
مجنونة الخصيبة
ترجمة فاطمة صالح صالح
عن الكتاب
كنتُ أعوم في تلك الزرقة، لكنني صحوتُ لأجد نفسي أسقط من بين ساقي أمي.. على فرشة من العشب الناعم.. فتحت ساعديها، واحتضنتني.. ضمتني إلى صدرها.. ألصقت خدي بخدها.. وراحت تتلمس كل ذرة من جسدي.. غير مصدقة أنها أنجبت.. لكنني لم أفهم لماذا كانت تبكي بهذه الغزارة.. صاحت بصوت ردّدته الجبال: أنا امرأةٌ خصيبةٌ، يا رجال (الخصيبة)..
اقتباسات من الكتاب
- اليوم ياسعدو.. وبعد أكثر من ربع قرن.. اليوم .. فقط .. حققتُ أهم شرط سعيتُ له في حياتي .. وهو الحرية .. لا أكتمك سرا ً ياحبيبي.. أنني لا أزال في شكّ من أمري .. ولا أزال أتساءل: - هل فعلا ً أنني قد حصلتُ على حريتي ..؟! أم أنني ضعتُ مجددا ً في إحدى الدروب التي تشبه تلك التي كنت أظنها ستوصلني إلى مبتغاي ..؟! - اسنديني ثانية ً.. ألا ترين غزارة المياه في الأسفل ..؟! - لو أننا عبرنا من المكان الآخر..!! ما أغبانا..!! - لاعليكِ .. نحن هنا.. فلنعبُر.. - المكان الآخر مزدحم.. لو انتظرنا ً دورنا لتأخرنا كثيرا ً.. - تضحِكينني أحيانا ً..هل هناك تنظيم للأدوار عندهم..؟!لو كان ذلك لما وجدتهم على ماهم عليه.. - معك حق.. لم أتخلص من التسرع في إطلاق الأحكام.. - انتبهي.. لقد وصلنا.. وبشكل ٍ آليّ ، وضع يده اليمنى على كتفها الأيمن .. وأحاطتْ بيدها اليسرى خصره .. - انتبهْ جيدا ً.. ثبّتْ عصاك في ذلك الثقب فوق هذه الصخرة.. واقفز معي حال أن ألفظ الرقم ثلاثة.. - الحمد لله .. فلنجلس قليلا ً.. يكاد يُغمى عليّ .. - آخ .. ظهري انكسر - .. وتؤلمني قدماي .. - ظهرك .. أم ظهري ..؟! - قدماي .. أم قدماك ..؟! - أتساءل ياسعدو .. إن كنتُ أستطيع أن أقابل الله يوم القيامة .. وأنا أفعل هذا .. - سأقابله معكِ .. - نعم .. أستطيع أن أقابله.. وسأقول له .. بل لا أقول له شيئا ً .. فهو العليم الخبير .. وهو الحاكم العادل .. ______________________ أيقظته في أول ليلة يقضيانها معا ً على فرشة من العشب الأخضر ، دون أن يمسهما أذى من حيوان أو إنسان .. في تلك الغابة الخضراء البعيدة : حرّكت أصابعها بنعومة ٍ تتلمّس جسده ، لتصدّق نفسها أنها غير حالمة .. - شعرتِ بالغربة ..؟! - أبدا ً .. إنما أحاول ألا تفوتني لحظة ٌ واحدة .. - كنتُ مُتعَبا ً .. - وأنا غير مُصَدّقة .. _____________________ - لا أدري إن كان ذلك حلما ً، أم شيئا ًآخر..!! كنتُ أعوم في تلك الزرقة .. حين رأيتُ وجهكَ.. ذاتَ حُلم .. رأيته طافيا ًفوق الماء .. سبحتُ حتى كدتُ ألامس جسدكَ العاري .. في ذلك البحر الهادئ .. كنتَ في حالة استرخاء .. وحده رأسكَ ، كان ثابتا ً، وأنفك يطفو ، وبعض عينيك .. وأحيانا ً ، كان الموج الهادئ يؤرجحه قليلا ً، فيغمره .. ولا يستريح .. فيميل قليلا ً.. ثم يعود ويعتلي صفحة الماء .. ظننتك مصلوبا ً.. من انفراج ساقيك ، وساعديك.. واستسلام ٍتام ٍ، أخافني : - هل أنت حقا ً ميت ..؟! تابعتُ السباحة باتجاهكَ .. أمسكتك من ساعدك .. فالتفتَّ نحوي ، خائفا ً، هلعا ً.. كأنك كنت في عالم آخر.. كان شعري مبللا ً، مسترسلا ًفوق جسدي ، ووجهي .. فاستويت َعلى الماء ، كأنك تدوس فوق أرض ٍصلبة .. تأملتني قليلا ً.. أزحتَ خصلات شعري المبلل عن وجهي الغارق بالقطرات .. لامستَ بأصابعك ، فمي الذي كنتُ أخرِجُ منه الماء .. شددتني نحوك .. عصرتَ جسدي .. قبّلتَ شفتيّ .. أزحتك قليلا ً.. أبعدتك – مستغربة ً.. - مَنْ أنت ..؟! ولم تجِبْ .. وعندما اقتربتَ ثانية ً ، تأملتُ شاربيك المبللين ، وفمك الشهيّ ، وعينيك الساحرتين .. البعيدتين .. تردّدتُ قليلا ً.. ثم ضممتُ رأسك إلى صدري العاري .. فاستسلمتَ ، كطفلٍ .. عدتُ ، وضممتك إلى قلبي .. ومسحتُ شعرك المبلل .. قبّلتُ خدّيك .. وتلمّستُ عنقك .. ثمّ شعر صدرك الذي كان يتموّج فوق الماء ، وتحته ، كعشبٍ أخضرفي بداية الربيع .. صرتَ تجدّل شعري ، ثم ترخيه.. وتتأمّل جريانه مع الماء .. ثم تأخذه،خصلة ً، خصلة.. تجمعه، وتقبّله.. وتشرب من عصيره المنعش .. ترخيه فوق صدرك .. وأنا أتأمّل .. أسحبه قليلا ً.. وأعود به من جانب رأسي الآخر .. أستلقي برأسي ، فوق صدرك .. تداعبني .. أنتَ..؟! أم الماء ..؟!من الذي كان يحضنني ..؟! ونسبح .. نسبح متحدين .. كانت أسماك القرش تمرّ بنا ، وهي خائفة.. كنتُ متأكدة ً، أنها كانت ستفترسنا ، لو أننا كنا منفصلين.. لكنها كانت تهرب مذعورة ً، من ذلك الكائن الجميل ، العملاق .. الذي يفوق كل الكائنات قدرة ً، وجمالا ً.. وكانت الأعشاب البحرية ، تفسح لنا الطريق ، فتميل برؤوسها عنا، كي لا تعكر صفو حبيبين حالمين.. والأسماك الصغيرة ، تتهامس ، وتضحك.. تتجمّع في عرس ٍمهرجانيّ بديع..ثم تأخذ تسبح بعيدا ًعنا ..وكنا نلاحظ أنها تتجمّع زوجين، زوجين.. بين المرجان .. وتحت أجنحة العشب .. كانت الحيوانات البحرية الصغيرة الدقيقة، تستوطن الطحالب الخضراء ، والملونة.. فوق صخور البحرفي الأعماق.. تتكاثر بهدوء ، وانسجام بدائيين .. كانت الطبيعة ساحرة .. في ذلك الخضم العاري .. ونحن نسبح متحدين .. رأسي فوق صدرك .. وشعري يسبح فوق جسدك.. ويستطيل ، حتى يغمر كامل جسدك .. أتراه البحرغذاه،فنما بهذه السرعة.. فزاده طفولة ً، ونعومة..؟! كنتَ مستسلما وبديعا ً.. وجهك كالملاك .. تخترق الحواجز بأجنحة ٍمن نور.. ________________ ومرة ً.. صعدنا جرفا ً صخريا ً.. أمسكتني من ذراعي .. واعتلينا القمة ، تلو القمة .. كنا نجلس متجاورين .. يدلي كل منا ساقيه إلى الأسفل .. ونلوّح بهما .. بتناظر ٍبديع .. كنا طفلين .. وكانت أرجلنا تتشابك أحيانا ً، عن قصدٍ .. أو دون قصد .. وكنا – عندها – نضحك ملء قلوبنا .. ونفرح بالصدى .. تشرق الشمس .. وتغرب .. وننسى أنفسنا .. ولا نخاف الظلام .. كنا نتآلف مع الطبيعة .. روحا ً، وجسدا ً.. نعشق طهارة بدائيتها ، ونقاءها.. كنتَ تناديني باسمي .. وأناديكَ باسمك َ.. فيتعانق الصدى .. وننتشي .. ________________ - هل كان ذلك حلما ً..؟! أم هذا هو الحلم ..؟! هل هذه هي حبيبة ..؟! أم تلك ..؟! أم ..؟!( الحياة حلم ..والموت يقظة ..)!! ياألله ..!!ماهذا ..؟! وهل علينا أن نصدّق كل ما نقرأ.. أو ما نسمع .. أو حتى ما نرى ..؟! لكن .. لماذا أشغل نفسي الآن، وفي هذه اللحظة بالذات،بمثل هذه الأسئلة ..؟! أنتِ الآن بين أحضاني .. فمالي أشغل نفسي بأمور قد تكون حقيقة ، وقد لاتكون ..!! أكون مغفلا ً، أو غافلا ً، إن تابعتُ التفكير بهذه الطريقة .. أنت ِ الآن ، الحقيقة الوحيدة التي بين يديّ .. وهذا يكفي .. فلأبحر معك ِفي تلك العوالم الساحرة ، التي طالما دغدغتْ خيالي ، وأنا أعبر تلك الغابة الموحشة.. فلا تتركيني .. سمعت ِ..؟! هل سمعت ِصوتي يا حبيبة ..؟! لاحظ أن صوته لم يخرج من صدره .. ويبدوأن ذلك قد حصل معه منذ مدة طويلة .. والدليل على ذلك ، أن فمه كان قد تيبّس ، لولا بعض قطرات ٍ من ريقها ، أشعلتْ فيه الحياة النائمة..لكنه ، بالمقابل ، لاحظ أنها تسمعه .. والدليل على ذلك أيضا ً،أن جسدها كان يزداد طراوة ً، وليونة .. ودفئا ً.. ورطوبة ً منعشة.. ومن مداعبات كفّها السحريّة ، التي تسبح فوق ظهره .. تساءل أيضا ً: - هل هذه ، فعلا ً يدُها ..؟! وهل ....؟! لكنه قطع تساؤلاته .. وأنب نفسه ثانية ً: - عُدتُ إلى الهذيان .. لماذا أشغل نفسي بعدّة احتمالات .. قد تكون واقعة حقيقية .. وقد لا تكون ..؟! وسمعها تقول له : - كيف أدخِلكَ إلى قلبي ..؟! - إنني في قلبِكِ .. ________________________








