تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب حلم غاية ما
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

حلم غاية ما

3.5(١ تقييم)٤ قارئ
سنة النشر
2014
ISBN
9782843090226
المطالعات
١٬٨٥٦

عن الكتاب

صدر عن دار المدى كتاب جديد حمل عنوان (رحلة نحو البداية: سيرة ذاتية ذهنية) وهو سيرة كولن ويلسون الذاتية وبترجمة الاديبة لطفية الدليمي التي تقول عن الكتاب: الكاتب كولن ويلسون كان قد نشر سيرته الذاتية الأولى بعنوان (رحلة نحو البداية: سيرة ذاتية ذهنية) في أواخر ستينات القرن الماضي، ولكن ثمة فروق بينه وبين سيرته الأولى وسيرته الثانية المعنونة (الحلم بغاية ما) : إذ جاءت السيرة الاولى مثقلة بتفاصيل كثيرة تخص علاقاته مع الآخرين تماشياً مع اندفاعة الشباب المتأخر التي كانت تستعر في روح الكاتب، اما سيرته الثانية فقد جاءت اكثر تركيزاً على فضاء الافكار التي شكلت شخصية الكاتب واستمد منها ينبوع الهامه على مدى حياته الحافلة باشتغالات معرفية كثيرة، ومنذ ان غادرنا الروائي والفيلسوف الاشكالي اواخر عام 2013 طفت على السطح كتابات كثيرة تؤبن الرجل بطريقة محايدة وبتقريض بروتوكولي لاعماله دون الانغماس في اشتغالات نقدية كثيرة باستثناء قلة من الاشارات الى اعماله كتبها صحفيون او مراجعو كتب، ولكن بضعاً من هذه الدراسات كتبها فلاسفة مرموقون لهم مكانتهم في البيئة الأكاديمية البريطانية وهو ما يمنح هذه الكتابات مقبولية معقولة ويشجع على قراءتها من قبل محبي الكاتب الراحل او سواهم، وهذا السبب لوحده اراه كافياً ودافعاً لترجمة اعمال من هذا النوع بعيداًعن الكتابات المتعجلة او تلك التي تترسم صدى سنوات سابقات في عقدي الخمسينات والستينات وتحشر كولن ويلسون في خانة الوجوية اليسارية في حلتها السياسية كما هو مألوف في بيئتنا العربية حيث يسود واحد من امرين: محبة عمياء للكاتب حد اسطرته وجعله ايقونه شبيهة بالايقونة السارترية وامثالها من ايقونات الفكر الوجودي التقليدي في نسخته الفراكوفونية بخاصة، او بغضاء غير مفهومة للرجل تنحو منحى ايديولوجيا بدوافع سياسية على الرغم من ان الرجل كان ميالاً الى الاشتراكية المرشدة المعقلنة ـ السائدة في بريطانيا والمنطقة الاسكندنافية وعموم القارة الاوربية ـ والتي كان يتشارك فيها مع برناردشو: الكاتب الأثير الى عقل ويلسون وروحه كما ان اشتغالات ويلسون فلسفية وادبية وسايكولوجية في اساسها ولم يعرف عنه اية حركية حزبية تحت جناح سياسي محدد السمات.

عن المؤلف

كولن ولسون
كولن ولسون

‏كولن هنري ولسون (26 يونيو 1931-5 ديسمبر 2013) كاتب إنجليزي ولد في ليسستر في إنجلترا.ولد كولن لعائلة فقيرة من الطبقة العاملة. تأخر في دخول المدرسة، وتركها مبكرا في سن السادسة عشر ليساعد والده، عمل في

اقتباسات من الكتاب

الفصل الأول: أن نعيد للرب تذكرة دخول الحياة... عندما بلغت السادسة عشرة من عمري عزمت على الانتحار ، و لم يكن قراري هذا محض نزوة عاطفيّة وليدة لحظتها بل كان يبدو قراراً منطقيّاً بالكامل في لحظة اتّخاذه : كنت قد تركت المدرسة الثانويّة في تمّوز 1947 بعد شهرٍ من ميلادي السادس عشر و كنت أتطلّع للحصول على منحة جامعيّة و لكن شاء والدي أن أنخرط في العمل لأساهم في مصاريف البيت من غير تأخير . كان والدي يعمل في صناعة الأحذية و لطالما عمل لقاء ثلاثة جنيهات في الأسبوع خلال عقد الثلاثينات و كان عليه -إضافة لعمله الشاقّ في صناعة الأحذية -أن يعمل في تقديم المشروبات الكحوليّة لزبائن أحد النوادي الليليّة ليجعل أوضاعنا المالية تمضي بلا عقبات خطيرة ولكنّه قلّما أفلح في مسعاه هذا ، و كان أخي الأصغر ( باري ) قد ترك المدرسة منذ سن الرابعة عشرة ليعمل صبيّا لأحد الجزّارين و لكُم بعد هذا أن تتصوّروا كم كان والدي ممتعضاً لفكرة أن يواصل دعمي ماليّاً للسنوات الّلاحقة التي تتطلّبها دراستي الجامعيّة المنتظرة. كان طموحي الأعظم أن أًصبح عالماً منذ أن قرأت الكتاب المثير ( الكون الغامض The Mysterious Universe ) الذي كتبه السير جيمس جينز Sir James Jeans و كنت حينها في الثانية عشرة ، و منذئذٍ صار حلم اليقظة لديّ أن أكون الخليفة المنتظر لأينشتاين ، و لكنّ حلمي هذا كان يتطلّب في حدّه الأدنى أن أحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم ، كانت الخطوة الأولى نحو هذه الشهادة تتطلّب حصولي على تدريبٍ جادٍّ في إحدى شركات الصناعة الكيميائيّة ذات السمعة العالميّة مثل شركة الصناعات الكيميائيّة الإمبراطورية ICI من أجل الحصول على منحة ماليّة تمكّنني لاحقاً من إكمال دراستي الجامعيّة ، و لكن للأسف حصل أمر قلب الطاولة على ترتيباتي هذه : فقد رسبت في الامتحانات النهائية للمرحلة الثانويّة في مادة الريّاضيّات وهذا يعني إعادة امتحاني في تلك المادة بعد ترك المدرسة ، كما كان لزاماً عليّ آنذاك قبول عرض مكتب العمل بأن أعمل في مصنعٍ لمعالجة و تصنيع الصوف . كان العمل في مصنع الصوف هذا صدمةً هائلةً لي : فقد كنت أنطلق إلى العمل في الثامنة من صباح كلّ يوم وأعود إلى المنزل في السّادسة مساءً و لم تكن هناك فسحة لأية راحة باستثناء ساعة الغداء . كان الطابق العلويّ من المصنع تشغله النساء العاملات أمام مكائن النسيج و كان عملي هو ضمان تزويدهنّ بخيوط الصوف الملفوفة في هيئة كبّابات hanks ثم أجمع نتاجهنّ و أنقله إلى الطابق السفليّ من المصنع بعد توضيبه في أقفاص ، كان عملي هذا مملّاً كئيباً ورتيباً يدعو إلى الغثيان وعندما كنت أقود درّاجتي عائداً إلى المنزل أكون قد أمسيت كائناً مستنزفاً و كئيباً إلى أقصى الحدود المتصوّرة فأمضي الوقت القليل المتاح لي في المنزل كلّ مساء في قراءة الشعر كمحاولة لاواعية منيّ ربّما في بعث شيء من الراحة الذهنيّة و السكينة العاطفيّة داخل روحي المرهقة الخاوية ، و على الرغم من محبتي الهائلة لـ ( كيتس ) و رفقائه من الرومانتيكيّين فقد كان مزاجي العقليّ الكئيب يجد انعكاساً له في قراءات من طراز ( الأرض اليباب ) و ( الرجال الجوف ) للشاعر ت. س. إليوت . عندما ذهبت ذات يوم إلى مدرستي الثانويّة لاستعارة بعض كتب الرياضيّات أخبرني مدير المدرسة أنّني لو أحصل على الدرجات الإضافيّة الكافية لنجاحي في الامتحان فسيكون بوسعي حينها العمل في المدرسة كمساعد مختبر وعندها سيتوفّر لي الوقت الكافي للحصول على شهادة بكالوريوس العلوم التي طالما طمحت إليها . كانت الفكرة مدهشةً و مقدّراً لها أن تملأني غبطةً تفوق الوصف لو كنت قد أُخبِرتُ بها قبل بضعة شهور حسب ، كنت أعاني من مشكلة : لم تعد لي أيّة رغبة في دراسة العلوم و فقدت حماستي لها وكنت أقضي أغلب الوقت المتاح لي في قراءة الشعر الذي صار يتلبّسني تماماً !! و لكن مع كلّ هذا شعرتُ أن ليس من الحكمة في شيء البوح بما يجول في خاطري لذا مضيت في التحضير بكلّ جدّية لامتحان الرياضيّات المرتقب و حصلت على الدرجات الإضافيّة المؤهّلة للنجاح و وجدتُني قبل احتفالات أعياد الميلاد عام 1947 عائدا إلى مدرستي لأعمل في مختبرها و أنا أرتدي رداء المختبرات المعهود الأبيض اللون ، و أتذكّر جيّداً أنّ امتحاناتي لنيل الشهادة الثانويّة كانت تجرى في مدينة بيرمنغهام التي تبعد ثلاثين ميلاً عن مدينة ليستر التي أقيم فيها لذا كان عليّ ركوب القطار يوميّاً طيلة أيام الامتحانات و قد أحببت القطارات كثيراً منذ تلك الأيّام لأنها أتاحت لي حينها التمتّع برؤية سهول المدلاند Midland الخضر الواسعة التي كانت تبعث على الدهشة . ذهبت ذات يوم بعد أداء الامتحان لقضاء بعض الوقت في مكتبة بيرمنغهام العامّة التي كانت أكبر بكثير من نظيرتها في ليستر، فتملّكني العجب و الدهشة لرؤية رفوف الكتب و هي تطاول السقف وكان ينبغي استخدام السلالم المعدنيّة المتحرّكة للوصول إليها ، و رأيت فيها الكثير من الكتب الّتي طالما حلمت بقراءتها و كم تمنّيت حينها أن أكون أحد المقيمين الدائمين في بيرمنغهام !!! و عندما وقفت وسط مكتبة بيرمنغهام العامّة ذات صباح عرفت تماماً ما الّذي أريد أن أفعله في حياتي القادمة : أن أقضي وقتي كلّه في القراءة منذ الصباح المبكّر و حتّى الليل ، ووثقت حينها انّ الكتب عالمٌ قائمٌ بذاته و لذاته و مكتفٍ بها و له من الغنى و التنوّع و الرحابة بقدر مافي العالم الحقيقيّ.

يقرأ أيضاً

المراجعات (١)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١‏/٧‏/٢٠١٥
غادر الروائي  الفيلسوف ( كولن ويلسون ) – أو الفنان  الفيلسوف كما يحب هو ذاته ان يصف نفسه -  عالمنا الأرضي في الخامس من كانون اول 2013 بعد ان نشر ما يزيد على المائة كتاب في مختلف الفروع المعرفية اذ كان ينشر أحيانا ثلاثة أو حتى أحيانا أربعة كتب في السنة الواحدة و بخاصة في الحقبة التي تلت سبعينات القرن العشرين، و من المؤسف أن بعضا من أفضل ما كتب ويلسون  لم يترجم الى اللغة العربية و لم يسمع بها الكثيرون ممن صموا أذاننا بالحديث الأيديولوجي المعلب عن ( اللامنتمي ) و ( سقوط الحضارة ) و ( طقوس في الظلام ) و ( القفص الزجاجي ) و بضعة كتب أخرى لا تتجاوز العشرة في مجملها و تركوا أغلب النتاج  الثري الذي انجزه ويلسون ربما بسبب عدم ترجمتها و اجتياز الشباب المتحمسين لها عتبة الاندفاع  الحيوي مع الأفكار الثورية و المكوث في خانة السكون المستلب في حقبة السبعينات  التي تلت العقد الستيني الملتهب  برؤاه  وافكاره  الثورية    وتطلعاته، و هنا مكمن الأسف اذ نشر ويلسون أغلب اعماله الأكثر ثراء في هذه الحقبة و نذكر منها دراسته الرائعة عن ( ابراهام ماسلو و الفتوحات الجديدة في السايكولوجيا مابعد الفرويدية ) و كذلك عن ( الوعي المتعالي و  تجارب الذروة)  بالإضافة الى عشرات  الأعمال الرائعة إلى جانب  أعمال ادنى جودة  منها و ليس هذا بالغريب على كاتب ينشر ثلاثة كتب دفعة واحدة في سنة واحدة !! تكمن الإشكالية التي لطالما التصقت بكولن ويلسون ان الكثيرين من المتمسكين بالتقاليد الثقافية الفكتورية  المترفعة  كانوا ينظرون الى نتاجه بنوع  من الغيظ  و يعدونه خارج المنظومة المعرفية التي سادت الكومنولث البريطاني في الحقبة الكولونيالية و امتدت لبضعة عقود في فترة  ما بعد الكولونيالية. وثق كولن ويلسون الكثير من خبراته و تجاربه في كتابه (رحلة نحو البداية ) الذي نشره عام 1969 و ترجمه سامي خشبة و نشرته دار الأداب البيروتية، و قد أراد  ويلسون  ان يكون كتابه بمثابة (صور من الذاكرة ) كما أعتاد الفيلسوف البريطاني (برتراند رسل) أن يسمي كتب السيرة الذاتية، ثم عاد ويلسون لنشر سيرة ذاتية مكملة للأولى و اكثر شمولية و كشفا منها و قد عنونها  (الحلم لأجل غاية ما : Dreaming to Some Purpose ) و نشره في شهر أيار 2004 و هو  الشهر  ذاته  الذي نشر فيه كتابه الأول ( اللامنتمي ) و تلك إشارة لا تخلو من رمزية محسوبة بدقة، و منذ ظهوره المدوي على الساحة الأدبية في منتصف خمسينات القرن العشرين و حتى وفاته أبدى كولن ويلسون قناعة ذاتية  راسخة و حافظ على حيوية فكرية يحسده عليها الكثيرون. أنيس  زكي حسن ليس مرجعا في  أعمال كولن  ويلسون هناك ملاحظتان جديرتان بالتنويه في وسطنا الثقافي العراقي والعربي،  الأولى : هي أن المترجم العراقي (أنيس زكي حسن) - الذي  ترجم اول اعمال ويلسون (اللامنتمي) و نحت مفردة  اللامنتمي التي عدت فتحا  اصطلاحيا موفقا -  صار يعتبر مرجعا  فيما يخص اعمال ويلسون و غالبا ما تنسب اليه عبارة  مفادها (أنه لم يعد راغبا في ترجمة اعمال ويلسون اللاحقة لأنها لا ترتقي الى مستوى اعماله الأولى و تقتصر على مطاردة العناكب و ملاحقة أفكار القتلة التسلسليين  )، و أحسب هذا القول  خطأ  كبيرا  ظل يتردد  دونما  تدقيق  من قبل جمهور لم تعتد أغلبيته  القراءة بلغة اجنبية و لو  قرأت  لعلمت بأن أفضل أعمال ويلسون لا تزال غير مترجمة و هي أكثر رقيا  من (اللامنتمي) الذي عدَّ  في الستينات  تأشيرة سحرية لقارئه  تلحقه بقطار المثقفين !. الملاحظة الثانية :هي أن ويلسون ذاته  ناله الاجحاف  في اوساطنا– بعيدا  عن التهويل الإعلامي و تهافت دور النشر على طبع كتبه الأولى لدوافع تجارية  خالصة -  بسبب الاحكام المجانية و السريعة التي اعتاد الكتّاب اطلاقها على أعماله و إضفاء سمة الشاب المعجزة رغم ان أعماله تتفاوت في رصانتها وقيمتها بسبب التنوع الواسع  في موضوعاتها، و بسبب لجوء ويلسون الى قناعاته الميتافيزيقية و محاولة إضفاء سمة علمية  غير وافية عليها وسط عدد كثير من العلماء المختصين،  ولكن يبقى تأكيد ويلسون على أهمية الحدس  وسبقه للمعرفة المنظمة و دور العقل  الحاسم  في اعتماد  رؤية ملهمة،هو الميزة الأهم  في معظم  ما كتبه  الرجل.   غاري لاكمان Gary Lachman  : مؤلف كتاب ( ربة الالهام المظلمة : كتاب دايدالوس السحري الغامض  ) هو احد المعجبين الكبار بالسيرة الذاتية لويلسون و يعدها الأكثر جرأة و كشفا بين جميع السير الذاتية المنشورة و كتب عنها مقالة  لصحيفة ( الاندبندنت ) اللندنية في 6 حزيران 2004 بعد أيام  قليلة  من نشرها و أعيد نشر مقالته  في موقع ( Colin Wilson World ) ورأيت  ان أترجمها لقراء تاتو  لإيضاح ما روجه اللغط  الخاطيء  حول ويلسون. لطفية الدليمي   كولن ويلسون  يقرر  إنهاء حياته عندما كان  في عمر السادسة عشرة قرر كولن  ويلسون الانتحار بعد أن تخلى عن المدرسة و  عمل  في سلسلة من الأعمال اللامجدية  قادته الى حالة من الاكتئاب المقترن بظلمة عقلية مستعصية و شديدة التعقيد، و كان ويلسون يؤمن يومذاك  بالرؤية غير الواعدة  التي ما انفكت تقول له :  ليس منطقيا  أن يمضي بحياته على هذه النحو  و لكن المفارقة هي ان فكرة الانتحار ذاتها جعلته – كما كتب  في سيرته – مسؤولا عن نفسه و عن مصيره الشخصي. دخل ويلسون ذات يوم مختبر الكيمياء في مدرسته التي غادرها و أزاح سدادة قنينة حامض( الهيدروسيانيك )  التي كانت قادرة على قتله في ظرف ثوانٍ معدودات، و في تلك اللحظة ذاتها -يقول ويلسون  - أنه رأى ذاته و قد استحال مخلوقين : المراهق الأخرق الذي  كان على وشك أن يضع حدا لحياته، و شخصٌ اخر أكثر حكمة من المراهق لكنه ذو روح قلقة مضطربة. يحكي ويلسون ان رؤية" الثراء الهائل للحقيقة" الذي انكشف امامه من وراء محاولة الانتحار تلك و ما نجم عنها من تجربة  الذروة  Peak Experience أضحت في البؤرة من مجمل عمله اللاحق الذي امتد عقودا بعدها. الان و بعد ان صار ذلك الفتى المراهق الذي شاء  يوما قتل نفسه بعمر الثالثة و السبعين ( يشير الكاتب هنا الى عمر ويلسون في تأريخ نشر مذكراته  عام 2004، المترجمة ) فقد نشر سيرته الذاتية ( الحلم لأجل غاية ما ) و هي مراجعة ممتعة وقراءة  جذابة لحياة  كولن ويلسون وعمله  و تسهب  في الكلام عن جميع  تجارب الرجل بدء من اللحظة التي قرر فيها إعادة سدادة قنينة حامض الهيدروسيانيك الى مكانها و المضي بحياته بشجاعة. ما يعرف عن ويلسون أكثر من أي شيء آخر هو انتقاله من الفقر المدقع الى البحبوحة المالية مع نشر كتابه الأول ( اللامنتمي )، ففي 28 أيار 1956 استيقظ  كولن من نومه  وهو في الرابعة والعشرين  ليجد نفسه و قد طبقت شهرته الآفاق بعد أن اعتاد على النوم داخل كيس النوم في ساحة هامبستد هيث. كتاب اللامنتمي  وجماعة  الشباب الغاضب كان اللامنتمي دراسة في الاغتراب و الحالات العقلية المتطرفة التي طبعت حياة بعض الكتاب و المبدعين و قد كتب ويلسون الكتاب و هو يقضي جل اوقاته في غرفة القراءة القديمة في المتحف البريطاني.  أشاد  الكثيرون  بكولن ويلسون على أثر نشر الكتاب و وصف الكاتب بأنه" الوجودي المصنوع صناعة بريطانية خالصة". كان جون أوزبورن John Osborne قد نشر  بالتزامن  مع  نشر كتاب اللامنتمي  عمله الأشهر ( أنظر وراءك بغضب ) و هكذا وجد الاثنان – ويلسون و أوزبورن – نفسيهما  وسط عاصفة جماهيرية خلقت جماعة"  الشباب الغاضبون The Angry Young Men ". قبل نشر اللامنتمي كان  اهتمام  ويلسون  ينحصر  في تفادي التبعات المؤلمة للحياة الحديثة و قد ساعدته سنوات من القراءة و الكتابة  المنظمة و المنضبطة  على خلق ثقة عالية بنفسه و ساهمت التعليقات الداعمة من قبل مراجعي الكتب الذين فتنوا بعمله الأول – و في مقدمتهم فيليب توينبي و سيريل كونوللي – في تدعيم قناعته المتنامية بأنه ولد ليكون كاتبا  بارزا. العلاقة بين الايروتيكا والعناصر التصوفية والاجرامية  في النفس الانسانية عندما نقرأ في سيرة ويلسون المبكرة يمكن لنا ان نتحقق من رسوخ  فكرة الى أي مديات يمكن أن يقود الايمان بالذات : فبعد ان تخلى ويلسون عن مهمة في القوة الجوية الملكية بادعائه انه مثلي جنسيا  ظل يتنقل من عمل لعمل و من غرفة بائسة لأخرى اكثر بؤسا في ليسستر و لندن تخللتها بضعة أشهر قضاها متجولا في فرنسا يبيع قسائم الاشتراك في مجلة ( باريس ريفيو ) و عن هذا يكتب ويلسون ( ان العمل الكئيب الذي يمارسه المرء جنبا الى جنب مع العيش في غرفة شبيهة بالسجن و العلاقات المتعددة مع السيدات الجحيميات لهو الطريق المؤكد لوهنِ  روحك و خسارتها  لخلودها )، ثم جاء الحدث غير المتوقع عندما وجد ويلسون نفسه زوجا و أبا و هو بعمر العشرين : ذلك الحدث الذي أحدث ندوبا غير قابلة للشفاء في رومانتيكية ويلسون الرقيقة. كانت أحدى وسائل ويلسون لمعالجة هذا الجدب الروحي في حياته هو بالانغماس في التأمل و التقاط شذرات من حكمة باغافادغيتا Baghavad Gita و كانت وسيلته الثانية الارتماء في الجنس. يبدو ويلسون  رجلا  نزيها    و غاية في الصراحة و الكشف فيما يتعلق بأهمية الجنس في حياته فهناك  رغبة جارفة لديه يمكن وصفها بأنها"  علاجية "وهو يبوح بتفاصيل جموحه الجنسي  وكأنه يقدم  اعذارا لبعض نزواته الساخنة !! و مع انه بات مقتنعا اليوم ان الجنس ممتع في ذاته و أنه يبقى" وَهما غير جوهري" و لا ينبغي التعويل عليه و دفعه الى مرتبة ملحمية فان الأعمال المبكرة لويلسون مثل عمله الروائي  ( طقوس في الظلام ) و دراسته الظاهراتية في  ( أصول الدافع الجنسي ) بالإضافة الى دراسات و مباحث أخرى له قد أوجدت رابطة بين الفعل الايروتيكي مع  العناصر التصوفية و الاجرامية في النفس الإنسانية.كان ويلسون - و كأغلب المراهقين الصبيان من نظرائه – مسكونا بالجنس و قد تطورت لديه في عمر مبكر النزعة الفيتيشية في الاستغراق في الاحلام اللذيذة أمام الملابس الداخلية للنساء و ربما التعبد امامها كما تفعل القبائل البدائية امام طوطمها، و يتحدث ويلسون عن تجاربه هذه بكل انفتاح في سيرته الذاتية و يقول انها تطورت لديه منذ ان كان صبيا صغيرا حيث اعتاد ان يلبس بعض القطع من ملابس امه الداخلية. خسوف  في الستينيات  وتألق في السبعينيات ويلسون راوي حكايات جذاب، وتزخر سيرته بحكايات غاية في الامتاع عن لقاءاته مع المشاهير من الكتاب و المبدعين فقد وجد نفسه يستحيل من مجرد متسكع ضائع يعيش في حقيبة نوم بائسة ليتفادى دفع الايجار الى أحد المشاهير المحسوبين على الطبقة المثقفة العليا : اليوت، أودن، أنكوس ويلسون، كنغزلي اميس، الياس كانيتي، أنتوني بيرجيس، ألبير كامو، روبرت كريفس، ايريس مردوخ جنبا الى جنب بعض الشخصيات المعروفة الأخرى مثل مارلين مونرو. لم يكن غريبا ان ترى ويلسون يتبادل الآراء حول" ترومان كابوت" مع نورمان ميللر، و ان يخوض أولى معاركه الأدبية مع كينيث تينان، و ان يتساءل فيما اذا كان غراهام غرين ذا ميل للاستغلال الجنسي للأطفال، و أن يحكي عن ذكرياته عن مهنة الكاتب جون براين. في أواخر  ستينيات  القرن العشرين كانت اعمال ويلسون قد شهدت خسوفا لما يقارب العقد الكامل و ربما كان هذا رد الفعل العنيف للهتاف المدوي الذي قوبلت به اعماله المبكرة، و لكن مع إطلالة عام 1971 وجد ويلسون نفسه ضمن قائمة الكتاب الأفضل مبيعا بعد نشر مجلده الضخم عن الظواهر الخارقة، و بعد نشر كتابه الاخر عن ( السحري و الغامض) أستحال ويلسون و بحسب كلماته هو ذاته" ألة كتابة" و كان مهووسا بالعمل و هو قابع اغلب الوقت في منزله اللندني في (كورنوول) حيث اعتاد نشر الكتاب بعد الاخر في موضوعات مختلفة لكن بثيمات متقاربة : الجريمة، القتلة المتسلسلون، الظواهر الخارقة، السايكولوجي، الجنس، الصحون الطائرة، الحضارات القديمة، السيرة ( فقد كتب سيرة كل من فيلهلم رايخ، أليستر كرولي، رودولف شتاينر، كوردجيف... ) بالإضافة الى  عدد من الروايات ، و يخصص ويلسون النصف الثاني من سيرته الذاتية للكتابة عن" الصواميل و البراغي" أي العدة اللازمة لكي يكون من يرغب من الناس كاتبا محترفا و مدمنا للعمل. عانى ويلسون خلال فترة ما من حياته  نوبات ذعر قاسية جعلته غير واثق من هوية" حقيقته الذاتية" و لكنه استطاع و ببطء أن يتعلم كيف يتمكن من السيطرة على هذه النوبات و لطالما  خشي  من ان تكون له وجهات نظر غير معتادة للآخرين في  موضوعات معينة : الأرواح الشريرة Poltergeist التي تنشأ عن الأرواح  البشرية، أرضنا التي زارها زوار من خارج مجرتنا الارضية في الماضي البعيد جدا، الحضارات المعروفة قد نشأت في وقت ابكر بكثير مما يحدده الاركيولوجيون، و أن هناك  شواهد كافية لنوع من أنواع الحياة بعد الموت، و يعلق ويلسون على آرائه هذه و امثالها في عبارة واحدة  بالغة  الايجاز  :" أقبلها او أتركها".. و قد يحدث  غالبا  ان لا نشاطره في كثير من آرائه و لكن القارئ المتفتح الذهن  يدرك ان ويلسون لم يتوصل لقناعاته هذه بسهولة أو نتيجة مقاربات سطحية و أن كشوفاته هذه ليست ضرورية و لازمة – كما يذكر هو في سيرته – لبلوغ رؤيته الأساسية و قناعته الملهمة في" القوة الكاشفة للعقل الشغوف التي قلما نفهمها  حتى الان ". بكلمات شخصية دافئة شغوفة و مفعمة  بالكرم  و البهجة يعترف ويلسون بأن" كوننا أحياء هو واجب قاس و يدعو للتجهم و الاكتئاب" و لكن  ( الحلم  لأجل غاية ما )  هو دليل مقبول يؤكد ان الناتج من هذا الحلم يستحق كل الجهد المبذول للانغماس  الشجاع في هذه الحياة..