تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب باودولينو
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

باودولينو

3.7(٤ تقييم)١١ قارئ
عدد الصفحات
٦٠٨
سنة النشر
2002
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
١٬٨٩٩

عن الكتاب

إثر لقاء قد يوصف بأنه مأثرةٌ من مزاج إيكو الكتابي، يحظى باودولينو بعطف الإمبراطور فردريك بربروس، بعد أن يثير فضوله ويجعله ابناً له بالتبنّي. فتان خبيثٌ وحاذقٌ وكذابٌ اشر، عاشق لغات عشق الحرباء الألوان، يتنقّل باودولينو بين بلدان وأصقاع. أولاً، باريس حيث يحصّل العلمَ من دروس الأساتذة ومن ليالي القصف والمجون؛ ثم إيطاليا وألمانيا حيث يتنقّل بصحبة فردريك، بعد أن صار حافظ سرّه ومستشاره الأريب. غير أنه لا يكفّ عن الحلم، وعن التخريف، حتى يصنع ما يتخليه التاريخ. وعلى هذا النحو يزيّف الرسالة الأسطورية للراهب جان الذي لطالما قيل إنّ مملكته تقع في شرق ناء ويستحيل بلوغها، حيث يسود السحر والمخلوقات العجيبة. يقنع باودولينا الإمبراطور بالاشتراك في الحملة الصليبية الثالثة التي لن تكون سوى ذريعة لبلوغ مملكة الراهب جان ومنحه، أمارة ولاء، أثمن الذخائر المسيحية قاطبة. وعندئذ تتحول حكاية باودولينو إلى سلسلة من الروايات المشوّقة. إنها رحلة طويلة تتراوح بين الضحك والانفعال في غمرة الغمز الفلسفي أو التاريخي بين جموح الخيال والفكاهة. في هذه الرحلة إلى أقاصي الشرق، إلى أقاصي الأنوار، يستعيد أمبرتو إيكو كل مفاتيح الرواية الساحرة: قصة حبّ مع الأكثر غرابة من بنات حواء؛ مغامرات شطارية وسط المجازر وساحات القتال؛ أشبه بجدارية تاريخية تنعكس من خلالها كل النزاعات السياسية والحربية لعالم اليوم؛ ورواية بوليسية تدور حول جريمة ربما كانت هي الجريمة الكاملة؛ وسجّل من الثارات ومآثر الاستكار الألسني الضاحك.

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٩‏/٥‏/٢٠١٥
في روايته الأخيرة "باودولينو" ترجمة: بسام حجار ونجلا حمود، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2003 يقرر أُمبرتو إيكو أن يبدأ من النقطة التي انتهت فيها حياة البطل الفعلية وابتدأت حياته السردية. وباودولينو فتى ذكي تبناه الإمبراطور فردريك، ورضي أبوه الفعلي غالياودو بهذا التبني فقط ليرتاح من عبء فم مفتوح في بيته. أوفده فردريك إلى باريس بغية تحصيل العلم فيها، غير أن مخيلته السردية أملت عليه أن يعيش قصة حب وهمية مع زوجة الإمبراطور بياتريس، الشابة الخجولة. لكن حياة باودولينو الوهمية تبدأ في اللحظة التي يلتقي فيها نيستاس. وحين وصل باودولينو إلى القسطنطينية لم يكن يعرف نيستاس. لكنه وجد نفسه ينقذه من هجوم اللاتينيين ليروي له قصة حياته. في تلك اللحظة، كان الاثنان يمران بمأزق عصيب" باودولينو الواصل حديثاً من رحلته في جغرافيا الأوهام، ونيستاس الروماني من مأزق هجوم البرابرة. كان على باودولينو أن ينقذه من دون أن يعرفه، لأنه بحاجة إليه، بحاجة إلى من يستمع إلى حكاياته، ويعطي وجوده الوهمي قوة الواقعية السردية. بالنسبة إلى باودولينو، ليست الحياة سوى حكاية تروى، ولذلك فهو بحاجة إلى نيستاس، بحاجة إلى من يستمع الى حكاياته، ليشهد على كونه عاش. لقد ظل يصر دائماً على أن الحياة ليست سوى مجموعة أوهام، ما لم تكتمل بالسرد. وهو يعرف ذلك ويصرح به لنيستاس: "أوَ تدري يا سيدي نيستاس، أنه عندما تخبر عن شيء تكون قد تخيلته ثم يأتي الجميع ليقولوا صدقتَ، ينتهي بك الأمر أن تصدق أنت نفسك" ص42. بالنسبة الى باودولينو يكفي الإيمان بالشيء لوجوده، ويكفي سرده وتخيله دليلاً على وجوده فعلاً. في طفولته حلم بلقاء قديس قريته باودولينو، فآمن الناس جميعاً بمقابلته له. وحلم بوحيد القرن، فكان الناس يؤمنون بوجود وحيد القرن، لمجرد أن باودولينو أخبر عنه. سمع باودولينو باسم المجوس الإثني عشر للمرة الأولى من راهب كان يبكي بعد أن أصدر فردريك أمره بتخريب مدينة ميلانو. ومنذ ذلك الحين، صار يفكر في توطيد مجد الملك فردريك، أبيه بالتبني. في البداية اقترح عليه إخراج جثة شارلمان، وتطويبه قديساً، ليعلن هو فردريك أنه صار وريثه. أعجبت الفكرة فردريك، فنفذها. لكن ذلك لم يشبع نهم باودولينو لاختراع الأوهام. كان يريد عملاً استثنائياً لا مثيل له. من هنا تولدت لديه فكرة أن يعثر الإمبراطور على مملكة الراهب جان والمجوس الإثني عشر، ويهديه الغرادال أو الكأس المقدسة. وعند حصار الإسكندرية يلمح قصعة أبيه الفعلي، غالياودو، فيفكر بأن المقدس يصير مقدساً لأن الناس تؤمن بقداسته. هكذا يقرر تحويل قصعة أبيه إلى الغرادال المقدس، الذي سيهديه فردريك إلى الراهب جان، حين يسافر إليه في مقره في الشرق البعيد. أقنع باودولينو أباه بالتبني الإمبراطور فردريك بوجوب البحث عن مملكة الراهب جان. وفي الطريق يمرون بحصن أرضروني، فيعرض عليهم هذا بعض مخترعاته. وفي صباح اليوم التالي يجدون فردريك ممدداً على أرض الغرفة كمن فقد الحياة. كان فردريك أصر على السباحة في مياه النهر صباحاً على مرأى من جنوده ومسمعهم، فيقترح باودولينو إلقاءه في النهر للخلاص من تهمة التآمر على قتله، والزعم بأنه مات غريقاً. وتبدأ الشكوك تساور رفاق باودولينو بأن قاتله هو زوسيموس، ذلك الراهب العربيد، الذي سرق الغرادال هل لهذه الكلمة علاقة بكلمة جردل؟. يقرر الجيش العودة إلى بلاده، ويقرر باودولينو المضي في رحلته صوب مملكة الراهب جان. وبعد مغامرات خيالية في أرض الأسطورة، يتمكن باودولينو ورفاقه العشرة الذين اصطحبهم في رحلته من عبور السامبتيون، نهر الأحجار. وحينئذٍ فقط يجدون أنفسهم عند حدود بنداتزيم. في بنداتزيم تعيش مخلوقات مختلفة الأشكال" ذوو السيقان الواحدة، المخلوقات التي كلها آذان فقط، والذين عيونهم في بطونهم. وهناك يعيش الشماس جان، ابن الراهب جان الرمزي. لدى وصولهم إلى بنداتزيم، يخبرهم غافاغاي، ذو الساق الواحدة بأنهم منذ زمن بعيد ينتظرون قدوم المجوس الإثني عشر، لكنهم أحد عشر. فيردون بأن الثاني عشر سيأتي لاحقاً، وهم يفكرون بزوسيموس، الذي قتل فردريك وسرق الغرادال. كان لا بدَّ من الانتظار في بنداتزيم عدداً من السنين، من دون أن ينسى باودولينو ورفاقه اختلاس بعض الوقت لتبادل الحوار مع الشماس أو المغامرة باستطلاع الغابة المظلمة القريبة منها. وفي غضون ذلك يعلم أهل بنداتزيم أن الهون البيض يعدون العدة للهجوم عليهم. فيشرع باودولينو ورفاقه بتدريبهم على القتال. ولكن مع اندلاع المعركة الفعلية تنهار جميع الخطط التي أعدوها، ويباد أهل بنداتزيم عن بكرة أبيهم. كان سكان بنداتزيم بانتظار المجوس الإثني عشر لكي يكونوا علامة دالة في تاريخ مدينتهم. بدلاً من ذلك، لقد جاء المجوس ليكونوا شهداء على نهاية المدينة، وفقدان الدليل الذي يمكن أن يوصل إلى مملكة الراهب جان. في الغابة المظلمة وقبل مغادرة بنداتزيم، كان باودولينو التقى هيباسي، تلك الفتاة الرائعة الجمال، التي هربت بنات جنسها من مخلوقات الغابة، ليعشن في مجتمع نسوي ليس فيه رجال، منعزلات مع أفكارهن الصوفية الإشراقية. وليس من شك في أن هيباسي تذكر القارئ بهيباشيا، تلك الفيلسوفة اليونانية، كما تذكره بنات جنسها جميعهن بالأمزونيات اللواتي عشن في ليبيا القديمة كما تقول الأسطورة انظر على سبيل المثال الكتاب الرابع من تاريخ هيرودوت. ومع تكرار اللقاء بينهما يزداد ولع باودولينو بها. وفي غمرة ذلك الحب الصوفي، وإذ كان يرفع ثوبها عن ساقيها ليزرع فيها بذرة ابنه الذي لن يراه، يكتشف باودولينو أن الفتاة التي هام بها نصفها السفلي نصف شاة. حينئذٍ نستطيع أن نتذكر، نحن القراء، تلك المخلوقات السرية المزدوجة التي يتقاسمها جمال النساء في نصفها الأعلى وقبح الأسماك أو الشياه في نصفها الأسفل. بعد مغادرة بنداتزيم، تاه باودولينو ورفاقه في الصحارى عدداً من السنين. وفي ذات يوم، حين كانوا مقتنعين بأنهم وصلوا إلى نهاية رحلتهم، أطل عليهم رهط من الرجال مقبلين على خيولهم. كانوا يرتدون ملابس فاخرة، ويحملون أسلحة لامعة، ولهم جسم آدمي ورأس كلب. علق نيستاس الذي يستمع إلى حكايات باودولينو: "السينوسيفالوس، الكائنات الكلبية الرؤوس، هم حقيقة إذاً" ص532. عند حدود المناطق المحرمة، تنتشر الكائنات الهجينة العملاقة، التي تقف علامة على أرض لا يجوز المساس بها أو الاقتراب منها. هكذا اصطحبهم هؤلاء إلى قلعة علاء الدين وقتلته المأجورين، الذين كانوا يتعاطون العسل الأخضر. وبالتأكيد فإن الإشارة هنا إلى علاء الدين محتشمي، آخر زعماء الإسماعيلية في قلعة آلموت، لا إلى علاء الدين أبي الشامات في "ألف ليلة وليلة". وما كان باودولينو لينتبه إلى المفارقة الزمنية التي تجعل من فردريك معاصراً لصلاح الدين الأيوبي وعلاء الدين محتشمي في وقت واحد. وعلى رغم أن باودولينو لم يسمِّ القلعة باسم، فإننا نستطيع أن نعرف أنها قلعة "آلموت"، التي تعني بالفارسية عش العقاب. غير أن باودولينو لم يشأ لها أن تكون عش عقبان، بل أراد أن تكون عش رخ. فقد كانت القلعة موطناً لعدد من طيور الرخ، التي عني بتدريبها علاء الدين. ومثلما فعل السندباد البحري في رحلته الثانية، في "ألف ليلة وليلة" 4/9، طبعة دار صادر، 1999، ربط باودولينو ومن تبقى من أصدقائه أنفسهم بطيور الرخ، لتحلق بهم عالياً حتى مشارف القسطنطينية. إذ كان لا بدَّ من وسيلة سردية مناسبة للعبور من هذا الزمن الأسطوري نحو أرض التاريخ. ها قد أخفقت أوهام باودولينو في الوصول إلى أرض الراهب جان. غير أن المفاجأة الكبرى التي كانت بانتظاره هي أن أوهامه شاءت لنفسها ما تريد، لا ما يريد. زوسيموس لم يسرق الغرادال، بل حمله هو باودولينو معه طوال رحلته وعاد به من دون أن يعلم بوجوده بين متاعه. وبعد أن تقاتل أصدقاؤه في ما بينهم، عرف باودولينو أن أحداً منهم لم يقتل الإمبراطور فردريك، أباه، بل إن قاتله الحقيقي هو نفسه، من دون أن يعلم. بعد عودته من رحلته الأسطورية، أدرك باودولينو أن فردريك لم يمت قتيلاً كما ظل يتخيل طوال سنوات مديدة، بل كان فاقداً للوعي فحسب، بسبب الدخان المتصاعد من خشب الموقد. لقد أراد باودولينو تمجيد أبيه، لكنه تسبب في موته من حيث لم يحتسب. وتكفيراً عن أكبر جرم في التاريخ، يعتزل باودولينو بين أعمدة الهيكل في القسطنطينية. وهناك يتحول إلى شخص مبارك يلقي بالنبوءات على مسامع طالبيها. بعد سنوات من العزلة يهاجمه راهب، شعر بالحسد منه. فيقرر باودولينو الرحيل مرة أخرى إلى أرض الراهب جان. يذكره نيستاس بأنه أخبره أنها غير موجودة، فيردّ عليه بأنه قال إنهم لم يعثروا عليها، لا إنها غير موجودة. مدركاً أن الغرادال ومملكة الراهب جان شيئان تكمن قيمتهما في البحث الأبدي عنهما بلا طائل، يتجه باودولينو باحثاً عما يعرف تماماً أنه لا وجود له إلا في السرد. في عروق باودولينو تجرى دماء شهرزادية. ليس فقط لأنه بحاجة إلى نيستاس، الذي ظل باستماعه إلى حكاياته الشاهد الفعلي الوحيد على وجوده، بل أيضاً لأنه برواية الحكايات كان يريد أن يعيش حياته الحقيقية، لأن الحياة في رأيه ليست سوى حكاية تروى. ولا تروى الحكايات ما لم يكن هناك من يسمعها، مثل نيستاس.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٩‏/٥‏/٢٠١٥
بعد عشرين عامًا من صدور رواية اسم الوردة، التي فتحتْ أمامه آفاق الرواية ووسَّعتْ له الدربَ ليكون حاضرًا في خارطة هذا الفن الإبداعي، يعود أومبرتو إيكو، مع روايته الجديدة، إلى العصر الوسيط، الذي يجد فيه كامل أناقته الأسلوبية وبهائه الحكائي كلِّه. صحيح أن الروائي وعالِم الألسنيات والمثقف الموسوعي لم يتوقَّف عن كتابة الرواية خلال هذه السنين الماضية، بيد أن كتابات من مثل بندول فوكو وجزيرة اليوم السابق لم تكن على هذا القدر من البريق التي امتازت به الرواية الأولى. فمع روايته الرابعة، باودولينو، الصادرة حديثًا عن "المركز الثقافي العربي" في ترجمة عربية جميلة، يوقِّعها كلٌّ من نجلا حمود وبسام حجار، نعود لنجد كلَّ هذا الفنِّ المتكامل والمتمكِّن الذي كان وراء هذا الألق الذي نصب هالته فوق رأس أحد آخر "الموسوعيين" المتحدِّرين من صُلب عصر الأنوار الأوروبي.  فإذا كانت رواية اسم الوردة وجدت ضالتها في الذهاب إلى عمق "جذور اللاهوت الغربي والفلسفة الدينية" (يُذكَر أن أطروحة دكتوراه إيكو تدور على القديس أوغسطينوس)، نجد أن روايته الرابعة هي محاولة في فهم وتفسير كيفية "تشكُّل الصيغة العلمانية لهذه المعرفة البشرية": ما من تَعارُض بين فكرتي الروايتين، مثلما قد يتبدَّى للوهلة الأولى؛ بل لنقل إن تاريخ الفكر الغربي الديني أساسًا نجح في تخطِّي هذه الإشكالية، ليقيم حدًّا فاصلاً بين المجتمع والدين. وبالأحرى، ما سمح له بذلك هو الدينُ نفسه، لأن المسيحية ليست لـ"هذا العالم الآني".  أضِفْ إلى ذلك كلِّه، يجد القارئ في هذه الرواية جميع البهارات التي لعبت الدور الكبير في توكيد نجاح الرواية الأولى وتوطينها: الميل إلى المفارقات التناقُضية، لعبة الألغاز الغامضة، الجنوح إلى المعارضات القريبة من النوع البوليسي، التبحُّر في المعرفة المشوبة بالفكاهة، من دون أن ننسى بالطبع ذلك الانتفاخ الحكائي الذي يقوده إيكو إلى أقصاه. إلا أن المناخ الخانق، الميتافيزيقي، العائد إلى دوران الأحداث في مكان واحد (الدير) في اسم الوردة، يُخْلِي مكانه هنا إلى قصة سَرْدِ رحلةٍ وسَفَرٍ يحملاننا إلى تخوم العالم المعروف: حروب، حملات صليبية، البحث عن الـ"غرال الأقدس" (أو الـ"غرادال"، الكأس التي كرَّس فيها المسيح الخمر خلال العشاء الأخير والتي بها أيضًا تلقَّف يوسف الرامة الدمَ الذي سال من جنب المصلوب عندما طعنه بالحربة الجندي الروماني)، كما والبحث عن جمجمة يوحنا المعمدان وملوك المجوس – بعثات من جميع الأنواع: من هنا نجد أن حياة باودولينو تتبعثر على انقلابات مدهشة الواحدة أكثر من الأخرى، وذلك لأن هذا الشخص الماهر ليس سوى "كاذب" لبق وصاحب "وحي". إن ميله إلى "الأسطورة" أو إلى الحكاية جَلَبَ له صداقة فردريك بارباروسا ("اللحية الحمراء")، الذي سحرتْه موهبتُه الظاهرة للعيان، فعامَلَه الإمبراطورُ كابن له، وجعله مستشاره الخاص، في السراء والضراء. عالم أليم  ليس باودولينو سوى "حرباء" حقيقية، تغيِّر جلدها وفقًا لمحيطها. إن "إبداعاته" (أو لنقل أكاذيبه) تنجح في النهاية في تغيير مجرى التاريخ حتى. فحين لم يكن (باودولينو) فريسة إغواءات هذا العالم كان يقضي وقته في تخيُّل عوالم أخرى: إذ ما من شيء أفضل من تخيُّل عوالم جديدة كي ننسى كم أن العالم الذي نعيش فيه عالم أليم! هذا، على الأقل، ما كان يظنه باودولينو؛ إذ لم يكن قد فهم بعدُ أنه، في تخيُّله لعوالم جديدة، سينتهي به المطاف إلى تغيير العالم الراهن الذي يعيش فيه. إزاء ذلك، كان يتراءى وكأنه محكوم بالتلفُّظ دومًا بالأكاذيب؛ وفي كلِّ مرة كان ينجح فيها بالشغف بشيء حقيقي كان يعاقبه القَدَر: المرة الوحيدة، في حياته، التي قال فيها الحقيقة كاملة من دون أية إضافات تعرَّض للرجم! ومثله كمثل كلِّ الكاذبين، انتهى به الأمر لأن يصدِّق أكاذيبه! فمشكلة حياته الكبرى كانت في أنه كان يخلط بين الذي يراه وبين الذي يتمنَّى أن يراه. يروي باودولينو مغامراته لمؤرِّخ بيزنطي (نيستاس خونياتيس) كان أنقذه من بين فكَّي الموت. وتعبيرًا عن امتنانه، يَعِدُه هذا الأخير بأن يعلِّمه كيف يكتب "ملحمته" بأسلوب جديد؛ إذ من شذرات الأحداث التي تصله سيستلُّ قصة منسوجة بتدابير إلهية. يقول له المؤرِّخ إنه، عبر إنقاذه لحياته، مَنَحَه الزمن القليل المتبقِّي له، بينما، في مقابل ذلك، سيُظهِر له شكره عبر إعادة تركيب ماضيه الذي فقده.  وعلى الرغم من أهمية هذا المشروع، يحذِّره حكيمٌ عجوز بأن لا يعتبر نفسه المؤرِّخ الوحيد في هذا العالم: فعاجلاً أم آجلاً، سيأتي شخص آخر، أكذب من باودولينو، يستطيع روايتها. وقد لا يكون هذا الكاذب "الإلهي" سوى أومبرتو إيكو نفسه الذي يُلقي، هاهنا، إلى قرائه بنظرة ساخرة. ففي الواقع، من الصعب جدًّا ألا نرى في رواية باودولينو هذه السيرة الذاتية المقنَّعة. فباودولينو ولد، كما الكاتب الإيطالي، في منطقة البييمونت. بل أكثر من ذلك: نجد الشخصية الرئيسية تشهد ولادة مدينة ألكسندريا – وهي مسقط رأس عالم السيميولوجيا. وقد كانت لهجة المنطقة حاضرة بقوة في النصِّ الأصلي.  على مرِّ النص، يعود القارئ ليجد اهتمامات إيكو كلَّها، بدءًا من تساؤلاته حول لغة آدم. كذلك لا يهمل الكاتب أبدًا عشاق القرون الوسطى (وبخاصة القرن الثاني عشر)؛ إذ نجده يعرض لأساطير تلك الحقبة المدهشة كلِّها، من مغامرة البحث عن الـ"غرال" الشهيرة حتى "السلطة" المنسية للراهب الخوري جان الغامض. وقد تكون أكثر القصص إدهاشًا هي تلك التي جرت مع هيباشيا، حب باودولينو الأخير. أما فيما يتعلق بالحبكة البوليسية، فالكاتب لا يقترب منها بصفتها هذه إلا في رمقها الأخير (مما قد يخيِّب أمل بعض القراء؛ وهذا ما حصل مع بعض الإيطاليين، على ما تناهى إلينا من أصداء وقت صدورها بلغتها الأصلية). ومع ذلك، يبرهن الكاتب على مقدرته هذه في الفصول الأخيرة، التي تبدو على جانب كبير من البراعة الجديرة بـاسم الوردة.  عند نهاية مغامراتهم، تكتشف شخوص أومبرتو إيكو بأنه يجب عدم امتلاك هذه الكأس، بل أن نُبقي شعلة البحث عنها متوهجة. المهم، في نهاية الأمر، هو "الحلم"، وليس الشيء نفسه؛ المهم هو المتخيَّل، وليس الواقع. قصة باودولينو كلُّها لم تكن لتبقى لولا الكلمة – وهذه الكلمة كانت أجمل الأحلام! إنها تحية قصوى ومؤثرة لهذا "الكاذب"، المغالي في كذبه، الذي هو عليه كلُّ كاتب.  هذا الميثاق ما بين الكاتب والقارئ، نظَّر له أومبرتو إيكو تنظيرًا لامعًا ورائعًا في كتابه الموسوم القارئ في الحكاية، حين قال إن على القارئ أن يتكهَّن بما هو مُضمَر، بينما على الكاتب أن يثقِّف وهو يسلِّي. يدفع أومبرتو إيكو، في باودولينو، هذا الفنَّ "الرهيف" للإغواء (الأدبي) إلى ذروته: فالصفحات الخمسون الأخيرة من الرواية تبدو على قدر كبير من السحر والمتعة، حتى إنها تحمل سِمَة هذا الروائي العبقري.  مرَّة جديدة، يبرهن إيكو عن تبحُّره المعرفي الضخم. غير أن فرادة هذا العمل الممتلئ بالشغف تنبني وفق المثال الحكائي العائد لمسرحية أوديب ملكًا لسوفوكليس (التي يعتبرها إيكو أول رواية بوليسية في تاريخ الأدب)؛ لكنه هاهنا يشدِّد على أن نجد فيها سائر الأساطير الكبرى التي سحرت مخيِّلة العصر الوسيط. في تشديده هذا، يقدِّم لنا إيكو مديحًا رائعًا للمتخيَّل، الذي ليس سوى محرِّك لهذه اليوتوبيا ولهذه "الأكاذيب" التي تحرِّك العالم، بقدر ما تأتي، في الوقت عينه، لتقلب "القصة الرسمية".  فهل نحن أمام حيلة جديدة من حيل الكاتب الرائعة؟ فكما أن قصة الكأس الأقدس كَتَبَها رجلٌ مجهول يدعى روبير دُهْ بورون، يكتب إيكو هذا الشهير قصة عصر مجهول، لم ينوجد إلا عبر ما تبقَّى من أساطيره – بالأحرى عبر "أكاذيبه" هو.  فالمتخيَّل، هاهنا، هو الواقع بامتياز!