تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب منمنمات تاريخية
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

منمنمات تاريخية

3.2(٢ تقييم)١٨ قارئ
عدد الصفحات
١٤٨
سنة النشر
2000
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
١٬٢٩٥

عن الكتاب

منمنمات تاريخية تنتمي لهذا النوع من الأدب الذي يطالب بإعادة النظر ليس فقط بالقناعات التاريخية السائدة والمستقرة، بل ويطالب أيضاً بمناقشة: المواقف الأخلاقية التي يجب أن تتسم بها الثقافة، العلاقة بين المعرفة والسلوك، دور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أن يكونا في خدمة القوة والسلطان، أم في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال...

عن المؤلف

سعد الله ونوس
سعد الله ونوس

سعد الله ونوس ، (1941-1997) مسرحي سوري . ولد في قرية حصين البحر القريبة من طرطوس . تلقى تعليمه في مدارس اللاذقية. درس الصحافة في القاهرة (مصر)، وعمل محرراً للصفحات الثقافية في صحيفتي السفير اللبنانية

اقتباسات من الكتاب

في أوقات الضعف والانحلال,الأحلام باهظة التكاليف

1 / 10

يقرأ أيضاً

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٢‏/٦‏/٢٠١٥
في منتصف تسعينات القرن العشرين -1994- قدّم الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس نصّه “منمنمات تاريخية”. عمل ينتمي إلى المرحلة الأخيرة من حياته الفكرية، المرحلة التي تلت الصمت الطول، تزامنت مع مرضه، وحملت أجمل أعماله. موضوع النص هو التاريخ القديم، تاريخنا العربي، ويقرأ فيه ونوس هزائمنا، خيباتنا، آمالنا وأحلامنا، فبعد هزيمة حُزيران 1967 التي حطمت الأوهام بالقومية العربية، وقف العديد من الكتاب مع ما حدث، ليُعيدوا قراءة انكسارات الماضي باعتبارها صورةً قديمة عن انكسارات الحاضر، حيث تتساوى الخيانة والموت والحب بذكرى واحدة... وحكاية هذا النص كناية عن حكاية كبيرة يعيشها الوطن العربي منذ بدء الخلافة الإسلامية وحتى اليوم. متمثلة ً بالصراع الأكثر دموية والأقدم في التاريخ، الصراع على السلطة، حيث تزيّف الحقائق، ويزوّر التاريخ، وينتصر بعض الأفراد على حساب المجموع، باسم الله والوطن. أمام حكاية كهذه ما هو دور المثقف؟ سؤال يُطرح على كل المثقفين العرب وبشكل خاص بعد النكسة الحزيرانية ..هي الشام وهم المغول، وهو مؤسس علم التاريخ الحديث، ومفخرة العرب عبر الزمن، العالم “وليّ الدين عبد الرحمن ابن خلدون”. إعادة قراءة هذه الحكاية كان الهمّ الذي شغل ونوس في عمله، وليس معرفة الحكاية. لهذا يبني ونوس دراماتورجيا مختلفة عن الشكل الكلاسيكيّ المحكوم بقوانين الوحدات الثلاث، مُستعيناً بالمنهج الملحميّ الذي سعى في نصوص سابقة عديدة لتطبيقه، إلا أنّ التجربة هذه المرّة كانت في مستوى أعمق من حيث التعامل مع مفردات النص وبُنيته، عبر التشكيل الدراميّ الذي يقوم على البنية المفتوحة، والانقطاعات الزمانية والمكانية والدرامية. فأتى نصاً غنياً بدلالاته وأبعاده، هو أقرب ما يكون إلى مجموعة من اللوحات الصغيرة، قطع صغيرة تشبه المنمنمة أو الزخارف، التي تصطف مع بعضها البعض لتشّكل لوحة فسيفسائية قديمة، كما لوحات فنّ الأرابيسك العربيّ، حيث تتقاطع الخطوط وتتشابك، فلا تُعرف بدايتها من نهايتها بدقة، ورغم استقلالية كل من هذه اللوحات بذاتها درامياً، إلا أنه لا يُمكن فصل أيّ منها عن بعضها البعض، كتابة مترابطة، لكلّ جزء استقلاليته وأهميّته الدرامية. وهي كتابة يستعين ونوس فيها بنصوص مختلفة المرجعيّات، ليخلق حالة من التناصّ الأدبيّ والمعرفيّ معها، من هذه النصوص، نصّ المؤرخ القديم الذي يُحيل إلى مراجع تاريخية عن وضع الشام المناخي، الاقتصادي، الاجتماعي والسياسي، وهو خطاب واقعي، مثل نصّ ابن خلدون المعرفي والشخصي. إلى جانب هذا يستحضر ونوس نصوصا من خطابات شخصيات متخيلة تحيل إلى شخصيات دمشقية تاريخية. حضر الآخر بشخص “تيمورلنك”، حضوراً تجلّى على المستوى النصّيّ دون أن يتبدّى بشكل ٍ مُباشر. ومن خارج مجموعة النصوص التاريخية هذه يستحضر ونوس نصوصاً معاصرة عبر خطابه الضمنيّ غير المعلن، كقارئ من زمن آخر لمجموعة النصوص السابقة وتفاعلية علاقاتها. نتج عن تعددية هذه الخطابات الدرامية في منمنمة واحدة تكثيف للعناصر السردية أو المشهدية، مع غياب البُنية المركزية للمشهد، أي تغيب وجهة النظر الواحدة، في مجموعة من الخصائص كالتزامن والتناظر. ليغدو بناء اللوحة درامياً قائماً وفق حركتين ترسمان الخط البياني للعمل. الخط الأفقيّ وهو عبارة عن مجموعة اللوحات المستقلة، والتي تكسر التصاعد الدرامي الأرسطي نحو الذروة. والخط العمودي حيث تقدم كل منمنمة تفاصيلها وشخصياتها الخاصة. الازدواجية في أدوات النص، ليست فقط على صعيد البناء الدرامي، وإنما أيضاً على مستوى إعادة صياغة الحكاية، فمن خطين فنيين يجدل ونوس تفاصيل حكايته، أو هما مرآتان“كالمسرح داخل مسرح”، ففي حين يجري الحدث الدرامي في الداخل- إن صح القول- مُقدماً المشهد التصويري، يأتي نص المؤرّخ القديم وخطابه كعنصر من خارج هذه الدراما ليعلّق عليها، هو الراوي الذي يروي الحدث الذي شاهده، أي من داخل الحدث بمعنى المُعايشة، ولكنه في الخارج من حيث غياب المشاركة فيه. بالتالي ليسَ كليّ المعرفة. ولكنه وجهٌ من وجوه التاريخ في لعبة المرايا هذه. حين يُعلق خطاب المؤرخ القديم على المنمنمة، أو يُمهّد لها بخطاب علميّ حياديّ، يتجاهل تفاصيل الحياة اليومية، ويغرق في تعليقات ٍ إنشائية، وخلط ٍ لا يخلو من الخفة بين الجليل والتافه في الوقائع. وتعكس هذه المرآة رؤية المؤرّخ العربي النموذجي. الذي لا يرى في تقدم الأزمان، إلاّ توغلاً في الانحطاط، لأنّ أحسن القرون، هو القرن الذي عاش فيه النبيّ، وكلما ابتعدت القرون عن ذلك القرن ازدادت تدهوراً وانحطاطاً. وهي طبعاً رؤية المؤرّخ الذي يرى في كل ما يحدث تدبيراً إلهياً يتجاوز إرادة البشر وقواهم.. (1) أمّا المشهد الدرامي فيأتي كلوحة أو كصورة تفسّر خطاب المؤرخ، تعرض التفاصيل وتروي بطريقتها ما الذي حدث، عبر العديد من الشخصيات التي تختلف طبقاتها الاجتماعية، ويختلف حجم مُشاركتها في الحدث. هذه العلاقة من تبادل القراءات لذات الحدث، تخلق نوعاً من الجدلية، ديالكتيك يؤكد عبر طرح النظرية وطرح نقضيها، على أنّ التاريخ الفعلي وما حدث فيه، أمر سيبقى غامضاً لا يعرفه أحد يموت دوماً مع موت أصحابه، ولكنه قابل دوماً للقراءة وإعادة القراءة. تحيلنا هذه المعطيات إلى مجموعة قراءات داخل النص، هي قراءة لعلاقة المثقف مع السلطة والوطن، وقراءة لعلاقة المثقف بالتاريخ. وقراءة ثالثة لعلاقة المواطن العادي مع هذه المستويات الإنسانية والمفاهيمية. الأصوات الدرامية: العقل والجنون: يطرح ونوس أساساً إشكالية المثقف ما بين الكتابة والممارسة، مُمثلة ً بشخصية العالم “ابن خلدون” الذي يمتلك الوعي المعرفي والعلمي، والحياد البارد المطلوب بشخصية العالم الموضوعي، إلا أنه يتخاذل عن القيام بأي فعل حقيقي، ويكتفي بموقف يُسيء إلى الاعتبار التاريخي والوطني لهذه الشخصية القوميّة، فيقبل التعامل مع السلطة الجديدة للمستعمر “تيمور لنك” المغولي، كما تعامل مع سابقتها بعهدة والي الشام، لصالح ما يؤمن أنه موضوعية علمية. هنا يُطرح السؤال الأساسي حول موقف الإنسان كفرد من التاريخ والعالم. إنّ فكر “ابن خلدون” الاستسلامي تجاه ما يحدث يُلغي أي موقف أخلاقي، وكل فعل حرّ للإرادة البشرية. فتغيّب الخصوصية الذاتية ويصبح الفرد مُجرد رقم حياديّ ربما يساوي الصفر في معادلة التاريخ. (لقد بدا لي ابن خلدون مثقفاً مُرتزقاً بالمعنى القديم للكلمة. أي أنّ المهمة الوحيدة لعلم العالم هي خدمة أهواء ومُخططات الأمير أو السلطان، الذي يرتزق المثقف من هباته. أو هو المثقف التقني بالمعنى المعاصر للكلمة. وهو الذي يجعل من العلم أو المعرفة حقلاً مُغلقاً، منقطع الروابط بمجتمع القيم. اختلاط الحياد العلمي بالعجز عن اتخاذ موقف) (2) “. كما لدينا صوت الضمير أو الوعي الإنساني، المجنون”شعبان“، إنه- كما معظم المجانين في الأدب والأساطير- العاقل الوحيد، إنه الوحيد الذي يمتلك الوعي بكل سوداوية الصورة، وهو الوحيد الذي لم يفقد عقله أو إنسانيته. يمثل المكبوت في المجتمع، أو ضمير هذا المجتمع الراقد في أعماق روحه البعيدة في أسفل درجات اللاوعي، التي يمنعها الوعي من الظهور والتمظهر. والعاقل بين المجانين هو المجنون بين العقلاء، في كلا الحالتين هو منبوذ أو مغترب عن مجتمعه، غير قادر على القيام بالفعل، فهو لا يعيش في هذا المجتمع بل على هامشه. ولهذا فإنّ الدخول المغولي للمدينة ورغم كل ما ألحق بها من أذىً ودمار لا يمسه بسوء، فجميعهم مغول وجميعهم عقلاء. وهو المجنون الذي يرى الأحداث التي لم يرها المؤرّخ القديم ولم يقلها في خطابه الموضوعيّ. بالتالي هو من وجهة النظر المجازية فاقد العلم ممتلك للمعرفة بمعنى الوعي والضمير الإنساني، وابن خلدون يمتلك العلم الدقيق، ولكنه يفتقد إلى خصوصيته الإنسانيّة. يبدو نص ونوس على هذا المستوى نصاً مكثفاً وغنياً، فكل شخصية يذكرها تمثل صوتاً قائماً ومستقلاً بذاته. هي قطعة صغيرة من فسيفسائه العريضة. وحتى الشخصيات نفسها، تمتلك بعداً ذهنياً ونفسياً عميقاً إذ يعرضها في تناظريتها، لتكشف كل واحدة عن الأخرى، كما يعرض الشخصية ذاتها في تلوناتها الداخلية من خلال المواقف التي توضع فيها، شخصية”التاذلي“مثلاً، وهو رجل الدين، أخذ موقفاً من الحصار وانضم إلى الثورة، في حين كان موقفه من”الشرائجي“موقفا تكفيريا. و”الشرائجي“نفسه يمتلك موقفاً فكرياً متنوراً جداً، إلا أنه يفتقد للوعي السياسي الكافي. تبتعد شخصيات ونوس عن الأنماط، ولا تتصرف وفق أفكار مُسبقة وجاهزة، أو”وفق الترسيمة القديمة للخير والشر، بل هي مصالح مُتناقضة ورؤى مُتقاطعة، ولكل رؤية أو مصلحة خطابها وحجتها التي لا تخلو من بعض صواب“.(3) شخصيّات تنتمي إلى طبقات اجتماعية مختلفة، التجار، رجال الدين، رجال الحكم ورجال العلم، الطبقة المتوسطة بأحلامها الصغيرة، هذا التنوّع على صعيد المتخيّل يرسم صورة واقعيّة عن المجتمع العربي في تلك المرحلة، من خلال مقاربته الصريحة للواقع، إذ يؤكد على تاريخية المرجعيات التي يُحيل إليها كالعالم”ابن خلدون“و”تيمورلنك“من جهة، وفي انقطاعه عن الوثيقة التاريخية، بإضافة العديد من الشخصيات الخيالية كالتاذلي وسعاد وخديجة وسواهم، من الشخصيات التي ترسم العالم اليومي والمُعاش، أو الحكاية الصغيرة التي تصعّد من مستواها الاجتماعي إلى المستوى السياسي عبر الشخصيّات التاريخية، بين هذه الشخصيات الخيالية نستطيع تميّز حضور شخصيّة الفتاة الصغيرة البكماء، التي تعرّف بكونها” ابنة الحلبي“، شخصية خيالية لغاية فنية، درامية، تبدو تجسيداً للواقع العربي الذي يضطهد المرأة، ويضطرها إلى طلب الحماية المالية والاجتماعية من الرجل، مفعولا به مُشتهى كموضوع - رغبة- للرجل المغوليّ، أو العربيّ، وليس كذات إنسانية. الجسر الذي يصل بين هذين العالمين الواقعي والخيالي، هما شخصيتان تقفان على النقيض، المؤرخ والمجنون، وهما شخصيتان عرفهما التاريخ العربي، إلا أنّ ونوس يطرحهما ببعد يبدو اقرب إلى الرمزيّ، فهما المرآتان اللتان نرى من خلالهما الآخرين، ولكننا لا نعرف عنهما أيّة تفاصيل حياتية تكسبهما الفاعلية الدرامية. نرى في مُخطط تبسيطيّ المستويات الرئيسية لتوزع شخصيات ونوس، التي يرسم من خلالها بُنية نصّه الدرامية. - المستوى الأول: الشخصيات التاريخية (الواقعية): ابن خلدون- تيمورلنك. - المستوى الثاني: الشخصيات المتخيلة : سًعاد- التاذلي- خديجة- الشرائجي.... - المستوى الثالث: الشخصيات الرمزية: المؤرخ- المجنون- ابنة الحلبي. يجب التنبيه إلى أنّ المؤرخ شخصية لا تعرف بأي اسم يُضفي طابع الخصوصية، بل فقط بـ (الـ) التعريف، وبالتالي يصلح أي مؤرخ، في حين تكتسب باقي الشخصيات التاريخية والمتخيلة بُعدا ًحياتياً أكثر، وخصوصيّة فردية. وبهذا ينسجم خطاب المؤرخ التقريري مع طابع شخصيته العمومية. يقف المجنون”شعبان“من العالم ابن خلدون موقف النقيض أيضاً، فهو غير مُحدد، ربما كان حقيقة وربما لم يكن، في حين أنّ ابن خلدون وجد حقيقة. يُعبر ابن خلدون عن العلم بمعناه الأكاديمي ويحظى بأقصى درجات الاحترام الاجتماعي، في حين يمثل المجنون الطبقات الدنيا المنبوذة كلياً، ووعيه هو وعي جَمعي، ربما يكون أدق تعريف له هو اللا وعي الجمعي. كلاهما يعايشان حادثة سقوط دمشق بيد المغول، ولا يقومان بأي فعل لوقف الانهيار، مع فارق مساحة الفاعلية الاجتماعية التي يمتلكها ابن خلدون ويفتقدها المجنون”شعبان“كلياً، إلا أنّ المجنون يُساعد الفتاة الصغيرة ويعطيها من فتات خبزه، في حين يُقدّم ابن خلدون الولاء والطاعة وفوقهما علمه ودراساته إلى الحاكم العسكري الجديد”تيمور لنك“. تنقسم الشخصيات الأخرى إلى مجموعتين تقريباً، مجموعة فاعلة كالشباب الذين انضموا إلى حركة المقاومة البسيطة، أو”التاذلي“، وأخرى مفعول بها كسُعاد وخديجة مع جنينها وزوجها... هي شخصيات لها خصوصيتها، وتكتسب بلغتها وأفعالها كثافة حياتية تقرّبها من الواقعيّة، وتتميّز بتنوعها النفسي الذي يكشف عن العادي في الإنسان، بعيداً عن البطولات الأسطورية، فهناك الجبان، وهناك من يخاف الألم وهناك من يشعر باليأس وعدم القدرة على الفعل.. وسواهم. هي شخصيات تمتاز بالحضور الأنثويّ الفاعل في علاقته المُباشرة بالرجل من جهة، وبكونها مرآة للواقع الذي تخلفه الحرب، من دمار للبيوت والأحلام الصغيرة، وقتل للرجال والأبرياء جراء سياسات قادة الحروب ومصالحهم الشخصية، وصولاً إلى الاغتصاب، في إحالات فعل الاغتصاب من انتهاك للجسد الأنثويّ بدلالته الإنسانية المقدسة، ومن تمظهر مُباشر للعنف والاستلاب الذي يتعرّض له المواطن العادي من جهة ثانية. هنا يجب التوقف مع لوحة هامة من لوحات النصّ، يبيع”الحلبي“ابنته إلى التاجر”دُلامة“المقتدر مالياً واجتماعياً، لتكون جارية ً لديه مُقابل أن يؤمّن لها الحماية من ويلات الحرب، لكن الذي يحدث أن يعتدي التاجر على الفتاة المُصابة بالبكم نتيجة رؤيتها لمقتل والدتها وأخواتها على يد التتر- المغول، والشيء الوحيد الذي تستطيع القيام به كردة فعل، هو أصوات مُبهمة متقطعة لكلمة”تتري“بوجهه، هنا تتقاطع اللغة الجنسيّة مع اللغة السياسية، تقول إحداهما الأخرى وتخفيها. لاحقاً نرى أنّ الذي يحميها هو المجنون. الذي تتساوى معه في الاستيلاب المطلق للتتر العربيّ منهم والمغوليّ. إذ ليست الوحشيّة الإنسانية دائماً خارجية أو تأتينا مع القوات الغازية. يكشف المشهد الدرامي عن مدى عمق وجود مثل هذا التفصيل إلى جانب مجموعة أخرى من التفاصيل في الحياة الاجتماعية، التي لا يرد ذكرها في الخطاب السردي للمؤرّخ القديم، ليست الآلام الإنسانية أو الواقع الفعلي اليومي والدموي للتاريخ هو الذي يُقرأ، وإنما يًُحفظ الخطاب الرسمي، الذي يكتبه ذوو النفوذ السياسي وفق رؤاهم الشخصية لما هو خير أو شر. يُظهر التفصيل الدرامي كم أنّ خطاب المؤرّخ مؤسساتي، يبتعد عن الواقع، مُمثلاً بتغيبه لحضور المرأة، حضور يظهر بقوّة عبر التفاصيل المتخيلة التي تحيل إلى واقع ترتبط به حتى درجات الالتحام. وكأنّ المرأة هنا تروي حكاية لم يذكرها التاريخ، فهي صوت غيّبه المؤرّخ المفترض انتماؤه إلى بُنية فكرية/ اجتماعية مُحددة، تنتقص من دور المرأة، التي ترسم التفاصيل الدرامية صورتها، بشكل يرتفع عن المعاش ليقترب من الرمز الاجتماعي، هي الشرف وهي رجولة الرجل، هي الحلم المقتول”سعاد“، وهي الحب المغتال”خديجة“. إنها رمز المدينة، رمز الشام الجميلة، التي تحترق معها، وتُسلّم معها بعد أن تستلب.  الحكاية الجديدة : قيّدت المؤسسات العسكرية الحاكمة في مُعظم البلاد العربية حرية العديد من الكتاب في التعبير عن انكساراتهم الشخصية والفكرية بعد نكسة حزيران، إذ لم تدع مجالاً كبيراً للانتقاد، أو لكشف الأسباب الحقيقة التي أدت إلى الهزيمة العسكرية. حالة ونوس الصحيّة بعد اكتشاف إصابته بدرجة متقدمة من مرض السرطان، ساعدته على إنجاز أفضل أعماله الفكرية والفنيّة، وهي (مُنمنمات تاريخية- طقوس الإشارات والتحوّلات- الأيام المخمورة- الاغتصاب). إنّ اقترابه الحقيقي من الموت، من فكرة الفناء المطلق والغياب الكليّ، جعله حاسم الرؤية تجاه دوره كمثقف في المجتمع، كما تجاه موقفه من التاريخ الذي فرض عليه إعادة اكتشاف الذات بضوء علاقتها مع الآخر، الذي كان في الماضي أو الحاضر اليوم، وبالتالي إعادة طرح سؤال الهوية، الذي شكل دينامية وسمت المرحلة الممتدة من بدايات القرن الماضي إلى منتصف السبعينات. تمظهر من خلال التيارات الفنية والأدبية المختلفة التي ظهرت، والحركات السياسية والتعددية الفكرية. فهم الحاضر تطلب العودة إلى الماضي للبحث فيه عن نتائج هذا الحاضر. والماضي بالنسبة لونوس خاضع لسطوة المقدّس، فالتاريخ العربي بقيوده ووثائقه الرسمية هو تاريخ البطولات والأمجاد، حيث لا توجد هزائم أو خيانات. رحلة ونوس في مُساءلة الماضي بدت أشبه بـ”الرحلة إلى الداخل“التي تحدّث عنها المفكر العربي إدوارد سعيد، كاستراتيجية لإعادة الكتابة التي تساهم في تشكل الهويّة الجديدة. (بالنسبة لفانون، من الضروري ليس فقط إعادة خلق الهوية القومية والوعي في عملية تفكيك الاستعمار بل أيضاً المسير إلى ما هو ابعد وخلق وعي اجتماعي في لحظة التحرر. ويصبح الوعي الاجتماعي هو الأكثر أهميّة)”4 “. تفكك كتابة ونوس ثلاث تيمات كبرى، هي صورة العالم ”ابن خلدون“، المدينة”دمشق“، والرمز”نهر بردى“. يرى ونوس أنّ”الشعوب المعوّقة، والتي تتعثر في تلمسها للمستقبل هي التي تحتاج إلى تمجيد ماضيها، والتغني المتواصل بهذه الأمجاد، وفي هذه العملية يتم تزوير الماضي، فالتشدّق المتواصل بهذه الأمجاد، يُعطي الحاضر امتلاءً زائفاً“. (5) ”ابن خلدون“هنا شخصية تاريخية، توضع موضع المساءلة الوطنية، والسؤال يمتد إلى مثقفي اليوم. وبهذا يُسقط ونوس تيمة القدسية عن الشخصيات الرمزية في تاريخنا القوميّ، فالجميع يُساءل أمام الوطن. ويؤسّس لنظرة تتصف بالموضوعية والأمانة العلمية في تعاملها مع التاريخ، بعيداً عن خلط الإنسانيّ باللاهوتيّ، حسب ونوس، بل مُحاولة معرفة تاريخنا كأفراد وجماعات بإيجابياتهم وسلبياتهم، ضمن إطار شرطهم التاريخي. فنجد شخصيات إنسانية فيها الضعف والقوة، يعيش بعضها على الألم وبعضها الآخر على الأمل. ولكنها جميعاً خاضعة لصراعها الإنسانيّ، ما بين وجودها ”ككائن اجتماعي يُحدد مصيره تيار التاريخ ومُتطلبات النظام وعلاقات القوى في واقع مُعين. وبين قضية الإنسان نفسه كفرد يحاول الغوص في أعماق وجوده والتوسيع من نطاق حريته الفردية“(6). يناقش ونوس الأفكار من خلال مواقف مختلفة، موضحاً العلاقات التي تربطها، لتغدو هذه العلاقات على الرغم من الانفصال الظاهري في شكلها الدرامي ، مترابطة بحميمة داخلية تنبع من ديناميكيتها، فالأحداث تجري في لحظة زمنية واحدة بجوار بعضها، فاقدة الترابط الشكلي، لكنها مُتماسكة من الداخل، تماسك الحياة نفسها. دمشق تلك المدينة القديمة، التي سقطت أسوارها ولم تعد لترتفع يوماً. يحاول ونوس في كتابته أن يُلزمها بإعادة التفكير بتاريخها تحت ضوء عملية تفكيك هويتها الزائفة، وتفكيك رموز هذه الهوية السلطوية، في بحث يحاول كشف أجزاء من التجربة الاجتماعية التي بقت بعيدة عن هيمنة أيديولوجيا مُعينة، حكمت دمشق قبل قرون كما حكمتها في ستينيات القرن العشرين. سعي ونوس إلى إعادة اكتشاف الذات مقرون فقط بالتمسّك الثابت بالحرية، الحرية وسيلة وغاية. ”بردى“دمشق، و”بردى“تاريخ الشام،”بردى“الرمز الملتبس في النص، يزداد تدفقاً مع الانهيار المتتالي لمدينة دمشق، كإشارة إلى ”أنّ الزمن لن يتوقف، وأنّ هذه الهزيمة وهذه المجزرة على فظاعتهما، لن يقطعا السيرورة التاريخية. وبهذا المعنى فإنّ الأمل مُمكن رغمّ كل شيء“(7) . يرى ونوس أننا أمة بلا تاريخ مكتوب، تاريخنا شفهي مبعثر هنا وهناك. يفتقد للصيرورة الزمنية وللترتيب، وهو في تكسيره للتيمات الاجتماعية السائدة، يرسم صورة جديدة لهذا التاريخ، ناتجة عن الزمن الذي يُباعد ما بين زمن الحدث وزمن الكتابة. مما يُفسح المجال للنظر إلى الحدث الماضي نظرة موضوعية أكثر، وعلى ضوء قيم وأفكار مختلفة تماماً. التاريخ بالنسبة لونوس موقف أيديولوجيّ. تعاد قراءته مؤكدا في جدليته حوارا بين الماضي والحاضر، مهمته كشف الحاضر في تناصه مع الماضي، كمرحلة تاريخية محملة بكل إشكالياتها ووقائعها التي حدثت في زمنها، وهو الزمن الماضي. وبين وعي الواقع الراهن للكاتب والقارئ، المتأثر بالمنظومات المعرفية الجديدة للفكر الإنساني. رؤية التاريخ باعتباره جزءاً من الحاضر من خلال رؤيتنا المعاصرة له، أي بعيداً عن التناول المتحفي، وهي ما أسماهُ فوكنر”الزمن الأسطوري": أي اكتشاف أبعد عمق ممكن وراء اللحظة الحاضرة، أو مزج الحاضر بالماضي.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٢‏/٦‏/٢٠١٥
لم يقدم المبدع الراحل سعد الله ونوس في مسرحيته خطيرة الشأن (منمنمات تاريخية) مسرحا تاريخيا بالمعنى المألوف للمسرح التاريخي او للرواية التاريخية. وعلى الرغم من ذلك, فان المادة التي اشتغل عليها دراميا وسرديا, بقدر تعلق الامر بالجانب البنيوي, النثري بعنصر السرد, هي مادة تاريخية بحتة. إن الإنجاز او للدقة, الجانب الاهم من الإنجاز المسرحي التأليفي لسعد الله, يكمن ويتبدى على جهة التحديد في هذه النقطة بالضبط, اي في فهمه لكُنه العلاقة بين المادة التاريخية الخام والإنجاز النثري المسرحي الطالع منها وخصوصا في عمله موضوع القراءة (منمنمات تاريخية). قد يبدو الامر, للوهلة الاولى, متعلقا بما يمكن تسميته التوظيف المسرحي للمادة التاريخية وللحكاية كقلب وروح لتلك المادة التاريخية, ولكن متابعتنا المسكونة بالا سئلة لهذه المسرحية ستثبت لنا خطأ هذا التفسير, او على الاقل عدم كفايته وكفاءته, إذ ان الموضوع لا علاقة له, هنا ايضا, بالتوظيف الاقتباسي, لسبب بسيط هو استمرار نص ونوس باداء وظيفة النقد الموجه عن بعد, إن صح القول, وتسليط الاضواء على نتوءات واخاديد, كان من الصعب اكتشافها في السابق على السمت التاريخي. إن عملية هيكلة النص تدخل مع (منمنمات تاريخية) منعطفا خاصا وواعدا لاستجلاء الحقائق التي اراد الكاتب إيقافها على رأسها او هتك سترها وتجريدها من كساء الوهم لتظهر كما هي في حقيقتها. ويمكن لنا, بقليل من الخفة, والكثير من الحذر, تشبيه ما يفعله ونوس بنمنمة التاريخ, وذلك بمنح فعل النمنمة بعدا مكانيا اعمق بكثير مما توحي به كلمتا (وقت) و(مكان) .إنها نمنمة وصياغة تعنيان اولا وقبل اي شيء آخر, تقديم المعالجة الجديدة المعاصرة للحكاية التاريخية إياها.ولقد سعى الراحل ونوس لتفسير فهمه الخاص للمسرح انطلاقا من ذلك, وفي عدة مناسبات. فقد كتب مثلا في مقدمة مسرحيته (الاغتصاب) يقول: (ان إلهام المسرح الحقيقي لم يكن في يوم من الايام الحكاية بحد ذاتها, وإنما المعالجة الجديدة التي تتيح للمتفرج تأمل شرطه التاريخي والوجودي.الاعمال الكاملة (مج 2 ص 63) وتأسيسا على هذا, ستغدو الحكاية التاريخية او تلك المتخيلة اقل اهمية من المعالجة المسرحية الجديدة والحاوية لمضامين الشرط التاريخي المعاش من طرف الجمهور والكاتب معا.ولكن هل معنى ذلك تقصد العبث بالمادة التاريخية في مرحلة الكتابة الاولية؟ وهل يعني التأليف بحد ذاته عملية تركيب إضافي مسطحة او ذات بعد واحد, تمتح مادتها من نبع الماضي المتجمد في الماضي, وايضا من نهر الحاضر سريع الجريان, ام إنه التأليف اكثر تعقيدا وتشابكا من ان تفسره هذه الاسئلة؟ لنحاول رصد الموضوع بالعودة الى تجربة سعد الله في المنمنمات, فهو اولا, يحافظ على صحة ودقة المادة التاريخية حدثا وشخوصاً وبيئة عامة. ويُدخل كل ما تقدم ذكره من عناصر ومكونات الى مرجل النثر المسرحي الخاص به, والمشتغل بقوة موهبته وثقافته وإحساسه الوجداني العميق, ليخرج النص المنجز في منتهى الامر وكأنه تاريخ عتيق آخر يشبه الى حد التوأمة تاريخنا الجاري امام انظارنا.وربما كانت وقفة ونوس مع العلامة ابن خلدون مناسبة ينبغي التدقيق والفحص الاعتباري عندها ومعرفة مقدار خطأ او صواب الفرض النقدي الذي اتينا على ذكره في ما تقدم من كلام, مع ا نه لم يبدأ بابن خلدون بل بالشيخ المقاوم برهان الدين التاذلي. الانتصار في هزيمة الشيخ التاذلي: خصص سعد الله المنمنمة الاولى للشيخ التاذلي وعنونها كالتالي (الشيخ برهان الدين التاذلي او الهزيمة). وثمة قراءتان محتملتان لهذا العنوان الاولى تقول بقرن الهزيمة العسكرية امام جحافل المغول بالشيخ المجاهد قرن السبب بالنتيجة فالشيخ لم يتخل عن سلفيته وتشدده مع ما هو عليه من روح مقاوم وطبع جسور وقد تجلى ذلك في موقفه السلبي إبان محنة العالم المعتزلي الشيخ جمال الدين بن الشرائجي. اما القراءة الثانية, والتي نميل إليها مرجحين, فهي تلك التي تجعل جهاد الشيخ ذا منحى إيجابي بمعايير التاريخ مقارنة بمواقف رجال دين جشعين الى درجة الكلبية, وخانعين الى درجة التفريط والخيانة, ومثالهم هو الشيخ ابن مفلح ومجموعته والتاجر دلامة ومجموعته ممن لا يهمهم الوطن والناس والدين بل املاكهم الخاصة واملاك الاوقاف التي يسرقونها بانتظام! اما ورود كلمة الهزيمة بعد العاطف المفيد الاختيار (او) فلا يعدو ان يكون اقتراحا لعنوان آخر مستقل. يمكننا إذن قلب المعطى المضموني لهذه المنمنمة واعتبار الانكسار العسكري لاهل دمشق واستشهاد الشيخ التاذلي وزملائه المجاهدين نصرا سيقطفون ثماره ويذكرنا بمعركة (عين جالوت) التي هزم فيها المغول هزيمة نكراء. وسوف يغدو هذا التفسير او الفرض النقدي على درجة عالية من الوضوح والمعقولية متى ما انتهينا من الاطلاع على تفاصيل مواقف وآراء العلامة ابن خلدون الاستسلامية الخانعة بل والبالغة حدود الخيانة والتعاون مع العدو الغازي ورسم خريطة جغرافية للمغرب العربي مرفوقة بكتاب وصفي للبلاد وناسها وإمكاناتها بريشة ابن خلدون بناء على طلب تيمور لنك. ولإعطاء هذا الكلام التعميمي شيئا من الواقعية نعود الى المنمنمة الاولى والتي تمثل بحق رزمة مفاتيح المسرحية وليست مفتاحا واحدا لنجد الركائز التالية والصالحة للنمذجة: الجو العام هو جو هزيمة كارثية فقد سقطت حماة وحلب بيد المغول وتحولتا الى ركام ومقابر جماعية حتى قيل ان المغول شيدوا مئذنة من جماجم القتلى. جيوش المغول في طريقها الى دمشق.نائب الغيبة, وهو اشبه بقائم مقام الخليفة, او السلطان فرج بن برقوق, يميل الى (تسليم المدينة بالامان) للمغول ويحاول الهرب فتتصدى له الجماهير وتمنعه من الرحيل بل و تهينه. الشيخ التاذلي يدعو نائب قلعة دمشق الامير عز الدين الى المقاومة بالاعتماد على الذات حتى وصول السلطان فرج وعساكره المصرية وتبدأ عملية المقاومة فعلا. رجال الدين من جماعة ابن مفلح يسايرون المقاومين مرغمين ويدفعون الشيخ التاذلي لحسم قضية الشيخ المعتزلي جمال الدين وينجحون في ذلك, إذ تحرق كتب هذا الاخير, ويوضع في الحبس ولكنه, ولهذا الاستدراك مغزاه المعاصر العميق, لا يكف عن المطالبة بحقه وواجبه في المشاركة في مقاومة الغزاة. يحدث اول صدام بين الشيخ التاذلي وابن خلدون ليلة انسحاب السلطان فرج بعد هزيمة عساكره بمواجهة المغول وتبلغه باخبار حول مؤامرة ضد عرشه في مصر, حين يعلق ابن خلدون على كلام السلطان المستبد بعبارات خانعة وانتهازية فيوبخه التاذلي: اتسمي الخذلان فصاحة يا بن خلدون؟ في نهاية هذه المنمنمة يستشهد الشيخ المقاوم برهان الدين التاذلي حاملا سلاحه, ولكن عملية المقاومة والصمود في القلعة تستمر. ففي معركة واحدة قتل واسر اهل دمشق من المغول حوالي الالف غاز وغنموا الكثير من خيولهم. غير ان هذه المعركة لا تحجب حقيقة الهزيمة العسكرية القادمة بسبب موازين القوى وخذلان السلطان وتآمر التجار ورجال الدين ولكنها, ايضا, لا تحجب حقيقة انتصار الخط المقاوم الذي مثله الشيخ التاذلي والامير عز الدين قائد القلعة على خط الاستسلام في المدى التاريخي. إن اي كلام قد يقال, ومن باب المقارنات التاريخية بين دمشق التاذلي آنذاك والراهن العربي العام, سيكون نافلا ومكررا, ولهذا سنكتفي بدعوة القارئ الى القيام بتلك المقارنات بنفسه فيما بعد, إذا ما وجد, وقد يجد, فائدة في ذلك, وسنواصل نحن رصد الوعي المقاوم المبثوث خلف وفي احشاء النص المسرحي الشامل, وصولا الى تلمس المعالجة الجديدة التي كان يطمح الى إيجادها سعد الله لثنائية النصر والهزيمة او لجدلية (المقاومة ــ الحياة, الاستسلام ــ الموت) و بما يسمح لنا بمعرفة وتامل شرطنا الحياتي والاجتماعي من خلال هذه المعالجة لحكاية مركزية من حكايات وجود الامة. الوجه الآخر لابن خلدون : إنها المصادفة وحسب تلك التي قادتنا الى هذا التسلسل الرقمي او التراتبي في قراءة نص المنمنمات, فنحن الآن في المنمنمة الثانية, وسنختم بعد حين بالثالثة, لا لشيء يتعلق بالتراتب الزمني, وإنما لان طريقتنا في عرض افتراضاتنا النقدية وتسليط الضوء على ما هو مهم لنا من مكونات النص تطلبت ذلك بشكل تلقائي وغير مبرمج سلفا. بالعودة الى التساؤل المعبر عنه في عنوان هذه الدراسة ( هل يخون العبقري؟) من الواضح اننا نسجل على بياض, كما يقال, اعترافنا بالقيمة العلمية الاكيدة لنظرية ابن خلدون فيما سماه (طبائع العمران البشري) ونعتبر هذا الامر فتحا فريدا ورائدا في بابه.نقول هذا الكلام على الرغم مما يساق هنا وهناك من تحفظات محقة احيانا, حول اسبقية (اخوان الصفا)في التأسيس والتأثيل لهذه النظرية بحسب بعض الباحثين, او اسبقية مؤرخ كالمقدسي او المقريزي بحسب باحثين آخرين فهؤلاء واولئك يعتقدون بان ابن خلدون ليس إلا مكررا ومعيدا, او في احسن الافتراضات متمثلا ومطورا لتجربة واكتشافات (اخوان الصفا) او المقدسي والمقريزي في ميدان ما بات يعرف لاحقا بعلم الاجتماع.وإذن فالعبقرية ليست موضع شك او موضوع نقاش على اهمية هذا وذاك, ولكن المهم في نظرنا, وفي دراستنا المتواضعة هذه, هو السلوك الفعلي والفردي (الشخصي) لحامل العبقرية بوصفة مواطنا وبصفته ذاتا عاقلة ومسئولة إبان منعطفات حاسمة في تاريخ وحياة امته ووطنه. وقد نفاجئ القارئ بالقول ان صاحب المنمنمات نفسه سبقنا الى طرح هذا السؤال (هل يخون العبقري؟) ولكن ضمن التباسات العملية التأليفية المعقدة ولهذا سنحاول ان نركز مهمتنا على هدفين او محورين: تطوير التساؤلات الجنينية التي وردت في النص اصلا حول الموضوع والمضي بها الى آفاقها الحقيقية. طرح تصور اقرب الى روح العلم والتاريخ حول علاقة المثقف ومنتج المعرفة كإنسان بجماعته الإنسانية ضمن خطين:خط المقاومة غير المشروطة بنوع معين من الادلوجة وخط الاستسلام وخيانة الجماعة. اين طرح سعد الله سؤالنا المركزي او ما هو قريب منه؟ بعد استشهاد الشيخ التاذلي خلا الجو لتحالف رجال الدين والقضاة من جماعة ابن مفلح والتجار والاعيان الممثلين بشخصية دلامة فشرعوا في إثارة البلابل والتشويش على الخط المقاوم عن طريق إدعاء الحيرة وصعوبة معرفة الصواب في وضع معقد! وهذا ما يحدث في جميع العصور, فمنذ ايام تيمورلنك في الشام الى ايام الصهاينة في فلسطين الراهنة, ونحن نشهد ونشاهد العديد من (المتخمين) بالقلق والحيرة والذهول والتمزق وهم يبررون الخنوع ويروجون الهزيمة والعبودية, إذ يبدأ دعاة الاستسلام هؤلاء ببلبلة الرأي العام, تمهيدا للتشكيك في شرعية وصواب المقاومة, وصولا الى ضرب الجناح المقاوم والانفراد برأس الامة والوطن ومن ثم تبضيعه في سوق المساومات الخيانية مع الغازي. والحقيقة فإن إدعاء الحيرة وبذر البلبلة ليسا إلا حركات مسرحية بلهاء تحاول مستغلة قسوة الصراع العسكري, تضبيب الصورة الواضحة او المضاربة على الحسبة السهلة كالماء التي تقول وببساطة:إن من يجد وطنه محتلا وعاصمته مطوقة بقوات الغزاة, وخصوصا إذا كان الغزاة من صنف المغول او الصهاينة, فلابد له من المقاومة, فإما النصر وإما النصر بالشهادة! هكذا وببساطة واحد مجموع الى واحد يعلن المنطق المقاوم عن نفسه.وهذا ما كان يعرفه عبد الرحمن بن خلدون الذي طالت عشرته مع الحيث التاريخي حتى صار ذهنه معجونا به ومشبعا بتفاصيله وعبره البليغة او هذا ما يعتقده المرء على كل حال.ولكنه - ابن خلدون - يختار الميدان الآخر لا ميدان المقاومة, والطريف واللافت انه يعبر الى ذلك الميدان على جسر عبقريته, وهو هنا كمن يستخدم النظرية الماركسية لإثبات استحالة بناء المجتمع الاشتراكي المساواتي! فهو يحاول تبرير عدم دعوته الناس للمقاومة, وانحيازه بعد قليل الى تحالف التجار ورجال الدين والاوقاف, بنظريته الخاصة (علم العمران البشري). وهاهو يقول لتلميذه وتابعه المصري (شرف الدين): (الا تعلم يا شرف الدين ان صبغة الدين حالت, وان عصبية العرب زالت وان الجهاد لم يعد ممكنا؟). وحين يحاججه التلميذ بشدة وحماسة وعصبية اهل دمشق اثناء تشييع الشيخ الشهيد التاذلي واستعدادهم التام والصادق لقتال المغول, يقول ابن خلدون (هذه ليست عصبية يا شرف الدين.تشدق الاحداث وهياج العامة والدهماء ليست من العصبية في شيء.والناس هنا في دمشق اهل مدينة وحضارة بلغ فيهم الترف غايته, وسقطت عنهم العصبية بالجملة.الاعمال الكاملة (مج 2 ص 394) وثمة حوار طويل بين ابن خلدون وشرف الدين لا يخرج عن هذا المؤدى ويدخل في تلافيف قضية المثقف ومبدع الثقافة والعلم والموقف التاريخي. فحين يسأل التلميذ استاذه (اليس من مهمة العالم يا سيدي ان ينير للناس ضوءا او ان يهديهم الى سبيل يخرج بهم من الانحطاط؟! يجيب ابن خلدون بالنفي ويضيف (مهمة العالم ان يحلل الواقع كما هو, وان يكشف كيفيات الاحداث واسبابها العميقة). وما ثمة حاجة كما نعتقد للتنبيه الى لغة الحوار المعاصرة والتي تنبئنا عن ان الراحل ونوس لا يضع كلاما في فم ابن خلدون بل إنه يقدم ما هو اقرب الى ترجمة مضامينه القديمة بلغة عربية معاصرة.غير ان الخلاصة الخطيرة التي يعلنها لنا سعد الله ونوس وتلخص موضوع العالم العبقري وموقفه التاريخي ومن ثم قيمته في التاريخ هي تلك التي يقولها مشخص دور ابن خلدون مجيبا على سؤال يلقيه مشخص دور شرف الدين: شرف الدين: (مباعدا بينه وبين دوره) ماذا سيقول عنك التاريخ يا سيدي؟ ابن خلدون: (مباعدا بينه وبين دوره) (لن يذكر التاريخ إلا العلم الذي ابدعته, والكتاب الذي وضعته.اما هذه الاحداث والمواقف العابرة, فلن يذكرها او يهتم بها إلا موسوس مثلك, ومثل كاتب هذه الرواية.) تنتهي هنا المنمنمة الثانية مثيرة كثرة من الاسئلة والتساؤلات المحنا فيما سلف الى البعض منها ونشعر بالحاجة الآن لطرح اخرى ذات استهدافات مختلفة ومنها: هل كان سعد الله يعبر عن وجهة نظره هو بالقول ان ما يبقى من العالم العبقري هو علمه فحسب اما مواقفه العابرة فلا قيمة لها, ام عن وجهة نظر ابن خلدون كما فهمها وتوصل إليها هو؟ ما مقدار الحقيقة والصواب في مضمون ما قيل تاريخيا وحاضرا على ضوء الصراع المعاش بين الامة واعدائها الخارجيين (الغزاة) والداخليين الممثلين بتحالف الخنوع والقمع ؟ في اعتقادنا فإن السؤال الثاني يفسر جزئيا ولكن بوضوح طبيعة الإجابة على الاول, بمعنى: إن سعد الله كان يعبر عن وجهة نظر ابن خلدون السلبية معياريا (اخلاقياً, وبالتالي فإن مقدار الحقيقة او الصواب في المضمون الخلدوني مشكوك فيه تماما ان لم نقل إنه على الطرف النقيض للحقيقة المعيارية السائدة حتى يومنا هذا. وقد لا تحتمل المداعبة الواردة في الحوار (لا احد يهتم بالمواقف والاحداث إلا موسوس مثلك ومثل مؤلف هذه الرواية) شيئا اكثر من تعضيد هذا الاحتمال من خلال السخرية والهزء من واقع الحال الصراعي, ومن محاولات تصنيم وعملقة (العلامة) عبد الرحمن ابن خلدون, وتناسي او إهمال (القاضي المالكي) عبد الرحمن ابن خلدون, الذي حمل نسخة من القرآن وعلبة الحلاوة هدية للغازي تيمور, الذي بنى مئذنة من جماجم اهل حلب! فهل نحن إزاء ابن خلدون واحد ام اثنين, وهل يخون العبقري؟ اختلاف المصائر والاتفاق ضد العقل: تنتهي المنمنمة الثانية بانشقاق التلميذ شرف الدين على استاذه ابن خلدون بعد عودة هذا الاخير من زيارة الغازي تيمورلنك وتقبيله يده وامتداحه وتقديم الهدايا له.وقد املى ابن خلدون تفاصيل زيارته تلك على تلميذه, وحين انتهى منها, حاول ان يبدأ بإملاء تفاصيل كتابي صف بلاد الغرب ومسالكه بطلب من تيمورلنك, رفض شرف الدين الكتابة وافترق عنه بعد ان قال له ما كان ينبغي ان يقال في مواضع كهذه. لقد رفض شرف الدين التورط او الوقوع في كمين الازدواجية واختار الانتماء الى قلعة دمشق التي صارت هوية المقاومة والحياة. تنتهي هذه المنمنمة إذن بشروع ابن خلدون بتدوين كتابه: (في وصف بلاد المغرب) , وتبدأ الثالثة والاخيرة وعنوانها (آزدار امير القلعة او المجزرة) (وآزدار هو ذاته الامير عز الدين قائد المقاومة في قلعة دمشق) ويوحي اسمه بانه من اصول كردية ومعلوم للمشتغلين بتاريخ تلك الفترة المساهمة الفعالة للامة الكردية في مقاومة الغزاة المغول حيث قدمت عددا مهما من القادة العسكريين البواسل من امثال حسام الدين عكا الذي قاتل دفاعا عن بغداد حتى الشهادة وناصر الدين محمد الملقب بالملك الكامل الذي قطعه المغول إربا وذرات صغيرة بعد ان ر فض شرب الخمر وبصق بوجه هولاكو الذي امره بفعل ذلك, و هناك ناصر الدين القيمري احد قادة معركة (عين جالوت) وابن كورال وغيرهم كثيرون من ابطال الكرد المقاومين. لنعد الى دمشق على ركح المسرح الونوسي ولنتابع: يفلح القضاة والاعيان والتجار في شق ومن ثم تشتيت المقاومة داخل المدينة التي يدخلها الغزاة المغول ويعملون السيف في اهلها, ولكن المقاومة تستمر في القلعة. يرسل تيمورلنك مجموعة من اعيان دمشق وقضاتها الى القلعة في محاولة لإقناع المقاومين بإلقاء السلاح والاستسلام, فيجرد المقاومون اعضاء الوفد من ملابسهم ويهينونهم ويعيدونهم عراة الى تيمورلنك. يلجأ الغزاة الى الحل الاخير وهو استخدام اعيان دمشق ومن تبقى حيا من اهلها في نقب وحفر اسوار القلعة فيتم لهم ما ارادوا وتستباح المدينة وينتقم الغزاة من الجميع بمن فيهم تحالف التجار ورجال الدين والاعيان الذين خانوا قومهم وآزروا الغازي. إن جردا سريعا للاحداث, كهذا الذي قدمناه, لا يحمل اية قيمة نقدية في حد ذاته, ولكننا سنسعى الى الإفادة منه على مستويين: رصد عملية المعالجة الجديدة للشرط الوجودي عن طريق غير مباشر ومتروك لمتابعة المسرحية قارئا كان ام متفرجا. تجسيد وتبيين المحمولات الاديولوجية او المعاني الكامنة تحت القشرة الاديولوجية بالامثلة الحَدَثية خصوصا في تحليل, ومن ثم, تأكيد الفروض النقدية التي وردت في بداية الدراسة. كما ان سردا, مهما بدا مبتسرا وسريعا, لابد له ان يعرج ويلحظ المغزى العميق لمصير الفيلسوف المعتزلي الحر الشيخ جمال الدين بن الشرائجي طالما يدور الكلام عن المصائر.فبعد ان يسلّم التحالف الاستسلامي المدينة الى الغزاة, وبعد ان تستشهد المقاومة ببطولة, يؤتى بالشيخ السجين جمال الدين الى مجلس تيمورلنك ليحسم امره ويحكم في قضيته, وبعد ان (يروي) البعض ممن حضر المجلس ومنهم الشيخ محيي الدين بن العز والعلامة القاضي ابن خلدون حكايته من وجهة نظر منحازة, حتى يغضب السلطان تيمورلنك والذي لا نعرف منذ متى تأسلم وهو الغارق بدماء المسلمين حتى حاجبيه, ويأمر بتنفيذ قضاء الله في هذا (الكافر), فيصلب الشيخ جمال الدين على يد الغزاة بعد ان حرمه (الآخرون) من شرف المساهمة في المقاومة و هاهو يحمل صليبه في نهاية المسرحية ويتقدم نحو مصيره المأساوي متسائلا:(عجبت من اتفاقهم في امري على ما بينهم من الحرب وسفك الدماء.ص466).إن الاتفاق الذي اشار إليه سعد الله على لسان ابن الشرائجي, والذي ساد من دون تواطؤ مسبق بين اطراف العملية الصراعية, والتي لا يمكن اختصارها فقط بالمقاومين ــ الغزاة, ففي هذا الاختصار يكمن خطر تبسيط التاريخ وتحويله الى معادلات رياضية ميتة.هذا من ناحية, ومن اخرى, فهو اتفاق ضد العقل والتنوير الذي مثله ابن الشرائجي, و لا يمكن فصله واجتزاؤه من السياق التاريخي كحدث عابر, لانه لم يبدأ مع اجتياح الغزاة لدمشق بل سبق ذلك بزمن طويل.من حيث المبدأ, يمكننا تسجيل الاهمية الفائقة لهذا المحور في المسرحية, والذي لا نعتقد بانه اخذ الحيز المكافئ لاهميته نصيا, ونحسب ان وروده بهذا الشكل, إنما استدعاه المحور الاهم والهيكلي في النص, وهو الملخص في مواقف وآراء وسلوك ابن خلدون خلال الصراع. لقد اراد سعد الله, ضمن ما اراد, من فتح هذا التفريع, اختبار إمكانية التمييز والمقارنة المعيارية بين مجموعة مصائر مأساوية متباينة من حيث المحمول والمحتوى الوجودي, والخلوص من ذلك الى إيجاد تنويعة من الاجتهادات التأملية لمشاهد المسرحية المعاصرة دون محاولة فرض فجة, كما اعتادت ان تفعل نصوص كثيرة, للاجتهاد الوحيد والواحدي.وهكذا سيكون بمقدور المشاهد, على سبيل المثال, القيام بمصالحة معيارية بين المقاوم الشهيد الشيخ التاذلي مع المحروم من شرف المساهمة في المقاومة الشهيد الشيخ جمال الدين ومع مقاتلي القلعة في نفس الوقت, او الخلوص الى مساواة معيارية هي الاخرى, بين اطراف التحالف المحلي والمؤلف من التجار ورجال الدين والقضاة وبين الغزاة انفسهم.وعلى الرغم من ان بعض شخوص هذا التحالف قد انتهى نهاية مأساوية بسيوف حلفائه المغول, ولكننا لن نستطيع المساواة وربما حتى المقارنة البحتة بين مصيرهم ومصير شخوص الطرف المقاوم, لن نستطيع ان نفعل ذلك, دون الوقوع في خطر تجريد التاريخ من الابعاد المعيارية (الاخلاقية) وتحويله الى مجرد حركة ذات بعدين زماني ومكاني خالية من المعنى تماما وعبثية حكما وسيعني هذا المآل حكما تحويل العمل المسرحي الى مجرد تصوير فوتوكوبي شاحب لتلك الحركة الميكانيكية الكئيبة الامر الذي شكلت التجربة المسرحية (الونوسية) نقيضه التام والعميق والدائب. ونختم بالتأكيد على ان ما قدمناه في هذه الدراسة, لا يعدو كونه محاولة اولية لقراءة النص من وجهة نظر مختلفة, إن لم نقل مخالفة لما هو سائد, وهي بهذا مفتوحة على احتمالي الفشل والنجاح معا وفي ذات الوقت في سبر اغوار النص وممارسة النظرية التي يتبناها ونوس في تأمل الشرط الوجودي والتاريخي الذي يحياه مشاهد العمل المسرحي ومن دون كثير احتفال بالحكاية. إن هذه القراءة ستكون حلقة اولى فقط, قابلة للتطوير والتعديل وربما قلب الافتراضات النقدية الرئيسية كلها, على ضوء الخطة الإخراجية العامة والروح الفنية التي سيقدم بها هذا النص المسرحي فائق الاهمية, معنى هذا الكلام, إننا لم نقم في الواقع إلا بنصف العمل النقدي المطلوب على اكبر تقدير, بانتظار ان تتاح لنا فرصة رؤية النص وقد اخرج على الركح المسرحي وحينها ستكون لنا وقفة نقدية تكميلية وشاملة اخرى.