
مجاني
📱 كتاب إلكتروني
رحلة حنظلة
تأليف سعد الله ونوس
4.0(١ تقييم)•٢ قارئ
📄 قراءة PDFمجاني
عن الكتاب
حرفوش (... يقفز بخفة مواجها الجمهور...) بؤس وتعاسة... هذا هو طالع صاحبنا حنظلة. يعيش الآن في محنة، وستشتدّ عليه المحن، وتزيد.. إنه لا يعرف سبب مصائبه ولا يدرك سر محنته. إذن عليه أن يتحمل العذاب فوق العذاب، وأن يمشي طويلاً على دري الآلام. لا أحبّ الشماتة كما لا أحب الشفقة. أن يكون المرء أعمى هذا شيء، وأن يكون له عينان سليمتان ولا يبصر فهذا شيء آخر. لكن لنبدأ القصة من أولها (لهجة علنية) أول القصة في السجن.
عن المؤلف

سعد الله ونوس
سعد الله ونوس ، (1941-1997) مسرحي سوري . ولد في قرية حصين البحر القريبة من طرطوس . تلقى تعليمه في مدارس اللاذقية. درس الصحافة في القاهرة (مصر)، وعمل محرراً للصفحات الثقافية في صحيفتي السفير اللبنانية
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (١)
المراجع الصحفي
١٢/٦/٢٠١٥
في احدى دورات "أيام قرطاج المسرحية" في تونس، خلال تقديم ضيوف المهرجان الى الجمهور، اشتعلت القاعة بالتصفيق لدقائق طويلة فور ظهور سعدالله ونّوس على الخشبة. مع أن الرجل الواقف تحت الأضواء لم يكن نجماً أو ممثلاً، بل مجرّد... كاتب مسرحي، في مجتمع لم يجد فيه فن الفرجة بعد مكانته الراسخة. في ما يأتي محاولة لولوج عالم الاديب السوري الذي لعب دوراً بارزاً في اطلاق نهضة الستينات المسرحية، ثم اجتاز في الثمانينات مرحلة من الصمت، قبل أن يعود أخيراً الى سابق عهده من الخصوبة وغزارة الانتاج، على الرغم من الازمة الصحية التي يجتازها.
طالما حلم سعدالله ونّوس بمسرح يشترك فيه الجمهور والتاريخ والرسميون وممثلون محترفون، كما ذكر على غلاف مسرحيته "حفلة سمر" في العام 1968. فالكاتب السوري الذي يعتبر اليوم من أشهر المؤلفين المسرحيين في العالم العربي، بنى مساره الخاص وانطلق في مشروعه الابداعي من مبدأ واضح، هو أن "الأفراد بذاتهم لا يملكون أية أبعاد خاصة، وأن ملامحهم ترتسم فقط بما يضيفونه من خطوط أو تفاصيل على المشهد التاريخي العام، الذي هو شكل المسرحية ومضمونها في آن واحد".
واذا أعدنا النظر في مجمل نتاج ونّوس، وانكببنا على دراسة نصوص لا تزال بين الأكثر انتشاراً وتمثيلاً في المشرق كما في المغرب، وجدنا أن الممارسة الابداعية تتجاوز هذه المنطلقات النظرية الى حدّ بعيد، على مختلف الصعد المعرفية والجمالية والابداعية والتقنية. أعطى سعدالله ونّوس في نصوصه، منذ البداية، احساساً بالصدمة لا يتوقف عند حد الدهشة، بل يتجاوزه الى البحث عن لغة جديدة، الى الرغبة في بناء أسلوب مغاير قائم على كسر الحاجز بين الخشبة والجمهور.
وما العودة الى المادة التراثية، كعنصر سرد ومجاز وكهيكل فنّي يعطي للاحتفال مذاقه وحضوره، الا تعبيراً فنياً راقياً عن هم الفصل بين الواقع والمسرح، والجمع بينهما في آن واحد. مسرح ونّوس محاولة لاستدراج الارتجال الى العرض المنظم، والى اطلاق سراح الكلمة ودفع الممثل ومن خلاله المتفرّج الى استعادة زمام المبادرة، في مرحلة كان طابعها الاساسي الهزيمة العميقة. هكذا جاءت بداياته الصارخة التي أعلنت تأسيس اتجاه جديد في الحركة المسرحية العربية، انعكاساً لواقع سياسي عند مفترق تاريخي حاسم. كما جاءت هذه البدايات، تعبيراً عن روح مرحلة جديدة شهدت تحوّلاً جذرياً على مستوى المشاغل الجمالية والثقافية في المسرح الغربي منذ أواخر الستينات.
الإدهاش والاقناع
أما بدايته الفعلية فكانت قبل ذلك بسنوات، وبالتحديد في العام 1963، حين كتب "ميدوزا تحدّق في الحياة". ويمكن اعتبار هذه المحاولة التعبير المتكامل الأول عن اصطدام مشاعر الكاتب مع منطق العصر الحديث متمثلاً في قواعد جديدة للعبة تتخذ الآلية المجردة سلاحاً للتحكم والسيطرة والاستبداد. وربما كانت علاقة سعدالله ونّوس بهذين النقيضين البساطة الاولى وتعقيدات العصر الحديث، ومحاولته التوفيق بينهما تارة أو الانتقال من موقع الى موقع مضاد طوراً، من أبرز السمات المميزة لمسرحه، هذا المسرح الذي اهتمّ بالشكل اهتمامه بالمضمون "التاريخي".
ولعل سعدالله ونّوس وجد نفسه مدفوعاً الى الابحار في الاتجاه المعاكس لسوفوكليس أو شكسبير، ريثما يهتدي الى أدوات تعبيره الخاصة، ويقيس المسافة التي تفصل الزمن الغربي عن الزمن العربي. فهو خاض تجربته الرائدة موزّعاً على مرجعين ونموذجين: عين على بيتر فايس وبريخت وجان جينيه، وأخرى على واقع ثقافي محلي تربطه بالاحتفال علاقة مغايرة. فهم صاحب "رأس المملوك جابر" بسرعة، أن الجمهور الذي يتوجّه اليه لا يزال غريباً عن تقاليد المسرح وطقوسه. وأن مخاطبة هذا الجمهور لا بد أن تقوم على الإدهاش والاقناع في آن واحد.
بعيداً عن فخ "التفريغ"، سعى الكاتب في نصوصه الى "التحريض". واستفاد على طريقته من الامثولة البريختية معتمداً تقنيات "التغريب" في الكتابة. وكان من الطبيعي أن يحتل "التسييس" الذي فرضته مرحلة احتضنت ولادة جيل أدبي كامل - يعتمد بعض النقاد مصطلح "أدب النكسة" - موقع حجر الاساس في عمارة ونّوس المسرحية. عمارة من مواصفاتها البارزة اعتماد الراوي الحكواتي بأشكال متنوعة: في "حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران" مثلاً، تجلّى بملامح المخرج، واذا بالجمهور يحتل موقع الجوقة... حيث تطرح على الخشبة وبين الجمهور سلسلة من الحكايات التي ينقض بعضها بعضاً، في محاولة للوصول الى نص المسرحية الاساسي الذي يبحث عنه المخرج... والى النص التاريخي للحدث الذي يُحدّد معالم الرواية.
والراوي هو "حرفوش" المتنقل بين الجمهور والمسرحية في "رحلة حنظلة"، وهو السامر في المقهى، يلعب أيضاً دور الوسيط بين الجمهور والمسرحية في "مغامرة رأس المملوك جابر"... فيما يتجسّد عنصر السرد في ملامح راويتين، واحدة على كل ضفّة، في "الاغتصاب". كما أن الراوي هو المثقف تارة في "المغامرة" مثلاً، وهو صوت التنوير والوعي التاريخي تارة أخرى "سهرة مع أبي خليل القباني".
بين "المسرحة" و"التسييس"
لكن سعدالله ونّوس لم يعتقل نفسه داخل هذه الثنائية، ولم يقتصر عالمه على البحث عن معادلات جمالية وقوالب تتسع للجمع بين "المسرحة" و"التسييس". فهو انتقل، مع "الشرط التاريخي"، الى مناطق أكثر تعقيداً والتباساً، بل لنقل الى مواقع أمامية على جبهات جديدة، من دون أن يتنكر لماضيه، أو يتناقض مع مكتسبات أمسه. في الثمانينات بات إدراك آلام العمى الاجتماعي والمعرفي، هو الحلقة المركزية في مسرح ونّوس الذي اجتاز مرحلة من الصمت واعادات النظر. كأنه القائل على لسان حرفوش الذي يوجه كلامه الى حنظلة: "أن يكون المرء أعمى هذا شيء... وأن تكون له عينان سليمتان ولا يُبصر فهذا شيء آخر". وكان أن قاد رحلة حنظلة من الغفلة الى اليقظة، بشكل بديع، رافضاً الاستنجاد بالعطف والحنان، لأن "ما يسعفه أكثر هو أن يعرف أكثر".
واذا كان المؤلف السوري الذي يقف على حدة بين أبناء جيله، كتب "مسرحاً سياسياً" ونادى بـ "تسييس المسرح"، فإن مثل هذه الهموم ترافق عادة كل مشروع تأسيسي، خاصة حين يتعلق الامر بفن الفرجة في مجتمع مضطرب ومأزوم. وبعد السعي الى المشاركة في تأسيس وعي جديد، والتركيز على البعد السياسي للمسرح عبر إظهار سلطة الخشبة المنفصلة والمتناقضة مع مصلحة الجمهور... وصل سعدالله ونّوس الى مستقر مسرحي جديد تخلى فيه عن الكثير من أدواته السابقة، واستبدلها بأشكال تبدو في الظاهر أكثر بساطة، مع أنها أقدر على النفاذ الى عمق المعاناة الجماعية، وتطويع اللعبة المشهدية.
تتجسد هذه المرحلة في أحدث مسرحياته: "الاغتصاب"، "يوم من زماننا" و"منمنمات تاريخية". ففي العمل الاخير يعود الكاتب الى الجذور وينحت، بمهارة الحرفي وأناته، قطعة جميلة من الفسيفساء المشغول بعناية والتي ينصهر فيها الشكل والجوهر في نص غني بالمستويات. إن الـ "منمنمات..." صدرت قبل فترة في القاهرة في سلسلة "كتب الهلال"، تشكل بالتأكيد حدثاً مهماً في المسرح العربي، ولعلها تتجاوز هذا الاطار لتحمل خطاباً نظرياً حول "محنة العقل" في زمن الهزيمة المتواصلة...
ولعل تناقضات الراهن، تنعكس على بنية النص الذي يتسع كالهوة لخرائب هذا العالم المنعكسة في مرآة التاريخ المكبّرة. فالمعرفة الأليمة، الموقظة، في آخر الرحلة، لا تتيح لنا أن نسمع حرفوش يقول عنا كما قال عن حنظلة: "ما أعذب أن يغفو المرء بعد ان تشمله الطمأنينة".








