
مجاني
البارافانات
ترجمة حنان قصاب حسن
4.0(١ تقييم)•٢ قارئ
عن الكتاب
تتحدث مسرحية البارافانات لجينية عن حرب الجزائر لكن البعد السياسي فيها لا يتوضع علي مستوي الخطاب والكلام المباشر وغنما في البنية المسرحية التي تطرح الواقع التاريخي في جدليته وتحولاته وتنقله علي الخشبة بشكل ممسرح ولعبي عبر لغة متلونة تتأرجح بين الشعرية القصوي والهذيان اللغوي الذي يقارب العبثية إلخ
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (١)

المراجع الصحفي
١٦/٧/٢٠١٤
مسرحية البارافانات للكاتب المعروف جان جينيه من المسرحيات المهمة والتي تتحدث عن حرب الجزائر لكن البعد السياسي فيها لايتوضح على مستوى الخطاب والكلام المباشر وانما في البنية المسرحية التي تطرح الواقع التاريخي في جدليته وتحولاته وتنقله على الخشبة بشكل ممسرح ولعبي عبر لغة متلونة تتأرجح بين الشعرية القصوى والهذيان اللغوي الذي يقارب العبثية .
هذه المسرحية للكاتب الفرنسي هي الاخيرة في مسار الكتابة المسرحية لديه بعد" حراسة مشددة " و"الخادمات " و"البلكون"و"الزنوج".
كتب جينيه هذه المسرحية عام 1961 وقدمها المخرج الفرنسي روجيه بلان للمرة الاولى على مسرح الاوديون في باريس في عام 1966 اي ان احداث المسرحية التي تدور في الجزائر كانت تتوافق زمنيا مع مرجعها في واقع سياسي معقد وعاصف في فرنسا فقد كانت حرب الجزائر في أوجها واتفاقية ايفيان تحتل مركز الصدارة في الاحداث السياسية ومن يعرف مواقف جان جينيه السياسية يعرف ان اختيار موضوع كهذا لم يكن بمحض مصادفة فقد كان صديقا لكل الذين يناضلون ضد الاستغلال والقمع وقد كانت مواقفه الشجاعة تتجاوز نطاق الكتابة الى الفعل والدعم الحقيقي فقد استحق السجن وهو في الثامنة عشر لفراره من الخدمة الالزامية التي قضى فترة منها مجندا في دمشق ايام الجنرال غورو اذا لم يقبل ان يكون جزءا من مؤسسة محتلة تقصف المدن السورية وتدمرها كذلك سافر الى امريكا ليحضر محاكمة الفهود السود ويدعم زعماءهم بوب سيل وانجيلا ديفيز في نضالهم ضد العنصرية ووقف الى جانب الفلسطينيين في معاركهم لاستعادة الحقوق المسلوبة وكتب هذه التجربة مؤلف ضخم "الاسير العاشق " وكان كذلك اول من زار المخيمات صبرا وشاتيلا في لبنان بعد المجزرة الرهيبة وكتب عنها نصه الشهير "اربع ساعات في شاتيلا " .اما الجزائريين فقد خصص لهم مسرحية "البارافانات " التي تشكل ادانة صريحة وواضحة للاستعمار الاستيطاني وللاحتلال العسكري ولكل المؤسسات الرسمية بالمطلق.
تدور احداث مسرحية" البارافانات"في قرية جزائرية خاضعة لحكم الفرنسيين في الفترة الواقعة بين 1830 وحتى مابعد الاستقلال .
والمسرحية في مجملها تضافر ذكي ومطنقي بين القصة الشخصية لسعيد العامل الفقير المهمش الذي يعيش مع امه الساحرة وزوجته الدميمة عند مقلب قمامة القرية ,وبين التطور العام لأحداث تشمل القرية بأكملها عندما تثور على المستعمر الفرنسي وتحقق الاستقلال.
وزواج سعيد الذي يفتتح المسرحية هو محاولة من الفرد الهامشي الذي يعيش على اطراف القرية للدخول في دائرة المجتمع لكن هذا الزواج الذي يربط الرجل الاكثر قفرا بالمراة الاكثر بشاعة سرعان ما يتحول بسبب سخرية الجميع الى كابوس بالنسبة لسعيد بحيث لايبقى امامه الا ان يكسر الطوق الحديدي للأعراف والتقاليد بقيامه بفعل يهدد الملكية الفردية والبنية الاجتماعية المحكمة والاعراف :السرقة.
هكذا ينتقل سعيد من داخل الدائرة الاجتماعية الى خارجها ليعيش في مخطط اخر تحركه قوى فردية بحتة ويقف فيه حب الذات في الموضع الاول.فان كانت ثورة سعيد على التقاليد ثورة جريئة الا انها فردية تماما اذ يتحول سعيد من كائن يرغب في ارضاء مجتمعه الى انسان هامشي يسرق للذة السرقة وليس للربح بعد ان عدل عن فكرة الطلاق والزواج مجددا لان المبدأ الاجتماعي لم يعد يهمه اصلا.
في نفس الوقت وبحركة موازية لقصة سعيد الفردية نجد المجتمع الجزائري يخضع لسلطة المستعمرين ونجد العمال العرب يعملون من الصباح حتى المساء في ارضهم يستخرجون خيراتها لصالح المتسوطنين دون ان يجرؤوا على مجابهتهم مما يفسر تراجعهم الى احضان وردة ,المومس بعيدة المنال التي حمل في ثناياها وتحت اطراف ارديتها المثقلة بالفولاذ خيرات المناجم والكروم فالعمال العرب كانوا اذن في محاولتهم ارضاء المستعمرين في البداية سجناء فخ محكم كما كان حال سعيد في قصة الزواج.ومثل سعيد خلاصهم من الطوق لايتم في هذه المسرحية الا عن طريق الشر لأن الطيبة والخضوع لايؤديان لشئ.ولذلك تتخذ الثورة على المستعمر من سعيد شعارا وراية .
لايتوضع الدرس السياسي للمسرحية على مستوى الخطاب والكلام كما في المسرح السياسي المباشر وانما في بنية المسرحية نفسها , اي في التحول الديالكتيكي الذي يجري في مسارها ويؤدي الى انقلاب الامور من النقيض زوال الاستعمار وزوال التقاليد والانسلاخ عن الاجداد الذين يفقدون تأثيرهم على الحياة اليومية للناس ليتحولوا بعد موتهم الى شهود يطلون من عل على مايجري على الارض بين الاحياء .
كان خطاب كل شخصية من الشخصيات يتميز شبئ ما وكان احترام ذلك التمايز اللغوي بتلوناته يزيد عملية الترجمة الادبية يعرف ان النقل من لغة للغة مهما كان دقيقا لايخلو من الخيانة , وبين الحفاظ على روحية النص الاصلي واحترام بنية اللغة التي يتم النقل اليها هناك خيارات صعبة تزيدها تعقيدا مشكلة العامية والفصحى في اللغة العربية والغربة التي يمكن ان تولدها الفصحى لمواقف من الحياة اليومية ,والبعد الشعري الذي يمكن ان يضيع في العامية اذا ما اعتمدت كلغة للترجمة.
تحتوي صفحات هذه المسرحية التي قامت بترجمتها حنان قصاب حسن,على لوحات تشير الى مشاهد المسرحية وتستهل بداية الكتاب ببعض الملاحظات المهمة على كيفية تقديم المسرحية.
في عزلة القطن :
والمسرحية الثانية في الكتاب هي مسرحية"في عزلة القطن" للكاتب برنار ماري كولتيس هذا الكاتب الذي اتى الى المسرح بعد ان عاش صدمة اكتشاف التجارب الحياتية المفاجئة خلال اقامته في نيويورك وغواتيمالا ونيكاراغوا ثم افريقيا العنف والعرب والجوع التي ستظل الاساس في كل اعماله المسرحية وعلى الاخص "معركة الزنجي والكلاب".
تتحدث المسرحية "في عزلة القطن " عن اليأس المتولد من هشاشة العلاقات الانسانية وجوع القاء مع الاخر ولمسه حتى ولو عن طريق العنف في حوارات طويلة مليئة بالتلوي والقفزات المفاجئة وكان الشخصيات تحاول ان تخفي بغطاء من الكذب والانكار الجرح الخفي الذي تحمله في داخلها ويجعلها غريبة عن نفسها .
ولد برنار ماري كولتيس عام 1948 وتوفي عام 1989 وهو يعتبر اليوم من اكثر الكتاب المسرحيين الفرنسيين المعاصرين شهرة بعد ان ترجمت اعماله الى اكثر من ثلاثين لغة وقدمت في كثير من بلدان العالم .سافر كثيرا وفي سن مبكرة كان يحب موسيقى باخ والجاز وافلام بروس لي والكونغ فو .وكأنه يجد في اشكال التغيير المتنافرة صورة عن عصره .ومع ذلك فقد كتب للمسرح الذي ظل اكثر الفنون التصاقا بالتقاليد ."لطالما كرهت المسرح لان المسرح هو عكس الحياة لكنني اعود اليه دائما واحبه لانه المكان الوحيد الذي يقال فيه انه ليس الحياة ".
ليس من المدهش اذا تكون الامكنة في مسرحيات كولتيس استعارة عن الحياة لامحاكاة لها .امكنة مدهشة مبهمة الهوية ذات وظيفة اشكالية لان وجودها غير اكيد. امكنة تشير الى الواقع دون ان تختلط به ,امكنة معلنة في العناوين على حدود المدن ,خارج المدن,حدود الزمن "الجسر الغربي" ,"في عزلة القطن","الهروب على ظهر الحصان بعيدا في المدينة","الليلة ماقبل الغابة تماما".
تتحدث مسرحية "في عزلة حقول القطن" عن سمسار وزبون يقومان معا بصفقة غير واضحة لايتوصلان فيها لشئ لان البائع يرفض ان يعلن عن البضاعة والمشتري يرفض ان يحدد مايرغب بشرائه.تنفتح الاحتمالات اذن على المخدرات والجنس وكل الصفقات الممنوعة وحتى السياسة لكن كولتيس الذي ترك الابهام مقصودا حول نوعية الصفقة يرفع العلاقة الى مستوى اية علاقة مع الاخر :علاقة رغبة وانجذاب ,علاقة غرابة وعدوانية ,علاقة جريمة وشهوانية.كان كولتيس قد كتب دور السمسار لممثل اسود ليعمق احساس بالاختلاف الجذري وبالعدوانية المتأصلة التي لايمكن تجاوزها بين الشخصيتين .فالصراع بين السمسار والزبون هو اشبه بمعركة بين كلب وقط حسب قول كولتيس اي انه فعل حرب بلا مبرر ,عداوة متواجدة بالطبيعة بينهما وخالية من البعد البسيكولوجي هي الحرب او لنقل هي الدبلوماسية التي تسبق الحرب وربما تليها كما يقول كولتيس نفسه.
لكن هذه المسرحية لاتروي فقط طيف يتواجه الزبون والسمسار بعنف وانما ايضا كيف يكتشف كل منهم ذاته خلال الصفقة فهوية الزبون والسمسار تتحدد من وظيفتهما فقط وم نالعلاقة التي تربطهما لكن هذه الهوية التي ترتسم احيانا بوضوح كامل تصير في بعض الاحيان عصية على الامساك كثل الحوار المتدفق والمتوتر .
الشخصيات في هذه المسرحية تعرف كيف تتكلم جملها واضحة البنية ومفرداتها منتقاة بعناية والاستعارات مدروسة والبلاغات كاملة .لكن الطابع ملتوي للجمل يعبر عن المعركة الداخلية التي لاتصبح قوية عاصفة الا في لحظة المواجهة.
لكن التدفق اللغوي للشخصيات ليس ثرثرة وانما محاولة منها ان تخلق لنفسها هوية من خلال اللغة ,وان تقنع الاضطراب الذي يعتمل بداخلها وعدم اليقين الداخلي من خلال بناء كلامي معقد ,وكانها تخف بغطاء من الكذب والانكار الجرح الداخلي والخفي الذي تحمله في داخلها ويجعلها غريبة عن نفسها.
لايصف كولتيس اطلاقا الوسط الذي يبرر تصرف شخصياته لكنه يختار لها مواقع تمنع اللامبالاة او الانكفاء والهرب فأجتياز ارض السمسار يعني الالتقاء به وعقد القدرة على تجنبه بحيث يتم الانتقال من المساومة الكلامية الى العراك ففي اللحظة التي تشل فيها الصفقة لغياب الرغبة يولد العنف الذي يؤدي بالشخصيتين الى المجابهة فاذا بالازمة التي تنهي الانتظار تنفتح على احتمال الموت "ان هربت ساتبعك وان وقعت تحت ضرباتي سأبقى الى جانبك انتظر يقظتك وان قررت الا تفيق سأبقى الى جانبك في نعاسك في لاوعيك وفيما بعدهما" بهذه الكلمات يكشف السمسار في المسرحية عن احتمال هوية انه ملاك الموت الذي يبقى واقفا فوق جثة ضحيته وبهذه الكلمات يجيبه المشتري "لالن تستطيع ان تصل لشئ ليس موجودا بالاصل .يموت الانسان اولا ثم يبحث عن موته ثم يلتقي به في النهاية صدفة ,على مسار الصدفة الذي يقع بين ضوء وضوء اخر
هل كان كولتيس يعرف ان حياته على مسار الصدفة ستكون قصيرة ليطرح الموت كاشكالية؟
هل كان يعرف ان حياته ستكون قصيرة ليكتب بهذه السرعة بهذا الشغف بهذا الجنو ربما كان يجب ان تكون حياته قصيرة ليظل اشارة تعجب شهقة معلقة على منعطف المسرح.
ومن الجدير بالذكر ان الكتاب طبع في دار المدى للثقافة والنشر كان لكاتبين من اهم الكتاب المسرحيين المعاصرين في فرنسا وجمعهما معا في كتاب واحد محاولة لتعريف القارئ العربي بكتابة المسرحية اصيلة واشكالية في طروحاتها وبنيتها ومعالجتها للموضوع .وعلى الرغم من التمايز الواضح بين المؤلفين الا انهما يمثلان تيارا يحتفي باللغة ويفجر امكانياتها الشعرية الى الحد الاقصى.



