تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب موت صغير
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

موت صغير

3.8(٤ تقييم)١٠ قارئ
عدد الصفحات
٥٩٢
ISBN
9786144259276
المطالعات
٣٬٥٥٦

عن الكتاب

منذ أوجدني الله في مرسيّة حتى توفاني في دمشق وأنا في سفرٍ لا ينقطع. رأيت بلاداً ولقيت أناساً وصحبت أولياء وعشت تحت حكم الموحدين والأيوبيين والعباسيين والسلاجقة في طريقٍ قدّره الله لي قبل خلقي. من يولد في مدينة محاصرة تولد معه رغبة جامحة في الانطلاق خارج الأسوار. المؤمن في سفرٍ دائم. والوجود كله سفرٌ في سفر. من ترك السفر سكن، ومن سكن عاد إلى العدم.

عن المؤلف

محمد حسن علوان
محمد حسن علوان

محمد حسن علوان، روائي وشاعر وقاص وكاتب صحفي سعودي. ولد في الرياض، المملكة العربية السعودية، في 27 أغسطس 1979م. افتتح موقعه الإلكتروني الأدبي في العام 1999. صدرت روايته الأولى، سقف الكفاية، عن دار الفا

اقتباسات من الكتاب

“لكل قلب طريقة محددة في التفجع لا يجوز أن ينسخها من قلب آخر”

1 / 6

يقرأ أيضاً

غلاف صوفيا

صوفيا

محمد حسن علوان

غلاف القندس

القندس

محمد حسن علوان

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

غلاف الخيميائي

الخيميائي

باولو كويلو

المراجعات (٥)

A-Ile Self-hallucination
A-Ile Self-hallucination
١٣‏/٤‏/٢٠٢٢
إنّ التديّن المعاصر عندما يُريد الخروج من بوتقة الواقع المحيط به، باحثاً عن قيمة أخلاقية وإنسانية أسمى، كي يُذلّل الشعور بالانغماس في تفاهات الاستهلاك الروحي والمادي، ويرحل بعيداً عن حالة الانصهار في حداثة العالم وسرعته القائمة، وخاصة في الوعي المشرقي المثقّف، فإنه ينحو بالخيال تجاه التاريخ الذي ما زال يربط واقعنا المعاصر إلى اليوم، دون أن نجرؤ على القيام بصناعة قطيعة معرفية معه× باعتباره كمُدرَك جمعي، هو الركيزة الحتمية لإنقاذ الذات من هياجها العمّلي والعقلاني. وبطريقة ما، يمكن القول بأنّ هذه الآلية الناجية من براثن الواقع، تنتمي ثقافياً لِمنطق استشراقي بحْت، ويُشابه في جوهره الرؤية الاستشراقية الغربيّة ومِخيالها الذاتي حول عناصر الولع الشرقي المادي والروحي، مع فارق أنّ نظرة الواقع المعاصر شرقياً للتاريخ الإسلامي هو من جنس الفعل الروحي وليس غريباً عنه. إنه يضع التاريخ داخل منظور الغرابة عن الذات المعاصرة، ويُشعِل جذوة الإيمان والانتماء الهادئ لكينونة الإله باعتباره جزءً من ثقافة التاريخ، ويعتمد نفسه حالماً للرحيل إلى معالم تلك اللحظة العظيمة التي يتحدد من خلالها الإنسان بإدراكه التاريخي، ويستقدِم شخوصه بما يناسب حالميّته إزاء نفسه باحثاً عن السكينة الروحية باعتبار السكينة هي جزء من عمق الإيمان، أو هذا على الأقل ما يراه المعاصرون تجاه التاريخ لأنهم يريدون الخلاص من هوس الواقع المعاصر وبؤسِه. إنها تماماً روح الاستشراق تجاه الذات القائمة، فيصبح التاريخ وشخوصه، العالم الذي يحقق لنا طمأنينة الروحانية الخالدة وأخلاقياتها الطوعيّة وجمالياتها العاطفية والجنسية، وهذا ببساطة ما يعانيه الوعي المشرقي عموماً، إنه يفتقد للعناصر الحيوية بيولوجياً وعاطفياً تحريرياً، فتصبح فكرة الانضواء للتاريخ باعتباره قيمة السكينة والجمال هي الهدف الأسمى للإنسان المعاصر بوعيه المُحطّم. ما قيل ببساطة يُطبّق حرفياً على رواية محمد حسن علوان “موت صغير” التي تحدّث فيها عن الشيخ محي الدين بن عربي، الصوفي الغنيّ عن التعريف. عندما قرأت الرواية شعرت بروح السرد المُنِيفي، وهذا بتصوري ليس عيباً في تناقل آليات السرد من كاتب لآخر، لكن أن تكون الرواية بأسرها عالقة ضمن شكل سردي لحكاية تنتقل مكانياً وزمانياً دون تأثّر وتأثير واضح، وهي في الأصل تحتاج ما هو أكثر، فهذا قد أوقع الرواية في مطب قاتل. ما احتاجَه النص هو إعادة بناء ابن عربي بما يناسب الصورة الضرورية والنقدية لواقع ابن عربي التاريخي وليس التخيّل المُفتعَل لإنْشاء ذائقة تناسب الناقص في الروح المعاصرة لدى القارئ، وبِتصوري إعلاء شأن الرواية باعتبارها قيمة فنيّة نابع في الأصل من النقص الحاد في الروح المشرقية المعاصرة، الذي ذكرناه آنفاً، من البحث عن النقص البيولوجي والتحرري العاطفي. إنها النظرة الاستشراقية للتاريخ التي يحتاجها القارئ الشغوف لنُظُم روحيّة لم تعد متوفّرة حالياً؛ وهذا نوع من التهتّك المعرفي الذي لعِبَ عليه علوان ببساطة في خيال القرّاء وحتى النقّاد، حتى وإن كان بشكل غير مقصود من قِبلِه. لقد مزّق صورة التاريخ الفعلي لإنشاء منظومة تناسب ما يحتاجه الواقع في ترحيل وعي جمعي كامل، باحث عن الطمأنينة الروحيّة، ولو كانت بشكل مخادع، وقد نجح علوان في تقديم الصورة المغايرة التي يبحث عنها القارئ لإرواء عطشه من جفاف العصر ووهميّة انفتاحه. أعتقد أنّ لغة علوان جميلة وحققت حالة إمتاعية جيدة، وتناسب وعي الفترة التاريخية التي تجري فيها الأحداث، لكن هذا كل شيء في جانب واحد، لأنه في المقابل تعامل مع منظور إحالة الجانب السياسي للتاريخ بإطاره العام ليرسم معالم سيرة مُتخيَّلة لابن عربي، حيث حققت بعض الشروط الضرورية للمتعة مع اللغة، وهي التفاعل بين الشخوص والنظام الاجتماعي، وهذا كان في البدايات فقط، لأنه بعد ذلك بدأت تسير الأمور داخل حالة من التيه الجغرافي المتنقّل لشخصية ابن عربي، وهذا ما لم أفهمه جيداً، بغض النظر عن حقيقة هذا التنقّل، لأنه تنقّل لم يحمل معالم استثنائية لتركيب الشخصية وتطورها في كل فترة زمنية وجغرافية. لقد شعرت عميقاً وبحق بروح منيف وأنا اقرأ هذا النص، وحتى آلية الرسم المكاني وتفاعلاته المتحركة على الورق هو أشبه بالسرد المُنيفي الخاص، لكن علوان بقي جامداً كلياً رغم ما توحيه وهميّة التفاعل القائم بين الجغرافيا وارتباطها السياسي واجتماعيات ابن عربي وتفقّهه، والتي برأيي في جزء كبير منها ظهرت كفتقهيّات حمقاء وخاصة أنّ علوان أراده وليّاً منذ البداية، وكأنّ فكرة الوليّ هي شيء إيجابي في التاريخ الديني!.. وأعتقد أنّ هذه نقطة مجحفة في حق ابن عربي ويجب إعادة قراءة كل ما كُتب في حق ابن عربي داخل الرواية. كل شيء كان ثورياً منذ البداية، منذ لحظة الخلق الأولى، وعلوان يوحي لنا بأنّ من سنقرأه في الصفحات هو كيان استثنائي لأنه مقّدر له أن يكون استثنائياً بالتصوّر الإلهي نفسه وليس لأنّ التجربة هي من فعلت ذلك. لقد أرادنا علوان منذ البداية أن نسلّم بقدرية الوعي الإلهي في كائن بعينه، وهذا نوع من الوعي المعاصر الأشبه بتحطيم كل مقدّّرات البحث عن الخلاص من التجهيل المُتعمّد الذي يمارسه الكثير كأنماط ميتافيزيقية للأحداث الكبرى. مشكلتي مع علون هو فرض ميتافيزيقيا الشخصية على القارئ منذ البداية وكأنّ التفاعل الإيجابي معها يجب أن يكون من امتدادها التاريخي المسبق للوعي الجمعي الشرقي وليس ما يجب صناعته من خلال السرد وتفاعلاته. شخصية متمردة على الواقع منذ أن كان رضيعاً، ويجب علينا من منظور الكاتب أن نتعامل مع هذه الرؤية الديماغوجية المعرفية باعتبارها ثقافة شائعة حول واحد من المتصوّفة، على أنها أمر مُسلّم به، بغض النظر عن المُتخيَّل في شخصية ابن عربي وما كان يجري من سلوكيات له في الرواية. ثم هناك مسألة أعتقد قد تم إغفالها وهي التعيّش لابن عربي، وهو لا يعمل ولا يملك سوى قوت قلبه الإيماني. إلى أي مدى يمكن عمل بهذه الضخامة، وسردية تاريخية من بداية الحياة إلى نهايتها لشخصية معينة، ألا يتم على الأقل ذِكر موقف بسيط لشرح طبيعته الاجتماعية كسلوك إنتاجي وليس معرفي! في النتيجة نحن نتعامل مع شخصية وواقع نصوصي أدبياً يُفترض أن يكون تفاعلياً بالنسبة للقارئ، مع ذلك لا شيء واضح أو مفهوم سوى سرد في محاولة لإنشاء عمل ضخم حتى لو كان على حساب أي صورة واضحة في تكوين الشخوص وتأثيراتهم وتفاعلهم؛ ما عدا حالة من إظهار ابن عربي بأنه متمرّد على واقع في جوانب فقط، وهذا ما حاول علوان إظهاره دائماً كي يوحي لنا بإيمان ابن عربي وصوفيّته الرائعة وفلسفته التي لم نرها إطلاقاً في صفحات الرواية، لكنه في العمق نراه يمارس كل سلوكيات الواقع القائم في ذلك الزمن ولا يشعر إطلاقاً بأنه يرسّخ منتجاته الذهنية والمعرفية وكأننا يجب أن نمتلك كل مقومات الاحترام لشخصه، ببساطة ابن عربي يمتلك العبيد. لن أزيد أكثر في حديثي عن هذا العمل، الذي بتصوري أساء لشخصية ابن عربي، وأشعرني بالتقزز المضاعف من آلية الوعي العربي المثقف والمعاصر في تناوله لطرق ملتوية لإنشاء معايير ثقافية تتفّه العقلانية والنقد والارتقاء والتفكير بالآخر، بغض النظر عن طريقة نظرتي للمتصوفة وتاريخهم السياسي والمعرفي والديني واتفاقي أو عدم اتفاقي معهم. مشكلتي مع نص علوان هو في محاولة إنشاء صورة خاصة به تناسب وعي الأدب القائم مثل كل الأدبيات الأخرى. ليس كافياً أن نمتلك تقنية سرد وبعض رغبات لإنشاء معايير تاريخية تناسب ذائقة معاصرة جافة، وتقبّلها في بعض المؤسسات المسيّسة ثم نقول عنها أنها تناهض الأنماط التقليدية وتتجاوز المألوف، لأنها ببساطة ترسّخ لكل ما هو مألوف وتُعيد إنتاج المكرّر التاريخي بطريقة ساذجة إزاء العقل الباحث عن حرية خارج تقاليد النمط المميت في واقعنا المعاصر. موت صغير عمل مسلّي، لكنه يقوم بدور إعطاء الحرية الوهميّة للروح المتعطّشة بإنقاذ نفسها من كل ما هو سيئ في عالمنا؛ إنه ترسيخ ساذج لِمَ قيل لنا من فقهاء الظلام عبر التاريخ الديني، إنه عمل يقوم باستشراق الشرق لنفسه.
ح
حسين قاطرجي
٢‏/١‏/٢٠٢٢
في الحياة موتٌ لكنه لاينقل المرء من الدنيا إلى الآخرة، بل يثب بروحه إلى السماء، يُشعره وكأنّه وليٌّ من أصفياء الله، يشرح صدره بالعرفانيات، ويغسل شوائب نفسه بالكشوف حتى تصير روحه صافيةً كاللآلئ الكريمة المكنونة في الأصداف..هو الحبّ الإلهي أو (موتٌ صغير) كما يسميه المتصوّفة. والعاشق كالمصباح المنطفئ، فإن كان حبّه إلهيّاً فإنّه يضيء بلا زيت، وشرارة النار منه لا تحرق القلب بل تحييه، فإذا استحكم هذا الحبّ في حواشي النفس؛ خرج منها شعاعاً صافياً من المواجيد والفتوح تدفع عن صاحبها النسيان فيذكره الناس والتاريخ وأحوال المحبين.. كالشيخ الأكبر (محيي الدين بن عربي) الذي تتناول هذه الرواية سيرته وحكاية أسفاره. ولقد قرأت من الرواية فصلاً؛ فوجدتُ أنّ الكاتب سلك مذهباً في اللغة يعجبني، وجعل يذكر خوانق المتصوّفة وزواياهم كمن كتبها وهو يخالطهم في مجالس ذكرهم، وما أوسع معرفتي بهذه المجالس، فآثرت قراءتها في وقت السّحر عندما يمشي الوقت ببطءٍ وتتقلّبُ النّفس في لذةٍ روحية لا تشاكلها ساعات النهار؛ فأنهيتها في أيامٍ وقد تسلل سحرها إليّ رويداً حتى ظننتُ أنّها ستزيح رواياتٍ عظيمة كنتُ أصنّفها في مرتبة من أجمل ما قرأت، وقد اتفق عندي خلال قراءتها السّرور والحبّ والجمال، وذهلتُ بها عن غيرها من الروايات حتى إذا ما أنهيتها حفظتها في قلبي ومكتبتي وهرعت إلى أوراقي أكتب لكم حولها النقاط الآتية: استهلّ الكاتب روايته مع الطفل الفطن (محيي الدين) الذي أبق عن سلطة أبيه ورفض أن يكون نسخةً عنه ككاتبٍ في بلاط الملك (ابن مردنيش)، وابتداءً من ولادة (محيي الدين) في مرسية ووفاته في دمشق بعد خمسةٍ وسبعين عاماً يقص لنا الكاتب رحلة (ابن عربي) في الحب والكشف والتأمّل ويعرّفنا به صبيّاً، وشابّاً عاشقاً، وزوجاً وأباً، وشيخاً منزوياً عن النّاس معتكفاً في المقابر. في رحلة (ابن عربي) من الأندلس إلى دمشق يطوف بنا الكاتب أصقاعاً ومدناً عدّة، فالرحلة هنا رحلة تصوّفٍ واستكشافٍ معاً، نمرّ خلالها بفاس ومراكش وتلمسان والقاهرة ومكة ودمشق، ثم مصر من جديد وبغداد، ليحطّ به المقام أخيراً في دمشق التي تنتهي عندها رحلته الروحانية الثرية التي نتعرّف من خلالها على دولٍ وخلافاتٍ متحالفة ومتناحرة وموقفها جميعاً من الحركة الصوفية ومشايخها، دون أن يطغى التاريخ والسياسة على الأدب وجماليته وشاعريته. يلتقي (ابن عربي) في رحلته العرفانية بأعلام التصوّف في زمانه كالسُبتي وزاهر الأصفهاني والكومي والغوث والسهروردي، ويعلق الكاتب قرّاءه وجدانيّاً بأصدقاء (ابن عربي) كالحريري والخياط، وزوجاته مريم وفاطمة وصفية، وخدّامه سلوم وسودكين وبدر الحبشي، وأولاده كعماد الدين وزينب، ومعشوقته (نظام) التي حجزه عن الزواج بها أنها وتده الثالث، وقد أتقن الكاتب رسم ملامح شخصياتهم وجعلها متفاعلة مع الحدث لكنها غير مُحدثةٍ له، مع بقاء شخصية (ابن عربي) مستأثرةً بالمساحة الأوفى من حركة السرد. لعبت مرضعته ومربّيته (فاطمة بنت المثنّى) دوراً جوهرياً في سيرة (ابن عربي) رغم قلة ما يذكرها الرواي، فهي أوّل من تنبّأ بنزعته الفطرية إلى التصوّف، وميله إلى التأمّل، وابتعاده عن مسالك أبيه في محاباة السلاطين والوقوف عند أبوابهم، وهي أوّل من أمرته بأن يطهّر قلبه وأن يضرب في الأرض باحثاً عن أوتاده الأربعة ليتمّ له بملاقاتهم طهور القلب وصفاء الروح استعداداً للواردات الإلهيّة والتنزّلات الروحانية التي يومي إليها بقصائده وأشعاره. لم يغفل الكاتب عن إلقاء الضوء على الوقائع التاريخيّة والسمات السياسيّة التي اعتملت في المدن التي عاش بها (محيي الدين ابن عربي) منذ طفولته وحتى موته في دمشق، فيكشف لنا الكاتب كيف انتهى صراع الموحّدين مع المرابطين، وانتصار الموحّدين وحكمهم الأندلس، وما نشب بعد ذلك من تغيراتٍ في حياة الناس ومعاشهم، ثمّ يبذل الكاتب جهداً واضحاً ليضع قرّاءه على واقع المجتمعات التي نزل بها (الشيخ الأكبر) دارساً ومدرّساً، ورسم لنا نسيجها الثقافي والاجتماعي بدقةٍ تخلق عند القارئ وعياً بتاريخ المنطقة وزمانها. في خطٍّ موازٍ لمسار الرواية، يحكي الكاتب قصة رحلةٍ من نوعٍ آخر، حيث يقتفي أثر مخطوطةٍ لابن عربي ويروي لنا كيف تناقلتها الأيدي من أذربيجان عام 1212م مروراً بحلب ودمشق والكرك وسمرقند وأماسيا واستانبول، ثم دمشق من جديد لتصل إلى حماة في ثمانينيّات القرن الماضي حيث تنجو المخطوطة من اضطراباتٍ اجتماعيةٍ وعسكرية كانت تغوص بها البلاد آنذاك، لتحط رحالها أخيراً في بيروت عام 2012، حيث تشتريها امرأةٌ عارفةٌ بقيمتها من لاجئٍ سوريٍّ ينشد السلامة والرزق. لا أعتبر الرواية وثيقةً تاريخيةً عن حياة (ابن عربي) لأنّ المُتخيّل فيها يطغى على الحقيقة، أو أنّ الكاتب أحصى المادة التاريخية المكتوبة وفكّكها ثم أعاد تركيبها روائياً، أمّا إذا كان الهدف من الرواية -غير المتعة والتشويق- أن تكون صلة وصلٍ للقارئ مع زمانٍ ولّى ليلتذّ بروحانياته ورشاقة لغته ويتعرّف إلى مقوّمات حياته الإجتماعية والسياسية والدينية فإنّ الرواية وصلت بذلك إلى غايتها وحقّقت مُرادها. تُعلي الرواية من شأن الحركات الصوفية واتباعها، وتنتصر دوماً لعاطفة الحب، وقد آنستُ عند الكاتب رغبةً بالقول أنّ (ابن عربي) حاول انتاج مجتمعٍ جديدٍ معافى روحيّاً، فإن لم يستطع أن يفعل ذلك بيده فقد فعله بقلبه ومداد قلمه من خلال آثاره الباقية إلى يومنا كفصوص الحِكم، وترجمان الأشواق والفتوحات المكية. في لغة الرواية روحٌ تتنفّس لم أجدها في كثيرٍ من النّتاج الروائي الحديث، حيث استخدم الكاتب لغةً تتناغم والجو الصوفي للرواية، وسيواجه القارئ مصطلحاتٍ خاصةً بالتصوّف وكشوف العارفين، كالحضرة والحال والجذبة والفناء، لكنّه لايوغل في استخدامها بحيث لايفهم أبعادها إلا المتبحّر، ويحرص الكاتب على تحييد شطحات (ابن عربي) الجدلية وينشغل عن ذلك بحياته وملامح تجربته الصوفيّة. تقع الرواية في اثني عشر سِفراً ومئة فصل، وهي بهذا روايةٌ ضخمة، لكنّ ايقاعها المتزن الذي يجنح إلى السرعة في أغلب فصولها يصون القارئ من مغبّة الملال فيمضي أشواطاً وهو سعيدٌ بها، وهذا أحد أسرار نجاح الرواية وتقبّلها عند القرّاء باختلاف مستوياتهم ومشاربهم. في نهاية الرواية يطوي الرّحالة جناحيه عن السفر وتأخذ الأيام شيئاً من بصره، ويحاربه رجال الدولة فيمنعونه عن التدريس، فترغمه الظروف الصعبة للعمل أجيراً في أحد بساتين غوطة دمشق، وهناك ومع نسيم الغوطة ورقتها تجري على الرجل ما وضعه الله في الدنيا من سُنن الموت والهلاك فيلقى القدر الذي لا مفرّ منه.. هي نهايةٌ قد لاتصدم القارئ لكنّ تفاصيلها إن لمست عنده قلباً رقيقاً فإنّ ارتعاده في وداع الشيخ الجليل كفيلٌ بأن يستجلب عنده الدمع والأحزان، وكأنما الكاتب (محمد حسن علوان) عندما سطّر فصل الرواية الأخير غمس قصبة قلمه في قلبه المكلوم لا في دواة الحبر. صمّم (سومر كوكبي) غلافاً لطيف الإشارة للتراث الصوفي، فابن عربي وفي لحظة تأمّلٍ يرمي ببصر عينٍ واحدة نحو السماء رغبةً فيما عند الله، ويغمض الأخرى زاهداً بالدنيا ومافيها، واعتمد المصمّم الفنان بشكلٍ شبه كلي على اللونين الأبيض والأزرق، وهما اللونان الوحيدان اللذان ينطويان على معانٍ من الصفاء والنقاء. هذا غيضٌ من فيض وسنبلةٌ من بيدر، ويعزّ على الرواية أن تكشف مكتومها من خلال مراجعتي أو مراجعات غيري من القرّاء وقد نبتت بيني وبين الرواية ألفةً لا أظنها تزول أبداً.. فاعتبرتها أجمل ما قرأت منذ سنوات ومنحتها على موقع Goodreads خمسة نجومٍ كاملة وهذا مني نادر. صدرت الرواية عن دار الساقي عام 2016، وتقع في 592 صفحة من القطع الكبير، وهي سِفرٌ أدبيٌّ جليل المقام، وروايةٌ مكتملةٌ في كلّ شيء أنصح بقوّة ألاتفوتكم.
فــــــــااطمةة
فــــــــااطمةة
٢٧‏/٩‏/٢٠١٧
كتاب رائع
محمد الزهراني
محمد الزهراني
٣‏/٦‏/٢٠١٧
هناك تميز وفن في البناء اللغوي للرواية ، ونجح علوان في كتابة سيرة ابن عربي بلغة عصره إلى حد مقنع . الإطار التاريخي كان جيداً ويشير إلى أن الكاتب قضى وقتا طويلا لقراءة التاريخ. الذي لم يعجبني كقارىء كمية الخرافات والشطحات الصوفية لكنها من سيرة ابن عربي في النهاية . هناك مبالغات مثلا أن يغضب أهل مدينة ما بعيدة عن الحجاز بحجة أن ابن عربي تغزل بالفتاة نظام في مكة . أو رجل يخرج من القبر ويرشد ابن عربي ! . اعجبتني طريقة تقسيم الفصول وقصرها وهذا يساعد القارىء على اكمال الرواية . ولم تسلم الرواية من حشو وزوائد سردية . كما أن " رحلة المخطوطة التي حملت سيرة ابن عربي " كانت سببا في بطء السرد والملل . كان يمكن اختصار الرواية . أخيراً : الرواية تستحق القراءة ، و محمد علوان موهبة تستحق الدعم والتشجيع . ولا استبعد فوز الرواية بجائزة البوكر . " وكما توقعت فازت " . أعتقد أن محمد سيمثل صوت الرواية السعودية في المستقبل.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٢‏/٣‏/٢٠١٧
ألحق الروائي السعودي محمد حسن علوان "الشيخ الأكبر" محي الدين ابن عربي بكل من جلال الدين الرومي وشمس الدين التبريزي، اللذين استعادت الروائية التركية إليف شافاق سيرتهما روائيا في عملها الشهير "قواعد العشق الأربعون". وفي روايته "موت صغير"، التي اختيرت بالقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية 2017(البوكر) إلى جانب خمس روايات أخرى، لا يكتفي علوان بحكايات وآثار الصوفي الأكبر وصاحب "الفتوحات المكية"، ولكنه يقتحم إنسانه مقدما إياه في أكثر لحظات ضعفه الإنساني، وأرق لحظات عشقه الأرضي. وتغوص الرواية في حياته العاطفية باختطاف قلبه بعد أن وقع في العشق، وحيرته الإيمانية بحثا عن ذلك اليقين المطلق، وابن عربي هو محي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي (1164-1240م ) ولد في الأندلس وتوفي في دمشق، واشتهر بلقب "الشيخ الأكبر". وقد اختطف علوان "الشيخ الأكبر" إلى عالمه الروائي الرومانسي المفعم بالمشاعر، إذ قدم من قبل أربع روايات تتعرض لعلاقات حب بين الرجل والمرأة، بينها "صوفيا"، و"طوق الطهارة". يقودنا الراوي في "موت صغير" عبر مسارين فيحكي تاريخ انتقال مخطوطة تقص سيرة ابن عربي منذ عام 610 هجرية وحتى اكتشافها عام 1433 هجرية، وفي المستوي الثاني تأتي سيرة ابن عربي منذ لحظة ميلاده حتي وفاته مستعرضا الصعاب التي لاقاها منذ ولادته في الأندلس وحتي وصوله إلى مكة مرورا بدمشق. ويستعرض الكاتب كيف استقر ابن عربي في مكة المكرمة وأنجز مؤلفه الأهم "الفتوحات المكية"، وظن أنه سيهدأ ويقر عينا بما أنجز، لكنه يلتقي "نظام" ابنة شيخه "زاهر الأصفهاني" فيغرم بها ويكتب عنها ديوانه "ترجمان الأشواق". غير أن العاشق يُفاجأ برفضها، ليكتشف أنها كانت وتدا من أوتاد الأرض الأربعة، طبقا للفهم الصوفي، وبالتالي فدورها تثبيت الإيمان والدين في قلوب من يهديهم الله، وفق المتصوفة الذين يعتقدون في وجود القطب الأكبر أو "الغوث" لإدارة شؤون الأرض وتحته أربعة أوتاد يساعدونه، ما جعله على يقين باستحالة ارتباطهما. وتنتهي حياة "الشيخ الأكبر" عجوزا متهالكا يعمل أجيرا في بستان باحثا عن قوت يومه حتي يموت. أصدر علوان (38 عاما) خمس روايات هي "سقف الكفاية" (2002)، "صوفيا" (2004)، "طوق الطهارة" (2007)، "القندس" (2011)، إضافة إلى "موت صغير" (2016)، وله كتاب واحد "الرحيل نظرياته والعوامل المؤثرة فيه" (2014). واختير علوان عام 2010 ضمن أفضل 39 كاتبا عربيا تحت سن الأربعين، كما فازت النسخة الفرنسية من روايته "القندس" بجائزة معهد العالم العربي في باريس عام 2015، كأفضل رواية عربية مترجمة للفرنسية. ورشح علوان في القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية عام 2013 عن روايته "القندس"، وشارك في الندوة الأولى "ورشة إبداع" التي أقامتها الجائزة عام 2009 وأشرف على ندوة العام 2016.