
مجاني
الدمية الروسية
تأليف هنرييت عبودي
3.0(٠ تقييم)•١ قارئ
عن الكتاب
"الدمية الروسية" مجموعة قصصية تتألف من أربع عشرة قصة تجمع بينها قدرة السرد التي تمتلكها المؤلفة وهي تتصدى للتعامل مع تقلبات الحياة، وأعبائها التي تتجلى واضحة في شخصيات أبطالها القصص لا تنأى بنفسها عن تحولات الإنسان في هذا العصر، وهي كذلك تكسر الأسلوب النمطي الذي اعتاد القارئ على التعامل معه. فهنا تتعدى الرؤى، والشخصيات، والأحلام حيث تقترب الكاتبة رويداً رويداً من ملامسة أعماق النفس الإنسانية و:أنها ترسم لوحة تستوعب كل عناصر الحدث بأسلوب تتجلى فيه مهارة الكتابة، والقدرة على توليد الحكايات وطرح الأسئلة.
عن المؤلف
ه
هنرييت عبودي
روائية سورية وزوجة المفكر جورج طرابيشي
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (٢)
المراجع الصحفي
٢٦/١٢/٢٠١٥
«الدمية الروسية»، عنوان المجموعة القصصية التي صدرت مؤخراً للأديبة هنرييت عبودي، عن دار المدى ـ دمشق 2005.والدمية الروسية كما هو شائع: «.. دمية خشبية ملونة مؤلفة من شقين، إذا فصل أحدهما عن الآخر انكشفا عن دمية مماثلة ولكن أصغر حجماً. وهكذا دواليك..» ص25. هذه الدمية وضعتها علياء مازني على أحد رفوف الخزانة الزجاجية في صالون بيتها، وكانت: «.. قد صفّت على ذلك الرف أربعاً منها على نحو متدرج، وقد كررت مراراً على مسامع وصيفتها بأن ثمة دميتين لاتزالان في جوف الرابعة». ص25، كما أنها حذرت تلك الوصيفة من أن تحاول فتح تلك الدمية الحبلى بدميتين. علياء مازني هذه هي، زمنياً، أول العلياءات المازنيات الثلاث. وهي أديبة من أصل عربي، عاشت في باريس وماتت فيها بتاريخ 23 نيسان 1791، وقبل موتها بلحظات أخرجت إحدى الدميتين من جوف الدمية الرابعة. يبدأ سرد القصة مع علياء مازني الأخيرة/ الثالثة، التي ستكشف لنا حكاية سميتيها وشبيهتيها في الأصل والمهنة وتاريخ يوم الوفاة، إلا أن كلا منهن يفصلها عن الآخر قرن كامل.وقد بدأت علياء مازني الأخيرة لعبتها بحثاً عما يربط أو يفصل الوهم عن الحقيقة، الصورة عن الواقع، أو ربما بحثاً عن الموت. بدأت لعبتها هذه، ودون قصد، أثناء زيارتها لمقبرة المشاهير في باريس، وهنا تفاجأ بقبر كتب على شاهدته: «علياء مازني ـ أديبة ـ ولدت عام 1849 وتوفيت عام 1891». وبعدها جهد وتقص مضنيين، يصحبنا السرد المشوق وتصحبنا علياء الثالثة لاكتشاف حكاية صاحبة الضريح، في أحد الكتب المغبرة، وقد كتب عنها: «علياء مازني ولعبة الأوهام القاتلة» ثم يسرد في النهاية كيف ماتت هذه الأديبة وحيدة في بيتها أثناء قراءة لكتاب ورد فيه شيء من سيرة علياء مازني الأولى، تلك التي عاشت في القرن الثامن عشر. وتنتهي القصة بموت علياء مازني الثالثة، التي كانت في لحظات حياتها الأخيرة وحيدة هي الأخرى في بيتها، تقرأ في الكتاب المغبر حكاية سميتيها وشبيهتيها. وبهذا نكتشف أن الدمية الرابعة كانت تحوي دميتين /امرأتين/ علياءين وأنهن ثلاثتهن بالإضافة إلى عناصر التشابه الآنفة الذكر، مصابات بلوثة الأوهام القاتلة، مشغولات في التفكير بأمر الوجود وعبثيته، وأمر هذا الكائن البشري الذي لا يعني أكثر من أنه دمية ترسم له الأقدار طريقه ومصيره. ولكن أي معنى «أرادته القصة في تركيزها على ذلك التشابه والتطابق بين الشخصيات الثلاث؟ لعلنا نجد إجابة ما في قصة أخرى بعنوان «الدوامة»، هنا نلتقي شابة في العشرين من عمرها، تتيه بحثاً عن العلاقة بين الصورة والحقيقة، بين الماضي والحاضر، بين الذات والآخر. وتبدأ القصة في أحد المقاهي الذي كان نقطة انطلاق لبحث الشابة عن هوية وحقيقة فتاة رأتها في بوستر كانت قد اشترته من محل لبيع الأشياء القديمة، وقد ظهر في البوستر اسم ذلك المقهى حيث اجتمع ثلة من الأصدقاء الشباب أثناء احتفالهم بمناسبة ما. كما بدت صورة الفتاة، موضوع البحث، وقد انعزلت مبتعدة قليلاً عن الجمع المحتفل، واستندت وحيدة إلى أحد الأعمدة. هذا هو الإطار العام للقصة، أو لنقل للدمية، فالقصة تحوي في جوفها قصصاً أخرى، يرويها لنا الأشخاص الذين التقتهم الشابة، والذين استدلت عليهم من بعضهم، وهم شاهد عيان، لوجودهم في صورة البوستر، الصورة التي تعود إلى ثلاثين سنة خلت، والطريف أن أياً منهم لم يتفق مع الآخر، لا حول المناسبة الاحتفالية ولا حول هوية الفتاة المنعزلة واسمها، وتظل الشابة تبحث عبثاً وسبب بحثها أن شابة الصورة عشرينية أيضاً، كما أنها تشبهها شبهاً صارخاً! كتشابه الدمى! في هذه القصة يدور حوار بين شخصيتين هما «كاري دوترون» وهي إحدى احتمالات أن تكون فتاة البوستر، «وموريس بيرجيراك» أحد الرواة، وكانا يتناقشان في أمر فيلم «الدوامة» لهيتشكوك: تقول كارين: «وكأنما تحدث نفسها: «أين يقف الأنا وأين يبدأ الآخر؟ إن الحدود بينهما ليست قاطعة في مطلق الأحوال. فهناك تنافذ مستمر بين الاثنين». فيجيب بيرجيراك غير موافق: «التنافذ مستحيل ومأساة الإنسان أنه لا يستطيع أن يتخطى ذاته فهو سجين هذه الذات». فترد كارين: «ماهي الذات؟ أهي صرح قُدّ من حجر صوان؟.. «قد لا تكون أكثر من مرآة تعكس صوراً لثوانٍ ثم تجتر حنينها إليها.. إنها حنين دائم الى الآخر». وباعتقادي، إن مثل هذه الحوارات وتلك المقولات، تشكل الأرضية الأساس التي انبنت عليها قصص المجموعة، ولعلها أيضاً تشكل الدمية الكبرى التي تحوي في جوفها عدة دمى متماثلة، لكن دمى هنرييت عبودي/ قصصها الأربع عشرة، وقد حوى أغلبها في جوفه حكايات وقصصاً أخرى، لم تكن متماثلة حد التطابق، لتبرز هنا براعة الكاتبة في رسم بناء فني جميل، مثير بغرائبيته وشائق بجرأته، وإذا ما كانت قد زينت البناء بنوافذ متشابهة الأطر، إلا أن هذه النوافذ تختلف في زخرفتها وألوانها وإشعاعاتها، وهو بناء استند إلى ركيزة واحدة، لعلي أستطيع إيجازها بالقول: هي قصة الإنسان وبحثه الأبدي والعبثي عن كنه ذاته وحقيقة وجوده في هذا العالم الملغز. وفي هذا البحث عن الذات، تختار الكاتبة مواضع لقصصها بين الحد الفاصل بين الذات والأنا، بين الأنا والآخر، بين الوهم وا لحقيقة، بين الصورة والواقع وأيضاً بين الحياة والموت. وبأناقة فنية وأدبية متأنية تتوالى الحكايا، والأحداث تترى وتندفع الشخصيات وتتعدد كثيراً، دون أن يشكل هذا التعدد الوافر عبئاً على السرد.. فلكل شخصية وظيفتها السردية: شخصيات تائهة، ملتاثة بحمى البحث والتقصي، والدوران في لجج أسئلة وجودية عصية؛ شخصيات تبحث عن وجهها الحقيقي، عن حاضرها وماضيها، وذاتها التي تحن إليها دائماً (كما في قصة «الدمية الروسية» و«الرحيل الى البحر»، «الدعوة»، «الدوامة»)، شخصيات أخرى تبحث عن بدائلها تتمسك بها، بدائل تشكل الحلم الذي نرومه لأنفسنا حين نعجز في الواقع، ويستلب الفقر والكذب والضياع ذواتنا الحاضرة، كما في قصص: «الانتحال»، «هاشم وهشام»، «عودة أدهم». وفي هذه القصة الأخيرة، يشكل أدهم الوجه الآخر للشخصية الرئيسية في القصة، وقد ظلت دون اسم حتى النهاية... فالاسم لا يعطى لها، بل للشخصية الحلم والمرام: أدهم، الشاب الفقير، الذي يحول الحرمان بينه وبين أن يحيا حياة سعيدة دافئة، وكأن تغييب اسمه الذي لا يحضر إلا مع الشخصية الحلم، وإلى جانب دلالته التقنية، يعني أن البؤس يلغي عنا صفة الحضور الفعلي، ويجعلنا نكرة في الحياة والمجتمع، في حين أن اسم أدهم أعطي للذات الآخرى، للشخصية التي يرغب في الوصول إليها: فأدهم هذا شاب جميل أنيق ثري يمضي أماسيه الماطرة مع الأصحاب والشراب، وفي طريقه إلى إحدى السهرات يلتقي الشخصية الواقعية، أدهم الحقيقي في «دهليز مظلم يفضي إلى بيت من البيوت التي تسمى عربية» يحتميان من المطر العاصف، ثم يفترقان وقد دار بينهما حوار قصير. وتمضي السنوات ويعود أدهم الحلم إلى أدهم الواقع وقد بات هذا ثرياً، لكنه ظل على حالة من البؤس الروحي والنفسي، وقد أشاخت السنون وجهه وجسده، بينما ظل أدهم الحلم، على حالة من الجمال والأناقة وحيوية الشباب. كأنما الحلم يبقى شاباً، جميلاً ينبض بالسعادة، مثل مطر، أخضر، ذلك المطر الذي ظل أدهم الواقع يعشقه. في قصص «التحري»، «الغرفة المقابلة»، «الواحة»، «الحديقة الفسقية»، «المطاردة» و«البديل»، نجد شخصيات أقرب ما تكون إلى الانفصامية: فهي تهرب من ذواتها دائماً، ذلك الهروب الدائم إلا لكي تبحث عنها، في الآن ذاته، وتلجأ إليها باستمرار: شخصيات مأزومة تلوب بحثاً وتنقيباً، هرولة ورحيلاً، وتذكرنا بعذابات طنطال الأبدية، ومثال على هذه الشخصيات بطلة «الرحيل الى البحر» عاشقة البحر وقت العاصفة: «كانت تتقدم ببطء شديد خوفاً من أن تباغت بمنعطف، من أن ترتطم بحاجز مفاجئ، وكانت كلما تأكدت من أن الطريق أمامها تمتد منبسطة لأمتار، تحيد بنظراتها عنها وتغامر بتفحص الأفق لعلها ترصد نوراً ينم عن وجود أنس، نوراً يخفف من وحشتها وروعها، ولا يزيدها حدة على غرار ذلك البرق الرهيب الذي كان، بين الفينة والأخرى، يمزق الحلكة المهيمنة، ولا ينحسر لمعانه الفولاذي إلا مخلفاً وراءه انفجاراً ترتعد له فرائص المطر فيزداد هطوله حدة وعنفاً». ونكتشف بعد سرد حكاية مشوقة أن الرحيل الى البحر إنما هو رحيل الى الموت، بعد تيه البحث العبثي عن تطابق الصورة والواقع، الوهم والحقيقة، ويبدو أن قراءاتها تدعم خياراتها المعذبة وأسئلتها الصعبة، فقد كانت تحمل معها في رحلتها تلك رواية «صحراء التتار» الشهيرة. لا تظل قصص هنرييت عبودي، قيد الذات والفلسفة والتأملات والتجريد، وإنما تنزل بالمجرد إلى أرض الواقع والحياة الفعلية.. ثمة بشر حقيقيون، ثمة أمكنة محدودة بمسمياتها، ثمة باريس ومعالمها الشهيرة، السيارات، المترو، نكاد نسمع قرع المطر، وهبوب العاصفة، قصص مزروعة في قلب الحياة وضجيجها. أما الشخصيات المتعددة: نساء ورجال، غربيون وشرقيون، عرب وأجانب، فتفضي بأن الإنسان هو الإنسان، بألغازه وغرائبيته، بأحاسيسه، أحلامه، توجّساته، خوفه، أسئلته، وجوده، حياته وموته.. الجميع في سلة واحدة شرط أن يكونوا قراء ومثقفين، فالمعرفة، عند عبودي، هي شرط السؤال، والسؤال هو الذي يقود الشخصيات وسرد القصص. قصص عبودي رغم هدوئها، تمور بالبحث والتنقيب والاكتشاف، أو تظل تسبح في فضاء الاحتمالات، والهدوء المزعوم سرعان ما يبدده السرد الموحش، سرد يبلبل القارئ، يبلبلنا، يلاحق أنفاسنا اللاهثة وتلاحقه هي بدورها، يفجر فينا مكامن الخوف والرعب، يضع أمامنا مرايا عدة، يجيد في دفعنا لنفض الغبار الذي آثرنا أن نراكمه على ذاتنا المجهولة، على حقيقتنا، كي نعيش بسلام وطمأنينة بدل أن نهرول في دروب الأسئلة: ما الذات؟ ما الواقع؟ ما الصورة؟ ما الحقيقة والوهم؟ من نحن؟ من هو الآخر، أنكونه؟ أم يكوننا؟ قصص تأخذنا موضوعاتها في دروب لا أمان فيها، تغرينا بلعبة الأوهام القاتلة؛ لكن سردها، تقنياتها المتنوعة، حواراتها الغنية الموجزة، تأملاتها العميقة، توالد القصص والشخصيات فيها، وعنصر التشويق الذي يهيمن على فضاء قراءتنا، كل ذلك يأسرنا بلغة شفيفة وأنيقة، لا نكاد نراها، رغم حضورها المتماسك.. فلا ترهل ولا شطط، بل هدوء وأناة يسلكان بنا دروباً آمنة، فتؤرجحنا متعة القراءة ولذتها، تدفعنا بغبطة للغوص في دواخلنا، وفي الوجوه البشرية التي تحيط بنا، ليقبع هجير أرواحنا تحت مظلة رعب السؤال: هل نحن حقيقة بشر يحيون، أم أننا مجرد دمى نوضع ونصفّ أجيالاً بعد أجيال على أحد رفوف الزمن؟ هل نحن، الحاضر الذي يحياه، مجرد صور رسمت على شاكلة نسخة حقيقية لعلنا عشناها في ماض ما؟! الكتاب: الدمية الروسية المؤلفة: هنرييت عبودي الناشر: دار المدى ـ دمشق ـ 2005.
المراجع الصحفي
٢٦/١٢/٢٠١٥
إنَّها لمتعة حقيقية أن يغطس المرءُ في قراءة هذه المشاهد القصصية القصيرة التي تؤلف الروايةَ التي نشرتْها هنرييت عبودي بعنوان الدمية الروسية[1]. وتزداد القراءةُ متعةً في نظر شخص مثلي يعيش في البيئة نفسها التي تجري فيها معظمُ أحداث هذه القصص، من حقيقية أو متخيَّلة أو الاثنتين معًا. فمن ذا يستطيع أن يفرز في العمل الروائي ما هو خيالي مما هو واقعي فرزًا دقيقًا؟!نقول ذلك بخاصة إذا كان الكاتب من نوعية هنرييت عبودي التي تتفنن في الخلط بين الواقع والخيال أو في اللعب على الحبال، حتى إنك تجد أحيانًا صعوبةً في التفريق بينهما: عالم الخيال هو واقع أيضًا عندها، له قوانينه الموضوعية؛ وبالتالي، فإن متعة القراءة مزدوجة في نظر مَن يعرف الحياة العربية والحياة الفرنسية على حدٍّ سواء، وليس الحياة العربية وحسب. فهو يجد نفسه، من حيث يعي أو لا يعي، منخرطًا في المقارنة بين كيفية رؤية المؤلِّفة للحياة الفرنسية وكيفية رؤيته هو لها – وتزداد تجربته غنى بعدئذٍ.فالقصة الأولى تدور أحداثُها في أماكن باريسية معروفة، كالمقبرة الشهيرة باسم Père-Lachaise التي تضم رفات كبار الشخصيات، من شعراء وروائيين وممثلين، ويقال إنها أجمل مقبرة في العالم – هذا إذا ما اعتبرنا أن المقبرة يمكن أن تكون جميلة! وهناك أيضًا تصوير دقيق للمكتبة الوطنية القديمة في باريس Bibliothèque Nationale. وقد ذكَّرني كلام هنرييت عبودي بالحياة الجامعية الأولى عندما كنَّا نذهب إلى هناك في الثمانينيات كي نحضِّر أطروحاتنا الجامعية ونطَّلع على مراجع لا نجدها في أيِّ مكان آخر. لقد كانت للمكتبة الوطنية طقوس وشعائر صارمة برعت هنرييت عبودي في تصويرها؛ يعرف ذلك كل مَن تردد على تلك المكتبة الفرنسية العريقة.هناك قصة ثانية في المجموعة تذكِّرنا بباريس فورًا، – وربما وجد القارئ العربي الذي لا يعرف فرنسا أو أوروبا عمومًا صعوبةً كبيرة في فهمها أو إدراك معانيها كلها، – وهي بعنوان "التحري". وهذه القصة تدور أحداثها في حيٍّ آخر جميل من أحياء باريس هو Montmartre، حيث تقع كنيسة جميلة جدًّا على هضبة عالية نسبيًّا تحمل اسمًا رائعًا: "القلب المقدس" Sacré-Cœur!وهناك قصص أخرى في المجموعة تتحدث عن بعض ضواحي باريس القريبة أو البعيدة، عن الـmétro أو عن حيِّ الأوپرا أو الـChamps-Élysées، إلخ؛ وبالتالي، يمكن لنا أن نطلق على المجموعة العنوان التالي: "مشاهد من الحياة الباريسية". إنها لمتعة حقيقية أن تعرف كيف يرى الآخرون باريس، ومن أيِّ منظور يرونه، وكيف توظف هنرييت عبودي هذه المشاهد كلَّها من أجل كتابة قصصها أو البوح بأفكارها.ميزة الكتَّاب الكبار هي أنهم يستطيعون أن يتوصلوا إلى خلق عالم خاص بهم، أي إلى خلق أجواء متكاملة، ما إن تدخلها حتى تشعر بالدفء والحميمية والنزعة الإنسانية، فتنغمس فيها إلى حدِّ أنك لا تعود قادرًا على تركها أو راغبًا في ذلك! عندئذٍ تشعر بالانخطاف أو بالانجذاب نحو عالم غريب مليء بالأسرار والمجاهل؛ وهي أسرار لا تنكشف لك معانيها إلا رويدًا رويدًا كلَّما تقدمتَ في القراءة.قصة "الدمية الروسية" التي تفتتح المجموعة تنطوي على لغز. فعلياء مازني، بطلة القصة المحاطة بهالة من الأسرار، يتكرر وجودُها ثلاث مرات على مدار التاريخ: 1791، 1891، 1991! وهي تشبه (شكليًّا على الأقل) الدمية الروسية المؤلَّفة من شقين، إذا ما فصلنا أحدهما عن الآخر تكشَّفا عن دمية مماثلة، لكنْ أصغر حجمًا، وهكذا دواليك. فهل يعني ذلك أن التاريخ يكرِّر نفسه يا ترى؟ أم هي حالة تقمص أو تناسخ؟ أم هي محاولة للتغلب على الموت وعدم الاعتراف به؟ ربما أرادت المؤلِّفة، بكلِّ بساطة، أن تقول إن هناك حتمية في التاريخ، إن هناك "قدرًا" لا يمكن للإنسان أن ينجو منه؛ وبالتالي، فلا داعي للتملص من شيء يلاحقنا، إذ سوف يدركنا لا محالة، مهما فعلنا أو اتخذنا من احتياطات! أسئلة كثيرة لا يمكن للمرء إلا أن يطرحها لدى قراءة هذه القصة التي أشعرتْني في بعض اللحظات بنوع من القشعريرة، تمامًا كما حصل لي مع قصة "الرحيل إلى البحر" وقصص أخرى أيضًا."الدمية الروسية"مهما يكن من أمر، فإن قصة "الدمية الروسية" التي تبتدئ بزيارة مقبرة Père-Lachaise، أكبر مقبرة في فرنسا، وتنتهي بموت البطلة علياء مازني للمرة الثالثة على التوالي، على مدار ثلاثة قرون، تطرح مشكلة الحتمية المرعبة للقدر الذي لا فكاك منه: فنحن ولدنا في لحظة ما، وسنموت في لحظة ما، وكل شيء "مكتوب" سلفًا. ولكن يخيل إليَّ أن هذه القصة، وقصصًا أخرى في المجموعة، وربما كتابات هنرييت عبودي كلَّها، تطرح مشكلة الموت الكرة تلو الكرة: هل هو بداية أم نهاية؟ هل نموت كي نولد من جديد، أم نموت مرة واحدة وإلى الأبد؟ربما كانت الكاتبة ميالة إلى الحلِّ الأول، أي إلى الموت كولادة جديدة أو بداية لشيء جديد، لكنْ دون أن تستطيع البرهنة عليه تمامًا. ومَن ذا يستطيع أن يبرهن عليه؟! ما مات أحد وعاد لكي يقول لنا ماذا سيحصل بعد الموت!القصة، إذن، تغوص في بحر من الأجواء الغرائبية الخارقة، في الوقت الذي تطرح فيه تساؤلاتٍ ميتافيزيقيةً عن الحضور والغياب، الموت والحياة، الواقع وما وراءه. هناك عالم آخر يتراءى خلف هذا العالم الذي نعيشه، عالم يوازيه، عالم يتصل به وينفصل عنه في الوقت ذاته؛ وبالتالي، فإن عالمنا الذي نعيش فيه قد لا يكون كلَّ شيء، على عكس ما نتوهم. وربما كانت هذه هي إحدى الطرائق لمواجهة الموت أو عدم الاعتراف به كفناء نهائيٍّ مطلق.ثمة عدة طرائق للانتصار على الموت: أولاها أن نعيش إلى ما لانهاية – وهذا مستحيل، للأسف الشديد؛ وثانيتها أن يتقدم الطب ونعيش أطول فترة ممكنة عن طريق تغيير أعضائنا كما نُغيِّر قطع الغيار للسيارات – وهذا ممكن مستقبلاً؛ وثالثتها أن نؤمن بنظرية التقمص الواردة في "الدمية الروسية" ورودًا ضمنيًّا – وهي نظرية هندوسية/بوذية تقول بأننا بعد أن نموت نولد في مكان آخر، في جسم آخر جديد. على كلِّ حال، فإن الإنسان لا يريد أن يموت: فالفناء العدمي المطلق يرعبه فعلاً؛ لذا فهو يخترع عدة حلول أو عدة أجوبة ميتافيزيقية لإطالة عمره بعد المرور العابر السريع في هذا العالم.أما القصة الثانية – "الرحيل إلى البحر" – فهي، في رأيي، من أجمل قصص المجموعة وأكثرها دلالةً على ما قلنا سابقًا؛ وهي أيضًا محاطة بأجواء مخيفة أو بمناخ سرِّي بوليسي، تقريبًا على طريقة هتشكوك. فالبطلة "الراحلة إلى البحر" في ليلة عاصفة سوداء أو في نهار ضبابي معتم لا تستطيع أن تقاوم رغبتها في الذهاب، على الرغم من المخاطر واحتمالات الانزلاق والأفق المسدود. وهي تكرر تجربة ابنة صاحبة "فندق الرحيل" نفسها (لاحظ الاسم، فهو ذو دلالة)، وهو الفندق الذي التجأت إليه مصادفةً في أثناء الطريق بعد أن اشتد عليها الظلامُ أو الضباب. أقصد بذلك أن كلتيهما ماتت بحادث سيارة وهما نازلتان صوب البحر على طريق مليء بالمنعطفات والمخاطر.المعقول واللامعقولوهنا لا نملك إلا أن نطرح هذه الأسئلة: هل يعني ذلك أن هناك قدرًا محتومًا يسوقنا نحو حتفنا إلى غير ما رجعة؟ أم هل تريد الكاتبةُ أن تقول بأن للموت إغراءه الذي لا يقاوم؟ – وبخاصة إذا ما ارتبط بفكرة الخطر وشهوة المغامرة. أم أنها تريد أن تلعب على أعصابنا بنوع من السادية المفرطة؟ أسئلة كثيرة يطرحها المرءُ لدى قراءته هذه القصة، المليئة أيضًا بالغموض والأسرار، التي تُشعِرُك في بعض اللحظات بالقشعريرة.نلاحظ هنا أيضًا حصول نوع من التقمص أو التكرار للتجربة السابقة نفسها التي رأيناها في "الدمية الروسية": فالبطلة تموت مثلما ماتت ابنةُ صاحبة الفندق وهي في طريقها إلى البحر سواء بسواء؛ وكلتاهما تقرأ كتابًا بعنوان صحراء التتار. مهما يكن من أمر، فإن القصة تطرح أيضًا مسألة الموت، لكنْ بطريقة أخرى: فصاحبة الفندق تتغلب على الموت الفاجع عن طريق المكابرة وعدم الاعتراف به. والدليل على ذلك أن غرفة ابنتها في الفندق ظلت مخصوصةً بها، لا تؤجَّر لأحد، كما ظلت أنيقة، تُنظَّف يوميًّا كما كانت عليه في حياتها. ثم إن صورها الغضة لا تزال معلقة على الجدران – إنها تنتظرها!ويمكن لنا أن نقول الشيء ذاته عن قصة أخرى بعنوان "الدعوة": ففي كلتا الحالتين، نلاحظ نوعًا من التمفصُل ما بين الواقع وما فوق الواقع، أو بين المعقول واللامعقول؛ وهو تمفصُل يؤدي إلى مقاطع سوريالية خالصة أحيانًا، لكنه ليس منحصرًا في هاتين القصتين في الواقع، وإنما يخترق المجموعةَ من أولها إلى آخرها، فيخلع عليها نوعًا من الشاعرية الأخاذة:لِمَ أصررتُ على الذهاب إلى البحر؟ لِمَ ركبتُ رأسي وعزمتُ على الرحيل، رغم هبوط الليل وتلبُّد الغيوم في السماء؟ لِمَ هذا التعنت، لِمَ هذه المجازفة، لِمَ هذا الغرور؟ الحنين إلى البحر؟! ولِمَ لا أقصده غدًا أو بعد غد؟ في وضح النهار، في يوم مشمس، لا تحت وابل من المطر وفي ظلمة دامسة! لقد نبهوني. قالوا: العاصفة قادمة لا محالة. ولقد حذروني. قالوا: الأحمق وحده يغامر بهبوط دروب البحر الملتوية في ساعة متأخرة من الليل. فخلف كلِّ منعطف هاوية، والمنعطفات فيها أكثر من أن تُحصى. مع ذلك صعدتُ إلى سيارتي، أدرتُ محرِّكها، وانطلقتُ بحماسة فائقة مخلفةً ورائي المدينة وأنوارها. انطلقتُ لأستقبل الظلمة الزاحفة ولتداهمني عاصفةٌ لم أحسب لعنفها حسابًا. وها أنا ذا وحدي في بحر من السواد، لا يخفف من وحشته ضوءُ سيارة عابرة أو حتى بصيص نور في الأفق البعيد. حلمتُ بالبحر الأزرق... (ص 29)هذا المقطع الذي يفتتح القصة مشحون بالشعر. وما معنى رواية دون شعر؟! ألم يقولوا عن بلزاك إنه أكبر شاعر في الرواية الفرنسية، على الرغم من "واقعيته" الصارمة؟ وفلوبير؟ ألا يبلغ ذروة الشاعرية عندما يحلِّق عاليًا في مدام بوفاري؟ وماذا نقول عن مارسيل پروست؟ عنوان رائعته وحده يُعتبَر بيتَ شعر: بحثًا عن الزمن الضائع! – وبالتالي، فكل كتابة لا تتحول إلى شعر في بعض اللحظات ليست كتابة. الشعر هو زبدة الفن، خلاصته، منتهاه...في قصة "الدعوة" تبلغ المؤلِّفة درجةً عاليةً من السيطرة على الفن القصصي واللعب بأعصاب القارئ، إلى حدِّ أنه ينسى كلَّ شيء ويلتهم الصفحاتِ واحدة تلو الأخرى كي يعرف نتيجة هذه "الدعوة" السرية الغامضة، المحاطة بهالة من الأسرار، على طريقة الأجواء البوليسية. وفي أثناء ذلك، لا يعدم أن يقع على مقاطع شعرية تستحق التسجيل:كانت كلما ارتفعتْ أكثر شعرتْ بارتياح أعمق. فعدد السيارات كان يتضاءل، موحيًا لها بأن الطريق قد غدت ملكها، وحجم المساحات المبنية كان ينحسر لينفرش مدُّ الغابات الأخضر. ثم أخذ الضباب ينتشر. ضباب أبيض خفيف له طعم الحنين... (ص 112-113)في هذه القصة أيضًا نلاحظ رفض الموت نفسه، لكنْ بطريقة جديدة. فالبطلة تستحضر الغائبين الأعزاء كما لو كانوا أحياء. إنها ترفض قطيعة الموت التي لا قطيعة بعدها. وهي تقول ما معناه: مادمنا نتذكر الذين ماتوا فإنهم ما ماتوا! إنهم لا يزالون أحياء بشكل من الأشكال مادامت صورهم أو محبتهم لم تُمَّحَ من ذاكرتنا.بعد أن قرأتُ هذه القصة الرائعة لم أتمالك من طرح الأسئلة التالية: ما علاقتنا بالشرائح التي كانت حيَّة من حياتنا قبل عشر سنوات أو عشرين سنة، ثم بادت وماتت؟ وكيف يمكن لشيء كان نابضًا بالحياة أن يموت ويندثر؟ كيف يمكن أن يصبح غريبًا عنا أو علينا؟ – هو الذي كان ملء السمع والبصر. كيف يمكن لمن أحببنا يومًا ما أن يصبحوا لاشيء في نظرنا؟ – أقصد في حياتنا الحاضرة التي امتلأت بأشخاص آخرين غيرهم. بمعنى آخر: كيف يمكن لنا أن نكون "خونة" إلى هذا الحد؟!للانتصار على الموت والخيانة والنسيان والقطيعة والفراق، تخترع المؤلِّفة عدة أساليب فنية: فتارة نجد شبهًا بين وجه فتاة شابة وامرأة تقدمت في العمر قليلاً؛ وتارة أخرى نجد الشخصيةَ نفسَها تتكرر على مدار القرون؛ وتارة ثالثة نجد "البديل" أو الشبيه المطابق يظهر هنا أو هناك؛ ورابعة نجد الذين غابوا كأنهم حضروا بكلِّ شخوصهم وأشكالهم، وحتى نبرة صوتهم... لا شيء يموت في عالم هنرييت عبودي إلا لكي يحيا من جديد، إما في هذا العالم أو في العالم الذي يوازيه أو يقبع خلفه مباشرة.فالبطلة، عندما تلبي "الدعوة" وتعود إلى البيت المهجور، تجده عامرًا بالذين غابوا: من أمِّها وأبيها وخالها العجوز، إلى جدتها حتى التي لم تتعرف إليها إلا في الصور لأنها ماتت قبل ولادتها... هؤلاء كلهم يعودون كي يستقبلوها، وقد لبَّت "الدعوة" بعد طول غياب! عالم بأسره تستحضره البطلة لأنها ترفض فكرة الموت، لأنها تريد أن تنتصر على الموت بالحب، بالحنان، بالذكرى العارمة التي هي أقوى من الموت!لا، لم يمت مَن أحببناهم مادمنا نحبهم، نتذكرهم، نشتاق إلى رؤيتهم، نعانق صورَهم كأنها حية تنطق. مادمنا قادرين على استحضار وجوههم، أشكالهم، ضحكاتهم، قصصهم، فإنهم ما ماتوا ولن يموتوا – أحبَّتنا الذين غابوا...








