
حلم غاية ما
تأليف كولن ولسون
عن الكتاب
صدر عن دار المدى كتاب جديد حمل عنوان (رحلة نحو البداية: سيرة ذاتية ذهنية) وهو سيرة كولن ويلسون الذاتية وبترجمة الاديبة لطفية الدليمي التي تقول عن الكتاب: الكاتب كولن ويلسون كان قد نشر سيرته الذاتية الأولى بعنوان (رحلة نحو البداية: سيرة ذاتية ذهنية) في أواخر ستينات القرن الماضي، ولكن ثمة فروق بينه وبين سيرته الأولى وسيرته الثانية المعنونة (الحلم بغاية ما) : إذ جاءت السيرة الاولى مثقلة بتفاصيل كثيرة تخص علاقاته مع الآخرين تماشياً مع اندفاعة الشباب المتأخر التي كانت تستعر في روح الكاتب، اما سيرته الثانية فقد جاءت اكثر تركيزاً على فضاء الافكار التي شكلت شخصية الكاتب واستمد منها ينبوع الهامه على مدى حياته الحافلة باشتغالات معرفية كثيرة، ومنذ ان غادرنا الروائي والفيلسوف الاشكالي اواخر عام 2013 طفت على السطح كتابات كثيرة تؤبن الرجل بطريقة محايدة وبتقريض بروتوكولي لاعماله دون الانغماس في اشتغالات نقدية كثيرة باستثناء قلة من الاشارات الى اعماله كتبها صحفيون او مراجعو كتب، ولكن بضعاً من هذه الدراسات كتبها فلاسفة مرموقون لهم مكانتهم في البيئة الأكاديمية البريطانية وهو ما يمنح هذه الكتابات مقبولية معقولة ويشجع على قراءتها من قبل محبي الكاتب الراحل او سواهم، وهذا السبب لوحده اراه كافياً ودافعاً لترجمة اعمال من هذا النوع بعيداًعن الكتابات المتعجلة او تلك التي تترسم صدى سنوات سابقات في عقدي الخمسينات والستينات وتحشر كولن ويلسون في خانة الوجوية اليسارية في حلتها السياسية كما هو مألوف في بيئتنا العربية حيث يسود واحد من امرين: محبة عمياء للكاتب حد اسطرته وجعله ايقونه شبيهة بالايقونة السارترية وامثالها من ايقونات الفكر الوجودي التقليدي في نسخته الفراكوفونية بخاصة، او بغضاء غير مفهومة للرجل تنحو منحى ايديولوجيا بدوافع سياسية على الرغم من ان الرجل كان ميالاً الى الاشتراكية المرشدة المعقلنة ـ السائدة في بريطانيا والمنطقة الاسكندنافية وعموم القارة الاوربية ـ والتي كان يتشارك فيها مع برناردشو: الكاتب الأثير الى عقل ويلسون وروحه كما ان اشتغالات ويلسون فلسفية وادبية وسايكولوجية في اساسها ولم يعرف عنه اية حركية حزبية تحت جناح سياسي محدد السمات.
عن المؤلف

كولن هنري ولسون (26 يونيو 1931-5 ديسمبر 2013) كاتب إنجليزي ولد في ليسستر في إنجلترا.ولد كولن لعائلة فقيرة من الطبقة العاملة. تأخر في دخول المدرسة، وتركها مبكرا في سن السادسة عشر ليساعد والده، عمل في
اقتباسات من الكتاب
الفصل الأول: أن نعيد للرب تذكرة دخول الحياة... عندما بلغت السادسة عشرة من عمري عزمت على الانتحار ، و لم يكن قراري هذا محض نزوة عاطفيّة وليدة لحظتها بل كان يبدو قراراً منطقيّاً بالكامل في لحظة اتّخاذه : كنت قد تركت المدرسة الثانويّة في تمّوز 1947 بعد شهرٍ من ميلادي السادس عشر و كنت أتطلّع للحصول على منحة جامعيّة و لكن شاء والدي أن أنخرط في العمل لأساهم في مصاريف البيت من غير تأخير . كان والدي يعمل في صناعة الأحذية و لطالما عمل لقاء ثلاثة جنيهات في الأسبوع خلال عقد الثلاثينات و كان عليه -إضافة لعمله الشاقّ في صناعة الأحذية -أن يعمل في تقديم المشروبات الكحوليّة لزبائن أحد النوادي الليليّة ليجعل أوضاعنا المالية تمضي بلا عقبات خطيرة ولكنّه قلّما أفلح في مسعاه هذا ، و كان أخي الأصغر ( باري ) قد ترك المدرسة منذ سن الرابعة عشرة ليعمل صبيّا لأحد الجزّارين و لكُم بعد هذا أن تتصوّروا كم كان والدي ممتعضاً لفكرة أن يواصل دعمي ماليّاً للسنوات الّلاحقة التي تتطلّبها دراستي الجامعيّة المنتظرة. كان طموحي الأعظم أن أًصبح عالماً منذ أن قرأت الكتاب المثير ( الكون الغامض The Mysterious Universe ) الذي كتبه السير جيمس جينز Sir James Jeans و كنت حينها في الثانية عشرة ، و منذئذٍ صار حلم اليقظة لديّ أن أكون الخليفة المنتظر لأينشتاين ، و لكنّ حلمي هذا كان يتطلّب في حدّه الأدنى أن أحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم ، كانت الخطوة الأولى نحو هذه الشهادة تتطلّب حصولي على تدريبٍ جادٍّ في إحدى شركات الصناعة الكيميائيّة ذات السمعة العالميّة مثل شركة الصناعات الكيميائيّة الإمبراطورية ICI من أجل الحصول على منحة ماليّة تمكّنني لاحقاً من إكمال دراستي الجامعيّة ، و لكن للأسف حصل أمر قلب الطاولة على ترتيباتي هذه : فقد رسبت في الامتحانات النهائية للمرحلة الثانويّة في مادة الريّاضيّات وهذا يعني إعادة امتحاني في تلك المادة بعد ترك المدرسة ، كما كان لزاماً عليّ آنذاك قبول عرض مكتب العمل بأن أعمل في مصنعٍ لمعالجة و تصنيع الصوف . كان العمل في مصنع الصوف هذا صدمةً هائلةً لي : فقد كنت أنطلق إلى العمل في الثامنة من صباح كلّ يوم وأعود إلى المنزل في السّادسة مساءً و لم تكن هناك فسحة لأية راحة باستثناء ساعة الغداء . كان الطابق العلويّ من المصنع تشغله النساء العاملات أمام مكائن النسيج و كان عملي هو ضمان تزويدهنّ بخيوط الصوف الملفوفة في هيئة كبّابات hanks ثم أجمع نتاجهنّ و أنقله إلى الطابق السفليّ من المصنع بعد توضيبه في أقفاص ، كان عملي هذا مملّاً كئيباً ورتيباً يدعو إلى الغثيان وعندما كنت أقود درّاجتي عائداً إلى المنزل أكون قد أمسيت كائناً مستنزفاً و كئيباً إلى أقصى الحدود المتصوّرة فأمضي الوقت القليل المتاح لي في المنزل كلّ مساء في قراءة الشعر كمحاولة لاواعية منيّ ربّما في بعث شيء من الراحة الذهنيّة و السكينة العاطفيّة داخل روحي المرهقة الخاوية ، و على الرغم من محبتي الهائلة لـ ( كيتس ) و رفقائه من الرومانتيكيّين فقد كان مزاجي العقليّ الكئيب يجد انعكاساً له في قراءات من طراز ( الأرض اليباب ) و ( الرجال الجوف ) للشاعر ت. س. إليوت . عندما ذهبت ذات يوم إلى مدرستي الثانويّة لاستعارة بعض كتب الرياضيّات أخبرني مدير المدرسة أنّني لو أحصل على الدرجات الإضافيّة الكافية لنجاحي في الامتحان فسيكون بوسعي حينها العمل في المدرسة كمساعد مختبر وعندها سيتوفّر لي الوقت الكافي للحصول على شهادة بكالوريوس العلوم التي طالما طمحت إليها . كانت الفكرة مدهشةً و مقدّراً لها أن تملأني غبطةً تفوق الوصف لو كنت قد أُخبِرتُ بها قبل بضعة شهور حسب ، كنت أعاني من مشكلة : لم تعد لي أيّة رغبة في دراسة العلوم و فقدت حماستي لها وكنت أقضي أغلب الوقت المتاح لي في قراءة الشعر الذي صار يتلبّسني تماماً !! و لكن مع كلّ هذا شعرتُ أن ليس من الحكمة في شيء البوح بما يجول في خاطري لذا مضيت في التحضير بكلّ جدّية لامتحان الرياضيّات المرتقب و حصلت على الدرجات الإضافيّة المؤهّلة للنجاح و وجدتُني قبل احتفالات أعياد الميلاد عام 1947 عائدا إلى مدرستي لأعمل في مختبرها و أنا أرتدي رداء المختبرات المعهود الأبيض اللون ، و أتذكّر جيّداً أنّ امتحاناتي لنيل الشهادة الثانويّة كانت تجرى في مدينة بيرمنغهام التي تبعد ثلاثين ميلاً عن مدينة ليستر التي أقيم فيها لذا كان عليّ ركوب القطار يوميّاً طيلة أيام الامتحانات و قد أحببت القطارات كثيراً منذ تلك الأيّام لأنها أتاحت لي حينها التمتّع برؤية سهول المدلاند Midland الخضر الواسعة التي كانت تبعث على الدهشة . ذهبت ذات يوم بعد أداء الامتحان لقضاء بعض الوقت في مكتبة بيرمنغهام العامّة التي كانت أكبر بكثير من نظيرتها في ليستر، فتملّكني العجب و الدهشة لرؤية رفوف الكتب و هي تطاول السقف وكان ينبغي استخدام السلالم المعدنيّة المتحرّكة للوصول إليها ، و رأيت فيها الكثير من الكتب الّتي طالما حلمت بقراءتها و كم تمنّيت حينها أن أكون أحد المقيمين الدائمين في بيرمنغهام !!! و عندما وقفت وسط مكتبة بيرمنغهام العامّة ذات صباح عرفت تماماً ما الّذي أريد أن أفعله في حياتي القادمة : أن أقضي وقتي كلّه في القراءة منذ الصباح المبكّر و حتّى الليل ، ووثقت حينها انّ الكتب عالمٌ قائمٌ بذاته و لذاته و مكتفٍ بها و له من الغنى و التنوّع و الرحابة بقدر مافي العالم الحقيقيّ.
يقرأ أيضاً
المراجعات (١)







