبداية فقر نهايته يائسة لا يريد مجرد تخيله. صباحا، وبينما كانت المدينة قد استيقظت للتو، ودون أن يعير اهتماما للثلج الهاطل سار بسرعة منحدرا من شارع أتاتورك، متجها نحو أحياء الأكواخ، نحو أحياء قارص الأفقر إلي حي (تحت القلعة). وبينما كان يتقدم مسرعا من تحت أشجار البلوط و (الزعرور) المتجلدة الأغصان، وبينما كان ينظر إلي الأبنية الروسية القديمة والمهترئة والبارزة من شبابيكها مداخن المدافئ، وإلي الثلج الهاطل وسط الكنيسة الأرمنية ذات الألف عام والناهضة وسط مستودعات الحطب، ومحطة الكهرباء، وإلي الكلاب القوية النابحة علي كل من يعبر الجسر الحجري ذي الخمسة قرون فوق نهر قارص المتجمد، وإلي الأدخنة المتصاعدة رفيعة من الأكواخ الصغيرة لحي (تحت القلعة) والبادية تحت الثلج وكأنها مفرغة تماما ومتروكة، تّكّدٌّرّ إلي حد تجمعت فيه الدموع في عينيه. ثمة طفلان صبي وبنت أرسلا إلي المخبز في الطرف الآخر من الوادي، وفي حصنهما خبز ساخن يتضاحكان سعيدين وهما يتناهران، ابتسم لهما كا. الكدر الذي حفر آثاره في داخله غير ناجم عن الفقر أو اليأس بل هو ناجم عن شعور غريب بالوحدة سيعاني منه فيما بعد. وهذا الكدر موجود في دكاكين المصورين ذات الواجهات الفارغة، وفي نوافذ المقاهي المتجلدة والمليئة بالعاطلين عن العمل الذين يلعبون الورق، والساحات الفارغة المغطاة بالثلج. كأن المكان هنا قد نسيه الجميع والثلج يهطل إلي نهاية الحياة بصمت. مرٌ الصباح علي كا وهو محظوظ، وقجوبِلّ كصحفي اسطنبولي شهير يتوق الجميع لمعرفته ومصافحته.. فتح الجميع أبوابهم له من معاون المحافظ وحتي الأشخاص الأفقر وتحدثوا. قدٌّم كا للقارصيين السيد سردار مجصدِرج (جريدة مدينة سرهات) التي تبيع ثلاثمائة وعشرين نسخة، ومرسل الأخبار المحلية إلي جريدة الجمهورية (أغلبها لاينشر). فور خروج كا من الفندق صباحا كان أول عمل له إيجاد هذا الصحفي العتيق عند باب جريدته والمزود باسمه في اسطنبول علي أنه (مراسلنا المحلي)، وفهم بسرعة بأنه يعرف قارص كلها. الأسئلة التي ستسأل ل كا مئات المرات علي مدي ثلاثة أيام سيقضيها في قارص سألها أولا السيد سردار. 'أهلا بكم في مدينتنا مدينة سرهات يا أستاذ. ولكن ما عملكم هنا؟!'. قال كا بأنه جاء لمتابعة الانتخابات، ولعله يكتب مقالا حول الفتيات المنتحرات. قال الصحفي: 'يجبالّعج في أمر الفتيات المنتحرات كما في باطمان. لنذهب إلي السيد قاسم معاون مدير الأمن، وليعلموا بمجيئكم خشية من أي شيء '. كانت عادة مراجعة الأمن للقادمين إلي البلدة حتي ولو كانوا صحفيين أجانب منحدرة منذ عام 1940. لم يعارض كا هذا لأنه منفي سياسي عائد إلي البلدة بعد سنوات طويلة، ولشعوره بوجود فدائيي حزب العمال الكردستاني حتي لو لم يحكِ بهذا. عبرا المدينة بشكل قطري خلال خمس عشرة دقيقة تحت الثلج النادف بطيئا مارين من سوق الجملة الخاص بالفواكه ومن شارع ناظم قرة بكر الذي تصطف فيه متجاورة دكاكين البيطاريين وبائعي قطع التبديل، ومن أمام المقاهي التي يتابع عاطلوها عن العمل التلفاز والثلج الهاطل، ودكاكين باعة مشتقات الحليب حيث تعرض اسطوانات جبنة القشقوان الضخمة. في الطريق توقف السيد سردار برهة وأشار ل كا إلي الزاوية التي أطلق فيها النار علي رئيس البلدية السابق. بحسب إحدي الإشاعات فإن القضية قضية بلدية بسيطة، فقد أطلق النار علي رئيس البلدية بسبب أمره بهدم شرفة بنيت بشكل مخالف. ألقي القبض علي القاتل وسلاحه معه بعد الجريمة بثلاثة أيام في مخزن التبن التابع لبيته في قريته التي هرب إليها. وعلي مدي الأيام الثلاثة شاعت إشاعات جعلت الناس لايؤمنون بداية بأن هذا هو القاتل، وقد أحدث السبب البسيط للجريمة شعورا بالإحباط. مديرية أمن قارص بناء طويل ذو ثلاثة طوابق. وهو أحد الأبنية الحجرية القديمة المصطفة طوال شارع (فائق بيك)، والمتبقية من أغنياء الروس والأرمن والمستخدمة بغالبيتها أبنية حكومية. وبينما كانا ينتظران معاون مدير الأمن أشار السيد سردار إلي السقف المزخرف وقال بان البناء يعود إلي تاريخ 1877 1918 في الفترة الروسية، وكان قصر أحد الأغنياء الأرمن مؤلفا من أربعين غرفة، وفيما بعد تحول إلي مستشفي روسي. خرج السيد قاسم معاون مدير الأمن ذو الكرش الكبيرة إلي الممر، وأدخلهما إلي غرفته. فهم كا بسرعة بأنه لايقرأ جريدة الجمهورية التي يجدها يسارية، ومديح شاعرية أحدهم لم يترك لديه انطباعا إيجابيا، ولكنه خجل من إبداء هذه الآراء أمام السيد سردار لأنه صاحب أكثر الصحف المحلية توزيعا. حين أنهي السيد سردار كلامه قال لكا: 'هل تريد حماية؟'. 'كيف؟'. 'نفرز لكم أحد رجالنا المدنيين. ترتاحون'بما يعانين منه يكون الأمر أفضل. بعضهن يفرحن لاعتقادهن بأن القادمين مرشحو رئاسة البلدية حاملين صفائح زيت دوار الشمس، أو صناديق الصابون، أو ربطات البسكويت والمعكرونة. واللواتي يقررن إدخالهما إلي البيت بدافع من كرم الضيافة يقلن لكا ألا يخاف من الكلب النابح. بعضهن يعتقدن أن هذه مداهمة أمنية أو عملية تفتيش من تلك المستمرة علي مدي سنوات فيفتحن الباب متوجسات، وحين يدركن بأن القادمين ليسوا من الدولة فيلتففن بالصمت. أما أسر الفتيات المنتحرات (استطاع كا خلال فترة قصيرة معرفة ست وقائع) فقد أفدن بأن بناتهن لم تشتكين من شيء، وقد دهشوا للحادثة، وحزنوا كثيرا. في غرف أرضياتها ترابية، أو مغطاة بسجادة آلية صغيرة بقدر كف، باردة مثل الثلج، وعلي مقاعد مطاولة قديمة، وكراسي مائلة، ووسط أطفال يبدو بأن عددهم يزداد مع الانتقال من بيت إلي بيت يتدافعون ويلعبون بألعاب بلاستيكية مكسرة (سيارات، دمي ذات ذراع واحد) وزجاجات وصناديق أدوية وعلب شاي فارغة، ومدافئ حطب يحرٌك داخلها باستمرار لكي تسخن، ومدافئ كهربائية تتغذي بكهرباء غير شرعية وأمام تلفزيونات مفتوحة باستمرار ولكن صوتها مغلق استمعا إلي هموم قارص اللا متناهية وحكايات الفقر والطرد من العمل والفتيات المنتحرات. حكوا لكا حكاياتهم الشخصية وكأنها هموم البلد والدولة. أمهات يشتكين أن أولادهن عاطلون عن العمل، وباكيات لوقوع أبنائهن في السجن، أو لعملهم مكيسين في الحمامات مدة أثنتي عشرة ساعة في اليوم ويشبعون عائلاتهم المؤلفة من ثمانية أشخاص بصعوبة. وعاطلون عن العمل مترددون في الذهاب إلي المقهي بسبب ثمن كأس الشاي شاكين من سوء حظهم ومن الدولة والبلدية. في إحدي نقاط هذه الحكايات وهذا الغضب كله، وعلي الرغم من الضوء الأبيض الداخل عبر النوافذ شعر كا بأن البيوت التي يدخلها ويخرج منها قد حلٌ عليها الظلام وأنه يصعب عليه معرفة أشكال أغراضها. والأنكي من ذلك أن هذا العمي نفسه هو الذي يجبره علي لفت نظره إلي الخارج نحو الثلج النادف وكأنه ستارة شفافة، أو شكل من أشكال صمت الثلج يهبط علي عقله، ويقاوم عقله وذاكرته حكايات الفقر والبؤس. واستمع أيضا لحكايات المسنين والتي لن تخرج إحداها من عقله حتي موته. ليس الفقر واليأس وعدم التفهم ما جذب كا لهذه الحكايات. كما أنه ليس عدم تفهم الأباء والأمهات بضرب بناتهم وعدم السماح لهن بالخروج إلي الشارع، كما أنه ليس ضغط الأزواج الغيورين والطفرانين. الأمر الأساسي الذي أخاف كا وأدهشه هو دخول حالات الانتحار إلي الحياة اليومية العادية فجأة دون إبلاغ أو مراسم. مثلا فتاة علي وشك أن تخطب قسرا لصاحب مقهي عجوز، تناولت طعام عشائها كالعادة مع أبيها وأمها وأخوتها الثلاثة وجدتها لأبيها، وبعد أن جمعت الصحون المتسخة مع إخوتها كالعادة أيضا وهم يتضاحكون ويتدافعون، بعد أن ذهبت لجلب الحلوي من المطبخ خرجت إلي الباحة، ودخلت من النافذة إلي غرفة أبيها وأمها، وأطلقت النار علي نفسها بواسطة بندقية صيد لأبيها. الأب والأم اللذان وجدا جسد ابنتهما المتلوي وسط الدماء، وكانا يعتقدان أنها في المطبخ،لم يفهما سبب انتحارها، كما لم يستوعبا انتقالها من المطبخ إلي غرفة النوم. فتاة أخري في السادسة عشرة من عمرها تعاركت بشد الشعر مع أختيها حول القناة التي سيتابعنها، ومن ستمسك جهاز التحكم عن بعد، وبعد أن تلقت كفين قاسيين من أبيها الذي جاء للفصل بينهن، دخلت إلي غرفتها، وصبت في جوفها زجاجة مبيد زراعي وكأنها تشرب زجاجة مياه غازية من نوع (مورتالين). أخري في الخامسة عشرة تزوجت نتيجة حب، ووضعت ولدا قبل ستة أشهر، وقد يئست من ضرب زوجها المسحوق والعاطل عن العمل، وبعد شجار عادي دخلت إلي المطبخ، وأقفلت الباب خلفها، وعلي الرغم من صراخ زوجها وهو يكسر الباب لأنه أدرك ما تفعله شنقت نفسها بمحاولة واحدة بواسطة حبل وكلابة كانت قد أعدتهما من قبل. ثمة سرعة ويأس في تلك الحكايات وفي الانتقال بين الموت وسيرورة الحياة العادية سحر كا. الكلابات المثبتة في السقف، والأسلحة الملقمة بالرصاص من قبل، وزجاجات المبيد المجلوبة من غرفة جانبية إلي غرفة النوم تثبت أن الفتيات المنتحرات قد حملن منذ وقت طويل في دواخلهن فكرة الانتحار. بدأ يظهر انتحار الفتيات والنساء الشابات فجأة في باطمان التي تبعد عن قارص مئات الكيلومترات وعلي الرغم أن انتحار الذكور علي المستوي العالمي يبلغ ثلاثة أو أربعة أضعاف الانتحار عند الإناث، فإن بلوغ نسبة انتحار الإناث في باطمان ثلاثة أضعاف نسبة انتحار الذكور، وهي تساوي أربعة أضعاف نسبة الانتحار علي المستوي العالمي لفت بداية نظر موظف شاب يعمل في مؤسسة إحصاء الدولة في أنقرة، والخبر الصغير الذي نشره في جريدة الجمهورية لم يجعل أحدا في تركيا يهتم به. علمت بالخبر جرائد ألمانيا وفرنسا واهتمت به، وذهب مراسلوها في تركيا إلي باطمان. وحين نشروا تحقيقاتهم في بلدانهم، اهتمت الجرائد التركية بالانتحارات، وجاء كثير من الصحفيين المحليين والأجانب إلي المدينة. وبحسب رأي موظفي الدولة المهتمين بالقضية فإن هذا الاهتمام والنشر زاد من تشجيع أكثر بعض الفتيات علي الانتحار. وأفاد معاون المحافظ الذي تحدث إليه كا بأن الانتحار في قارص لم يبلغ إحصائيا مستوي باطمان، وأنه لا يعارض 'الآن' لقاءه مع عائلات الفتيات المنتحرات، ورجاه ألا يستخدم كثيرا معها كلمة 'انتحار'، وألا يقدم القضية لجريدة الجمهورية مبالغا فيها. وقد بدأت التحضيرات لمجيء هيئة مؤلفة من اختصاصي نفساني، وشرطي، ووكيل نيابة وأحد مسؤولي الشؤون الدينية من باطمان إلي قارص، وقد علقت منذ الآن ملصقات تناهض الانتحار، أمرت إدارة الشؤون الدينية بطبعها، كتب عليها: 'الإنسان إبداع الله، والانتحار كفر'، وقد وصلت إلي المحافظة كراسات دينية بالعنوان نفسه ليتم توزيعها. ولكن معاون المحافظ لم يكن واثقا من أن هذه الإجراءات الاحترازية ستحول دون الانتحار الذي بدأت جائحته في قارص خلال فترة قريبة، ويخشي أن تؤدي 'الإجراءات الاحترازية' نتيجة عكسية. لأن كثيرا من الفتيات يعتبرن قرار الانتحار نوعا من ردة الفعل نحو الدولة المعارضة للانتحار، ونحو الآباء، والرجال، والوعاظ بقدر أخبار الانتحار. قال معاون المحافظ لكا: 'من المؤكد أن سبب الانتحار هو اليأس المفرط. لا شبهة في هذا، ولكن لو كان اليأس سببا حقيقيا للانتحار لانتحرت نصف نساء تركيا.' وقد قال معاون المحافظ ذو الشارب الشبيه بالفرشاة، والوجه السنجابي لكا مباهيا بأن النساء غاضبات من الدولة والأسر وصوت الدين الذكوري لتلقينهن عبارة 'لا تنتحرن' لهذا السبب يجب وضع امرأة علي الأقل في الهيئة التي تقوم بالحملة المناهضة للانتحار، وقد أبلغ أنقرة خطيا بهذا الأمر. فكرة أن الانتحار مرض سار مثل الوباء ظهرت أولا إثر مجيء فتاة من باطمان إلي قارص. وقد تحدث كا إلي خال البنت بعد الظهر في حي أتاتورك تحت أشجار (الزعرور) في باحة مغطاة بالثلج (لم يدخلوه إلي البيت) وهو يدخن سيجارة، وقد ذكر الخال أن ابنة أخته ذهبت عروسا إلي باطمان قبل سنتين وهناك عملت في شؤون البيت من الصباح حتي المساء، وقد باتت حماتها تؤنبها باستمرار لأنها لا تنجب، ولكن هذه الأمور ليست أسبابا كافية للانتحار، وقد أخذت فكرة أن النساء كلهن ينتحرن من باطمان، وكانت المرحومة تبدو هجنا في قارص عند عائلتها مسرورة جدا. لهذا السبب، صباح اليوم الذي كانت ستعود فيه إلي باطمان دهشوا كثيرا حين وجدوها ميتة في الفراش وبجانب رأسها علبتان من الدواء ابتلعتهما، ورسالة. بعد شهر من حادثة هذه الفتاة التي نقلت فكرة الانتحار من باطمان إلي قارص قلدتها أولا ابنة خالتها وهي في السادسة عشرة من عمرها. سبب هذا الانتحار الذي وعد كا أباها وأمها الباكيين بأن يكتب في الجريدة تفاصيل قصتها كلها هو قول أحد المعلمين للفتاة في الصف بأنها ليست بكرا. وبعد فترة قصيرة انتشرت هذه الإشاعة في قارص كلها. ترك الفتاة خطيبها، كما انقطع الخطاب الكثيرون الذين كانوا يأتون إلي بيتها. وفي هذه الأثناء بدأت تقول لها أمها: 'مهما كان فإنك لن تتزوجي' وبينما كانوا جميعا يتابعون في التلفاز مشهد عرس بدأ الأب السكران يبكي، فسرقت الفتاة حبوب النوم من صندوق جدتها، وابتلعتها جميعها، ونامت (بقدر ما فكرة الانتحار سارية، بقدر ما طريقتها سارية). وإثر معرفة الطب الشرعي بأن الفتاة المنتحرة بكر قام والدها كما قام المعلم المشيع للشائعة بتوجيه التهمة لقريبتها المنتحرة القادمة من باطمان. ولأنهم يريدون من كا أن ينشر في خبره بأنه تبين عدم صحة الاتهام، وأن يفضح المعلم الذي نشر هذه الكذبة، فقد شرحوا له انتحار ابنتهم بالتفصيل. الأمر الذي أوقع كا في يأس عجيب من هذه الحكايات كلها هو أن الفتيات المنتحرات لم يجدن فرصة للخلوة سوي من أجل الانتحار. حتي الفتيات المنتحرات بحبوب النوم كن يقتسمن الغرفة مع غيرهن حتي وهن يمتن بشكل سري. كا الدارس للآداب الغربية، والناشئ في (نيشان طاش) في اسطنبول كلما فكر بانتحاره كان يشعر بضرورة إيجاد زمن طويل من أجل تحقيق هذا، ومكاني، وغرفةي لا يطرق بابها أحد علي مدي أيام. كلما غاص كا بخيالات انتحاره الذي سيجري ببطء مع هذه الحرية وحبوب النوم والوسكي خاف من تلك الوحدة غير المحدودة هناك، وهذا ما جعله لا يفكر بشكل جدي بالانتحار في أي وقت. -------------------------------------------------------------------------------- الوحيدة التي أيقظت بانتحارها شعور الوحدة هذا لدي كا هي 'ذات الإشارب' التي شنقت نفسها قبل شهر وأسبوع. كانت هذه إحدي فتيات معهد التربية اللواتي منعن بداية من الدخول إلي الصفوف بسبب عدم نزع الإشارب، وبعد ذلك منعن من الدخول إلي المعهد بموجب قرار صادر في أنقرة. كانت أسرتها هي الأسرة الأقل فقرا بين الأسر التي تحدث إليها كا. وبينما كان كا يشرب الكوكاكولا التي أخرجها أبوها من ثلاجة دكان السمانة الذي يمتلكه علم بأن الفتاة قبل أن تنتحر فتحت موضوع الانتحار لأسرتها وصديقاتها. لعل الفتاة تعلمت وضع غطاء الرأس من أمها وأسرتها، وقد علمت بأن هذا الأمر سمة الإسلام السياسي من الإداريين المؤيدين للمنع في المعهد، ومن صديقاتها المقاومات نزع الإشاربات. ولأنها رفضت نزع غطاء الرأس علي الرغم من ضغوط والديها أوشكت أن تنفصل من المعهد الذي منعتها الشرطة من دخوله لعدم تحقيق شرط الدوام. وحين رأت أن بعض زميلاتها تراجعن عن المقاومة وكشفن رؤوسهن، وبعضهن وضعن شعرا مستعارا بدأت تقول لأبيها وزميلاتها: 'ليس ثمة شيء له معني في هذه الحياة'، 'لا أريد أن أعيش'. ولأنه في تلك الأيام قد بدأت في قارص مؤسسة الشؤون الدينية التابعة للدولة والإسلاميون معها بتوزيع الإعلانات باليد، وإلصاق الملصقات التي تفيد بأن الانتحار من أكبرن هذا في البداية عبارة عن صورة أكثر مما هي فكرة، ولكنه بينما كان يتجول مسرعا في غرف المتحف نظر شاردا، ثم مع محاولته التذكر كان أمامه ما هو غير واضح مثل رسم لا يمكن أن يجسده. كان كشعور يظهر ويختفي في لحظة أكثر مما هو رسم، ولكن هذه الحال يعيشها كا أول مرة.تْ بأفكارها مدة، وبعد أن قرأت أدعية شنقت نفسها بإشاربها الذي علقته بحلقة المصباح. - 3 - أعطوا أصواتكم لحزب الله الفقر والتاريخ كان الفقر بالنسبة إلي كا حين كان صغيرا هو المكان الذي تنتهي عنده حياة الطبقة الوسطي التي يعيشها في نيشان طاش والمكونة من أب محام، وامرأة ربة منزل، وأخت أصغر منه حلوة، وخادمة مخلصة، والمفروشات والمذياع والستائر، وعند انتهاء حدود 'البيت' تبدأ حدود الدنيا الأخري. كان لا يمكن أن تمسه الأيدي، ولأنه ظلام مخيف فكان لتلك الدنيا الأخري بعد (ميتا فيزيقي) في خيالات طفولة كا. وعلي الرغم من عدم تغٌير هذا البعد كثيرا في الجزء الآخر المتبقي من حياته، فإنه حين قرر الانطلاق فجأة مسافرا إلي قارص كان من الصعب تفسير حركته بنوع من العودة إلي الطفولة. علي الرغم من وجود كا بعيدا عن تركيا فهو يعرف أن قارص في السنوات الأخيرة هي المنطقة الأكثر فقرا ونسيانا. حين عاد من فرانكفورت التي عاش فيها اثنتي عشرة سنة، كانت رؤيته لشوارع اسطنبول التي سار فيها مع أصدقاء طفولته كلها، ودكاكينها، وسينماتها قد تغيرت من قمتها إلي قاعدتها، وزالت، وفقدت روحها، وهذا ما استفز في داخله إرادة البحث عن الطفولة والصفاء في مكان آخر. لهذا يمكن القول إنه اختار سفرة قارص من أجل مقارنة الطبقة الوسطي المحدودة التي تركها في طفولته مع الفقر. مع أنه حين رأي في دكاكين قارص أحذية رياضية ماركة (غيسلافد)، ومدافئ ماركة (فيزوف)، وصناديق جبنة قارص المدورة المؤلفة من ستة مثلثات وهي أول شيء عرفه عن قارص في طفولته وكان قد استعمل هذه الأشياء في طفولته ولم يعد يراها في اسطنبول، استمتع كثيرا إلي حد أنه نسي الفتيات المنتحرات، وشعر بالطمأنينة لوجوده في قارص. وعند الظهر انفصل كا عن الصحفي السيد سردار، وبعد أن قابل البارزين من حزب مساواة الشعوب، والآذريين العلويين تجول وحده في المدينة تحت ندف الثلج الكبيرة. مشي في شارع أتاتورك، وعبر الجسور، وبينما كان يتجه إلي الأحياء الأفقر مهموما، نظر إلي جبال (صارب) الغائبة في ذلك الصمت غير المخرب سوي بنباح الكلاب. كأن زمنا غير محدد انتشر علي القلعة السلجوقية والآثار التاريخية التي لا يمكن فصلها عن الأكواخ، وحين شعر بعدم انتباه أحد إلي الثلج الهاطل طفحت عيناه بالدموع. تفرج علي الشباب الذين يبدو أنهم في المرحلة الثانوية يلعبون كرة القدم في ضوء المصابيح العالية التي تنير مستودع الفحم والفسحة المجاورة لحديقة حي يوسف باشا المنزوعة أراجيحه، والمكسرة سحيلاته. وبينما كان يستمع إلي صراخ الشباب وتبادلهم الشتائم وقد خفت درجة صوتهم في الثلج شعر بقوة بالضوء الأصفر المنبعث من المصابيح العالية، والبعد عن كل شيء في هذه الزاوية من العالم تحت الثلج النادف ظهرت بداخله فكرة الله. كان هذا في البداية عبارة عن صورة أكثر مما هي فكرة، ولكنه بينما كان يتجول مسرعا في غرف المتحف نظر شاردا، ثم مع محاولته التذكر كان أمامه ما هو غير واضح مثل رسم لا يمكن أن يجسده. كان كشعور يظهر ويختفي في لحظة أكثر مما هو رسم، ولكن هذه الحال يعيشها كا أول مرة. نشأ كا وسط أسرة جمهورية علمانية في اسطنبول. لم يتلق أي تعليم إسلامي خارج دروس الدين التي تلقاها في المرحلة الابتدائية. عندما بدأت تظهر خيالات كهذه داخله في أحيان متقطعة لم يسيطر عليه الأرق كما لم يشعر بدافع شاعري للذهاب وراء هذا الارتجاف. كان علي الأغلب يولد في داخله فكرة متفائلة بأن العالم مكان جميل يمكن الفرجة عليه. في غرفة الفندق الذي عاد إليه من أجل الدفء والنوم قليلا قلٌب الكتب التي أحضرها معه من اسطنبول حول تاريخ قارص شاعرا بهذا الشعور السعيد، وتداخل في عقله هذا التاريخ الذي ذكٌره بحكايات طفولته مع ما استمع إليه طوال اليوم. في أحد الأزمان عاش في أحد قصور قارص التي تذكٌِر كا ولو من بعيد بسنوات طفولته رجل غني من الطبقة الوسطي، كان يقيم حفلات البالو، والولائم التي تستمر أياما. وكان هؤلاء الناس يستمدون قوتهم من كون قارص في أحد الأيام كانت علي طريق جورجيا وتبريز والقوقاز وتفلس أي من التجارة ولأنها نقطة متطرفة مهمة بين أهم إمبراطوريتين انهارتا في القرن الماضي وهما روسيا القيصرية والدولة العثمانية، ومن الجيوش الضخمة التي وضعتها الإمبراطوريات في هذا المكان وسط الجبال لحمايتها. في المرحلة العثمانية عاش في هذا المكان أقوام مختلفون، مثلا الأرمن الذين ما زالت كنائسهم التي أنشؤوها قبل ألف سنة تقف بعظمتها، والعجم الذين هربوا من جيوش المغول وإيران، والروم المتبقين من الدولتين البيزنطية والبونتوسية، والجيورجيون، والأكراد، وكل أنواع أقوام الجركس. وبعد أن استسلمت القلعة التي عمرها خمسمائة سنة للجيش الروسي عام 1878 نفي قسم من المسلمين، ولكن غني المدينة واختلاطها استمر. وفي المرحلة الروسية بينما كانت تتراجع قصور الباشوات والحمامات والأبنية العثمانية في حي (تحت القلعة) المقام علي سفوح القلعة أنشأ بناؤو القيصر في السهل جنوب نهر قارص مدينة جديدة مؤلفة من خمسة شوارع رئيسة توازي بعضها بعضا وبينها أزقة عمودية تماما عليها وقد غنيت بسرعة. هذه المدينة التي كان يلتقي فيها القيصر الكسندر الثالث حبيبته السرية، ويخرج منها إلي الصيد، قدم لها الروس دعما ماليا كبيرا لإنشائها من جديد لأنها مناسبة لمخططاتهم بالنزول إلي الجنوب نحو البحر المتوسط، والسيطرة علي طرق التجارة. هذه المدينة التي جاءها كا قبل عشرين سنة وسحرته بشوارعها، وأحجار أرصفتها الضخمة، وأشجار الكستناء والزعرور التي زرعتها الجمهورية التركية أضحت حزينة جرٌاء حروبها القومية والقبلية واحترقت أبنيتها الخشبية وهدمت ولم تعد مدينة عثمانية. وبعد حروب، ومجازر، وتطهير عرقي وتمردات لا تنتهي، وبعد أن سقطت بيد الأرمن والروس، وحتي بيد الجيش الإنكليزي في إحدي الفترات، وبعد أن صارت قارص لفترة قصيرة دولة مستقلة، دخل إلي المدينة في تشرين الأول من عام 1920 الجيش التركي بقيادة ناظم قرة بكر الذي نّصِبّ فيما بعد تمثالا له في ساحة المحطة. الأتراك الذين دخلوا مرة أخري إلي المدينة بعد ثلاث وأربعين سنة أعجبوا بالمخطط الجديد المنسجم مع البنية القيصرية، وسكنوا فيها، ولأن الثقافة التي جاء بها القياصرة إلي المدينة متوافقة مع انفعال الجمهورية نحو التغريب فأيدوها بداية، ولأنهم لا يعرفون أكبر من العسكر أطلقوا علي شوارعها الخمسة أسماء باشوات خمسة من تاريخ قارص. هذه هي سنوات التغريب التي شرحها مباهيا وغاضبا السيد مظفر رئيس بلدية أسبق من حزب الشعب، كانت تقام فيها حفلات راقصة في المراكز الشعبية، ومسابقات تزلج علي الجليد تحت الجسر الحديدي الذي رآه كا صباحا حين مرٌّ عليه ووجد أنه صدئ في كثير من أمكنته، ومسرحيون يأتون من أنقرة لتمثيل تراجيديا الجمهوريين القارصيين، وكان الأغنياء السابقون يتنزهون وهم يرتدون المعاطف ذات ياقات الفراء علي زلاجات تجرها خيول مجرية مزينة بالورود والأشياء البراقة، وكانت تقام آخر الرقصات في حفلات بمرافقة عزف البيانو والأوكورديون، والكلارنت تحت أشجار (الأقاقيا) في حديقة الشعب من أجل دعم فريقهم لكرة القدم، ويمكن لفتيات قارص أن يتجولن صيفا وسط المدينة بألبسة قصيرة الأكمام وهن راكبات علي الدراجات الهوائية، وحين كان الشباب يذهبون إلي الثانويات متزلجين علي الجليد، وهم يضعون ربطة عنق الفراشة ويرتدون الجاكيتات مفعمين بانفعال الجمهورية مثل كثير من الشباب. حين حاول المحامي السيد مظفر وضع ربطة العنق الفراشة التي كان يضعها أيام الثانوية بعد سنوات بعد أن عاد مرشحا لرئاسة البلدية، وفي أثناء انفعالات الانتخابات في قارص، قال له أصدقاؤه في الحزب بأن هذا الأمر 'الداعي إلي السخرية' يؤدي إلي ضياع الأصوات، ولكنه لم يطاوعهم. كان هنالك علاقة بين الشتاءات اللامتناهية وانحساراتها وبين انحطاط المدينة، وفقرها، وحزنها. وبعد أن قدم رئيس البلدية الأسبق رؤيته حول الشتاءات الجميلة الماضية، وتحدث عن الممثلات شبه العاريات المدهونات بالبودرة القادمات من أنقرة لتمثيل مسرحية يونانية، انتقل بحديثه إلي عمل مسرحي انقلابي مثلته مجموعة من الشباب كان هو بينهم في أواخر الأربعينيات في المركز الشعبي وقال: 'يحكي العمل عن يقظة فتاة ذات غطاء أسود، وفي النهاية تكشف رأسها وتترك الغطاء'. وفي نهاية الأربعينيات جلبوا غطاء الرأس اللازم للمسرحية من أرضروم 'لأنهم بحثوا في قارص، ونشروا الخبر في كل مكان لكنهم لم يجدوا' ثم أضاف السيد مظفر: 'أما الآن فإن الأغطية، والملاحف، والإشاربات تملأ شوارع قارص، وينتحرن لعدم استطاعتهن الدخول إلي الدروس وعلي رؤوسهن ذلك العلم رمز الإسلام السياسي'. وكما في كل مقابلة لكا في قارص، سكت عن الأسئلة المتصاعدة في داخله حول موضوع نهوض الإسلام السياسي، والفتيات ذوات الإشاربات. بالشكل نفسه لم يتوقف عند عرض الشباب الناريين المناهض للغطاء في الأربعينيات علي الرغم من عدم وجود امرأة واحدة تتغطي في قارص. كما أنه لم يعر انتباها للنساء المغطيات، أو ذوات الإشاربات اللواتي رآهن طوال اليوم وهو يتجول في شوارع المدينة، لأنه لن يستطيع علي مدي أسبوع الحصول علي معلومات مثقف علماني وعاداته التي تمكنه من خلال نظرة واحدة إلي كثرة النساء المغطيات رؤوسهن استنتاج نتائج سياسية. كما أنه منذ صغره لم يكن يعير اهتماما للنساء المغطيات أو ذوات الإشاربات. لأنه في أوساط المغرٌبين الاسطنبولية التي قضي كا طفولته فيها لم تكن هنالك من تغطي رأسها إلا القادمة من جوار اسطنبول لبيع العنب. مثلا كان هنالك واحدة تأتي من كروم (قرطل)، أو زوجة بائع الحليب، أو واحدة من طبقة اجتماعية أدني. أما حول الأصحاب السابقين لفندق (ثلج بلاس) الذي يقيم فيه كا فقد استمعتج فيما بعد إلي حكايات كثيرة: بروفيسور في الجامعة معجب بالغرب أرسله القيصر إلي منفي أخف من سيبريا، أرمني يعمل بتجارة العجول، وملجأ أيتام رومي ... وليكن صاحبه من يكن فإن هذا البناء الذي يمتد عمره إلي مائة وعشر سنوات كأبنية قارص الأخري بني بحيث توضع فيه مدافئ تسمي (بتش) تدفئ واجهاته الأربع، وكل مدفأة منها تدفئ أربع غرف في آن واحد. ولكن الأتراك في عصر الجمهورية لم يستطيعوا تشغيل أية واحدة منها، لذلك قام صاحب البيت التركي الأول الذي حوله إلي فندق بوضع مدفأة ضخمة من (الفونط) في البهو وراء الباب مباشرة، وفيما بعد ركب للغرف تدفئة مركزية. بينما كان كا متمددا في سريره سارحا في خيالاته قرع الباب، فنهض من حيث يتمدد بمعطفه، وفتحه. جاويت الكاتب الذي قضي يومه كله بجانب المدفأة يتابع التلفاز، جاء ليخبره بما نسيه حين قدٌم له المفتاح. 'نسيت قبل قليل. السيد سردار صاحب جريدة مدينة سرهات ينتظركم لأمر عاجل.' نزلا معا إلي البهو. حين كان كا يهم بالخروج توقف لحظة: دخلت إبيك من الباب المجاور لطاولة الاستقبال وكانت أجمل بكثير مما تخيله كا. تذكٌر كا فورا جمال تلك المرأة أيام الجامعة. بداية تصافحا مثل بورجوازيين اسطنبوليين متحولين إلي غربيين، وبعد تردد خفيف مالا برأسيهما إلي الأمام وتعانقا دون أن يقربا جزئي جسميهما السفليين. قالت إيبك مبتعدة قليلا بجسدها، وبصراحة أدهشت كا: 'أعرف أنك ستأتي' وبينما كانت تركز بصرها إلي وسط عيني كا أضافت: 'هاتفني طانر وأخبرني'. 'جئت من أجل انتخابات البلدية والفتيات المنتحرات'. قالت إيبك: 'كم ستبقي؟ بجانب فندق آسيا ثمة محل للمعجنات اسمه الحياة الجديدة. أنا مشغولة مع أبي الآن. لنلتق هناك في الواحدة والنصف ونتحدث.' كان كا يشعر بغرابة هذا المشهد لأنه جري في قارص وليس في اسطنبول، (مثلا في بيه أوغلو). ولم يستطع تحديد نسبة ارتباكه الناجمة عن جمال إيبك. بعد أن خرج إلي الشارع ومشي فترة تحت الثلج فكر بحسن جلبه لهذا المعطف. وبينما كان يسير نحو الجريدة قالت له أحاسيسه، مع قلبه بالحدة غير المخطئة نفسها، بما يمكن لعقله أن يعترف به أبدا: أولا: بقدر ما أن سبب مجيء كا من فرانكفورت إلي اسطنبول من أجل اللحاق بتشييع أمه فقد جاء من أجل إيجاد فتاة تركية بعد اثنتي عشرة سنة من الوحدة. ثانيا: جاء كا من اسطنبول إلي قارص لأنه يؤمن سرا بأن إيبك هي الفتاة التي سيتزوجها. لو أن صديقا قوي الحدس قال له الفكرة الثانية هذه لما غفر له كا في أي وقت، كما أنه سيدين نفسه خجلا طوال حياته لصحة هذا الاحتمال. كان كا من (الأخلاقيين) جعل نفسه يؤمن بأن السعادة الكبري هي عدم قيام الإنسان بأي شيء من أجل سعادته الشخصية. فوق هذا فإنه لا يستطيع مواءمة البحث عن واحدة يعرف عنها القليل جدا بنيٌة الزواج منها مع تعليمه الغربي الراقي. علي الرغم من هذا حين وصل إلي جريدة مدينة سرهات لم يكن يشعر بالأرق. لأن لقاءه الأول مع إيبك في خياله عندما كان قادما من اسطنبول في الحافلة مّرٌّ بشكل حسن. كانت جريدة مدينة سرهات بعد شارع في أسفل الفندق الذي يقيم فيه كا، والمساحة التي تغطيها شؤون التحرير والمطبعة أكبر من غرفة كا الصغيرة في الفندق بقليل. بواسطة قاطع خشبي قسمت إلي قسمين وعلٌِق فيها صور أتاتورك، وتقويمات، ونماذج بطاقات دعوة، والصٌور التي طلب السيد سردار التقاطها لكبار رجال الدولة ومشاهير الأتراك الذين قدموا إلي قارص، وصورة مؤطرة لأول عدد من الجريدة صدرّ قبل أربعين سنة. في الخلف كانت تعمل بشكل ممتع آلة تيبو كهربائية ذات ذراع بدالة صجنعت قبل مائة وعشر سنوات في شركة (باومان) في (لايبزغ) اشتغلت في هامبورغ ربع قرن، وفي مرحلة حرية النشر بعد المشروطية الثانية بيعت إلي اسطنبول عام 1910، وهناك بعد أن عملت خمسا وأربعين سنة، وحين كانت ستحول إلي خردة، جلبها والد السيد سردار إلي قارص بواسطة القطار عام 1955. السيد سردار يبصق علي إصبع يده اليمني ويغذي الآلة بالورق وابنه الذي في الثانية والعشرين من عمره يجمع بيده اليسري بمهارة لأن سلة الجمع كسرت قبل إحدي عشرة سنة في أثناء شجار أخوة، وفي هذه الأثناء أيضا يمكنه تحية كا بلمح البصر. والابن الثاني الذي لم يشبٌهه كا لأبيه بل لأمه التي ارتسمت في خياله لحظتئذ ذات عينين مرفوعتي الطرفين ووجه قمري، قصيرة القامة وبدينة: جلس خلف طاولة العمل السوداء الداكنة من الصباغ وبين مئات العينات وأعداد هائلة من الدروج الصغيرة وسط حروف الرصاص المختلفة الأبعاد، والقوالب والكليشيهات يجنّضٌِدج يدويا إعلانا بدقة خطاط تخلي عن هذه الدنيا وصبٌره حبره لعدد الجريدة الذي سيصدر بعد ثلاثة أيام. قال السيد سردار: 'إنكم ترون تحت أي ظرف تخوض صحافة شرق الأناضول صراع العيش' في اللحظة ذاتها انقطع التيار الكهربائي. وحين توقفت آلة الطباعة وغمر الدكان ظلام سحري رأي كا جمال بياض الثلج الهاطل في الخارج. قال السيد سردار: 'كم واحدة صارت؟' ثم أشعل شمعة، وأجلس كا علي كرسي في المكتب في القسم الأمامي. 'مائة وستين يا أبي'. 'حين تأتي الكهرباء اعمل ثلاثمائة وأربعين. لدينا اليوم ضيوف مسرحيون.' كانت تباع جريدة مدينة سرهات في مكان واحد من قارص وهو مقابل مسرح الشعب، ويمر عشرون شخصا من هناك يشترونها، ولكن بحسب مايقوله السيد سردار مباهيا فإنه بفضل الاشتراكات يصل البيع إلي ثلاثمائة وعشرين نسخة. مئتان من هذه الاشتراكات هي المحلات ودوائر الدولة في قارص التي يضطر السيد سرهات لمديحها. الاشتراكات الثمانون الباقية هي لأشخاص 'مهمين وشرفاء' أصحاب كلمة مسموعة في الدولة ولم يقطعوا علاقاتهم مع المدينة علي الرغم من تركهم لها وإقامتهم في اسطنبول. جاءت الكهرباء ورأي كا في جبين السيد سردار عّرّقّا غاضبا بارزا في جبهته. قال السيد سردار: 'بعد أن تركتمونا التقيتم مع أناس خطأ، وحصلتم علي معلومات خاطئة حول مدينتنا مدينة سرهات.' قال كا: 'كيف عرفت إلي أين ذهبت؟' قال الصحفي: 'الشرطة تتعقبكم بالطبع. ونحن لضرورة العمل نتنصت إلي مكالمات الشرطة بوساطة هذا اللاسلكي. ثمانون بالمائة من الأخبار التي ننشرها في جريدتنا تقدمها لنا المحافظة ومديرية الأمن. مديرية الأمن كلها تعرف بأنكم تسألون الجميع عن سبب تخلف قارص إلي هذا الحد، وعن سبب فقرها، وعن أسباب انتحار فتياتنا.' كان قد استمع إلي عدد من الأحاديث عن سبب وقوع قارص من هذه الدرجة من الفقر مثل انخفاض التجارة مع السوفييت أيام الحرب الباردة، وإغلاق أبواب الجمارك: وسيطرة العصابات الشيوعية علي البلد عام 1970 وتهديدها للأغنياء وخطفهم: وذهاب الأغنياء الذين جمعوا مقدارا من رأس المال كلهم إلي اسطنبول وأنقرة: نسيان الله والدولة لقارص: الصراع غير المنتهي بين تركيا أو أرمينيا.. قال السيد سردار: 'أنا قررت أن أخبركم بحقيقة الأمر.'<

يقرأ أيضاً

المراجعات (٢)

D
Drsghosheh
٦‏/٤‏/٢٠١٥
كعادة كتب اورهان باموق،رواية رائعة تنقلب الى عالم الرواية شئت ام ابيت،وربما تمنعك من النوم متداخلا مع شخصيات الرواية لتترك وانت محطم بالوجع الدفين فيها
هديل خلوف
هديل خلوف
٢٠‏/١٢‏/٢٠١٣
انتهيت البارحة من هذه الرواية لكني أجّلت كتابة رأيي عنها إلى الوقت الذي أجد فيه هدوءاً .. كانت الرواية مليئة بالصخب طوال مشاهد الثلج النادف بصمت .. هل أستطيع القول أني قد عشت هناك وكدت أرى ندف الثلج المتكاسلة ؟ نعم .. لقد شعرت بروح "كا " بشدة طوال الرواية .. ربما لأني فهمت معنى أن يكون المرء كاتباً وأن تلهمه الأشياء الصغيرة التي لا يعيرها الآخرون اهتماماً .. كا شاعر حساس قدم إلى قارص وأدخل نفسه في الصراعات السياسية هناك لكنه لم ينسَ أنه شاعر .. لقد كانت الرواية مزيجاً رائعاً على عدة محاور .. هذه هي المرة الأولى التي أقرأ فيها لأديب تركي وأعرف الأجواء هناك .. الصراع السياسي بين الأحزاب الإسلامية والعلمانيين .. وضع المرأة هناك .. كسل القارصيين وصفاتهم التي لا تخرج عن صفات شرقنا العزيز .. أفكاري مشتتة .. لقد عشت في جو الرواية وكفى , ورأيت في أورهان نسخة ثانية عن فاضل الذي تلبسته روح صديقه بعد موته .. أي ألم روحي كان يعيش فيه كا وأية مشاعر مرهفة كان يخلقها الثلج ؟ .. أحببت فلسفة السعادة التي كان يؤمن بها كا وفهمت معنى ألا يعيش المرء سعادته المكتملة بسبب خوفه الدائم من تلاشيها .. الثلج كان حاضراً في كل صفحة وله صوت قوي كالصمت .. لا أستطيع إبداء رأيي بالمضمون لأني بصراحة تأثرت بالجو العام أكثر وأصبحت لدي الكثير من الأحاسيس غير المفهومة ..