تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب أسير عاشق
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

أسير عاشق

3.0(٠ تقييم)٥ قارئ
عدد الصفحات
٤٤٩
سنة النشر
2002
ISBN
9954-409-24-6
المطالعات
١٬٩٢٢

عن الكتاب

كان الكاتب قد عكف على كتابته بين العامين 1984 و 1986، أي في الفاصل الأخير من حياته، لاستعادة الشهور الطويلة ( ما يقرب من عامين ) التي كان أمضاها في ضيافة الفدائيين الفلسطينيين في " علجون " ( الأردن ) بخاصة، في مطلع العقد السبعيني، و الجولات التي قام بها، في الفترة نفسها أو في فترات لا حقة، في أقطار المغرب و لبنان و سوريا. و سواء في إقامته تلك بين الفدائيين، في الخيم أو تحت النجم الساهر ( حيث منحه الفلسطينيون اسما حركيا : " الملازم علي "، و تصريح مرور يخول له الانتقال بين جميع الحركات و مجموعات المقاومة )، أو في جولاته في المدن العربية.....

اقتباسات من الكتاب

عندما كانت فصائل البدو تنبش جثث الفدائيين المقتولين بين عجلون والحدود السورية، لقتلهم من جديد (كانت العبارة المكرسة هي: «فلنتخفف من مائة رصاصة زائدة»)، كان الملك في باريس. هل هجر المجازر لثلاثة أيام ليجرب موديلا جديداً من «اللامبورغيني»؟ بقي شقيقه وليّ العهد في عمان. فجأة، اطبقت ثلاثة صفوف من الدبابات الحصار على معسكر «البقعة» الكائن على عشرين كيلومتراً من العاصمة. دامت المفاوضات بين نساء المخيم والضباط الأردنيين نهارين وليلتين. كانت العجائز يثرن الشفقة، والشابات الرغبة، وكن جميعا يعرضن ما لا يزال قادراً على إثارة مشاعر العسكر: «الأطفال، الأعين، التجاعيد والغضون. بدا رجال المخيم جاهلين حركة التعهر المقدس هذه. أداروا ظهورهم صامتين وراحوا يتمشون في الأزقة الموحلة، ثلاثة ثلاثة، او خمسة خمسة، يدخن الواحد منهم ويداعب مسبحة العنبر. تخيلوا ملايين اعقاب السجائر، مذهبة الأطراف، السجائر الشقراء المقذوفة إلى الأرض وهي لم تكد تولع. كان الأمراء يهدون السجائر ليعلموا الفلسطينيين جغرافية الخليج. وكان الرجال يرفضون محادثة ضباط حسين. وما أزال احسب ان الفدائيين (جميع رجال المخيم كانوا فدائيين) قد اتفقوا مع النساء، شابات وعجائز، على ان يتحدثن هنّ، فيما يصمت الرجال ليدهشوا الجيش الأردني بإصرار صادق او مصطنع. إلا ان الضباط البدو ما كانوا عارفين بأنهم كانوا امام تمثيلية مسرحية موجهة للتمويه على عملية انقاذ. فلإعلاقة الأردنيين من اجتياح المخيم، كان على الفلسطينيين ان يصمدوا انهار آخر وليلة. كانت النساء يصرخن، والصغار الذين يحملن على الظهر او يمسكن بهم بالأيدي يشعرون بأنهم تحت طائلة التهديد، فيصرخون بصوت أعلى. ولقد رحن يدفعن العربات المحملة بالأطفال وأكياس الرز والبطاطا والعدس، وعبرن حاجز الأسلاك الشائكة. أما الرجال، الغاطون بعد في الصمت، فكانوا ما فتئوا يسبحون. ـ نريد العودة إلى ديارنا. كنّ في الطريق المؤدية إلى نهر الأردن. شاع في صفوف الضباط هلع كبير. ـ كيف نطلق النار على النساء وعلى عربات محملة بالأطفال؟ ـ نريد العودة إلى ديارنا. ـ أية ديار؟ ـ في فلسطين. على الأقدام. سنعبر الأردن. اليهود أكثر إنسانية من الاردنيين. كان ضباط من الشركس، يهمون بإطلاق النار على هؤلاء النسوة وعلى صغارهن الذاهبين لعبور نهر الأردن الكائن على مسافة أربعين كيلومتراً. «يا جلالة الملك، انصحك، لا تطلق النار». كانت هذه، كما يبدو، هي الجملة التي نطق بها جورج بومبيدو امام المك حسين. فإذا كان سفير فرنسا في عمان متجاهلا على هذه الشاكلة، فإن بومبيدو كان، عبر مخبريه، يعرف انتفاضة النساء. كان كاهن مسيحي، يؤمن الاتصال بين بعض المسؤولين الفلسطينيين و(ربما) بين ما كان يدعى آنذاك باليسار الفرنسي المرتبط بيسار الفاتيكان. عندما علمت السلطات الأردنية بوجوده في المخيم، وجهت الأمر إلى القادة السياسيين والعسكريين بتسليمه إلى الشرطة الملكية. عندما كانت نساء «البقعة» خارجات من المخيم بدعوى الذهاب إلى بيوتهن في فلسطين، كان الملك حسين مدعواً لوليمة غداء تقام على شرفه في الأليزيه. كان قد قطع قسماً من جادة الأوبرا. قيل لي ان الشيء الوحيد الذي رآه الملك هو قبة الأوبرا، الخضراء الرمادية، التي كتبت عليها، بالزيت الأبيض، بحروف كبيرة: «فلسطين ستنتصر». كان راقصات وراقصون وآليون عاملون في الأوبرا قد صعدوا على السقف عشية مرور الموكب وكتبوا هذه الجملة ـ الرسالة. قرأها الملك. واذن، فلم يكن أي مكان في العالم ليبدو في منجى من الإرهابيين، وأوبرا باريس، المسكونة من قبل بشبح فانتوماس، والمسكون قبوها بما كان يدعى بـ«شبح الأوبرا»، ها هي ترى تسقيفتها مسكونة بالفدائيين. بقي هذا التحذير الموجز في كلمتين اثنتين، مقروءا لفترة طويلة، بالرغم من الأمطار والشمس، وأوامر بومبيدو الذي لا بد انه ضحك كثيراً. لكن سواء في الأوبرا او في اماكن اخرى، فقد اتيحت لي المناسبة، بعد عشرين سنة او اكثر، لان اقرأ على حيطان باريس الرمادية، عبارة «فلسطين ستنتصر». حدث المشهد الذي وصفت اعلاه بثلاثة أيام قبل ما لا أزال اطلق عليه في ذاكرتي عنوان: «الفلسطينيون: الحفلة الأخيرة في مخيم البقعة». إذا كنا نفهم ان يموت شعب دفاعاً عن أرضه، كما فعل الجزائريون، او عن لغته، كما يفعل البلجيكيون الفلامانديون او الايرلنديون الشماليون، فينبغي ان تقبل بأن يقاتل الفلسطينيون، دفاعا عن أرضهم وعن لكنتهم. إن دول «الجامعة العربية» الواحدة والعشرين تنطق بالعربية، والفلسطينيون كسواهم لهم لكنتهم، حتى إذا كانت خفية وعصية على القبض من قبل أذُن غير مدربة. وليس تقسيم المخيمات الفلسطينية إلى حارات تعيد تركيب قرى فلسطين، هذا التقسيم الذي يصون وينقل إلى هذه المخيمات جغرافية البلاد بنسب معقولة، ليس في نظر الفلسطينيين بأكثر أهمية من الاحتفاط بلكنتهم نفسها. وإلى اللكنة، يكفي حرف واحد مضاف إلى الكلمة، او منسي، او «مزدرد» لوضع نهاية مأساوية. كان سوّاق الشاحنات في حرب 1982 لبنانيين او فلسطينيين، وكان كتائبي مسلح يفتح يده، ويسأل: ـ ما هذا ويكون جزاء الاجابة رصاصة في الرأس او توديعا حاراً باليد. تقال كلمة: «طماطم» في عربية اللبنانيين: «بانادورا»، وفي عربية الفلسطينيين: «بندورة». إن حرفا واحداً، مضافا او منقوصاً، يعادل هنا الحياة او الموت. كان عدد المخيمات في الأردن عشرة او اثني عشر. استطيع ان أذكر منها: «مخيم جبل الحسين» و«الوحدات» و«البقعة» و«مخيم غزة» و«إربد». كانت الحياة فيها أقل أناقة، أقصد أقل نقاءاً مما في القواعد. كان كل من المخيمات يتمتع بصيدلية صغيرة، ملأى بعلب أدوية عتيقة فقدت مفعولها، آتية من ألمانيا وفرنسا، وايطاليا، واسبانيا، والبلدان الاسكندنافية. أدوية لم يكن احد هنا ليعرف ان يقرأ ما هو مكتوب عليها، وطرق استعمالها، وصفتها... وعندما احترقت خيام كثيرة في مخيم «البقعة»، بعثت العربية السعودية، كهدية، بمنازل صغيرة من التنك المتموج، جيء بها من الرياض مباشرة بالطائرة، واحاطتها عجائز المخيم بالاستقبال اللائق: ضرب من الرقص المرتجل، كانت منازل الصفيح او الألمنيوم تلمع في الشمس وتعكس ضياءها وحرارتها. تخيلوا مكعبا ينقص أحد اضلاعه، هذا الذي يستقر على الأرض، وقد شق، في ضلع آخر منه، باب. في هذه الغرفة، الموضوعة هنا، تحت شمس منتصف النهار، لا شك ان زوجين في الثمانين سيجدان نفسيهما مشوبين في الصيف، متجمدين في ليالي الشتاء. ولقد خطر على بال بعض الفلسينيين ان يملأوا تموجات السقف والأضلاع بالطين، وبذروا في هذه الجنينة المصغرة اعشاباً كانوا يسقونها كل مساء، ولقد نبتت فيها أزهار، خشخاش او خشخاش منثور. عندما اتطلع إلى الثورة الفلسطينية من علو يتخطاني، أرى انها أبداً لم تكن رغبة باستعادة أراض شبيهة بحقول ضائعة وحدائق للخضار او بساتين بلا اسيجة، بل حركة كبرى للتمرد والاحتجاج، تذهب إلى اقاصي العالم الإسلامي، لا الأقاصي الحدودية، فحسب، وكان واضحا لدى الفدائيين الحلم برج الأقطار العربية الاثنين والعشرين والذهاب إلى ما هو أبعد. جان جينيه أديب فرنسي، زار قواعد الفدائيين في الأردن وكتب عنهم كتاباً مشهوراً هو «أسير عاشق».

يقرأ أيضاً

المراجعات (٢)

ه
هبة الفريح
١٧‏/٨‏/٢٠٢٢
"أسير عاشق" لجان جينيه هي عمل أدبي يتميز بأسلوبه الفريد والعميق، ويعكس تجربة جينيه الشخصية مع العلاقات العاطفية. تدور الرواية حول قصة حب معقدة بين الراوي ورجل يدعى ستريتشر، في سياق يتسم بالتوتر والغموض. يستكشف جينيه في هذا العمل موضوعات مثل الحب، الرغبة، والتحول الذاتي. تتميز الرواية بأسلوبها الشعري والتأملي الذي يعبر عن تجارب وأحاسيس عميقة ومعقدة. "أسير عاشق" تعد تجسيدًا للأسلوب الأدبي المميز لجينيه، حيث يقوم بمزج الواقعية بالتصوير الأسطوري، مما يخلق تجربة قراءة غنية ومتعددة الأبعاد. يعبر العمل عن مشاعر وأفكار جينيه بطريقة تجعل القارئ يشعر بعمق العاطفة والتجربة الإنسانية. تعتبر الرواية مثالًا على الأدب الذي يتحدى الحدود والتصنيفات التقليدية، وتقدم رؤية شخصية وصادقة للعلاقات الإنسانية. "أسير عاشق" هي عمل يمكن أن يوفر تأملات عميقة حول الحب والهوية والتعبير عن الذات.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٤‏/١‏/٢٠١٦
يكتسب كتاب جان جوني "أسير عاشق" بعداً آخر لدى قراءته الآن، في ظل الظروف القاسية التي يحياها الشعب الفلسطيني. ولعل الطبعة الجديدة والمنقحة لترجمة هذا الكتاب الفريد، والتي وضعها الشاعر العراقي كاظم جهاد تتيح أمام القارئ إطلالة أخرى على العالم الفلسطيني كما رآه هذا الكاتب المميّز. أول ما يستوقفنا في ترجمة كاظم جهاد كتاب "أسير عاشق" للكاتب الفرنسي جان جوني دار توبقال، 2002، هو المغامرة المتمثلة في اعتماد رسم جديد لاسم شهرة المؤلف Genet ليكون على هيئة "جونَيْ" بدل "جينيه" الشائعة. وهي مغامرة لأنها قد تحيل إلى اسم آخر لمن لا يعرف المؤلف وكتابه هذا. لكن كاظم يقدم عليها، بعد التشاور مع عدد من أصدقائه الأدباء في دار "توبقال" وزملائه في التعليم الجامعي في باريس، وهو ينبهنا في نهاية مقدمته لهذه الطبعة الثانية بعد طبعة القاهرة إلى طريقة لفظ الاسم، كأن تكون الواو قصيرة اللفظ وتشكل منزلة بين الضمة والواو، أما الياء فينبغي أن تكون قصيرة ومسبوقة بنون طويلة الفتحة كما لو كانت مختومة بها لا تلفظ وتمد المقطع الأخير من دون أن تكون حاضرة فيه مباشرة.مسألة ثانية تستحق وقفة أخرى، هي الأسلوب اللغوي الذي يعتمد منهجية خاصة في بناء العبارة، بناء هو على درجة عالية من الدقة في التقطيع، وفي اختيار المفردة، وفي الذهاب إلى نحت ما يلزم من مفردات أيضاً. وهو في ذلك كله يتكئ على قول جان جينيه نفسه، يرى أن على الكاتب، أي كاتب، أن يتبع في بناء عبارته وتقطيعها إيقاع نَفَسِه الخاص. لذا فهو يعمل مستنداً إلى أن في تقطيع الجمل اعتباطاً ما يخل بالضرورة بنَفَس الكاتب، من جهة، ومن جهة ثانية على أن "قارئ العربية الحديث اعتاد في السنوات الأخيرة قراءة نصوص مترجمة تنحى هي أيضاً منحى التعقيد والإطالة، لا عن سادية ممارسة على القارئ ولا عن رغبة في التلاعب اللغوي، بل امتثالاً لخيار جمالي".بعد ذلك يمكن القارئ أن يغرق في نص، ربما كان من أشد النصوص المترجمة إلى العربية صعوبة. نص يتشعب ويتفرع بلا نهاية. وأكثر ما ينطبق عليه وصف الناقد والمفكر الفرنسي فيليكس غواتاري - كما في مقدمة كاظم جهاد - بأنه يتعين قراءة هذا الكتاب الشاسع باعتباره عملاً متعدد الأصوات، أي "بوليفونياً"... عمل لا يفرض فيه الروائي - المسافر صوته وحده وأفكاره وحدها، بل يرى القارئ فيه "مصائر الآخرين وتشابك أفعالهم، حتى في الإيماءة الخفية أو شبه الممحوة، وتسمع كلامهم، المتفجر أو الموشوش والصامت، والذي يظل مع ذلك يهدر بقوة".وبمقدار ما يهمنا كتاب "أسير عاشق" نفسه، يهمنا أن نبقى مع جماليات الترجمة التي لولاها الجماليات لكان ممكناً الاكتفاء من النص بمقولات وحكايات وذكريات وتأملات، كثير منها مألوف لمن يعرف مؤلفها. لذا يصعب الوقوف على النص من دون الوقوف على لغة المترجم وهي العربية طبعاً، من دون الخوض في مدى دقة موازاتها للنص الأصلي. فهذا لا يدركه سوى عارف متعمق في اللغتين ذلك لأننا أمام عمل يمتزج فيه الجمالي والوجودي، وتأتي فيه الصور الشائقة وشبه الأسطورية متداخلة مع عوالم نفسية داخلية.تحتل علاقة جوني بالفلسطينيين المكانة الأولى في هذا الكتاب، مع حضور لعلاقته مع الفهود السود في الولايات المتحدة الأميركية عام 1970، وهو كان قام بجولة على الجامعات الأميركية برفقة الثوريين السود وشن معهم حملة لإطلاق سراح بوبي سيل، قبل العيش مع الفلسطينيين ومعرفتهم جيداً. هذه العلاقة مع الفلسطينيين، الذين أمضى في معسكراتهم وقواعدهم فترات متقطعة بين 1970 و1971، ثم في عام 1982 في بيروت... وشهد خلالها مجازر صبرا وشاتيلا، لا تقوم على اساس "تضامن بسيط" بل إنها له "مناسبة لتفاعل حيوي"، فهو أحبهم لـ"نضالاتهم الميتافيزيقية" المتمتعة بقوة ميتافيزيقا تضع تحت طائلة السؤال سلَّماً للقيم... وتجعله يحاكم العالم من منطلقات مثالية في ثوريتها.وصحيح أنه تعذر عليه - يقول - كما يتعذر على أي شخص غير فلسطيني، أن يصبح فلسطينياً، لكنه استطاع أن يحول وجوده بين الفلسطينيين وجوداً على درجة من التصوف. كانت رؤية جوني لتحول الفلسطينيين، وبسرعة قاصفة، من مجرد "منفيين ولاجئين إلى ثوريين مصممين على استرجاع هويتهم وأرضهم"، كافية لوضعه في قلب القضية... ليس لعدالتها، بل لصوابها ودقتها.ولكثرة ما نجد في الكتاب من قصص وحكايات، ومن شعر وتأملات، تؤكد عمق هذه العلاقة، تكفي الإشارة إلى قصة واحدة احتلت مساحة كبيرة في مخيلة المؤلف وصنيعه، وملأت عليه كيانه، هي قصة الثنائي "حمزة وأمه الأرملة" اللذين قابلهما جينيه ما لا يزيد على أربع وعشرين ساعة، عام 1970، لكنه ظل مسكوناً بهما، بصفتهما ذلك الثنائي، حتى بعد أن عرف أن لحمزة أخوة آخرين، وبعدما زار أم حمزة عام 1984 وكانت مع أحفادها أبناء بناتها، وكان حمزة هاجر إلى ألمانيا... وحين كتب جوني كتابه، كانت صورة الثنائي، بتفاصيل شديدة الحميمية هي التي تلاحقه.عن هذا "الزوج" الذي شعر معه جوني بدرجة عالية من الألفة، تصل حد الشعور العائلي الذي يفتقر إليه طوال حياته، كتب "لم أكن أبداً أتخيل أحدهما وحده: هما دائماً في زوج، أحد طرفيه مأخوذ في هيئته اليومية ومقاييسه الفعلية، والآخر عملاق، حاضر ببساطة، بقوام جسم أسطوري وأبعاده. ولتلخيص ما كان عليه هذا التجلي، ربما كان يجب الكلام عن زوج مسخيّ، أحد عنصريه بشري والآخر خرافيّ. لا تعبر هذه الأسطر بالطبع عما حدث إلا برداءة، ذلك أن الصورة لا تظل ساكنة أبداً...الخ".انتظار أربعة عشر عاماًاحتاج جان جوني أربعة عشر عاماً بعد رحلته الى الفلسطينيين أو معهم، ليكتب عنها وعنهم، وربما الأصح القول إنه يكتبها ويكتبهم، من الذاكرة فقط وبلا أية مدونات، في كتابه هذا، الذي شكل خاتمة لرحلة العمر والتشرد والتمرد التي عاشها، من جهة، وامتداداً لما سبق من مؤلفات من جهة ثانية. ورحلة المؤلف - بتعبير كاظم - التي بدأت بـ"الحرب التي شنها على المجتمع" ثم راح بعدها "يدعو إلى تفكيك الأخلاقية الغربية السائدة... مندفعاً من تمرد أول، فردي واحتجاجي، إلى تمرد ثانٍ أقوى ممارسة وأرفع مقاماً وأكثر نجوعاً نجاعة وحدّة.في حوارات مع سعد الله ونوس، جرت بين عامي 1970- 1974 صدرت ضمن كتاب "شعرية التمرد"، دار كنعان، دمشق، لا يتورع جوني عن التصريح "أنا عرقي ضد البيض - يقول - أو بكلمة أدق ضد العرق الأوروبي، ولهذا فمن الطبيعي أن أكون مع كل العروق الأخرى المضطهَدة...". بل اعتقد دائماً أن ما عليه فعله، هو تدمير الغرب وحضارته. لذلك كان طبيعياً أن يتواجد مع الحركات التي تحارب الغرب، وتحاول زعزعته. ولأن "إسرائيل هي الغرب مزروعاً في بلادكم - كما يعبر - فإن عدالة القضية في حال المقاومة الفلسطينية هي بالنسبة إلي بداهة". و"حين تصوغ المقاومة الفلسطينية برنامجها... لتدمير بؤرة الرأسمالية الغربية، إسرائيل، توضع القضية على مستوى أوضح...".لم يكن جوني إذاً، كما رأى سارتر، مجرد الشخص الذي لم يحصل على حب الآخرين، ولذلك "أراد إثارة كراهيتهم في كتبه، وهو بتأليفه كتباً على هيئة أفخاخ، يدفع الآخرين الى أن يروه كما يريد أن يُرى: السارق الذي يعرفه الجميع". كان كذلك ثورياً أكثر بكثير من الثوريين الذين يصورهم في كتابه هذا. فهو يبدو عميق الوعي حيال ما يجري في الثورة الفلسطينية، كما إزاء غيرها من الثورات المعاصرة، والثورات التي جرت عبر التاريخ أيضاً. وهو يتنقل في تصويرها والربط بينها، تنقلات سلسة وثرية ومدهشة في كشفها عن جوانب غير يسيرة الاكتشاف. فيتوغل مثلاً في قراءة تاريخ بعض العائلات الإقطاعية الفلسطينية، ثم يرى إلى دورها في الثورة، وطبيعة علاقتها بالقيادة، فياسر عرفات "استخدم هاتين العائلتين لم يصرح باسمهما اللتين يبدو لي أنهما استخـدمتاه بـصـورة مـن الصور".ويتناول بشغف ورقّة ما يسميه "ذاكرة الفلسطينيات العريقة، والمؤلفة من نقاط التطريز ذاتها في الأثواب العتاق"، بما هي "تجميع ذاكرات جزئية وفورية يلحمن أطرافها لمعرفة ما إذا كان ينبغي شراء خيط أو وضع ثلاثة أزرار أو رفو سروال...". فهو يطوع اللغة ويفعل المترجم فعله في هذا لوصف أدق التفاصيل والمشاعر، ليربطها بأشكال من المعاناة والشقاء الباديين على الأرامل والأيتام. ويلتقط مسألة على قدر من الأهمية، هي علاقة العرب، شعوباً وأنظمة حاكمة، بالمقاومة، فيفصح عن فهم عميق لهذه العلاقة، ويرينا حضور الثورة في الأدب العربي، والشعر خصوصاً، إذ منذ 1970 "انهال على فلسطين، كما لو ليطمرها، أدب عربي عجيب". وعلى رغم أن "المبالغة في الصور كانت تخدم النضال" كما يقول بسخرية، فهو يتساءل إذا لم تكن النتيجة هي "دمغ هذا النضال بعدم الوجود، أو منعه من التحقق". فهل تعني هذه المسألة أكثر من كون العرب قبلوا "بهذا الترف الشائق المتمثل في "تمجيز" من المجاز النضال في قصيدة"، بدلاً من أن يناضلوا؟وعلى ما يظهر من تمجيد المؤلف للثورة، فهو يوحي بأن الثورة كانت، حتى في عز التماعها، تكشف عن علامات تدل على تعبها وكونها آيلة للزوال كبرق جميل خاطف. "كان الفدائيون يمارسون أفعالاً خاطفة" في المعنى الفاعل لكلمة "الخطف": الذهاب "تحت جنح الظلام لإلقاء قنابل أو زراعة ألغام في إسرائيل. رحلة قد يعود منها، فيكون كمن عاود الصعود من الجحيم، أو لا يعود". كما أن الفدائي نفسه كان مسكوناً بزواله ويعرف ذلك ويطوعه بنضال نفسي ووجودي أقرب إلى الكشف الصوفي.وأخيراً، نشير إلى مسألة خطيرة، طرقت كثيراً في كتابات عربية، هي تناول نظرة جوني وحديثه عن "الانجذاب إلى جمال الفدائي الفلسطيني". وهنا - ونترك الحديث للمترجم كاظم جهاد الذي يرى أنه - ينبغي تلقي مفردتي "الجذب" و"الجمال" في محمولهما الدقيق الذي لا علاقة له بمثلية جوني الجنسية. فالجمال المقصود يتجاوز الجمال الجسدي، إلى جمالية كيانية تشمل الإيماءات والفضاء والعالم والوقت... فقد افتتن جوني بمقدرة الفلسطينيين والفهود السود على اجتراح صور باقية وعميقة، شائقة وشبه أسطورية، بها يتحدون بؤسهم وشظف العالم.ويصرّح جوني في كتابه، بأنه وصل إلى الفلسطينيين شيخاً تجاوز حياته الجنسية وصار مجرد "نظرة"... ويضيف: "ان أدنى إعراب عن جذب اروسيّ كان سيثير غضب أدنى فدائي"... ثم يؤكد "كان أول فدائيين رأيتهما من الوسامة حتى انني دهشت أنا نفسي كيف لم أشعر تجاههما بأية رغبة"... و"إن نوعاً من الرقابة الذاتية لا يفتأ يرافقني ما إن أكتب عن الفلسطينيين". وفي مقطع آخر يقول إنه كان مسحوراً بالثورة، مغويّاً "أتصرف كأسير عاشق"، عدا أن تولهه كان بالمكان، وأخيراً فهو يعترف "كان محرماً عليّ أن أغرم بعليٍّ. كان يفتنني جمال جسده ومحياه، وخصوصاً بشرته، لكن ما نفعل بالإيديولوجية يا رفيق؟". وهذا لا يعني اختفاء الآروسية من صفحات هذا الكتاب، بل إخفاءها أمام الفدائي!ونختم برأي كاظم جهاد، القائل: إنه لن يشعر بالاغتراب البتة، لدى قراءة هذا الكتاب، كل من عرف أعمال جوني السابقة، وتابع اختراقه لعوالم السجناء والثورات الإسبانية والجزائرية والزنجية... هذا كله هو ما شكل عالماً خاصاً تنهض به بلاغة أو كتابة بالغة التميز...