
مجاني
📱 كتاب إلكتروني
البحث عن وليد مسعود
3.2(٢ تقييم)•٢١ قارئ
📄 قراءة PDFمجاني
عن الكتاب
في هذه الرواية المتشعبة، المعقدة، البارعة التركيب هندسياً وزمنياً، يخلق جبرا ابراهيم جبرا من جديد عدداً كبيراً من شخصيات الرجال والنساء التي يجد القارئ أنها تفرض نفسها على ذهنه، فيعايشها من الداخل، ولا يستطيع نسيانها. وبقدر ما يثير وليد مسعود من تساؤلات، فإن الشخصيات الأخرى التي تحاول الإجابة والبحث بصراحة مذهلة، تجعلنا نتساءل: هؤلاء الرجال والنساء، عمن هم في الحقيقة يتحدثون؟ هل هم المرآة، ووليد مسعود هو الوجه الذي يطل من أعماقها، أم أنه هو المرآة، ووجوههم تتصاعد من أعماقها كما هم أنفسهم لا يعرفونها؟ لا نحسب أن رواية كهذه كتبت من قبل باللغة العربية. فهي ليست امتداداً كبيراً لفن جبرا ابراهيم جبرا الروائي وحسب: إنها إضافة كبيرة إلى الفن الروائي المعاصر.
اقتباسات من الكتاب
‟„
يفوت الأوان دائما ..نصل متأخرين ..حيث لا يفيدنا طيران ولا أجنحة ...ويغزونا الغربان
1 / 10
يقرأ أيضاً
المراجعات (١)

المراجع الصحفي
٢٥/٤/٢٠١٥
يشغف القراء بالروايات التي يكون مصير أبطالها مجهولا، إذ تجتذبهم قضية الاختفاء، ولعل إحدى محفزات القوة السردية في رواية "في موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، الاختفاء الغامض لبطلها "مصطفى سعيد"، وهو أمر يمكن ملاحظته في الرواية العالمية والعربية على حد سواء، وسنخصص هذه المقالة لرواية "البحث عن وليد مسعود" لجبرا ابراهيم جبرا، ففي ختامها يظهر جواد حسني حائرا، وقد أمضى وقتا طويلا ومرهقا في جمع مصادر كثيرة عن "وليد مسعود" البطل الرئيس في الرواية الذي يختفي فجأة، وفي ظروف غامضة، بهدف الإعداد لكتاب عنه، وهو يقول: "ها أنا اليوم قد جمعت أوراقي وهيأت ملاحظاتي، وسأبدأ جادا بدراستي، ترى هل سأبلغ نتيجة قطعية بشأن وليد؟ هل ثمة نتيجة قطعية في أي حدث في الحياة، دع عنك حياة إنسان كاملة؟ عليّ أن أغربل الحقائق والمعطيات، عليّ أن أعزل عنها التضليلات والتخرصات والأوهام، عليّ أن أبلغ نهاية ليس فيها إلا أقل ما يمكن من التناقض" يلاحظ أن جواد حسني، يحاول أن يشرح الطريقة التي سيتبعها في تركيب تلك المادة التي تجمعت لديه حول وليد مسعود المختفي، وهي تقوم بكاملها على عرض الوثائق والمذكرات والمرويات وظروفها وأصحابها، وكل الخلفيات المتصلة
بها، وفي مقدمة ذلك الشخصيات التي اتصلت بوليد مسعود طوال حياته. فعلا انها مادة غنية ومتنوعة وهائلة، ويحق لجواد حسني أن يعمق الوهم، متسائلا عن الاسلوب الافضل الذي يمكن أن يتبعه في التأليف لكي يركب الصورة الحقيقية، كما يراها هو وأولئك الذين كانوا على صلة بمادة كتابة عن وليد مسعود.
يظهر جواد حسني مباشرة إثر اختفاء وليد مسعود، ويتشكل متن الرواية من بحثه في كل ما يتصل بشخصية عرفها وأعجب بها، وتنتهي الرواية وهو يفكر في الطريقة المناسبة لتنسيق كل ذلك، والحق فإن بحث جواد حسني له صلة مباشرة بالبحث (في) وليد مسعود أكثر من البحث (عنه) ومع ان السؤال عن مصير الاحتمالات الخاصة بذلك ظل أحد الشواغل المهمة للجميع، لكن كل ما تجمع لدى جواد حسني إنما يدور حول فكرة مركزية واحدة، من هذا الرجل؟ ومن المؤكد ان واقعة الاختفاء الغامضة كانت سببا مضافا للتعمق في معرفة تلك الشخصية المتنوعة الأبعاد، على ان أمر الحديث عن وليد مسعود كان فرصة استثمرتها الشخصيات للحديث عن نفسها، فأصبح هو النافذة التي من خلالها تم ترتيب السرد بحيث يتنازعه وليد مسعود والشخصيات على حد سواء، ومع أن وليد مسعود هو مركز التبئير السردي، إلا الشخصيات المتصلة به قد نجحت في الكشف عن حياتها ورغباتها ومواقفها وآرائها، وبذلك اندرجت في (تاريخ) وليد مسعود، أو هو اندرج في (تاريخها)، وهو أمر كان جواد حسني قد أشار بوضوح إليه بقوله "بعد أن يقول الأشخاص ما يقولونه، بعد ان يبرزوا عن تصميم أو غير تصميم ما يبرزونه، ويخفوا عن تصميم أو غير تصميم ما يخفونه، يبق
ى لنا ان نتساءل: عمن هم في الحقيقة يتحدثون؟ عن رجل شغل في وقت عواطفهم وأذهانهم، أم عن أنفسهم، عن أوهامهم واحباطاتهم واشكالات حياتهم؟ هل هم المرآة وهو الوجه الذي يطل من أعماقها أم انه هو المرآة ووجوهم تتصاعد من أعماقها، ربما هم أنفسهم لا يعرفونها؟" حقا ينبغي تعميق البحث في كل ذلك، أكان وليد مسعود هو الوجه الذي يتمرأى في مرايا عشرات الشخصيات المحيطة به، أم كانوا هم يظهرون في مرآته، فتتصاعد وجوههم من أعماقها؟ من الوجه؟ ومن المرآة؟.
يعتمد جواد حسني على مادة سرابية، ويجهد نفسه في تركيب حكاية وليد مسعود منها، فهو يسقط في متاهة إغريقية تلتف طرقاتها، وتتقاطع ممراتها، ولا يستطيع ان يكمل الرواية التي تشكل موضوع عمله كراوية وباحث، وشأنه شأن "أنطوان روكنتان" في رواية "الغثيان" ل "سارتر" الذي يفني اجمل لحظات عمره في إعداد بحث عن حياة أحد السفراء البروسيين في البلاط الفرنسي، فإن الشك يداهمه في جدوى العمل الذي يقوم به وأهميته، وكما ان الموسيقى الزنجية قد أوقدت نار الشكوك لدى "روكنتان" في معنى عمله وقيمته، فإن موشحا أندلسيا بصوت فيروز يجعل جواد حسني يتساءل عن النتيجة التي سيفضي إليها بحث تتشعب موارده وتتداخل عن "رجل كان ثم مضى" كما تقول مريم الصفار إحدى أبرز شخصيات الرواية، وفيما يظهر في مطلع الرواية بمظهر الشخصية التوفيقية القادرة على "منع التناقضات من الاصطدام، بل وحتى في دمج التناقضات دون أذى لأحد، أو على الأقل للآخرين" فإنه يظل كمن يعيش خوف الحيرة ولذتها في آن واحد، فهو يرغب في إظهار قدرته الفائقة على اختراق الطبقات الصلبة المتراكمة من الوثائق حول الشخصية التي يكتب عنها: وليد مسعود".
تبدو العلاقة بين الراوي - الباحث والنادة السردية التي توافرت لديه، علاقة ذات طابع خاص، أصبحت تلك العلاقة قضية خاصة بالراوي نفسه، لأنه بدأ يشعر انه يغطس في خضم بحر هائج، يخيفه ولكنه يغريه، وبمقدار استغراقه فيه، فإن تشعباته تكاد تضلله، فكأنه يدور في حلقة مغلقة، في تلك المتاهة التي شقها وليد مسعود، وادخل جواد حسني بها، فهل كان وليد مسعود يخطط لذلك، وهو يتعهد جواد حسني برعايته منذ البداية، ليجعله قبل ان يكون استاذا جامعيا متخصصا بعلم الاجتماع، مريدا له؟ ثم ما ان يكمل دراسته إلا وتزداد علاقته به ترابطا، وهكذا فإن ادراج الراوي - الباحث في "مجتمع" وليد مسعود يمكنه من استكشاف العلاقات التي تربط افراد ذلك المجتمع، فوليد مسعود يعيش وسط نخبة من المثقفين والأكاديميين والأثرياء والفنانين والأدباء والنساء الجميلات الناريات اللواتي يتعلقن به، ويلاحقنه أينما كان بحثا عن الحيوية التي يتصف بها، وحينما يغيب فجأة يختل توازن ذلك العالم، وكأنه كان الصخرة التي يجلسون عليها، ويحتمون بها، فما ان تسقط إلا وهم غرقى في بحر لا قرار له. وتتفجر كل تلك الخفايا والأسرار إثر اختفاء وليد مسعود، فقد ظهر ليمنح الحياة لمجموعة تبدو انها خاملة ومجر
دة عن الفعل، ويتركها وهي تتخبط بلا صخرة تلوذ بها. وتقاطع المصائر، وتصادم الإرادات، والانهيارات الحاصلة في نمط العلاقات الذي يحكم ذلك العالم.
توافرت لجواد حسني مادة ثرية، يشتغل عليها جمعا وتصنيفا وتنقية ليعيد تركيب صورة وليد مسعود المهمشة في مرايا الآخرين، لكن تلك الصورة لم ولن تظهر أبدا، لأن الرواية اهتمت بتلك الصورة التي تكونت وبانت أطرافها في تلك المرايا في الماضي، والذي حصل ان كل شخصية - مرآة كانت بوساطة روايتها الخاصة تريد أن تظهر برفقة وليد مسعود من قعر تلك المرآة، فالشخصيات وهي تنهمك في روايتها، كانت مشغولة بوضعيتها الخاصة، فضلا عن وضعية وليد نفسه، ثمة تدافع لا يخفي في الاستئثار بالاهتمام بين من يروي ومن يروي عنه وحوله، ويتيح الإطار العام لعلاقة الراوي - الباحث بالمادة الحكائية التي ينخرط في جمعها وتنظيمها للشخصيات الأخرى ان تروي أيضا، وقد أضفى تعدد الرواة أهمية بالغة على بناء الرواية، فتعدد مستويات السرد، واختلاف المنظورات والحرية في اختيار لحظة البداية ولحظة النهاية، وعمليات الدمج المستمرة للمرويات في سياق يهدف إلى إضاءة الجوانب الغامضة من شخصية وليد مسعود، كل ذلك أغنى النص، وغذاه بحيوية وتموج كبيرين، ذلك ان انتهاك النسق التقليدي في البناء قد وفر إمكانية غير محدودة لعرض سلسلة من الرؤى والمواقف التي تؤدي وظيفتين: أولاهما مواقف خاصة بالشخصيا
ت ذاتها، وثانيتهما مواقف خاصة بوليد مسعود، واشتباك هاتين الوظيفتين وتداخلهما جعل الجميع يتمرأون في مراياهم ومرايا غيرهم في الوقت نفسه، فتبادل الأدوار، وتعدد الرواة، فضح العالم السري - بكل تنوعاته وخباياه وأسراره - لوليد مسعود، على الرغم من انه لم يفلح في تحديد مصيره، لأن غاية السرد الأساسية - كما أشرنا - هي البحث فيه وليس عنه. وهذا الأمر هو الذي جعل العلاقات السردية تهدف إلى إضاءة دواخل الشخصيات، ونوع روابطها، والمدارات التي تدور بها حول المركز الذي يستقطبها، وهو وليد مسعود نفسه، الذي ما ان اختفى إلا وخرجت الشخصيات عن مداراتها، وسقطت في هوة لا نهائية.
ينتهي جواد حسني إلى الإقرار بأنه إزاء عالم مملوء بالتناقضات، وان مهمته هي تصفية المواد المبعثرة والمتشابكة التي بحوزته عن وليد مسعود، والتي يمكن تصنيفها إلى عدة أقسام وهي:
1- أوراق وليد مسعود وكتاباته وذكرياته ووثائقه، وهي مادة شديدة الأهمية تروى غالبا - فيما يخص الذكريات - من وجهة نظر وليد نفسه، وتكشف منظوره الذاتي لنفسه وللعالم الذي يعيش فيه. ومن بين هذه الوثائق يظهر التسجيل الصوتي له باعتباره آخر ما انجزه، وهو يفجر قضايا كثيرة، ويلمح إلى أسرار غامضة، وهو حديث مكثف، غير مترابط، بسبب الانتقالات المفاجئة بين الأحداث دون مراعاة للترتيب الزمني، ويغطي بإشاراته ورموزه حياة وليد منذ الطفولة الأولى حتى اللحظة الأخيرة التي قام بتسجيل صوته فيها على الشريط.
2- وثائق يعثر عليها جواد حسني، أو معلومات يتوصل إليها، أو ذكريات تربطه بوليد مسعود، أو رسائل ومذكرات الشخصيات التي تتصل به، مثل: مقاطع من أحاديث صحافية، ومذكرات مريم الصفار، ونصوص كتبها هو عن علاقات وليد بغيره، "المزيج المر"، وغير ذلك.
3- منح الفرصة لمجموعة كبيرة من الشخصيات للأداء باعترافاتها، وعلاقاتها بوليد مسعود، وذلك من خلال اختيار زاوية النظر الخاصة بها، بحيث تنتقل مهمة الرواية إليها، فيغيب تماما جواد حسني، الذي يظهر أحيانا بوصفه شخصية ضمن الشخصيات الأخرى. وهذا القسم ينتزع له موقعا غاية في الأهمية لأنه يضىء الأسرار المطمورة لوليد ولتلك الشخصيات على حد سواء، فحيثما تظهر شخصية فإنما لتكشف عن سر ما، أو تصوغ موقفا، أو تحلل قضية.
وتكشف المرويات النسائية التي تقدمها: مريم الصفار، ووصال رؤوف، وجنان الثامر، ورباح كمال، وسوسن عبدالهادي، وغيرهن عن ضروب من العلاقات العاطفية بينهن ووليد. فيما تكشف المرويات الرجالية التي تتصل ب: جواد حسني، عامر عبدالحميد، وإبراهيم الحاج نوفل، وطارق رؤوف، وكاظم اسماعيل، وعيسى الناصر، ومروان وليد مسعود، وغيرهم عن جوانب متعددة من شخصية وليد مسعود: وليد طفلا، وليد مترهبا، وليد فدائيا، وليد كاتبا، وليد رجل أعمال، وليد مفكرا... الخ. والذي يلاحظ هو ان الرؤى والمنظورات تكشف عن أصحابها؛ فالميول الشبقية عند مريم الصفار تركز على فحولة وليد مسعود وقواه الجنسية، وميول طارق رؤوف النفسية تجعله ينظر إلى سلوك وليد من زاوية التحليل النفسي، وميول كل من جواد حسني وكاظم اسماعيل الاجتماعية تجعلهما يركزان الاهتمام على الجانب الاجتماعي في شخصية وليد، وبخاصة في سياق تحليل كتبه.
إن المنظورات واختلافاتها تظهر وليد مسعود متعددا تحت مجهر التحليل من جميع جوانبه. فهي في الوقت الذي تكشف فيه شخصية وليد فإنها كانت تستكشف ذاتها. وصورة وليد تتشكل دائماً عبر نسيج معقد التركيب تمثله رؤى الشخصيات ومواقفها الفكرية. فلا تظهر شفافيته وحكايته الذاتية - السيرية إلا وهي مندمجة في سياقات كثيرة ومتشابكة مرتبطة بالظروفف التاريخية التي عاش فيها، ثم التواشج متعدد الأبعاد الذي يحكم علاقته بالآخرين والأخريات. حقاً ان وليد مسعود والشخصيات المحيطة به تتبادل الأدوار السردية، فمرة يكون هو المرآة التي يجد المتلقي فيها شخصيات متزاحمة تريد الظهور بنزواتها ونزقها واطماعها وتطلعاتها وحساسيتها وشهواتها وأسرارها، ومرة أخرى تنضد الشخصيات كمرايا متعددة الأبعاد تكشف للمتلقي خفايا وليد مسعود وسيرته وأفكاره. وهكذا يكون راوية بنفسه لما يحدث له ولغيره، فتنبثق حكايته الذاتية عبر منظوره الشخصي، وبوساطة الاسلوب المباشر، لكنه سرعان ما يتوارى ويتيح للآخرين ان يرووا بأنفسهم، ومن زوايا نظر مختلفة ما وقع لهم وله صلة به. والتناوب في ممارسة الأدوار السردية يجعل الطرفين يتشكلان من خلال رؤى الآخر. وبعد أن يتم كل ذلك يظهر جواد حسني ليصوغ م
نه تلك المادة الحكائية، المادة التي يزعم أن وليد مسعود هو مركزها، لأن كل الشخصيات والعناصر تنشد وتنجذب إليه، فوليد مسعود هو موضوع بحث جواد حسني.
لا يمكن العثور على وليد مسعود لأنه تلاشى في الشخصيات التي ارتبطت به، فالبحث عنه هو بحث في الشخصيات التي ارتبطت به، ففي الأدب السردي لم يعد من الحكمة البحث عن ماهية الأشياء، إنما البحث في كيفياتها، ووليد مسعود كان مرآة طافت على سطحها وجهات نظر الشخصيات المرتبطة به.







