
عشت لأروي 2
تأليف غابرييل غارسيا ماركيز
ترجمة صالح علماني
عن الكتاب
"لم أتصور قط أن قصتي القصيرة الأولى ستنشر، بعد تسعة شهور على تخرجي من الثانوية، في الملحق الأدبي "نهاية الأسبوع" الذي تصدره جريدة الاسبكتادور في بوغوتا، وهي اكثر صحف تلك المرحلة أهمية وصرامة. وبعد اثنين وأربعين يوما من ذلك، نشرت القصة القصيرة الثانية. ومع ذلك، فان اكثر ما فاجأني هو الملاحظة التكريسية التي كتبها نائب مدير الجريدة. ومدير الملحق الأدبى، إدوارد وثالاميا بوردا، الملقب اوليسيس، وكان ألمع ناقد أدبي آنذاك، والأكثر تيقظاً لظهور قيم أدبية جديدة. لم يكن أمراً متوقعاً، وليس من السهل روايته. كنت قد سجلت، في مطلع تلك السنة، في كلية الحقوق بالجامعة الوطنية في بوغوتا، مثلما جرى الاتفاق مع أبوي. وكنت أعيش في مركز المدينة تماما، في نزل في شارع فلوريدا، معظم نزلائه طلاب من منطقة ساحل الأطلسي. وكنت في فترات ما بعد الظهر، بدلا من أن أعمل لأعيش، أظل اقرأ في غرفتي أو في المقاهي التي تسمح بذلك. كانت قراءاتي في كتب يوفرها الحظ والمصادفات، تعتمد على حظي اكثر من اعتمادها على مصادفاتي، ذلك أن الأصدقاء القادرين على شرائها يعيرونني إياها لفترات محدودة، فاقضي الليالي ساهرا كي أتمكن من إعادتها إليهم في الموعد المحدد. ولكن، على العكس من الكتب التي قرأتها في معهد ثيباكيرا، والجديرة بأن تكون في ضريح للكتاب المكرسين، صرنا نقرأ الآن كتبا حديثة، كأنها خبز طازج، مترجمة لتوها ومطبوعة في مدينة بوينس أيرس التي عرفت حياة نشرة طويلة، خلال الحرب الأوروبية الثانية. وهكذا حالفني الحظ في اكتشاف من هم مكتشفون جيدا منذ زمن، مثل خورخي لويس بورخيس، ودي. أتش. لورانس، والدوس هكسلي، غراهام غرين، تشيسترتون، ويليام ايريش، وكاترين مانسفيلد وغيرهم. كانت هذه المستجدات معروضة في واجهات المكتبات البعيدة عن متناول يدي. غير انه كان يجري تداول عدد من النسخ في مقاهي الطلبة، وهي آنذاك مراكز فعالة للانتشار الثقافي بين الجامعيين الريفيين. وقد كانت لكثيرين منهم أماكنهم المحجوزة، سنة بعد أخرى، في تلك المقاهي. فيها يتلقون رسائلهم، وحتى حوالاتهم البريدية. وقد كان فضل أصحاب بعض تلك المقاهي، أو العاملين الموثقين فيها حاسما في إنقاذ الكثير من الدراسات الجامعية. فالعديد من خريجي البلاد يدينون لهم اكثر مما يدينون إلى متكفليهم غير المرئيين. أنا فضلت "الطاحونة"، مقهى الشعراء الكبار، وهو على بعد حوالي مئتي متر عن النزل الذي أقيم فيه، وعلى ناصية تقاطع جادة خيمينث دي كيسادا مع الشارع السابع. لم يكونوا يسمحون هناك أن يحتل الطلاب مائدة ثابتة، ولكن أحدنا يكون واثقا هناك من انه سيتعلم من المحادثات الأدبية التي كنا نسمعها، ونحن لابدون على الطاولات المجاورة، اكثر وافضل ما يتعلمه من الكتب المقررة. كان المقهى بيتا فسيحا وجيد البناء على النمط الإسبانى. جدرانه زينها الرسام سانتياغو مارتينيث دبلغاو، بمشاهد تمثل معارك دون كيخوته ضد طواحين الهواء، ومع انه لم يكن لي مكان محجوز، فقد كنت أتدبر الأمر دوما، لكي يجلسني النادل أقرب ما يكون من المعلم الكبير ليون دي غريف - ملتح، مهمهم، فاتن-، الذي كان يبدأ مسامراته الأدبية عند الغروب، مع بعض اشهر كتاب ذلك الحين، وينتهي عند منتصف الليل، مختنقا بخمرة رديئة مع تلاميذه في لعب الشطرنج. كانت قليلة أسماء كبار عالم الفنون والآداب الذين لا يمرون بتلك المنضدة، وكنا نحن نتصنع الموت على منضدتنا كيلا نضيع كلمة واحدة مما يقوله. ومع انهم كانوا يتحدثون دوما عن النساء أو المكايد السياسية، اكثر مما يتحدثون عن فنونهم ومهنهم، إلا أنهم يقولون على الدوام، شيئا جديدا نتعلمه. وكنا نحن، أبناء ساحل الأطلسى، اكثر الطلاب مواظبة، ليس لاتحادنا بالتآمر الكاريبي ضد الكاتشاكو، بقدر ما هو بسبب إدمان الكتب. فخوسيه الفارو اسبينوسا، وهو طالب حقوق، علمني الإبحار في الكتاب المقدس، وجعلني احفظ عن ظهر قلب، الأسماء الكاملة لأعضاء منتدى يوآب. جاء في أحد الأيام، ووضع على المنضدة أمامى سفراً ضخماً مرعباً، واصدر حكمه بسلطة مطران: هذا هو التوراة الجديد".
عن المؤلف

غابرييل خوسيه غارثيا ماركيث ، روائي وصحفي وناشر وناشط سياسي كولمبي. ولد في مدينة أراكاتاكا في مديرية ماغدالينا وعاش معظم حياته في المكسيك وأوروبا ويقضي حالياً معظم وقته في مدينة مكسيكو. نال جائزة نوبل
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباس






