تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب جوستين
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

جوستين

3.6(٤ تقييم)١٤ قارئ
سنة النشر
2005
ISBN
0
التصنيف
فنون
المطالعات
٤٬٥٩٥

عن الكتاب

هذه واحدة من أكبر الروايات الممنوعة على مدار الأزمنة. يعتبر مؤلفها، المركيز دو ساد، دوناتيه ألفونس فرانسوا)، من أكثر الكتاب الملعونين في التاريخ، حيث يوسم بأنه منحرف، إباحي، منتهك للفضيلة، ومجنون. وإن نشر رواية "جوستين" في طبعة كاملة متاحة للجميع لهو خطوة أخرى نحو الحرية الفكرية للقارئ. كان ساد فيلسوفاً، غريباً نوعاً، فاحشاً نوعاً. لكن يستحق أن نسمعه-وحانت فرصته أخيراً. من هو الغريب الذي بقي اسمه بمصطلح "السادية"؟ والسادية انحراف جنسي تستقى فيه اللذة الحسية من الألم المبتلى، أما المركيز دو ساد فأول من وجد في العنف مادة أدبية. كتب يوان بلوخ أخصائي علم الجنس الأوروبي "كان ضليعاً في الرذيلة. فهو يحتشد واصفاً بدقة مخلصة من تجاربه ومراقباته كل الأمور الشاذة المصاحبة للحياة الجنسية في زمنه بأعماله الرئيسة. وأعماله ذات قيمة ثقافية تاريخية لا جدال فيها، حيث تطلعنا على سمات وصور ومفارقات الحياة الجنسية في فرنسا فترتي الحكم القديم والثورة العظمى". "جوستين" كابوس طويل، ينطلق بمشاهد عنف وتعذيب وانحراف مغاير. لكن هناك ما يشبه الحلم في هذا الكتاب، يبدو أن المركيز المشؤوم قد ترجم تقريباً خيالاته المحمومة عن الألم إلى ضرب من الأدب. هو كتاب مريب، كتاب مثير يستحث العقل، كما أنه كتاب مريع. لم يقرأه أحد وعاد كما كان، لأن "جوستين"، ككل أدب عظيم، تصبح جزءاً من تجربة القارئ، وإن صدف وقرأها فسيملكه فهم أشد مضاء لقوى الرعب التي تحكم العالم. رواية "جوستين" مجرد خيال طبعاً. فهي نتاج رجل مختل مستوحش منحل مريض، تصادف أنه كان عبقرية أدبية. فما من صفحة تبدي مرض ساد الواضح إلا وتبدي عبقريته أيضاً. لكن هذا الكتاب المعذب والمعذب قطعة فن خالص بالقدر ذاته. فهو يضم مكافآت للقارئ القدير، كما يقدم نظرات سيكولوجية ثاقبة لمن يود فهم تجليات الشر لا تجاهلها. إن نشر "جوستين" في هذا الوقت لهو حدث ثقافي هام.

عن المؤلف

ماركيز دي ساد
ماركيز دي ساد

دوناتا ألفونس فرانسوا دى ساد. معروف بـماركيز دى ساد (2 يونيو 1740 - 2 ديسمبر 1814). أرستقراطي ثوري فرنسي وروائي. كانت رواياته فلسفية وسادية متحررة من كافة القوانين الأخلاقية، تستكشف مواضيع وتخيلات بشر

اقتباسات من الكتاب

فصل من رواية جوستين: الماركيز دو ساد ترجمة محمد عيد إبراهيم(*) على رغم الأشواك التي ظلت تخِز جوستين بسيرتها العصيبة مع الفضيلة، كانت تعود دائماً إلى الله ومشاعر الحبّ والتسليم. وقد أيقنت أن شفاعة إلهها الطيب الذي تعبده هي وحدها ما يسّر هروبها المعجز من محفل موتا العالي. تحسّ، مهما كان هذا الحسّ، أنه حاميها على الدوام. أفلم يوجَد من هو أكثر أسىً منها؟ نعم، وهي تمتنّ عميقاً لكلّ ما صنعت يداه. بمثل هذه المشاعر ارتاحت جوستين في خان قرب بلدة ديجون. بُعيد مسافة من ديجون، وقد أوشك المساء، انسلّ خلفها رجلان، فألقيا عباءة على رأسها لحجب رؤيتها أو صراخها، صفّداها كالمجرمين وهما يسحبانها دون أدنى كلمة للمضيّ معهما. سارا بها قرابة ساعتين على درب تُخفيه عيناها المعصوبتان. كانت تتنفّس بمشقّة، فاقترح أحدهما إفساح المجال لمزيد من الهواء. كشفا رأسها. خشيت أن يستعيدها عملاء النسّاك، فشلّها الخوف. قالت "إلى أين نذهب؟ وماذا ستفعلان بي؟" ردّ أحدهما "هدّئي من رَوعكِ، فلن نفعل شيئاً. لا تدعي ما نتّخذه من احتياطات يقلقكِ. سنأخذكِ إلى سيد عظيم. يريد خادمة لزوجته، وهو علّة هذا الغموض، لكن لن يلحقكِ أذىً". "آهٍ سادتي، إن كان فيه سعادتي، فلماذا ترغموني. ولمَ الخوف من هربي؟ أنا يتيمة بائسة، أستحقّ الشفقة؛ وكلّ ما أطلبه مجرد مأوى!". قال أحدهما "هي على حقّ! فلنُرحها أكثر، فقط نمسك يديها". مسكاها وواصلا. ولدى رؤيتها خَنوعاً ساكنة، كلّماها برقّة. علمت منهما أخيراً أن من سيأخذانها إليه هو المركيز دي جرنان، نبيل ثريّ يعيش وحده بالريف. "وحده؟" "نعم، فهو زاهد فيلسوف. لا يكاد يرى أحداً". سألت جوستين "ولمَ هذه الاستحكامات؟" "السبب، كما سترين، أن زوجة سيّدنا عقلها مفكوك قليلاً. لا تترك حجرتها، ويجب مراقبتها طيلة الوقت. وطبعاً لا يبغي أحد وظيفة كهذه. فلو أخبرناكِ قبلها لتفاديت تقلّد الوظيفة، فاستوجب أن نأخذكِ عنوة". بكت جوستين "ماذا! أصبح أسيرة هذه المرأة!" "طبعاً، وما في هذا! سيمضي كلّه على خير، وسنرعاكِ ـ لا تقلقي". "يا ألله!" "هيا تعالي؛ لا أمر يدوم للأبد. كما أنها وظيفة مضمونة وفيها مال كثير". لاح أمامهم منزل كبير. يبدو خاوياً مهجوراً كلّما اقتربوا منه. أُخذت جوستين إلى المركيز، وقد تمدّد بأريكة واطئة. قربه شابان في زيّ مُخَنّثين، دهنا شعريهما بزيوت عطرة. وجهان جميلان، شاحبان كأنهما مريضان. قال أحدهما للمركيز، وهو يومئ نحو جوستين "أخيراً فتاة من أجلكَ! تفتّش عن عمل. أظنّها تنفع". فردّ "لويس. أغلق خلفكَ الباب، تأكّد أنه لن يدخل أحد حتى أدعوه". نهض المركيز دي جرنان وباشر متلمّساً ذراعَي جوستين. فحص سريع بليد، ثم سألها عن طبيعة العمل الذي أدّته من قبل. أخبرته جوستين عن حياتها فقال "رائع، أحسن شيء؛ ستنفعين أكثر في منزلي. من الطيب أن يلازم الحظّ التعس خطوات كلّ وضيع تسلّل قرب أرضنا". قالت جوستين "لكن سيدي، أخبرتكَ عن مولدي، فلم يكن وضيعاً". فنحّاها جانباً "نعم، نعم. أعي ذلك كلّه. فالناس تهوى دائماً انتحال شخصية وهُم نكرة. أوهام من الزهو. على أيّ حال، الأمر سيان عندي: فأنا أراكِ شبه خادمة، وتلبسين مثل خادمة؛ آخذكِ على هذا المحمل. مع ذلك" وتطلّع فيها حانقاً "بيدكِ، مسألة السعادة هنا. بقليل من الصبر والتمييز، وخلال عدّة سنوات سأُعفيكِ من هنا بما يكفي من المال لتعيشي في بحبوحة على حسابكِ الخاص". ثم تناول ذراعيها ثانية، الأول فالآخر، شمّر كمّيها، أنعم البصر فيها بفضول. سأل "هل نزفتِ من قبل؟" قالت جوستين، دهشةً من سؤاله "لا سيدي". فقال، يحدّق فيها نزقاً "أودّ أن أعرف قوامكِ. فليس لي أن أرى خللاً بالمكان الذي ستشغلينه، وعليكِ أن تظهري كلّ ما في طاقتكِ". حاولت إيقافه، فثار يخبرها ألاّ تلعب عليه دور المحتشمة، فلديه الوسائل الأكيدة أن تكون له اليد العليا على النساء. قال "ما أخبرتني عن نفسكِ لا ينذر بأرفع فضيلة. ولا مكان لسبل مقاومتكِ فهي مضحكة!" أدركت أنها دون حماية مع رجل قد يُحيلها لتراب بلكمة من قبضته، فخضعَت. أومأ المركيز لرفيقيه الشابين، فاقتربا من جوستين وحضناها، مسّها بخشونة وهو ممتلئ حماسة عنيدة. ثم شدّها لحجرة مجاورة فيها شابان جميلان آخران يعملان بالتطريز. نهضا عند دخول المركيز. قال لأحدهما "نرسيس، هذه خادمة زوجتي الجديدة؛ سأختبرها. فسلّمني المباضع". فتح نرسيس علبة فأخرج أدوات النزف. قال المركيز للشاب الآخر "أرِحها، يا زفير". أُسندت على ركبتيها جنب كرسيّ عال وسط الحجرة. ثم ثُبّت ذراعاها بوشاحين أسودين موصولين بالسقف. اقترب المركيز، بمبضع في يده. عيناه رطبتان، لاهث الأنفاس. فربط ذراعيها، وشرع ينخسهما بحركات سريعة كالطير. بدأ دمها ينبجس، وكان على وقع المنظر ينخُر باللذة. مضى ليجلس مقابل جوستين، بُعيد ستة أقدام. نضّ عنه ما يلبسه من رداء خفيف. ولم ينحّ عينيه المحترقتين لحظة عن الدم الذي ينقّط منها في وعاءين أبيضين تحت ذراعيها. لبث نرسيس وزفير جنب سيدهما المنكبّ على رؤية الجداول الحمراء التي تطقّ بالوعاءين. أحسّت جوستين نفسها موهَنة للغاية. قالت وهي لا تكاد تلهث "كفى، لخاطر الله كُفّوا!... ارحموني... إنني أتهافت...". وبدأت تترنّح، لكن الوشاحين منعاها من السقوط. فمال رأسها على جانب من كتفها وتلطّخ وجهها بالدم. ** رُدّ على جوستين الوعي، فوجدت نفسها راقدة بفراش دافئ وثير. قربها مرأتان عجوزان، قدّمتا إليها بعض المرق مجرد أن فتّحت عينيها. أمرها المركيز صباح اليوم الرابع أن تأتيه للكلام معه. فاقتيدت لحجرة استقباله، وهي مضَعضَعة نوعاً. قال وهو يرشدها لتجلس "تريز، لن أجرّب عليكِ هذا ثانية، نادراً. ستفيدينني في أغراض. أردتُ فقط أن أعطيكِ فكرة عن أهوائي. مع ذلك، ستكون هذه نهايتكِ لو مرة خنتني، بأيّ طريقة، أو أدخلتِ زوجتي تحت رحمتكِ. لكن لا تتصوّري أني أعاملها هكذا من ضغينة أو احتقار. بل ملء عاطفتي. لا شيء يعادل ما أحسّه من لذّة وأنا أفصد دمها! فهو يفضي إلى رأسي ببساطة وأنا أراه يتدفّق. لا أتمتّع بطريقة أخرى قطّ، على رغم مضيّ ثلاث سنوات منذ زواجي بها. كلّ رابع يوم تتلقّى المعاملة ذاتها التي جرّبتِها. ولأنها في حدود العشرين، فشبابها يتحمّل، مع الرعاية التي تلقاها. وهذا السبب الذي لا يجعلني أُفلتها أو أسمح لها برؤية أحد. أُوهم الناس أنها مجنونة، بينما تعيش أمها، قريبتها الوحيدة، على بُعد ستة أقدام من هنا في قصرها، مقتنعة أنها لا تجرؤ على المجيء لرؤيتها. ستواصل زوجتي هكذا طالما تستطيع، ولن تحتاج شيئاً وهي تحيا هنا. أحبّ أن أُتلفها على مهلٍ، إلا أنني أسعى لبقائها على قيد الحياة قدر الممكن. بعد أن يُعجزها الصمود، ليُعنها اللهّ! فهي امرأتي الرابعة ـ هناك جميلة أخرى ستكون الخامسة. ولا يسبب لي مصير امرأة أدنى اضطراب. ففي الدنيا كثيرات منهن، ولا يسعدنا غير تبديلهنّ! فكوني هكذا قدر استطاعتكِ. مهمتك، يا تريز، رعايتها. فهي تخسر كمية منتظمة من الدم كلّ أربعة أيام. لا يُغمى عليها الآن، فقد اعتادت عليه. يدوم شحوبها أربعاً وعشرين ساعة؛ وتُمضي الأيام الثلاثة الأخرى على خير. لكنكِ بسهولة تدركين أنها تبغض هذه الحياة. ستفعل أيّ شيء ليُطلق سراحها، أو لتدع أمها تعرف حالتها الحقيقية. ظفرت مرة بثقة خادمتين، لكني كشفتهما في حينها، فأوقفتُ المناورة. تسبّبَت في موت البائستين وتندم على ذلك حتى اليوم. وهي مستسلمة أكثر الآن في تقبّل مصيرها، وتعد بألاّ تسعى للظفَر بثقة المزيد مما أجلبه إليها من خادمات. لذلك أُضطرّ لأخذ الخادمات عنوة، كما في حالتكِ، كي أتفادى الدعاوى القضائية. لن آخذكِ لمنزل أحد، لن أعطي تفاصيل عنكِ لأحد، وسأفعل ما يحلو لي معكِ لو حاولتِ خيانتي. لن أورّط نفسي في متاعب حتى لو قتلتكِ. ويُستحسن، يا طفلتي، أن تحسبي خطواتكِ، أحذركِ. أيّ خداع سيودي بكِ حتماً إلى الموت!" لم يكن هناك المزيد ليقال، فتبعت جوستين سيّدها. مرا عبر صالة طويلة معتمة. فُتح باب فدخلا حجرة بَينية، حيث نهضت العجوزان اللتان طبّبتا جوستين طيلة مرضها فأدخلتاهما شقّة بديعة واسعة. كانت المركيزة على كرسيّ عال، تطرّز، فوقفت حين رأت زوجها. قال لها المركيز "اجلسي. لا يضيرني إنصاتكِ لي جالسة. لقد وجدتُ لكِ خادمة، أخيراً. آمل أن تذكري ما حدث للأخريَين ولا تُدخلي الفتاة في المحنة نفسها". قالت جوستين "لن يُجدي نفعاً"، وهي شغوف لمساعدة المرأة تعسة الحظ فتحاول التعمية على نواياها الحقيقية أمام المركيز. "سيدتي، عليّ أن أخبركِ في وجهكِ أنه دون جدوى. سأُبلغ المركيز عما تقولينه لي. لن أُعرّض حياتي للخطر من أجلكِ". فردّت المركيزة، غير مدركة دوافع جوستين الحقيقية "لن أفعل ما قد يُعرّضكِ للفضيحة. فلا تقلقي، لا أحتاج منكِ فعل شيء خارج خطّ واجباتكِ". "كلّ شيء لأجلكِ سيدتي، ليس أكثر!" سُر المركيز فصافح جوستين هامساً في أذنها "عظيم، يا تريز! يتوقّف حظّكِ على فعل ما تقولين". ثم أرشدها لحجرتها، لصق حجرة المركيزة. جعلها تلحظ أن الشقّة موصدة من الداخل بأبواب قوية، والفتحات مُؤمّنة بقضبان شبكيّة مزدوجة، مما يضعف أملها في الهرب. أضاف، وهو يقودها إلى حديقة صغيرة بمستوى الشقّة "هاهي الشرفة. لا أظنّ بكِ الحمق أن تفكّري بتسلّق جدرانها. قد تأتي زوجتي هنا لتستروح الهواء النقيّ كما تهوى، لكن يلزمكِ صحبتها. ذلك ما يخصّكِ حالياً ـ فوداعاً". دخلت جوستين لرؤية سيّدتها. نظرت كلٌ للأخرى بدون كلام. مدام دي جرنان، شابة لا تتعدّى العشرين. طويلة نحيلة رشيقة. شقراء بعينين بديعتين سوداوين ملؤهما تعبيرات رقيقة. أنف دقيق، جِلد أبيض، ذقن بديع، فم صغير بأسنان براقة، محيط وجهها بيضاويّ ناعم ـ المركيزة، مثال لجمال المرأة. على رغم نحولها، فهي بديعة القوام مكتنزة. كما تبدو طيبة حسّاسة. سألتها جوستين "متى نزفتِ آخر مرة، سيدتي؟" "من ثلاثة أيام. وغداً موعدي ـ نعم، غداً سترين المشهد الرائع!" سألت جوستين "ألا يوهن منكِ؟" "يوهن مني! يا إلهي! لا زلتُ بالعشرين، ولا أظنّ المرء يحسّ بالوهن إلا قُرب السبعين. ولكلّ نهاية، فحمداً لله!" جعلت هذه الكلمات جوستين تنقبض، فكتمت آلامها، لم تودّ أن تُبين عن مشاعرها الحقيقية نحو المركيزة. حان عشاء المركيزة. جاءت العجوزان لتوصية جوستين أن تأخذها إلى حجرتها. جلست المركيزة تدعو جوستين بنظرة ودّ وصداقة للجلوس والعشاء معها. بالمائدة عشرون صحنا على الأقلّ. "طالما الطعام مخدوم فمعناه أنهم يهتمون برعايتي جيداً، كما ترين". ردّت جوستين "نعم، أعرف أن المركيز يودّ رعايتكِ على أكمل وجه". "آه، لكن بمعرفة دوافعه، لا تفرُق هذه المجاملات كثيراً معي". ولأنها منهكة دائماً، فهي تأكل كثيراً. بعد العشاء ذهبت المركيزة تستروح أنفاساً في الشرفة. تسندها جوستين بيدها؛ ودون هذا العون لا تسير عشر خطوات. أبانت عن ذراعيها إلى جوستين، الندوب تغطّيها. "ولا يتوقّف هناك. فلا جزء إلا ويريد رؤية الدم يدفُق منه". كشفت رقبتها، قدميها، كلّها ندوب. ثم خلدتا للنوم. كان اليوم التالي موعد نزف المركيزة. وقد شرع المركيز في العملية فور خروجه من العشاء، قبل عشاء زوجته دائماً، يطلب من جوستين أن تأتي للجلوس معه إلى المائدة، لتشهد شراهته الهائلة في نظامها المعهود. يقوم أربعة خدم بتقديم وجبته المهولة. تُقدَّم الأصناف الرئيسة أولاً؛ ثم ضلع غنم على الطريقة الإنجليزية، ثمانية أصناف لحم جانبية، خمس دورات لحوم ثقيلة، خمس للّحوم الأخفّ، رأس خنزير بريّ بين أصناف اللحوم المشويّة الثمانية؛ ثم أُبعدت لتقديم دورتَي حلويات دسمة وستة عشر صحناً من الفاكهة، ومثلّجات، ستة أنواع نبيذ، أربعة أصناف خمر، وقهوة. تناول المركيز من كلّ صحن. احتسى اثنتي عشرة زجاجة نبيذ: أربع برجاندي عند بداية الوجبة؛ أربع شمبانيا مع اللحم المشويّ؛ وتجرّع مع الحلويات توكاي وهرمتاج وماديرا. وانتهى بزجاجتَي خمر أيلنز وعشرة فناجين قهوة. نهض عن المائدة خطوته منتعشة، كالخارج تواً من الفراش، فخاطب جوستين "هيا نذهب لنُنزف سيدتكِ الآن. أودّ أن تبلغيني إن فعلتُها معها جيداً كما فعلتُ معكِ". وكان شابان لم ترهما جوستين من قبل عند باب شقّة المركيزة، حيث دخلوا كلّهم. وهناك شبّان آخرون. لدى المركيز اثنا عشر منهم، يبدّلهم كلّ عام. تلبس المركيزة رداء خفيفاً، أنزلوها على ركبتيها بمجرد دخول زوجها. سأل "مستعدّة؟" ردّت خانعة "لكلّ شيء، سيدي. تعرف أنه ليس لي غير طاعتكَ". فأمر المركيز عندئذ جوستين أن تأتي بزوجته إليه. كانت المركيزة على إلمام تامّ بكلّ إجراء، تجتاز التمهيدات من تلقاء نفسها. وبين هذه المراسم، رفاق المركيز يستحثّونه على الإثم. دُهشت جوستين من أن هذا الرجل الضخم بشكله المرعب كان، على رغم جُرمه، إنساناً صغيراً فعلاً. والدليل أمام عينيها: كأنه طفل بالثالثة، بأدقّ زائدة، في حجم حُمّصة تقريباً. أخيراً، طقّت عيناه شراراً، فنخس زوجته بمبضعه؛ لكن قروحه كانت خفيفة ـ نمّ عنها نقطة دم أو اثنتان فحسب. جلس ثانية فمنحها فترة استرواح، يشغل نفسه مع اثنين من رفاقه. يتلقّى المركيز الكثير، لكن لا يمنح شيئاً بالمقابل؛ لم يكن لأكبر الجهود بالنظر إلى تُخمته وعجزه أن تُوفّق في سحبه من خَدَره. لا شيء هناك يدلّ على عنف عواطفه. مسك زوجته ثانية، وضعها كما وضع جوستين، يداها مربوطتان بوشاحين طويلين إلى السقف. وعُهد إلى جوستين برعاية شدّ الأربطة. عاين القيود، فلم تكن مشدودة كفاية فضغطها بإحكام أكثر. جسّ أوردتها وهو ينخسها تقريباً بالوقت نفسه. بدأ الدم يدفُق، وكان سعيداً. ظلّ عشر دقائق في هذيانه، يقاوم نفسه كامرئ يفيق من الصَرَع. جيشان صراخ يُسمع من بُعد ميل وخوار بتجديف بذيء، ارتطم بكلّ ما في طريقه. فاضطرب اثنان من رفاقه. ومنهكاً، هدأ أخيراً. ركضت جوستين فوراً جنب المركيزة، لتوقف دفق الدم، فكّتها، فأخذتها إلى كنبة. كانت موهَنة مرتخية إلى حدّ مفزع. ودون أن يزعج المركيز نفسه، سار بتهور للخروج مع رفاقه، تاركاً جوستين تعيد كلّ شيء إلى نصابه على هواها. أبلغت المركيزة، وهي راقدة، جوستين أنها فقدت دماً هذه المرة أكثر من العادة. لكنهم ينفقون عليها كثيراً من الرعاية والمنشّطات. اكتشفت جوستين حالاً سرّ دخولها خدمة المركيز. فهو يعرف أن قليلاً من النساء يسعدنه كثيراً. وهكذا اكتسبت مزايا خاصة إلى ثقته. ذات صباح طلب المركيز من جوستين المجيء إلى حجرته لنقاشها في وسائل مستجدّة للنزف. أنصتت بانتباه إليه، تستحسن براءته. كان هادئاً وتمنت أن تُليّن منه بشأن زوجته. فقالت "كيف تعامل زوجتكَ هكذا! انظر كم هي جميلة!" "آه يا تريز، ذلك ما يثيرني! اسمعيني، فتاتي العزيزة"، وواصل، يومئ أن تجلس جنبه "مهما قلتُ عن جنسكن، فلا تغضبي؛ سأعطيكِ أسباباً معقولة. بأيّ منطق في ظنكِ أن الزوج ملزم بإسعاد زوجته؟ وبأيّ حقّ تتوقّع الزوجة ذلك؟ هناك شخصان بقوة متعادلة، قدرة متساوية على إيذاء أحدهما الآخر، يسعدان معاً بالتبادل. طبعاً، في حالة وقّع كلاهما ميثاقاً لمنع استخدام قوتيهما لإيذاء أحدهما الآخر. لكن هذه السعادة لا توجد بين إنسانين، قويّ والآخر ضعيف. فلماذا يأمل الأخير أن يصفح عنه السابق، ولماذا ينكر القويّ على نفسه استخدام قوته مقابل لا شيء، للشفقة؟ إنه شعور منطقيّ كما قلتُ بين اثنين بقوة متعادلة. شعور أنانيّ صرف. يقع أثره بشرط ضمنيّ أن الرجل الذي يلهمني الرحمة سينال مني الشعور ذاته. لكن لو لم يكن عندي ما أخاف عليه من أجله، فشفقته عليّ عديمة الجدوى ولا يوجد سبب يستوجب التضحية بنفسي لنيل أيّ شيء منه. ألن أكون مغفّلاً لو أشفقتُ على فراخ الدجاج التي تُذبح لعشائي؟ الزوجة الآن كفرخ دجاج. كلاهما حيوانات أليفة عليها أن تُستخدم كما صمّمتها الطبيعة. وإني أسألكِ، إن كانت هذه نية الطبيعة أن يهب جنسنا السعادة لجنسكن والعكس بالعكس، أفلا تكون طبيعة عمياء قد خلقت كثيراً من الأشياء السخيفة في بِنية الجنسين! هل أخطأت جدّياً ليكون الإقصاء والكره الفطريّ المتبادل هو النتيجة! خذيني مثالاً. تريز، أستطيع وهب أيّ امرأة السعادة! والعكس بالعكس، فأيّ رجل يستطيع التمتّع بامرأة لذيذة ما دام مزوّداً بالتناسق والقوة والجَلَد اللازم لإشباعها! يُفترَض أن تقولي إن الصفات الروحية قد تعوّض مواطن الضعف الجسدية. همم! ألا يصرخ أيّ عاقل حين يتعرّف إلى امرأة مع يوربيدس(**) (هو الذي من بين آلهةٍ خلق المرأة في العالم، يتباهى بأنه أبدع أسوأ الكائنات، وأكثرها تعباً للرجل!) وهكذا ترين أن الجنسين لا يناسب أحدهما الآخر قطّ، ومن الزيف القول إن الطبيعة خلقتهما للسعادة التبادلية. خلقت فيهما الرغبة، للتناسل ليس إلا، لا ليجد كلٌ سعادته في الآخر قطعاً. فالسعادة توجد فقط بخضوع المرأة الأعمى، والجبروت المطلق والاضطهاد من قِبل سيدها. أليست هذه هي نية الطبيعة؟ ألم تخلق أحدهما أدنى من الآخر في كلّ منحى! ألا تدلّ هذه الحقيقة على إرادة الطبيعة في استعمال الرجل القوة والحق الممنوحَين له! وليس لنا أن نحكم بشكاوى الضعفاء. فمثله سيكون حكماً باطلاً ضيّق الأفق ضعيفاً، لأنكِ تستعيرين أفكارهن، المفروضة عليهن من قِبل مصيرهن التعس. يجب الحكم على الفعل بقوة الأقوياء، بالتفويض الذي تمنحهم إياه هذه القوة. لو مُدّت آثار هذه القوة إلى امرأة، فلاحظي ما ستؤول إليه: مخلوقة وضيعة، أدنى من الرجل من أيّ وجهة. فهي أقلّ براءة، أقلّ حكمة، تقاوم كلّ ما يسعد الرجل، كلّ ما يسرّه: كائن مريض نصف عمره. نكدة مناكفة متعجرفة، وموهوبة معصومة في التذمّر الدائم. طاغية لو عُهد إليها بأيّ قوة؛ دنيئة متزلّفة لو رضخَت تحت هيمنة. زائفة دوماً، شريرة خطرة. ثار نقاش جدّي بمجلس الماكون(***) حول جرأة هذا الكائن الغريب، شبيه القرد، في الزعم بنسبه البشريّ وهل من العقل أن يُطلق عليه هذا الاسم. تبيّني الطريقة التي ينظر بها معظم الناس إلى هذا الجنس الحقير. هل أسبغ عليها الميديون(****)، الفرس، البابليون، الإغريق، الرومان، اليهود، أدنى احترام؟ إننا نراها أينما تكون مسحوقة، تنصرف أينما تكون عن أية شؤون، تُحبس. تُعامل باختصار كالحيوانات، تُستخدم وقت الحاجة ثم تُعاد فوراً للحظيرة. أسمع الحكيم كاتو(*****) وهو يصرخ من عاصمة العالم القديم (لو خُلق الرجال دون نساء، لناطحوا الآلهة!) أسمع رقيباً إغريقياً يبدأ خطبته بهذه الكلمات (لو استطعنا، سادتي، العيش دون نساء، لأدركنا السعادة الحقّة من الآن فصاعداً). أسمع الشعراء يغرّدون في مسارح اليونان (جوبيتر(******)! أيّ علّة ألزمتكَ بخلق النساء؟ ألم تستطع وهب هذا الكيان للرجل بوسيلة أفضل وأعقل، أو باختصار، وسيلة كنت تُنقذنا بها من طاعون النساء!) وقد أحاطت هذه الأمم هذا الجنس باحتقار حتى استلزمت القوانين الحدّ من نسلهن، وكانت إحدى عقوباتهم هي إجبار المجرم على لبس زيّ امرأة، أي يلبس كأحقر وأخطر مخلوق يعرفونه. وحتى بين عصرنا أرى النساء لا يزلن يُحبسن عبر آسيا، للوفاء بعبودية نزوات الأباطرة البربريّة حيث يمزقونهن، يعذّبونهن، ويلعبون رياضة بمعاناتهن. في أمريكا أمم رحيمة بطبعها، الإسكيمو، لكنهم ينسبون للرجال كلّ فعل خيريّ، بينما يعاملون النساء بخشونة لا تُصدّق. نراهُن مُستَذَلاّت، مومسات للغرباء في مرفأ على حدود العالم، ومُستبدلات بالمال في آخر. وفي إفريقيا جدّ محتقرات، حيث يعملن كالحيوانات حمّالة الأثقال، بحرث الأرض، بذر الأرض، وارتقاب أزواجهن راكعات. وفي جُزر أخرى يُضربن، يُعذّبن من قِبل أولادهن. تريز، لا تدعي هذا يُذهلكِ. لا تعجبي من الحقّ الكونيّ الذي يملكه الأزواج بكلّ زمان على زوجاتهم. فكلّما اقترب الناس من الطبيعة أحسنوا فهم قوانينها. ليس للزوجة علاقة مع زوجها غير الأَمَة مع سيّدها. ليس لها الحقّ في توقّع المزيد. لا ينبغي الخلط بين الحقوق والمفاسد المشينة، فقد حطّ ذلك من قدر جنسنا، بينما رفعكنّ ذات يوم. دعينا نستكشف العلّة الحقيقية لهذه المفاسد حتى نستعيد شورى العقل الحكيمة. والآن، يا تريز، هاهو سبب الاحترام الحاصل الذي يناله جنسكن، حيث يضلّل من يُطيل أمد هذا الاحترام. بين السلتيين(*******) القدامى، في تلك المنطقة وحدها من العالم، لم تُعامَل النساء مطلقاً كالعبيد، فقد اتّخذن لُباس التبشير والتنبؤ بالحظّ. تصوّروا بهنّ براعة في هذا الفن بسبب مناولتهن الحميمة مع الأرباب. ومن ثم نسبوهن إلى جماعة الكهنة وتمتّعن بكلّ ما يخصّ امتيازات الكهنة. من هذا التحيّز تأسّست في فرنسا الفروسيّة، ووجدوا النساء أقرب إلى روحها، فكرّموهن. مع هذا، كأيّ شيء آخر: انقرضت المسبّبات وسلّموا بالآثار. فاختفت الفروسية لكن دام التحيّز. لم يُلغ الاحترام القديم حتى بعد تلاشي مسبّبه: لم تعد الساحرات ذات تقدير بل المومسات هن المبجلات. والأسوأ، أن الناس داومت على ذبح أحدها الآخر من أجلهن. كان ذلك في زمن وضعنا فيه نهاية هذا الهراء. فلم يعد له أثر على عقول الفلاسفة. هيا نُعد النساء إلى مكانهن الحقيقيّ ونستعملهن كما تبغي الطبيعة، كما تعترف أعقل الأمم: شخوص خُلقت لأجل ملذاتنا ونزواتنا؛ شخوص لا يستأهل ضعفهن وفراغهن وجشعهن غير الازدراء! كما أن الأمم، يا تريز، لم تتمتّع بأوضح الحقوق صراحة عن نسائها فقط، بل هناك من قُدّر عليهن الموت بمجرد الولادة. كان العرب يحتفظون بعدد قليل لزوم تناسل الأنواع؛ كما اعتاد من عُرفوا باسم القُرشيّين وأد بناتهم على جبل قرب مكة. بازدرائهم هذا الجنس، ينزعون إلى قول إنهن غير أهل للتطلّع إلى نور النهار. وفي حريم الملك آخيم، كان أدنى شكّ للخيانة، أدنى عصيان لخدمة ملذات الأمير، أو لحظة نمّ فيها اشمئزازهن، فالعقاب أشدّ وسائل العذاب رعباً. على ضفاف نهر الجانج يخضعن لقتل أنفسهن فوق رماد أزواجهن، فلم يعد لهن جدوى في هذه الدنيا، لم يعد بمقدور أسيادهن التمتّع بهن. كما أنهن يُصَدن في مكان آخر كالحيوانات البريّة حيث يتمثّل الشرف في قتلهن. في مصر كان يُضحّى بهن قرباناً للآلهة. وفي فرموزا يوطَأن بالأقدام. كما اعتادت قوانين ألمانيا إدانة من يقتل امرأة أجنبية بغرامة صغيرة؛ ولا يدفع شيئاً لو حدث وكانت زوجته أو امرأته. في كلّ مكان، أكرّر، هن مُستذَلات مضطهَدات مُتحَرّش بهن، أُضحيات إلى قوى الكهنوت العلوية أو من عنف أزواجهن. ولأني أعيش مصادفة بين أجلاف لا يبطلون أسخف تحيز، فلماذا أحرم نفسي من الحقوق التي وهبتني إياها الطبيعة عبر هذا الجنس! لا! لا! يا تريز، ليس عدلاً. سأُخفي سلوكي عند الضرورة، لكني سأقدّم ترضية في صمت. بسبب هذه الآراء العبثية، يُدينني القانون بالنفي في معتزلي. فأعامل زوجتي هكذا بما أراها تصلُح له وأجده متّفقاً مع شفرات الكون، مع قلبي والطبيعة!" ضجّت جوستين بالشكوى "سيدي! جدالكَ مستحيل! ومن العجز أن أهديكَ!" "لا تحاولي يا تريز. فالشجرة العتيقة يصعب أن تميل. في مثل سني قد يبتعد المرء خطوات في امتهان الشرّ، لكنه لا يتخذ بدرب الفضيلة خطوة واحدة. إن مبادئي وميولي هي سعادتي الوحيدة منذ الطفولة. هي الأساس المكين لكلّ من سلوكي وأفعالي. قد أتطرّف فيما أريد، لكن أعود ـ لا! فقد تولّد عندي رعب من نزعات البشر. أكره حضارتهم، فضائلهم الزائفة الفاسدة، وأربابهم، بإخلاص بالغ، فلن أضحّي أبداً بأيّ من نزعاتي من أجلهم!" ** رأت جوستين بوضوح أن وسائلها للفرار من هذا المنزل أو فكّ سراح المركيزة لن تكون بغير الخداع والمكر. طيلة العام الذي اقتربت فيه من المركيزة كانت تفتح قلبها غالباً لتجعلها تدرك كم تتوق لمساعدتها. واتّفقتا على خطط معينة. أن تكتب المركيزة إلى أمها عن أعمال المركيز الشائنة. وهي على يقين من أن أمها ستهُبّ فوراً لنجدتها. لكن المشكلة أنهما في حبس مُحكَم، بعيدتين عن مجال الرؤية! اعتادت جوستين الحوائط ضمن الخلاء، تُعاينها من الشرفة، بارتفاع ثلاثين قدماً. فكّرت أنها قد تتخذ طريقا واضحاً إلى الغابة من هذه الحوائط. واكتشفت أنه لا سياج يسدّ طريقها، لكن لم تتأكّد. فقرّرت وزن الأمور. خطّت المركيزة رسالة توسّل مؤثّرة إلى أمها، ألصقتها جوستين بخصرها. وبعد ظلام الدنيا، وبمعونة بضع ملاءات، تسلّقت نازلة عبر الشرفة. وهي الآن في الحديقة، فُزعت حين رأت أنها محاطة بأسوار عالية، تُخفيها كثافة من شجر، بارتفاع يزيد عن أربعين قدماً، وكلّها محميّة من أعلى. فماذا تفعل؟ ستسترعي نوراً يُضاء ويثير وجودها بالحديقة الشكوك طبعاً. كيف تهرب من ثائرة المركيز؟ سيُصفّي دمها عقاباً. كما يستحيل عليها العودة الآن، فالمركيزة سحبت الملاءات، وسينبئ عنها حتماً أيّ دقّ بالباب. جُرّدت من إرادتها كلياً، فربضت بالعتمة ترجف خوفاً قرب شجرة. تعرف أن المركيز لا يرحم، وهي على يقين من أنه قُضي عليها الآن. تميّزت الحوائط العالية المُحدقة بالحديقة عند غبش الصبح الرماديّ الغامض. أول من قابلته المركيز نفسه. كان الوقت حاراً ومُطبقاً طيلة الليل مما أثار أرقه فنهض مبكراً يتنسّم هواء الصبح النقيّ. حدّق في جوستين وتراجع، معتقداً أنه أخطأ وما يراه مجرد شبح. فزعت جوستين ترتعد، وسقطت عند ركبتيه. "ماذا تفعلين هنا، يا تريز؟" فاهتزّ صوتها خيفة "سيدي، عاقبني!" وقد نسيت، في ظلّ حيرتها أو رعبها، إتلاف رسالة المركيزة المخفيّة بخصرها. تملّك زمام الموقف فوراً، حدس به صحيحاً، وطلب تصفّح الرسالة. فأنكرت أية رسالة؛ لكنه بالتطلّع عن قُرب تبيّنها تلوح من جَعدة حرير على خصرها. فخطفها، وتصفّح يقرؤها عجلاً في جشع. أمرها أن تتبعه. عادا إلى القصر من مهبط سلّم خفيّ تحت القناطر. توقّفا بعد منعطفين أو ثلاثة، ثم فتح باب زنزانة فرماها بداخلها. بضحكة مكبوتة قال "عاهرة غبية! حذّرتكِ، هه، ألم أحذّركِ؟ ستنالين ما تستحقينه! سأصفّي حسابي معكِ غداً بعد العشاء!" من قسر لا يُقاوم، اندفعت ثانية على ركبتيه، ترجو منه الشفقة. لكنه جرجرها من شعرها على الأرض الموجعة ثلاث مرات أو أربع حول السجن، ثم دقّ رأسها في الحائط بضراوة. وقال يكزّ على أسنانه "سأشقّ شرايينك كلّها! سأتريّث قليلاً لنيل المزيد من رعبكِ. فارتقبي، سأريكِ كيف تُجدي معكِ فضيلتكِ!" لكن جوستين لم تعد تسمع؛ فهي ترقد بالأرض بليدة الحسّ. قضّت ليلة مفزعة، مع أكثر نوبات القلق عنفاً، ورأسها يطنّ من الألم والإنهاك. رقدت هكذا قرابة ست وثلاثين ساعة، حتى انهدّ الباب فدخل المركيز وحده. كان قد شفَى غليله من زوجته. وفي نطاق غضبه بدت ملامحه مضخّمة، فأنفه متكتّل، وعيناه أشدّ ظلمة، أما فمه وتكشيرته فأكثر فزعاً. قال "أظن عندكِ فكرة عما سأفعله معكِ. ستقاسين كثيراً! سيدفُق دمكِ بمسام جلدكِ كلّها! سأُنزفكِ ثلاث مرات يومياً؛ لأرى إلى متى تحتملين الحياة. أشتاق إلى هذه التجربة من زمان. فشكراً لأنكِ وهبتني الفرصة". ودون مزيد من الإزعاج ارتمى ينخس ذراعيها، وعندئذ جاءه أحد الخدم صارخاً "أسرع سيدي... أسرع... زوجتكَ تقضي نحبها... وتودّ الكلام معكَ...". فاندفع خارجاً، ونسي من ذهوله المفاجئ سكّ الباب خلفه. وعلى رغم وهنها، كان لدى جوستين حضور عقليّ كافّ لتنتهز الفرصة، فترنّحت من الباب تدلف آمنة في الحديقة. كان باب السياج مفتوحاً، فمضت عبره دون أن تلفت انتباه أحد. قرب حلول الليل وصلت كوخاً بُعيد أربعة أميال عن القصر. أمّلت وصول بلدة جرينوبل أخيراً، موقنة من تبدّل حظّ يرتقبها، حين تخرج أول الصبح التالي. (*) نشرتُ ترجمتي لرواية الماركيز دو ساد "جوستين"، في دار الانتشار العربي، بيروت، 2006. (م) (**) يوربيدس: مسرحي يوناني (484 ـ 407). (م) (***) ماكون: بلدة بفرنسا. (م) (****) الميديون: سكنوا شمال غرب إيران (1350 ـ 1400). (م) (*****) ماركوس بورسيوس كاتو، رجل دولة أيام الإغريق (234 ـ 149 ق.م). (م) (******) جوبيتر: كبير آلهة اليونان. (م) (*******) السلتيين: من منطقة الغال، فرنسا. (م)

يقرأ أيضاً

المراجعات (٤)

ن
نورة قصبجي
١‏/٩‏/٢٠٢٢
"جوستين" أو "مصائب الفضيلة" لماركيز دو ساد هي رواية تعتبر واحدة من أكثر أعماله إثارة للجدل. تدور القصة حول جوستين، فتاة شابة بريئة تواجه سلسلة متواصلة من المحن والاستغلال على يد أشخاص فاسدين، مما يعكس رؤية دو ساد الساخرة والمتشائمة للطبيعة البشرية. تتميز الرواية بمحتواها الصادم والجريء، وتستكشف مواضيع مثل الفساد الأخلاقي، السادية، والعنف. يعرض دو ساد في هذا العمل رؤيته الفلسفية التي تتحدى القيم الاجتماعية والأخلاقية المقبولة، مقدماً نقدًا قاسيًا للمجتمع والأخلاق السائدة. "جوستين" تعد نصًا مثيرًا للتفكير، يقدم استكشافًا عميقًا ومزعجًا للرغبات الإنسانية والنزعات الأساسية. يعتبر العمل تعبيرًا عن الفكر الوجودي والنيهيلي المتطرف، ويظهر قدرة دو ساد على استفزاز القارئ وتحدي المفاهيم المسبقة. بالرغم من طبيعتها المثيرة للجدل، تُعد "جوستين" جزءاً هاماً من التاريخ الأدبي وتعكس جانبًا مهمًا من الفكر الفلسفي والأدبي في فترتها.
A-Ile Self-hallucination
A-Ile Self-hallucination
٥‏/٢‏/٢٠١٨
إذا ما شرع أحد ما في قراءة عمل معاصر لهنري ميلر أو بارغاس يوسا على سبيل المثال (باعتبارهما الأديبين الأكثر افتضاحاً في السرد الأيروتيكي في القرن الماضي) فإنه من المحتمل أن تتشكل لديه نزعات متناقضة من الكره أو الحب أو الرفض أو القبول بالنسبة لأعمالهما، لكن مهما كانت أبعاد تلك النزعة وطرق التعبير عنها فإنها تحتفظ بقيمة تأويلية وإمكانية متاحة لنقاش عقلاني. إنها صورة غير مدركة في التقبل النفسي لتلك الأعمال رغم المعرفة المسبقة بطبيعة الكتابة لديهما، ورغم تنوّع النمطيات الإيديولوجية للقارئ واختلافها. بداية يجب توضيح طبيعة الكتابة الإيروتيكية لنستطيع فهم ما نصبو إليه في “قطعنة الوعي \ جوستين دوساد مثالاً”. إن الفن الإيروتيكي يقوم أساساً على حدود انثربولوجية لا يستطيع الخروج منها – وإن نوّع في أبعادها النقديّة الاجتماعية والفكرية – فالعنصر الأساسي في هذا الفن هو الجسد، وامتداداته هي إظهار عيوبه وجمالياته، مستخدماً تقنيات توصيفية لغوية شعرية، وتتجسد بشكلين: إما مباشرية تدخل نحو رومانسية الجسد واستخدام اللغة كتعبير شاعري ولطيف بالتعامل معها كما نراها لدى يوسا، وإما شاعرية في التنويعات المكانية والزمانية لتقوم بتغطية فعل الانتهاك القاسي لمفهوم الجسد كما عند ميلر. وفي كلا المثاليين تظهر بالنتيجة (الإيروتيكية) في معيارها الجسدي الجمالي، فهي الأسلوب والوسيلة والغاية. وعليه فالفن الإيروتيكي يزداد عمقه وافتضاحه الشهواني والجمالي كلما كان الأديب أكثر قدرة على اكتشافات تخيّلية غير واقعية لكنها قابلة للتنفيذ بعد القيام بتهديم التابو المجتمعي الذي يحكم عنصر الجسد كمعيار شهواني غير مباح إلا بقوانين خاصة لكل مجتمع، لكن كل ذلك كحالة إيروتيكية مشروط أساساً بالحفاظ على قدسية الجسد وإن يمكن له تجاوز بعض المحرمات كما يحدث عند ميلر في بعض أعماله. إذاً فالفن الإيروتيكي لا يجب عليه أن يتجاوز المقدس (الجسد كصورة متكاملة للارتقاء فكرياً وتهديم الصنميّة المجتمعية، لكن ليس تهديم الجسد. فالمقدس هنا هو الجسد – الوسيلة والغاية – ويجب أن يحتفظ بكيانه الجمالي). ضمن دائرة الفن الإيروتيكي هذا نستطيع القول أن لدى ميلر ويوسا نظام تخيّلي جمالي غريزي ويُبنى عليه مجموعة التوصيفات التي لا يراها القارئ تمس بعمق إدراكاته الحيّة رغم اعتراض البعض، إنها نوع من الديمقراطية النفسية بالمناقشة الذاتية. لكن هنا يظهر سؤال مُلّح حول قطعنة الوعي بالنسبة للقارئ والتي تتجسد في أكثر الشخصيات إثارة للجدل في إحدى جوانب الفن الإيروتيكي وهي شخصية الماركيز دوساد. هناك أمرين يجب شرحهما بالنسبة لدوساد، الأول هو أنّ الماركيز بطريقة ما كاتب للفن الإيروتيكي ببعض جوانبه لأنه يعتمد على الحدود الانثربولوجية لذلك الفن وهو الجسد وإن كانت طريقة التعبير أبعد من توصيف جسدي، سنشرحها لاحقاً. والثاني هو الأسطورة الدوسادية التي شكّلت مرحلة قطعنة الوعي خلال ثلاثة قرون من تقديم صورة غير حقيقة عنه. قلنا أنّ القارئ بطبيعته الإنسانية يمكن أن يناقش ويرفض ويتقبل العنصر الفني الإيروتيكي لأنه يُعطي الجسد القيمة التقديسية، على المستوى الروائي وحتى الشعري، لكن تلك الحالة الفنية تتوقف لدى القارئ إذا ما أُعلن عن ظهور الماركيز دوساد على الساحة الأدبية. تتوقف كل إمكانيات التعامل بحيادية والنظر إليه كصيغة أدبية تاريخية. يطفو على السطح مباشرة موروث القطعنة الذي تم توريثه في الوعي على مدار ثلاثمئة عام. تاريخياً كلنا يعلم أنّ تجربة الماركيز الكتابية لم يصل منها إلينا الشيء الكثير، لكن الجميع يتحدث عن قدرته الفائقة بصناعة عوالم مقززة ومثيرة في انتهاك الإنسان، وتجسدت في إحدى أهم روائعه وهي “جوستين” التي أصبحت مثاراً للتعبير عن خروج مصطلح السادية إلى السطح (التلذذ بتعذيب جسد الآخر). من هنا أصبح دوساد العنصر المخيف في الوعي التاريخي، وأصبحت قراءته مثالاً للتجربة الخطرة وبخاصة بعد ظهور فيلم Quills عام 2000 الذي جسد شخصية دوساد، الاسترالي العظيم Geoffrey Rush. ذلك الفيلم الذي زاد من حدة النظرة التاريخية إلى دوساد بتقديمه كشخص مجنون ومهووس بفكرة تعذيب الجسد الآخر في تخيلاته المرضيّة الأدبية. بالطبع إن دوساد بطريقة من الطرق أحد مؤسسي فن الإيروتيك لكن ليس بالمعنى الذي حددناه أنفاً. لقد عمل دوساد على إظهار النظام التخيلي المتطرّف، فلم يكن الجسد بالنسبة إليه بُعداً غريزياً تناسلياً ولا حتى بعداً جمالياً شعرياً كما هو في العصر الحديث، لقد استخدم الجسد لتشريح البنية النفسية لمجتمعات أوروبا وفرنسا على نحو خاص في زمن سيطرة الكنيسة والطبقات الارستقراطية، بمعنى من المعاني يمكن اعتبار دوساد محارباً نقدياً ومجابهاً للأمراض المتفشية في داخل أوروبا. لقد كان مفهوم الجسد لديه يقوم على افتعال تمزيقي وانتهاك إلى أبعد صورة ممكنة، لقد أخذ الخيال إلى حدوده القصوى ولم يُبقِ على نقاء الفعل الأخلاقي المتعارف عليه ولم يحافظ على تقنية المقدس الجسدي بل عمل فيه كنوع يمكن تهديمه وضرورة لتشريح البنية النفسية للمجتمع الفرنسي. في روايته الشهيرة “جوستين” يقص دوساد حكاية أختين تتيتمان فتذهب جولييت الكبرى لتصبح عاهرة والأخرى هي جوستين التي تتبنى الفضيلة والعفة وتتصادم دائماً بحكايات مع رجال وأشخاص من رجال سياسة إلى قوادين إلى رجال بلاط إلى أثرياء حتى إلى رجال كنيسة، والجميع يريد ان يأخذ عفة جوستين التي ترفض دائماً لتحافظ على فضيلتها المتجسدة بين فخذيها لتحصل على الآخرة الموعودة (الفردوس). تمر بتجارب كثيرة ويتعرض جسدها للانتهاك والتعذيب وفي كثير من الأحيان تتقدم بطلبات للرجال أن يرحموها ويحافظوا على فضيلتها وهي تترجى وتتذلل لهم دون أذن تصغي لها. ضمن هذا الشكل الذي تم تطبيع دوساد عليه كان لا بد أن ينتقل خلال ثلاثة قرون على ذات الشكل في الوعي البشري، وأصبح الناس يتعاملون معه كنوع من انهيار للمنظومة الفكرية والأخلاقية التي يجب أن ترتقي بالإنسان، فأصبح دوساد توصيفياً أنه الشخص المنحرف والمريض والشاذ كوعي قطيعي دون النظر إلى عمق المسألة التي كان يحاول دوساد مناقشتها. قد يكون من المبالغ بالنسبة للبعض إذا قلت أن الماكيز هو رجل أخلاقي، وقد يعترض الكثير على هذا التوصيف البعيد عن ما تم تحميله لنا حوله كشخص منحرف. لكن بالتوقف قليلاً حول رواية جوستين (على نحو شخصي باعتبارها العمل الأكثر شهرة واختلاف) نستطيع قول الآتي: بداية إن الرواية تقوم على محاولة فرض شكل إيروتيكي (جسد جوستين) الذي سيتعرّض للكثير من المساءلة الأخلاقية وهي بدورها ستتعرض للكثير من الحوارات الفلسفية مع شخوص العمل، هنا سنجد أن الماكيز لم يكن هدفه فعلياً تقديم الجسد كحالة للإثارة بل كركيزة ليبني عليها افتراضات الشخصيات الأخرى وأبعادها الأخلاقية والعاطفية، إن الفكرة من انتهاك جوستين جسدياً واستغلالها الدائم هو لتشريح البنية النفسية للوعي المجتمعي الفرنسي الذي كان قائماً في ذلك العهد، الاستغلال والعبودية وتشريح الارستقراطية والأثرياء وحتى الكنيسة. قد يكون أسلوب دوساد مفعماً بالراديكالية وبطبيعة الحال لن يُقبل في عصر قبل ثلاثة قرون، بالرغم أن الرواية نفسها لا يوجد بها الشيء المزعج إيروتيكياً إذا ما قورنت بأي عمل معاصر، حتى كفكرة الانتهاك للفضيلة والجسد ليست بصورة مثيرة كثيراً. إذاً ما الذي يدعو للخوف والرفض التاريخي لدوساد! وما الذي جرى ليصبح دوساد رمزاً للتقزز في الوعي الأخلاقي منذ وفاته حتى حدود هذا الوقت! لم يكن من السهل محاكمة دوساد الناقد المجتمعي والمُشرّح النفسي والساخر من كل قيم ذلك العصر إلا بطريقة واحدة، وهي تصوير دوساد أنه ينتهك المعيار الأخلاقي للمجتمع، إنه التابو الذي سيفترض محاربة دوساد وسجنه، بالرغم أنه تاريخياً كُتب الكثير عن حياته الماجنة وأن أسباب سجنه ترتبط بذلك المجون مع النساء، لكن باعتبار أن دوساد هو ماركيز ارستقراطي فهو بطبيعة الحال محمي ضمن منطق المال والسلطة الأسرية المجتمعية في عصر ما قبل الثورة الفرنسية، فيصبح هنا موضوع سجنه نوعاً من محاولة التفاف على حقيقة المحاربة الضمنية لدوساد الذي أراد إظهار الانحطاط الأخلاقي بطريقة صدام مباشر مع الواقع وليس تجميله، إن تلك الحقيقة أصبحت مُدركة بالنسبة للسلطات الفرنسية الارستقراطية والكنسيّة، وكانت تلك الأسباب كافية لتشويه سمعة دوساد وخلق قطعنة للوعي الإنساني حوله ووصمه بالانحراف للقضاء عليه ليس إنسانياً فقط بل أدبياً، ومنع جميع أعماله وحرقها. وللمصادفة التاريخية أن أسباب إنقاذ بعض أدب دوساد هو التأجج الشعبي الفرنسي الذي كان يعمل للقيام بالثورة الفرنسية (1789 – 1799) والاحتفاظ ليس بفن إيروتيكي يعبر عن ديمقراطية لا يقبلها الوعي الشعبي فقط بل لأن الأفكار التحريضية لتشريح المجتمع الفرنسي الذي كان جوهر أعمال دوساد كانت تثير الرغبة الشعبية للانتفاض في وجه ظلم الارستقراطية آنذاك، فكان تهريب أعماله وتداولها في الخفاء إحدى أولويات النضال في ذلك الوقت. لكن مع ذلك فإن دوساد وأعماله لم تخلو من محاربة عشواء. إن إنقاذ أعماله ونقلها إلى العصر الحالي لم تنقذ تاريخ دوساد المشوه في الوعي الإنساني، فبقي موصوماً فعلياً بالصورة الأكثر شناعة (التعبير عن الانحراف). لقد خلقت تجربة دوساد الكتابية ومحاربته السياسية نوعاً من أسطورة لم يعد بالإمكان إزالتها، لقد أصبحت جزءً من قطعنة للوعي الإنساني، ومازال الماركيز يشكّل عنصراً مرعباً ومقززاً بالنسبة للأخلاق والثقافة المعاصرة التي تصف نفسها بالإنسانية. وبرغم كل شيء يبقى الماركيز دوساد التجربة النفسية الأكثر حضوراً وأهمية في الثقافة المعاصرة وبالأخص لتأسيسه فن الإيروتيك في العالم قبل أن يأخذ ذلك الفن أبعاده التعريفية في الوقت المعاصر. على هذا المنحى نستطيع فهم مسألتين، الأولى وهي أن التجربة الدوسادية ليست سوى نضال اجتماعي وأخلاقي، وإن جاءت طريقة التعبير صدامية وافتضاحية (بطبيعة الحال هي ستكون كذلك ليس لرغبة دوساد فقط بتشريح المجتمع بل لأنّ الصبغة الأدبية الحديثة التي اخترعها دوساد لفن الإيروتيك هي من تفترض نفسها بذلك الشكل) والمسألة الثانية أنّ قطعنة الوعي لتصوير دوساد كمنحرف قد حققت نجاحها فعلياً خلال ثلاثة قرون واستطاعت تقديم الصورة الأكثر تشويهاً حوله، وأصبحت من المسلمات النفسية الرافضة لأي قدرة على تقبل الرؤية الإبداعية والتاريخية له. ربما لم يعد مهماً كثيراً ما جرى لفن الإيروتيك أدبياً أو ماجرى حتى لدوساد، لكن هذه المسألة الدوسادية ألا تجعلنا نتوقف قليلاً لنتسائل .. هل قطعنة الوعي مرتبطة فقط تاريخياً بدوساد؟ أهي تجربة التقزز النفسي الوحيدة أو الحب المطلق لمسائل أخرى؟. بالتأكيد فإن صورة القطعنة التاريخية للوعي لن تتوقف بمنحاها السلبي أو الإيجابي عند دوساد أو أي تجربة أخرى لفن أو علم ما. إنها صورة المسلمات التي نعيشها حتى دون إعادة هيكلتها دماغياً أو النقاش بها معرفياً. إنّ التاريخ قدّم لنا تجارب نعيش ضمنها وقد ننقدها ونظن أننا نفتعل فيها تطويراً لكن في حقيقة الأمر لا نقوم سوى بإعادة تدوير عجلة تلك المسلمات في دائرة أصبحت شبه مطلقة. الرفض النفسي. مثلما أصبح دوساد منحرفاً في الوعي البشري المقطعن فالقياس يجب أن يقوم على محاولة التفكير بكل شيء مشابه. دوساد ليس سوى مثال صغير في دائرة الحياة التي تحمل ما هو أبشع وأوسع وأكثر خداعاً لوعينا.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٤‏/١‏/٢٠١٦
لو أن الشاعر المصري محمد عيد إبراهيم ترجم رواية الماركيز دوساد "جوستين" عن الفرنسية لكانت الترجمة حدثاً كبيراً في المعترك الأدبي العربي، لكنه نقلها عن ترجمة أميركية أو عن لغة وسيطة، ما يفقد الترجمة شرعيتها للفور. أما بؤس هذه الترجمة فيتمثل في كونها تعتمد نصاً "مقرصناً" وليس النص الكامل. وهذا ما يلاحظه مَن يقارن بين النص الفرنسي الأصلي والنص المعرّب. واللافت أن المقدمة التي اختارها المترجم للنص المعرّب، وقد كتبها العالم النفسي الأميركي ل.ت. ودورد، تندد بالطبعات المقرصنة والمختصرة لرواية"جوستين"وتحمل على الناشرين"المعدومي الضمير"الذين روّجوا هذه الطبعات وغايتهم الربح وليس القيمة الأدبية.تُرى ما الذي دفع الشاعر محمد عيد إبراهيم صاحب الترجمات الكثيرة من الانكليزية الى اقتراف مثل هذا الخطأ الجسيم والمزدوج؟ ألا يعلم أن ترجمة كاتب إشكالي وپ"ملعون"مثل الماركيز دوساد بالفرنسية يُسمى الماركي دوساد لا يمكن أن تتم إلا انطلاقاً من اللغة الفرنسية بل من لغته هو التي تملك خصائص فريدة؟ ولماذا لم يعمد الى البحث عن سر رواية"جوستين"أو عن أسرارها وقد كتبها الماركيز دوساد في صيغ ثلاث؟ ثم ما الذي حمله على اختيار ترجمة أميركية قديمة صدرت في نيويورك عام 1969 علماً أن ترجمات انكليزية أخرى لهذه الرواية أنجزت حديثاً؟استسهل محمد عيد إبراهيم الأمر كثيراً وبدا كأنه غير مدرك لما يقوم به أو غير مبال بردود الفعل التي ستنجم حيال هذه الترجمة الخائنة وغير الرصينة والمتعجلة والساعية الى تحقيق"حدث"هي عاجزة كل العجز عن تحقيقه. صحيح انها المرة الأولى تعرّب فيها رواية للكاتب الفرنسي"الملعون"، لكنّ الخطوة هذه لا يمكن أن يُشكر عليها المترجم، لأنها خطوة ناقصة ومتعثرة وفضائحية. أعمال الماركيز دوساد لا تحتمل التلفيق والاستسهال والخفة. إنها أعمال خطرة تحمل في عمقها جدلية فلسفية، جدلية الخير والشر، والظلمة والنور. وكان هذا الماركيز أول مَن رسّخ أدب العنف وأدب الهتك والتمرّد والأدب الأسود الذي أخذ عنه رواد الأدب البوليسي والسورياليون وسواهم.لم يحاول المترجم العودة الى"قضية"رواية"جوستين"ولم يقرأ عنها ما يكفي، على ما بدا، ولم يحمّل نفسه مشقة وضع مقدمة لها، توضح إشكالاتها التي تناولها النقد الفرنسي والغربي بإسهاب. ولو هو فعل لكان في الأقل اختار النص الأصلي الكامل وترجمه عن الانكليزية. وألغى المترجم العنوان الثاني للرواية وهو"مصائب الفضيلة"وقد أصرّ عليه الماركيز دوساد وجعله عنواناً للصيغة الأولى لهذه الرواية التي كتبها في سجن الباستيل الشهير عام 1787. وكانت هذه الصيغة في حجم قصة لم يلبث أن توسع فيها عام 1791 بُعيد خروجه من السجن. أما النص النهائي فأنجزه عام 1797 منطلقاً من الصيغ السابقة التي أضحت بمثابة مسودات، وبعضها محفوظ في المكتبة الوطنية في باريس. إذاً ليست رواية"جوستين"بالعمل السهل والبسيط. انها رواية مركبة،"حكاية فلسفية"كما كان يحلو للماركيز أن يسميها، وقد أفضت الى رواية أخرى عنوانها"جولييت"وهو اسم شقيقة"جوستين"التي تختلف عنها تماماً في شخصيتها وسلوكها. ورواية"جوستين"مثلها مثل كل أعمال الماركيز يجب ألا تخلو من الهوامش الكثيرة التي لا بد منها كي يتمكن القارئ الفرنسي والأجنبي من الإحاطة بجوها وأبعادها التاريخية والفلسفية. وقد خلت الترجمة العربية من أي هامش ما يؤكد تسرّع عمل الترجمة وتلكؤه ولا مبالاته. والمفاجئ أيضاً أن الترجمة العربية قسّمت الرواية الى خمسة وعشرين فصلاً فيما النص الفرنسي الأصلي خلو من هذا التقسيم، علاوة على انه أطول كثيراً من النص المعرّب، ما يؤكد أيضاً اعتماد المترجم نصاً مقرصناً وهجيناً أعيد صوغه بالإنكليزية في طريقة مجتزأة"تسلّي"القارئ العادي وتلبّي حاجته السريعة.ليس من المبالغة القول ان هذه الترجمة هي إساءة شديدة الى الماركيز دوساد أولاً والى أدبه وشخصيته الفريدة، ثم الى الأدب الفرنسي ثانياً والى مفهوم الترجمة ثالثاً والى الأمانة الأدبية رابعاً... وما يزيد من شدة هذه الإساءات ان القراء العرب الذين لا يجيدون أي لغة أجنبية سيقبلون على هذه الترجمة وفي ظنهم انها تمثل النص الأصلي، بل هم سيقرأون هذه الرواية من دون مقدمة شاملة ولا هوامش ولا إيضاحات. وهكذا سيكوّنون فكرة خاطئة عن هذه الرواية الاشكالية وصاحبها الذي يُعد حتى الآن رمزاً من رموز الأدب العالمي لا سيما بعدما اشتق من اسمه مصطلح"السادية"الذي يشكّل واحداً من أسس الثقافة العالمية المعاصرة.ما أصعب أن يكتشف القارئ العربي الماركيز دوساد في صورة مزوّرة وغير حقيقية بل مشوّهة. هذا الكاتب الرهيب والمريض والمجنون والمنحرف والمستوحش الذي قضى أربعين سنة في السجن، هذا الكاتب - الظاهرة الذي لولا السجن لما كتب حرفاً، هذا الكاتب الذي ما زال يشغل النقاد والمؤرخين والعلماء النفسيين في العالم، هذا الكاتب الذي كان أثره كبيراً في أجيال وأجيال من الشعراء والروائيين، هذا الكاتب كان يستحق أن يطل عربياً في نص يليق به وفي صورة تمثل فرادة تجربته التي لم يشهد تاريخ الأدب العالمي مثيلاً لها.واختصاراً يمكن القول بلا تردد إن الترجمة العربية هذه هي أشبه برصاصة أطلقها المترجم والدار الناشرة إشراقات، ليبيا في رأس الماركيز دوساد بعد مضي نحو قرنين على رحيله.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٤‏/١‏/٢٠١٦
لا يُعرف عنه الكثير بقدر المعرفة بما اُشتق من اسمه. وحين نقول إنّه لا يُعرف عنه الكثير، فنحن نقصد بذلك العالم العربي. بل حتى في العالم أجمع، لم يكن معروفًا الكثير عنه حتّى وقت قريب، إذ بدأت تتجه الأنظار إلى ما أنتجه خلال سنوات عُمره الحافلة بلا شك، والأقلام إلى تحقيقها وإعادة إنتاجها، أو إلى الكتابة عنه هو نفسه.أمّا عمّا اشتق من اسمه فهي “السادية”. وأمّا عنه، فهو الماركيز دو ساد كما يظهر في العنوان. ويُقال إنّ السادية قد اشتقت من اسمه لما كرّس له من ممارسات اندرجت لاحقًا تحت مذهب السادية، وكذا في أدبه الذي يصفه اللاحقون بأنّه أدب المجون والخلاعة، ويصفه هو بذروة سنام الحُرّية التي تاقت لها شعوب أوروبا في عصره.أكثر العقول حُرّية على الإطلاق!في قصر دي كوندي بباريس، ولد دوناسيا ألفونس فرانسوا دو ساد، في يونيو من عام 1740، لأسرة من نبلاء فرنسا العسكريين. في مُقتبل عمره أرسله والده الكونت جين بابتيست دو ساد إلى مدينة آكس أون بروفانس جنوب شرقي فرنسا ليرعاه أعمامه ويشرفون على تعليمه المبدئي. أكثر من أثّر فيه في تلك الفترة من حياته، عمّه الذي أشرف مُباشرة على رعايته. ويُقال إنّه كان قسيسًا ماجنًا!والدا الماركيز دو سادفي سنوات شبابه الأولى يلتحق دو ساد بمدرسة شيفو-ليجير العسكرية، ليتخرج ملازمًا في كتيبة المُشاة الملكية، ثُم يشترك في حرب السنوات السبع، التي تفتح له باب الترقيات داخل الهرم العسكري. عام 1763 الذي شهد انتهاء الحرب الأوروبية، كان عام تحوّل كبير في حياة دو ساد؛ فيه تزوّج من غير الفتاة التي أحبها، وفيه دخل السجن لأوّل مرة، وفيه تفتقت بنات أفكاره عما جعل منه لاحقًا، صاحب “أكثر العقول حُريّةً على الإطلاق”، بتعبير غيّوم أبولينير.الحرب وويلاتها، ووالداه، ثم إجباره الزواج من غير الفتاة التي أحب، وقبل ذلك عمّه الذي تصادف أن قُبض عليه في إحدى مواخير الدعارة بباريس عام 1762، كل تلك الأمور –مع اطلاعاته الشخصية- صنعت ماركيز دو ساد الروائي المتحرر، الممارس لأفكاره. لأوّل مرّة يوضع دو ساد في سجن فانسين كان بعد عدة شهور فقط من زواجه، على إثر اتهامه بممارسة الرذيلة في شقّة أعدها لمتعته الشخصية. وقيل إنّ سبب القبض عليه هو اعتداؤه على فتاة في تلك الشقة. بعدها بأسابيع أُفرج عنه لكنّه وضع تحت المراقبة. وكانت تلك بداية رحلته مع السجون التي امتدت مجتمعة على مدار سنوات عمره، لنحو 32 عامًا، بينها 10 في الباستيل الشهير. رحلته في السجون لم تُثنِ عزم خياله عن الاستمرار في التحرر المُرادف عنده لأبشع و”أنجس” التصرفات البشرية، بحسب تعبيره هو.قمّة سعادة الإنسان تكمن في المُخيّلةأو كما يقول دو ساد، الذي سعى حثيثًا لتكريس ذلك عبر أدبيّاته، التي طُمرت عمدًا، قبل أن يُعاد اكتشافها في بدايات القرن الماضي على يد السورياليين. تمّ التعامل مع دو ساد وفقًا لما نُسب إليه من “جرائم” مُعظمها يخص الشرف والأخلاق، وبعضها جرائم جنائية.وعلى وجه الدقة لا نعلم مدى صحّة كل واحدة على حدة. على سبيل المثال: هل حقًا مارس الجنس مع أطفال؟ المؤكد أنّه تخيّل أمورًا مثل هذه في بعض أعماله الأدبية (مثل روايته 120 يومًا في سدوم)، لكن أن يكون بنفسه قد مارسها، هو ما لا نستطيع توثيقه، فمن جانبٍ، سجلات الشرطة الفرنسية في زمنه تقول ذلك، وقد سُجن عدة مرات وحُكم عليه بالإعدام أُخرى، قبل أن ينتهي به المطاف في مصح عقلي، بتهمٍ من بينها الاعتداء الجنسي على أطفال. لكن على جانب آخر، ينفي دو ساد ذلك جملةً وتفصيلًا، حين يقول: “نعم، ارتكبت مجونًا، وتخيّلت في كتاباتي كل ما يُمكن تخيّله. لكنني بالتأكيد لم أفعل كل ما تخيّلته، ولن أفعل أبدًا. أنا ماجن، لكنني لستُ مُجرمًا”.ماركيز دو سادوعلى كُل حال، فلا يُمكن إنكار انغماس دو ساد من أشكالٍ من الممارسات الجنسية، يزعم ميشيل فوكو أنّ التاريخ لم يعرفها كحركة ثقافية ضخمة إلا في أواخر القرن الثامن عشر، كمثل حفلات الجنس الجماعي التي تتخللها كافة أنواع الممارسات الجنسية المُتخيلة، ما بين مثلية بينه وبين خادمه المُخلص، وغيرية بينهما وبين عاملاتٍ بالجنس، مُستخدمًا فيها الجلد بالسياط واللسع بنيران الشمع، فضلًا عن أنواع المُخدرات المُختلفة. تلك الحفلات قادته إلى السجن عدّة مرات، بسبب أن تلك الممارسات لم تكن الفتيات تطقنها، فضلًا عن أنّ بعضها تم مع فتيات شارع مارس معهن الجنس تحت التهديد، بحسب المرويّات التاريخية، التي أيضًا لا تنفي أن العديد من الفتيات والنسوة، كُنّ يتهمنه زورًا بُغية تلقي تعويض منه.وعمومًا، فإنّ ماركيز دو ساد وهب نفسه لتحرير العقل الإنساني، أو كما كان يقول. تحريره من كل القيود الدينية والأخلاقية المُرتبطة بتصورات المُجتمعات المُسبقة. مع الوصول به إلى الخيال المحض، إذ صح منّا هذا التعبير، وربط الخيال بالطبيعة التي يرى أنّها قطعًا تتعارض مع الفضيلة، عندما ألّف كتابه “بؤس الفضيلة” عام 1785. تكمن السعادة فيما يُثير ويُهيّج، وليس هُناك شيء يُثير سوى الجريمة، أما الفضيلة التي هي ليست سوى حالة خمول واستراحة، فإنها لا تُفضي إلى السعادةابن النبلاء بين قوم لوط والثورة والتحرر من عُقدة الذّنبأُودع دو ساد سجن الباستيل، الذي أنجز فيه أهمّ مُؤلفاته، من بينها “مُحاورة كاهنٍ ومُحتضر“، والتي من خلالها يُمكن الانطلاق إلى ما يُميّز عددًا من أعمال دو ساد الأدبية، من حيث قُربها إلى فن الرواية المسرحية، لكن في نفس الوقت لا يُمكن الجزم بأنه قصد ذلك، بقدر ما أراد أن يضع فيه رؤيته الفلسفية. وبتعبير الشاعر العراقي عبدالقادر الجنابي، فإنّ “الكتابة المسرحية عند دو ساد، تبرز في نحوها الأمثل، عندما لا يكتب المسرح”!أيضًا خلال السنوات العشر التي قضاها في الباستيل، ألّف رواية “120 يومًا في سدوم” على مخطوط بطول 12 مترًا، وعرض بضعة سنتيمترات. وكان قد خبّأها في جدران زنزانته، قبل أن يتم اكتشافها لاحقًا بعد عُمر طويل، ثُم تتعرض للسرقة، ثُمّ تباع لأحد هواة جمع المخطوطات بمبلغ 7 ملايين يورو. هذه الرواية التي من المُفترض أنّها مُقتبسة من القصة التاريخية لقرية قوم لوط، حتّى أن سدوم هو الاسم العبراني لقرية قوم لوط؛ تحولّت الرواية إلى فيلم عام 1975، بعد أن نُشرت لأوّل مرة في النصف الأوّل من القرن العشرين.صورة للمخطوط (المصدر: AFP)منذ اندلعت أحداث الثورة الفرنسية، في يوليو 1789، بدأ دو ساد مشاركته الحشود الثورية بقدر ما يستطيع؛ كان يهتف من نافذة زنزانته، مُحرّضًا المارة على التمرد والاندماج مع الثورة، الأمر الذي دفع إدارة السجن إلى نقله لعنبر آخر شديد الحراسة. وبعد هجوم الثوار على الباستيل، خرج دو ساد لينضم إلى صفوف الفرق العسكرية الثورية، التي استطاع بمرور الوقت تقلّد مناصب قياديّة فيها، قبل أن يُحكم عليه بالإعدام بتهمة الانتماء إلى المُحافظين أعداء الثورة، وهي التهمة التي اعتاد ماكسميليان روبسبيار إطلاقها على كل من يُمثّل له تهديدًا. لكنّه يومٌ واحدٌ الفاصل بين حُكم الإعدام ضد دو ساد وإسقاط روبيسبيار وأعوانه، ما أدى إلى إطلاق سراح الأوّل. السُّلطة بطبعها مُجرمة –دو سادخلال تلك الفترة شديدة الزّخم، كتب ماركيز دو ساد عددًا من مُؤلفاته المازجة بين الأدب والفلسفة والسياسة. أولها كان “خطاب مواطن باريسي إلى الملك”، وذلك في عام 1791، وهو خطاب سياسي ثوري يُعبّر فيه عن طموحات المواطن الفرنسي، وأسباب اندفاعه للثورة. في نفس العام ألّف روايته الأهم “بؤس الفضيلة” أو “جوستين”، هذه الرواية ألحقها بأخرى أسماها “جولييت”.كلا العملان (جوستين وجولييت) يُكملان بعضهما البعض، فالأولى تحكي قصة بطلة هي جوستين اختارت “الفضيلة” كطريق في حياتها، لكنها في المُقابل تعرضت لأذية كُل الرجال الذين يدّعون الفضيلة، بمن فيهم القساوسة، كإشارة منه مُتكررة في غير عمل له، إلى أسطورة الفضيلة الدينية. ولعل في كل مرّة يتحدث فيها عن وجهة نظره “القاسية” في الدين، تكون صورة عمّه القسيس الماجن في مُخيّلته.في مُقابل جوستين، هُناك جولييت، شقيقتها التي اختارت التحرر من عُقدة الذنب، والذّود بالخيال الواسع لتحقيق الملّذة، التي نشدها دو ساد نفسه، عبر الخيال الذي لن تتحقق اللذة إلا به مُتحررًا، كما يرى الماركيز. جولييت وجدت مُتعتها في مُعظم الحالات، ولم يكن الأراذل يُمثلون لها أي عقبة، خصوصًا وأنّها بالأساس مًتحررة من عُقدة الذنب أو بؤس الفضيلة!حين انتهى به المطاف كمجنون!الحقيقة أنّ المطاف انتهى به مُكتئبًا وليس مجنونًا. لقد ظلّ في المصح العقلي لنحو عشر سنوات. لم يخبت حماسه تجاه أفكاره فيها، بل ظل يُؤلّف، ويُعد المسرحيات بصُحبة نُزلاء المصح!ما حدث أنّه عندما صعد نابليون بونابارت لسده الحُكم، أمر بإيداع ماركيز دو ساد المصح العقلي، مع منع تداول مُؤلفاته، بخاصة جوستين أو بؤس الفضيلة. أمّا مُؤلّفه الذي اعتبره هو شخصيًّا “أنجس ما أنتجته البشرية”، 120 يومًا في سدوم، فقد ظُنّ أنّه ضاع بعد انهيار الباستيل، لذلك لم يذع صيته بما فيه الكفاية آنذاك.رسمة تخيلية لماركيز دو ساد مكبلًا بالأغلالقبل نهايته بقليل، حُرم من الكتابة؛ سلبت إدارة المصح منه أقلامه وأوراقه، وأودعته في غُرفة انفرادية، ليبقى هُناك مُتألمًا من الوحدة، قبل أن يُصيبه الاكتئاب، ويرحل عن الدنيا به، عام 1814. ويُطمر على اسمه وإنتاجه كواحد –لا شك- من فلاسفة عصر التنوير الأوروبي، حتّى يُعاد اكتشافه –كما ذكرنا- في بدايات القرن العشرين.والآن، تُحيَا ذكراه عبر عدة مُناسبات ومواقف، فمن جانب أُنتج فيلم سينمائي عن روايته 120 يومًا في سدوم، كما أُنتج فيلم عن روايته بؤس الفضيلة/ جوستين، وغيرهما من الأفلام المُستوحاة من رواياته، أو منه هو وقصة حياته الشخصية.لكن في المقابل لذلك، لا يزال ذكره في العالم العربي محدودًا. قليلون فقط الذين تناولوه؛ سيرته الذاتية أو ترجمة أعماله، وهذه الأخيرة غالبًا ما تكون عن الإنجليزية، بتجاوز لُغته الأصلية (الفرنسية).