
آلام ظهر حادة
تأليف عبد الغني كرم الله
عن الكتاب
"كانت الضحكات الساخرة تصل أذنيه وتجرحه، ولكن كشرت الكلبة عن عداوة غير متوقعة، فأوصله الخوف إلى حد الصفر، بين أن يضع للرأي العام بالاً، وبين إنقاذ نفسه، وبأي طريقة وبأي أسلوب، خاطئ أم صواب، رديء أم جيد، مضحك أم مثالي. أما أصل السوق، فالجائع نسي جوعه، والحرامي أجّل شغله، والصعلوك همدت رغبته، فقد تأجل البيع والشراء حتى يتفرجوا عليه، حتى ينسوا همومهم وغمومهم للحظة صغيرة. توقفت حركة السوق، الواقف والمنحني والجالس، وكأنهم في صورة فوتوغرافية بلا حراك، فقد استجد موضوع حين يختل نظام الحياة الصارم الممل، تطرب النفوس. ما أحلى المفارقة، وخاصة إن كان بطلها ناظراً وقوراً وكلبة عجفاء. أما الناظر فقد اختفى الوجود من عينيه، أنه لا يعرف أيسكنه كلب أم كلبة، خرج من الزمان والمكان، سوى هذا الكلب المكشّر عن أنيابه. أتجري من كلبة عجفاء يا مدير المدرسة، جري الفطرة، وليس جري التكلف، جري مياه الأمطار، وليس جري صنابير المياه. كنا نحس أن جسمه لا يعرف الخوف، هكذا خلف، جسم لا تعتريه سوى الصرامة والاحترام والخطوات الموزونة.في البدء كان يجري وهو خائف على صورته أن تهتز، فالميدان هو السوق، حيث النجار والخضرجي وبائعات الشاي، وقد كسر في ركضه كبابي الشاي وداس على كيان الطماطم والعجور، خسائر فادحة لتجار بسطاء. أحس بأن الكلب هدم كل ما بناه، وبأن حياة جديدة رسمها الكلب.. وحين اقتربت منه الكلبة فني عن الجميع، لم يعد سوى كلبة فاغرة فاها، وناب حاد يودّ أن يغوص في فخذه الثمين، جسم عجوز مهدد بالعض والتمزيق، وروح مهددة، شعر بروحه وبكيانه بكل ذرة فيه نسي المدرسة وأولاده وهمّ الرزق، كل المخاوف والحياة استحالت إلى كلبة تهدد وجوده على ظهر البسيطة، كلبة كالظل، سوف يلاحقك طوال حياتك يا حضرة الناظر المحترم، حتى لو نجوت منه".في مجموعته القصصية "آلام ظهر حادة" يحاول عبد الغني كرم الله كتابة المجتمع من خلال عين القصصي الساخر. يتنقل القاص بين طبقات مجتمعه السوداني مركزاً على بعض اللقطات، ومبرزاً وبعين الناقد تلك العادات التي تتحكم بالمجتمع السوداني. ولم يقف القاص عند ذلك، بل هو أمعن بإبراز ما تنطوي عليه النفوس في ذلك المجتمع وذلك أيضاً بأسلوب يجمع ما بين النقد الساخر والاستدراجات التي يعطي من خلالها صورة عن النفس البشرية وانتصاراتها وهنّاتها وسقطاتها وقوتها وضعفها. وذلك كله ضمن مناخات تشد القارئ إلى متابعة قراءة قصص وحكايات تموج بصور وأفكار ولقطات تنبئ عن قراءة متحفة في مشاكل المجتمع السوداني وإنسانه بصورة خاصة وفي مشاكل المجتمعات والإنسان دون تحديد بصورة عامة.
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!








