تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب مذكرات كلب عراقي
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

مذكرات كلب عراقي

3.8(٥ تقييم)١٢ قارئ
عدد الصفحات
١٧٣
سنة النشر
2012
ISBN
9789948446286
التصنيف
فنون
المطالعات
٢٬٣٤٤

عن الكتاب

في هذه الرواية يتبنى عبد الهادي سعدون خطاباً روائياً مختلفاً يتناغم مع عنوان الرواية والعالم المرجعي الذي تحيل إليه. تدور الرواية على لسان الكلب العراقي المدعو (ليدر). وهي تذكير لتقاليد حكائية تدور على ألسنة الحيوانات وإن جاءت بأسلوب وبنمط روائي معاصر، وعليه هي تقارب بأسلوبها الروايات الباريسك (الصعلوكية) من خلال تتبع حياة الإنسان منذ لحظة ولادته حتى نهاية حياته. يسرد البطل في مذكراته الوقائع الغريبة والأحداث العجيبة التي جرت له في 28 فصلاً: ولادته عند نهر دجلة، رفقته لصاحبه المعلم المعارض السياسي لأوضاع البلاد في ظل الحكم البعثي، رحلات الصيد، ظروف تشرده وحبسه وانفصاله عن صاحبه، فقدانه لعائلته وتهجير أشقائه ومن ثم موت معلمه على يد الغوغاء بعد أن عانى من سجون الحكم السابق. يتابع ما جاءت به الأوضاع الجديدة بعد سقوط الطاغية وما حدث للبلاد من انقلاب عصف بكل شيء. تنقلاته الكثيرة ما بين مدينة وأخرى... والكلاب التي يلتقيها في ترحاله. العصابات الكلبية، الأشقاء المبعثرون كل في جهة ومصير مختلف، الأصدقاء والأعداء المتنامين، الحب المتأخر والفقدان الدائم، حتى هروبه الأخير من البلاد والإقامة في بلد آخر (لا أريد أن أذكر له اسماً) على حد قوله ومن ثم انتظار لحظته القادمة مركزاً اهتمامه على كتابة مذكراته الكلبية هذه كي تنفع بترك آثارها القادمين ممن يرغبون بسرد وقائع حياتهم. متأملاً "أن تكون عبرة ومثلاً لكلاب المستقبل فيما لو شاءت كتابة فصول حياتها بنفسها". وأخيراً يقول: "لا شيء آخر أضيفه بعد. فأقول إنني المدعو (ليدر) أدون هذه الأوراق بكامل إرادتي، وليس لي غرض منها سوى مراجعة تفاصيل ما عشته، وكأنه يمر بخيالي كشريط حي بكل مرارته وحلاوته. فمصير الواحد منا كما قال أحد البوهيميين ليس أكثر من هذه الخربشات الممهورة ببصمة مبهمة، والتي نظنها غير جديرة بالتمعن، فتكون عند غيرنا أكثر من رغبة وشهادة عن مرورنا العابر في ثقب الحياة المتأرجحة".

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٤)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٥‏/٦‏/٢٠١٥
يراكم الكاتب العراقي عبدالهادي سعدون تجربة مميزة، في أكثر من نوع أدبي، فهو يكتب الشعر والقصة وأصدر رواية اعتبرت واحدة من أهم الروايات حول الواقع العراقي وأيضاً ترجم عدداً من الدواوين والكتب عن الإسبانية. وعلى رغم هذا التنوع في الحقول الأدبية، وما تطلبه من وعي عميق وخبرة وتمكّن في الأدوات واللغة، فإنه يكتب كما لو يكتب نصاً واحداً، نصاً ينطوي على لحظات لئن اختلفت فإنها تلتئم في سياق واحد، جوهره المسؤولية تجاه الكتابة وما تطلبه من مثابرة وتمهّل وإخلاص. يكتب عبدالهادي الذي يعيش في إسبانيا منذ أكثر من عقدين، بالالتزام نفسه والخشية ذاتها من ألا يستوقف القارئ ما يكتبه، لذلك فهو شديد الحرص على تجويد الكتابة. لا يذهب صاحب «تأطير الضحك» إلى طاولة الكتابة وهو يعرف تماماً أن ما يشتغل عليه هو أدب حقيقي أو أدب يطبعه التجريب أو الحداثة المميزة للعصر، «همي الوحيد في كل ما كتبته هو أن يدرك القارئ أنه أمام نص لا يمر بسهولة ويحتاج للقراءة أكثر من مرة. لم أنتبه بالمرة إلى فكرة الحداثوية والتجريب إلا من داخل السرد نفسه وعملية التجديد في اللغة والأسلوب، لهذا تكلمت ولا أزال عن الكتابة الناضجة المتمهلة». كما لا يسعى لمجد في الكتابة، ولا يهمه أن تباع كتبه بالآلاف، كما يذكر. متعته أن يُذكر بكتاب واحد بعد عشرات السنين من النشر والكتابة، «أعرف أن كل ما يتمناه الكاتب هو أن يبقى اسمه طرياً في سجل الأدب، وهي صفة الكتابة الجيدة، وأعرف أن كل شيء معلق بخيط رفيع». «مذكرات كلب عراقي» رواية ليست تقليدية. ولأن كل مأساة تولّد طرائق جديدة لمقاربتها، لتبقى متجددة، فقد اختار لروايته بطلاً لم يخطر على بال أحد، ليتقنع خلفه ويروي المأساة العراقية على طريقته. صعب على صاحب «انتحالات عائلة» أن يقول المأساة عبر شخصيات آدمية، فجرب أن يدونها على ألسنة حيوانات، مستفيداً من النماذج الأدبية التي استلهمت الحيوانات في متن الحكاية، ومنها «كليلة ودمنة»، «وإن خالفتها بالخروج من تعليميتها المفرطة وهي نتاج قرون سابقة». كذلك تأثر، كما يذكر، بنموذج الكتابة الصعلوكية (البيكاريسكية) بكل أصنافها المشرقية والعربية، إضافة إلى سرفانتس، «عوالم الحيوانات هي سنارة التعلق بموضوعة أكبر لم أجد لها حلاً إلا عبر هذه الكائنات التي مدتني بالشجاعة والحكمة على مدى أشهر كتابتها». يتقاطع في الرواية مسارا الكلب ليدر والواقع العراقي، وبمقدار ما تحكي الرواية تطورات الأحداث بالنسبة للكلب، تضيء في شكل تراجيدي، لحظات مهمة من واقع العراقيين، حتى تلك اللحظات التي تحول فيها الكلب الذي يتحدث لغات ويتأثر بسيده، إلى متوحش بدا أنها انعكاس للوحشية نفسها التي أصبح عليها العراقي، في ضوء واقع لا معالم له، «لا أعرف هل أنا الذي نجحت ككاتب بتدوين مذكرات الكلب المدعو ليدر، أم إن ليدر قد ساعدني ومنحني فرصة إتمام رواية عن العراق المعاصر أرقتني وأتعبتني على مدى سنوات. في كل تلك الفترة كنت أشعر أنا الإنسان المستلب من قسوة الواقع بنظرة تعاطف الحيوانات الأليفة التي رافقتني في تلك الرحلة المضنية. يمكنني الإضافة هنا أن «ليدر» هو أنا نفسي المختفي بلباس وفروة وزمن لم أتميزه في شكل كبير، حتى لو اختلفت وإياه بتفاصيل وآراء ومحن ومصائب أخرى». يتبدى عبدالهادي سعدون، الذي فاز بجوائز عربية ودولية وترجمت كتبه إلى عدد من اللغات، حكاء من طراز رفيع، وحكاياته لا تشبه أي حكاية سبق لنا قراءتها، حكاية تتخطى حتى مفهوم «السهل الممتنع»، تنطوي على منطقها الخاص بها، وتلامس ما تريد ملامسته في مخيلة القارئ. يقول صاحب «كنوز غرناطة» أنه تعلم من الحكواتية والأساطير والحكايات الشعبية الكثير الذي ساعده على كتابة نص جديد بالروحية الحقيقية للنص المحكي، «كثيراً ما شعرت بقرب كل تلك العوالم وطرقها مني، فيا ليتني كنت حكواتياً حقيقياً أفرغ من إنجاز حكايتي ما إن أسردها على الجمع دفعة واحدة كما أفعل في أحيان كثيرة، سواء في غرفة مغلقة أو أمام حشد في ساحة عامة... حكاياتي لا تدعي الاختلاف عن كل تلك العوالم، سوى بخصوصيتها وطرق تمريرها». > تبدو مدريد والمكان الإسباني في شكل عام مكوناً أساسياً في نسيج النص القصصي الذي تكتبه، أتكلم عن مجموعة «توستالا» لا يظهر مكاناً نافراً ولا طارئاً، إنه مندغم في شكل عضوي بالنص، يكسبه طابعه ويفيض عليه من فرادته. أيضاً المكان الإسباني يلوح من خلال تلك الروح التي تهيمن على النص والأجواء التي تغلف الشخصيات، وعليه لا تبدو متذمراً من المكان ولا تشتكي من غربة فيه، كيف خلصت إلى هذه المصالحة مع مكان الاغتراب؟ - الواحد منا عليه إيجاد طريقة للتصالح مع الذات قبل التصالح مع الوطن الأم أو الوطن الجديد، وهي مهمة إن لم أقل مستحيلة فهي عسيرة بالمرة. لكن المعرفة بالذات والتقابل مع الواقع هي الخطوة الأولى نحو هذا التقارب وهذا الفهم الممكن. إن كل تقابل وتلاقح واندماج في مجتمع جديد ليس معناه الانسلاخ والتذويب والفقدان، بل العكس في رأيي فهذا معناه أكبر بكبير وهو الانوجاد والإصرار والتحرر. إن التخوف من مسألة الانسلاخ وفقدان الهوية لا يؤمن بها سوى ضيّقي الأفق والراديكاليين بالضرورة، فالمجتمعات والثقافات واللغات ليست غولاً قادراً للانقضاض على البشر... أنا مصرّ على أن التلاقح الثقافي أغنى بكثير من الانعزال الثقافي، والدليل ما نراه في شعوبنا وشعوب أخرى بعيدة جداً من معنى هذه المفردة أو الإيمان بها. غالبية نصوصي إن لم أقل كلها كتبت في إسبانيا الأرض والمناخ، وعليه لا بد من أن تتطبع وتجد واقعها فيه وعبره حتى لو كانت كل شخوصي عراقية بحتة. لا يمكنني الكتابة عن بلد آخر ومدينة أخرى مثلما أكتب عنا في مدريد أو أية مدينة إسبانية أخرى، فهذا هو الأقرب لي والأكثر واقعية ومغزى. > لكنك تعود إلى بغداد. تسيح نصوصك في جغرافيا كونية، ثم تؤوب إلى العراق، يبدو أنه لا فكاك من الحاضنة الأولى. - أرى أن الكاتب حتى وهو في معادلة تصفية دائمة مع الوطن أو أي تسمية أخرى إنما ينطلق من واقع علاقته الحميمة بالأرض الأم، وهذه الحال لا تنطبق على الكاتب المنفي فحسب، بل تشمل حتى كاتب الداخل الذي لم يغادر مدينته حتى، وإلا فسيكون حكم الكتابة نصاً ميتاً في كل المستويات لا يعتمد سوى على سرد حكاية والبكاء على أطلال أو تقصي ذكرى. وهذا على أي حال ليس انتقاصاً من وطن أو تشفياً، بل هي حالة نزاع داخلي مع الذات في رفض ما يخرج عليها... في نصوص عدة لي يحاول البطل الهروب ورفض ولعنة كل ما له صلة بالوطن، وهو الذي في حقيقته محاولة اقتراب وإيجاد ومراجعة في آن واحد. إن الوعي بالمسألة يحيل الوطن إلى قضية تفاعلية وإن جاءت بصيغ وأساليب تناول مختلفة. خوان غويتسولو الروائي الإسباني المعروف، كتب معظم أعماله الهدمية الانتقامية من إسبانيا في عهد فرانكو وبعده، ليصل إلى رغبة انكشاف ذاته وتوازنها وإعادة بنائها. في كل هدم ومحاسبة، إنما نرغب في المطالعة ومعرفة الآخر الذي قد نجده أكثر اغتراباً من الأصل الذي نحمله عنه. > تحضر في نصوصك عبر الاسم الصريح وعبر الأصدقاء المعروفين وهواجسك ككاتب، لكنه حضور أكثر تعقيداً من مجرد سيرة، يوجد لعب وتلاعب وتلذذ في استدراج كل ما هو شخصي، أو ما يعد به من مفاجآت لتشحن النص بطاقة تخييلية تفوق قدرتنا أحياناً على استيعابها. - في كل نصوصي تقريباً هناك لعب حكائي يستفيد من السيرة الذاتية في شكل كبير. لا أدعي أن كل ما يدور في كتبي له علاقة مباشرة بي، بل يمكنني القول أن سيرتي وخبراتي الحياتية وضعت بخدمة نصوصي المكتوبة للاستفادة منها في شكل أو في آخر، حتى تلك التي تسير خارج سرب حياتي الخاصة. هناك (خيال مضطرب) ولتسمح لي أن أحصرها بين قوسين، خاص بنصوصي كلها، تخييل إيهامي له علاقة غير مباشرة بالمتن الواقعي للطرف الآخر. أسميه مضطرباً لعلاقته المتأزمة ما بين الأخذ والطرد من داخل الدائرة المرئية نفسها، وهي حقلي الحقيقي. إن اسمي وهواجسي وأماكني وعلاقاتي كلها متناثرة في دائرة نصوصي الكثيرة، بحيث يصعب عليّ أنا نفسي تخليصها من شوائب الخيال وردها للواقع، والعملية صائبة في شكل معكوس. هل أكرر هنا ما قاله بورخيس بأنني شخص من صنع كتبي، هو ذاك إلى درجة أنني أتعاطف مع هذا الكائن المشتت المضطرب وأقيس قوته بقوة انتحالاته في نصوصه السابقة والمقبلة؟ > ترجمت عدداً من الكتب عن الإسبانية، كيف تجد نفسك كمترجم، هل تبقى على مسافة من النص، أم إنك تنغمس فيه بالكامل تحويراً وإعادة صوغ، بحثاً عن الصورة الأمثل لروح النص الأصلي؟ - رغبة الترجمة تأتي متوازية مع الكتابة، وأنا أشعر بقيمتها وأهميتها لي كمثقف يعيش في مجتمع ولغة وإبداع لا بد من قراءته، وبالتالي نقل ما أستطيع منه للقارئ العربي، صلتي الأساسية الأخرى. دائماً ما أقول أن مهمة المبدع بمعرفته لغة أخرى هو أن يساهم بما يستطيع من ترجمة آداب تلك اللغة التي يتقنها، لا سيما أن مشاريع الترجمة العربية الرسمية كانت وستظل قاصرة عموماً. بقي أن عملية الترجمة وإن جاءت بالنسبة لي كهواية، فأنا كنت ولا أزال هاوياً ولست محترفاً، ساعدتني على صقل عوالمي الأدبية وعلى القراءة في شكل واعٍ. من بين كل الأنواع الأدبية التي يكتب فيها، يميل عبدالهادي سعدون إلى القصة وعوالمها، «إنني شغوف جداً بالقصة القصيرة وأجدني أقرب لها في الكتابة وهي التي تحويني كلياً وتنشط مسارات الحكي في داخلي». وكل قصصه، كما يذكر، تنويعات على النص نفسه، بحيث لو تجمعت كلها لأشارت إلى نص واحد متكامل، «فكرة التشظي والتغاير والتقريب ما بين قصة وأخرى ونص وآخر جربتها في أكثر من كتاب وفي كل جديد لي أمر بالتجربة ذاتها بصيغة معينة قد تكون مرئية في شكل أكبر أو مندمجة ومضمرة داخل نسيج النص نفسه». فاز عبدالهادي بجائزة أنطونيو ماتشادو الإسبانية عن كتابه «دائماً». صاحب «ليس سوى ريح» رأى في الجائزة العالمية التي تمنحها وزارة الثقافة الإسبانية ومؤسسة الشاعر المعروف ماتشادو في مدينة صوريا، تقويماً عادلاً أدخل إلى نفسه الاطمئنان بجدوى الكتابة. طبع الكتاب الفائز وقدم في مناسبات عدة وفي مدن وملتقيات مختلفة. فالجوائز، من وجهة نظره، ليست بقيمتها المادية دائماً، إنما في ما يأتي بعد ذلك من تقويم وترويج وتنبيه للآداب العربية الجديدة، «هذه الجائزة الشعرية أتاحت لنصوصي الأخرى السابقة، والتالية أن تصل إلى القارئ الإسباني وأن يحتفى بها في مهرجانات وملتقيات ناطقة بالإسبانية سواء في إسبانيا نفسها أم في دول أميركا اللاتينية التي زرت معظم بلدانها في مناسبات مختلفة». سعدون يعترف بأن اللقاءات المتتالية مع أدباء البلدان الناطقة بالإسبانية، التي أتاحتها له الجائزة، جعلهم يتنبهون للأدب العراقي والمطالبة بالمزيد منه، معتبراً أن هذا في حد ذاته تقويم كبير.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٥‏/٦‏/٢٠١٥
يبدو أن الروائي العراقي عبد الهادي سعدون مرهقٌ جداً من «اعتياد الموت»، وصار في «مذكرات كلب عراقي»، عن دار «ثقافة» - بيروت، باحثاً عن إطلالة غير مألوفة على «الزمن المُهلك». ثمة سرد شديد الانتباه، للصورة العراقية، ولو من منفى إسباني. رواية سعدون الجديدة جاءت في 176 صفحة، زيّنت غلافَها لوحةُ الفنان الإسباني «غويا». وهي تمنَحُ فعلَ القراءةَ حافزَ الانتقالِ إلى مساحةٍ جديدةٍ في التلقي؛ عليكَ الاستعداد لراوٍ كلب، له أسرة، وراعٍ، ومعه تتخلى عن حساسيةٍ شرقيةٍ مفرطةٍ في محاورةِ حيوان، وأن تتلقى بشغف قصصَ العصف العراقي، على لسانِه. ولا أميلُ، مع هذا الراوي، لتصنيف «مذكرات كلب عراقي» على أنها سليلة تقاليد الحكايات التي تدور على ألسنة حيوانات، هي أقربُ ما تكون إلى شهادةٍ على حمى العراق المزمنة، لكن بسرد محتال يفرض عليك معاينة عوالم متشابكة بعين كلب. وهي أيضاً ليست من قصص الرعاة، أو أدب المشردين والتائهين، كما يبدو للوهلة الاولى أن «ليدر» نموذج لهم. قد يضعُ القارئ هذه الرواية في مصاف قصصِ «البيكاريسك» التي تلازم الإنسان منذ ولادته حتى يفارق الحياة. بيد أن هذه المذكرات، وعلى رغم لغتها التي تسمح بقراءة كلاسيكية، تعاينُ حيوات عراقية متعددة، وتخلق، لتحولات سياسية واجتماعية تسعينات القرن الماضي، عيناً فذّةً لامة. يبدو عبد الهادي سعدون في هذه المذكرات منسجماً مع جيلٍ روائي عراقي لا ينفكُ يفكرُ في ملامح وهوية أكثر تمرداً، أقل تعقيداً. هذا الجيل طالما أعلن نفسَه في روايةٍ مجددة. في ثمانية وعشرين فصلاً يكون البطل – الكلب صديقاً حميماً لك، ولا مفر من مشاركته كل منعطف غرائبي يمرّ به، وقد تشعر، بلغة طائرة فوق النوع والصنف، أنك ترافقُ كلباً «مواطناً» في مسارات مُرّة. «ليدر»، وهو إسم الكلب، يسجلُ هويةَ أحواله مطلعَ المذكرات: «ولدتُ – كما علمت في ما بعد – عند حافة نهر دجلة، في بيت سيد الدار الذي كان الجميع يُطلقُ عليه لقب المعلم (...) أنجبتني أمي المدعوة «سابويسو» مع شقيق لي آخر وشقيقتين، ولم أحظ برؤية والدي «السلوقي» إلا بعد أيام ثلاث». (ص13). ويتقنُ عبد الهادي سعدون فرضَ نمطٍ لغوي لـ «ليدر»، لا يكونُ معه التباس بينه راوياً، وكلباً. ليدر هو عينٌ مُطهَرةٌ من أنماط السلوك الانساني. لن تجدَه، كما في خلق الشخصيات المبذولة في الروايات حقوداً منافقاً، وطيباً صادقاً. هو شخص– كلب مؤنسنٌ بطريقةٍ تكفي لكل هذه الحميمية: «رأيتٌ للمرة الأولى وجه المعلم مقترباً من السلة حيث أنا وإخوتي وأراه مبتسماً مربتاً على فرواتنا وسمعته يقول: يا للجراء الجميلة!». ومن «ليدر» تتعرفُ على بغدادي يعيش هاجس اليوتوبيا؛ عاشقٌ فطري للبلد، ويكافح، على رغم كل الاخفاقات، للحفاظ على حُلمِه الذي لا مفر من اغتياله نهاية المطاف. هذه مقاربة لعبد الهادي سعدون نفسه، يضعُ في «مذكرات» ليدر هاجسه، ويُفرغُ حسرته على الهوية. ليدر يحرص في مذكراته على إظهار حيوات مقتولة لدى العراقي: «صحبت المعلم المتيم بالآثار من بابل وعقرقوف حتى عاصمة آشور، من دون العودة الى البيت قبل أن نمر بكل شبر من أور. في ظرف أشهر أخرى، مروراً بقرى ضائعة في الشمال أو الجنوب أو الوسط لمجرد أن يريني أثراً يدل على عظمة هذه الأرض التي يسميها ميزوبوتاميا» (ص30). وعليك أن تتجاوب مع هذا النمط المحترق، عراقياً، من العلاقة بين رجل وكلب: «كل شبر تحتنا يضم آلاف الآثار يا ليدر». نقفُ في المذكرات أمامَ مستويات متعددة: الكلبُ وإخوته، يخوضون في حياةِ العملِ الشاق، والصداقةِ الحميمةِ مع معلمِهم، مغامراتُ الصيد، والانكسار والفرقة. ولاحقاً، التشرد والعزلة والوفاة... المعلمُ، الرجل الذي يُعطي رمزيةً عاليةً لآخر الأرستقراطيين المعارضين لحزب البعث في العراق والمجبولِ في معادلةٍ صعبة على البقاءِ تحت رحمته: «عائلةُ المعلمُ كانت من أعيان بغداد أباً عن جد وقد ملكوا تقريباً كل المزارعِ المطلةِ على نهرِ دجلة من أقصاها حتى أقصاها. لكنهم بدأوا يفقدونها تدريجاً بقرارات حكومية بحججٍ لا تخرجُ عن مسألةِ الضرورات الأمنية، تلك الأُحجية المخيفة التي يستخدمونها في كل شأن» (ص 35) انتقالُ ليدر السلس الجذاب من عالم إلى آخر، يُقرأُ مثل تسجيل للانحدار والانزواء، ومن ثم الضمور لحياة هذه الأسرة، بدءاً من اخراج السلطة لها من مزرعة على النهر: «صرنا في مواجهة رجال غامضين يرتدون بدلات متشابهة، لم تكن بالعسكرية، لهم سحنات قاسية ويتحدثون بلغة الأمر. سمعت قائدهم يخبر المعلم قائلاً: قررت الدولة مصادرة الأرض الزراعية المطلة على النهر لضرورات أمنية. (...) ستكون هناك وحدات حراسة خاصة في المزرعة. كنت على وشك أن أبادر المتكلم بعضة في رقبته» (ص33). وبين غضبِ الكلب على رجالِ الأمن وهم يأمرون المعلمَ بإخلاء المزرعة، وقوله موقفاً مناوئاً لمضايقات السلطةِ وتفسيره «الضرورات الأمنية» بالحجج الواهية، في لغة مباشرة، يكون ليدر مفرطاً في إنسانيته. عليك النجاح في تمرين القراءة هذا، ان تمسك «رسالة» عبد الهادي سعدون، وتتجاوب، في الوقت نفسه، مع ليدر «الانسان». قصيدة الكلب «ليدر» يداوي جروح قلبه، بعد مقتل المعلم، بقصيدة: «ليس لي غير وحدتي... الدار – الخراب، وهذا النباح، نباح... نباح... نباح» (ص110). هذا جزء مهم من المتعة التي يجدها قارئ المذكرات، لكنها جاءت بعد انعطافة درامية في مسارِ الرواية، فالمعلم، الذي عانى من تضييقِ أجهزةِ الأمن، يُقتل على يد «الغوغاء». وكان مشهداً سُخر، بهذا الشكل أو ذاك، لخلقِ رسالةِ نقدية للوثة العنف في العراق: «اجتاحتنا الجموعُ المتنافرة من كل الجهات. دخل من دخل من البوابة، وجاء آخرون من المزارع المجاورة (...) كانوا من رجالِ مسلحين بالعصي والسكاكين والخناجر، وحمل البعضُ منهم مسدسات، ومن خلفهم كلاب مسعورة» (ص 107). والأكثر تلذذاً بالصنعة الروائية في هذه المذكرات حين تصل إلى انقلاب الحياة في العراق، وهوس تشكل «الكارتلات» والخنادق، وشيزوفرينيا عراقية تُعللُ وحوشَ اليوم، بمسوخ تحت الحرب اليومية بالأمس. فبعد ضياعِ «المعلم» في فورة دم، وشحنة عنف لا مثيل لها: «لمحنا رجلاً يقترب منا (...) يحمل مسدساً في يده ويرتدي غترة بيضاء لفّها على وجهه (...) سحب أقسام المسدس ووجهه إلى جبهة المعلم» (ص109). تأتي الذروة ذاتها ليكون «ليدر» ضحيةَ تصفية مشابهة من كلاب مسعورة، ينهشونه ويتركونه من دون أمل. المكانُ في خاتمة المذكرات يعجّ برمزية الكلب، ستعودُ معها إلى دلالة واضحة عليه حيواناً، مع الفارقِ أنك تُعاينُ كلباً يبكي. يحدثُ هذا في الواقع: «اليوم في خصيي لا قوة لي على الحركة (...) عالمي لم يعد أبعد من هذه الأمتار (...) أترقب النباح القادم من جهات غير معلومة» (ص171). في خاتمة المذكرات يتصاعد الشعور بالأسى، تماماً مثل عراقي يقلب خياراته الضئيلة، المتصحرة، في المنفى. وعلى رغم تأثيث لغوي بارع لعالم يدلُ على «كلب»، لكنك، وبمتعة ولذة كبيرة، تتمكن من إسقاط ليدر على أي عراقي مهتوك يُعالجُ اغترابه المرير: «... منتظراً أيامي الأخيرة بإشارة سماوية كي أتبع آثار أحبتي الذين سبقوني، والدي السلوقي وأمي السوبويسو والحبيبة جميلة» (ص 172).  وتجدر الاشارة اخيراً الى أنّ الشاعر اللبناني يوسف الخال كان أصدر عام 1985 كتاباً بعنوان «مذكرات كلب» (دار النهار) ويؤدي فيه الكلب دور الراوي. وكتب الشاعر بسام حجار أيضاً نصاً طويلاً جعل بطله كلباً
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٥‏/٦‏/٢٠١٥
نجا الكلب ليدر من الموت في زمنَي الديكتاتور والاحتلال الأميركي لبغداد، وفرّ في شاحنة خارج البلاد. في باكورته «مذكرات كلب عراقي» (دار ثقافة ــ الإمارات)، يتساءل القاصّ والشاعر المقيم في إسبانيا عن كيفية التخلّص من شباك الذاكرة المسكونة ببلاد الرافدين «ليس هناك من تفسير معقول غير الذي أقوله لكم. لا بد أنني قد ولدت تحت تأثير نجم الفأل الحسن، وإلا كيف أفسر أنني لم أكن حتى الآن من الأموات في كل تلك المحن والتجارب التي مررت بها، والتي كنت فيها على شفا حفرة من الموت، قريباً من حتفي!» هكذا يختصر لنا الكلب العراقي «ليدر» سنوات حياته التي عاشها داخل العراق، لينتهي به المطاف منفيّاً في إحدى دول العالم «في بلد لا أريد أن أذكر له اسماً، أجلس اليوم حتى آخر نباح في حياتي، كي أدوّن هذه المذكّرات التي مرّت من عمري». تمهيد يأخذنا لقراءة سيرة حياة الكلب ليدر بطل رواية «مذكرات كلب عراقي» (دار ثقافة ــ الإمارات) للقاصّ والشاعر العراقي عبد الهادي السعدون (1968). في روايته الأولى، يعمد عبد الهادي السعدون بتقنية سردية، تقترب من الكلاسيكية، إلى إخفاء الخط الفاصل بين الإنسان والحيوان، حتى يخيّل للقارئ أنّ الرواية تحكي سيرة إنسان عراقي كان يعيش بدرجة كلب داخل مجتمعه. الرواية التي يرويها لنا الكلب ليدر، تحلّل وترصد مشاهد مهمة من حياة المجتمع العراقي على لسان كلب عراقي عاش حياة لا تختلف أبداً عن حياة الغالبية العظمى من أبناء الرافدين. تبدأ الحكاية في زمن الديكتاتور وحرب الثمانينيات، من هناك، يسرد لنا بطل الرواية سيرة حياته المتلازمة مع يوميّات معلمه أو صاحبه «الرجل الشريف» الذي كان ناشطاً سياسياً معارضاً على خلاف دائم مع السلطة. الرجل الذي كان يلوذ بالثقافة والقراءة هرباً من واقع مرير، كان معروفاً بشكل يثير قلق السلطة، وبعدما هرّبَ ولديه خارج البلاد، صار يعيش وحيداً في بيت داخل مزرعة على ضفاف دجلة، حيث ولد الكلب ليدر من أمٍ إسبانية الأصل وأب «سلوقي» عراقي أصيل. هذا الجرو كبر واشتد عوده وصار مدار حديث الكثير وإعجابهم، وخصوصاً هواة الصيد، لتتسع بذلك سمعة مالكه «المعلم» وتصل إلى رجالات السلطة. وبالنظر إلى ما قاساه معلّمه من ظلم السلطة، صار ليدر يكره الحاكم قائد البلاد أيضاً. وبهذا يضعه المؤلف في منزلة البشر، حيث بات يشاركهم بغضهم للديكتاتور. من حيث البناء والأسلوب، ينتمي العمل إلى الرواية «البيكارسكية». بطلها الكلب ليدر يعي تماماً أن الواقع الذي يعيشه منحطّ وزائف، يسوده النفاق والظلم والاستبداد والاحتيال. ذكي يتكلم بالنصائح، ويتفوّه بإيمان، لكنه أيضاً يسخر من قيم المجتمع وعاداته وأعرافه المبنية على النفاق والهراء. بالإضافة إلى أنه دخل عالم التسكع وعاش الصعلكة نتيجة الخراب الذي حلّ بالبلاد ومقتل معلمه على أيدي الغوغاء، طمعاً بما يحتويه بيته من طعام وأثاث. الكلب ليدر الذي يكره الديكتاتور، كان يقرأ ويحب الكتب ويفهم العربية والإنكليزية والإسبانية، ثم اضطُهد واعتُقل بعدما كان مطارداً من قبل السلطة. إنّه عراقي صميمي يحلم بالتخلص من الديكتاتور... الحلم الذي تعاظم مع بداية الاحتلال الأميركي لبلده. عمد المؤلف إلى مناصفة روايته من حيث الفترة الزمنية، فالنصف الأول يحدثنا عن يوميات الكلب زمن الديكتاتور. أما النصف الثاني فكان ليوميات العراقي ليدر في زمن الاحتلال الأميركي. يصف لنا ليدر مشهد بغداد وهي تدخل تاريخ احتلال جديد. يقرر ليدر الهجرة من بلد صار فيه العيش مستحيلاً، وصار يجوب الصحراء باحثاً عن منفذ حدودي يخلّصه من جحيم بلده. هناك في قلب الصحراء، يسمع صوتاً آمراً: «هيه! تحرك وقلْ منْ أنت، وماذا تفعل هنا وإلا فالموت نصيبك». الموت والتحدي مرة أخرى يلاحقانه حتى وهو في قلب الصحراء: «اسمي ليدر... الكلب ليدر» فيردّ عليه الصوت الآمر «أميركي جاسوس!». كان الصوت خارجاً من وسط عصبة كلاب يقودها كلب جنرال، يكتشف ليدر في ما بعد أنّه أحد إخوته الذي منحه المعلم لعائلة من أصدقائه وهو صغير نظراً إلى عرج طفيف في ساقه. يتمكن ليدر من الهرب من العراق بعدما حشر نفسه في شاحنة محمّلة بأثاث، فيعبر الحدود ويخلص من جحيم بلده. في طريق الهرب، يخبرنا بطل الرواية عن عراقه الذي صار يسير إلى الخلف: «لم يعد لي من فسحة سوى مراقبة الطريق يتراجع والبلد يسير إلى الخلف بلا أدنى أمل باسترجاعه... مخذولاً، جائعاً ومنهكاً، ضعيفاً، متآمراً وقاتلاً، كلها تنطبق عليَّ، كل شيء بي منها. لقد تحوّلنا من كائنات بسيطة إلى مخلوقات متوحشة، نرى الخراب والدم ولا يرمش لنا جفن ونحرص على الموت والقتل كأنه حقيقة كل شيء: اهرب، اهرب قال شقيقي، ونسيت أن أسأله: كيف نهرب يا شقيقي من الذاكرة المعشّشة في كل واحد منا؟».
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٥‏/٦‏/٢٠١٥
قبل أن أقرأ رواية “مذكرات كلب عراقي” للكاتب العراقي المقيم في منفاه في إسبانيا عبد الهادي سعدون والصادرة مؤخرا عن “دار ثقافة” في أبوظبي بالإمارات، كانت تطوف في ذهني صور الكثير من الأعمال الروائية الغربية بشكل عام والأميركية بشكل خاص التي انتشرت خلال النصف الأول من القرن العشرين والتي أطلق عليها النقاد “روايات المدرسة الطبيعية” المؤمنة بنظرية الداروينية في التطور، وكان من أبرزها رواية “الناب الأبيض” للكاتب الأميركي الشهير جاك لندن والتي عرفها القارئ العربي من خلال ترجمات ملخصة أساءت إليها إلى أن صدرت ترجمتها الكاملة من دار سنابل بالقاهرة في ترجمة رائعة للأديب المغربي عبد الهادي الإدريسي تحت عنوان “أبيض الناب”، إلا أن هذه الرواية الجديدة للكاتب العراقي عبد الهادي سعدون وان تشابهت في بعض الأوجه مع شكل الرواية الطبيعية التي يلعب بطولتها حيوانات تروي ما يجري من أحداث، إلا أنها كانت حيلة من حيل الكتابة التي لجأ إليها المؤلف ليقدم لنا الصورة القاتمة لحياة العراق والعراقيين خلال النصف قرن الأخير، ولا تزال تبعاتها تتوالى، ولا أعتقد أنها انتهت بتسجيل وقائعها في هذه الرواية، بل سوف تستمر لعقود قادمة لأن ما حدث كان تأثيره السلبي كبيرا على حياة سكان العراق، والحلول التي وضعت له كانت تكريسا لاستمرار هذه الجوانب السلبية. يبدأ “ليدر” أو “القائد” بطل هذه الرواية بحكايته الشخصية “ولدتُ ـ كما علمت في ما بعد ـ عند حافة نهر دجلة، في بيت سيد الدار الذي كان الجميع يُطلقُ عليه لقب المعلم (...) أنجبتني أمي المدعوة “سابويسو” مع شقيق لي آخر وشقيقتين، ولم أحظ برؤية والدي “السلوقي” إلا بعد أيام ثلاثة”. ثم يعطف الراوي الكلب “ليدر” في روايته بعد ذلك على صاحبه أو صاحب البيت الذي ولد فيه واصطفاه من بين أشقائه ليشاركه حياته ويعلمه اللغات والأشياء التي جعلته يحاول التشبه به إلى درجة تخليه عن طبيعته الوحشية، والذي يطلق عليه الجميع اسم “المعلم”، رجل وطني بالفطرة والطبيعية مثل كل الوطنيين عاشق لبلاده ويريد لها الخير، ولكن ذلك القائد (الآخر) الذي يتحدث الجميع عنه برهبة وخوف جعلت الكلب “ليدر” يخشاه عن بعد، لأنه يقف عائقا ضد تطور أفكار الآخرين في حب الوطن.   “المعلم” الذي اختار للكلب الراوي اسمه يبدو اختياره في البداية سخرية من ذلك القائد الآخر الذي يقود الوطن منفردا بلا قبول لأي رأي مختلف، ربما كان الأمر كذلك، وربما كان لا، لأن الروائي عبد الهادي سعدون لا يكشف عن هذا كثيرا، أو أراد ترك ذلك للقارئ. ونمضي مع رواية هذا الكلب الوفي لصاحبه “المعلم” لأنه ممتن لصاحبه على تعليمه كل ما يعرفه ومشاركته له كل شيء في حياته حتى سماع الموسيقى، وأيضا مشاركته خلال هوايته الوحيدة بعد القراءة وهي هواية الصيد، بعد أن تحولت حياته إلى جحيم بسبب نشاطه السياسي المناوئ للقائد الآخر، وما ألم به من ألم نتيجة موت زوجته وإبعاده لولديه إلى أوروبا حتى لا يموتا في الحروب المتتالية التي دخلها العراق في ظل ذلك المسمى القائد الآخر، على أمل اللقاء بهما في يوم ما، ولكن حياته تمضي من سجن لآخر دون أن يتراجع عن مواقفه. يمضي بنا الكلب “ليدر” في سرده لمذكراته/ الرواية التي تحاول أن تصف لنا حال “المعلم” التي هي حال العراق خلال فترة وجود “ذلك المسمى القائد الآخر”، وأمام عينيه شعار واحد يكمن في تغني المعلم بلازمة شهيرة “الطريق نخطه بخطواتنا، الطريق”، وهي لازمة مأخوذة عن بيت شعري شهير يغنيه بعض المطربين للشاعر الإسباني “انطونيو ماتشادو”: “أيها السائر لا طريق هناك، الطريق يصنعه المسير”. يقص علينا الكلب “ليدر” كيف أنه لم يفهم أن يفقد “المعلم” بيته الواسع على نهر دجلة جزءا بعد الآخر لأسباب و”دواع أمنية” تصدر بها أوامر من دون شرح أو تفسير، إلى أن قررت الدولة مصادرة الدار كلها، وكان على صاحبها أن يبحث له عن مأوى. ومنذ ذلك الوقت يتعرض المعلم وكلبه لمؤامرات لا تنتهي، والناس تتبدل أحوالها بسبب ما يمر بالبلاد من أحوال وأهوال لا تفسير لها، تتغير فيها الأنفس وتتبدل بشكل غير مبرر حتى أن “المعلم” يكتشف أن سجنه الأخير تم بوشاية من صديقه الذي عرض عليه الإقامة عنده بعد أن صادرت الحكومة قصره على دجلة. وتزداد الأمور تعقيدا في وجه “ليدر” بعد مصرع معلمه على أيدي “الغوغاء” الطامعين في ممتلكاته دون أن ينتبهوا إلى أن “المعلم” من الشرفاء المناضلين من أجلهم، لكنها الحروب التي فعلت فعلها ولم تترك في نفوس البشر سوى البحث عن مغانم شخصية واهية. بعد موت “المعلم” وهبوب الزوابع على بغداد يتوقع القارئ أن الرواية سوف تنتهي بتلك الجملة: “كيف أني نجوت من موت مؤكد ولم ألحق بصاحبي المعلم، كنت أتساءل وحسب عن معنى حياة كلب بلا رفيق ولا أهل، في بلد خرب آيل إلى خراب أعظم؟”، إلا أن الأمر لم ينته عند ذلك المقطع. فقد وجد الكلب “ليدر” نفسه في بلاد تحول أهلها إلى قتلة وقطاع طرق يتناحرون من أجل الحصول على مكاسب تافهة، فيقرر أن يعيش حياة الكلاب بعد أن فقد علاقته بالبشر بعد موت صاحبه، لكنه حتى في حياة الكلاب يجد نفسه في سجن خاص بالكلاب أيضا، وكأن هذا الوطن لم يقنع بسجن مواطنيه فقرر سجن كلابه، ولا يخلصه من سجنه إلا غزو أجنبي دمر كل شيء في البلاد ودفع حراس السجن إلى الهروب وترك الكلاب لمصيرها. وتدور مغامرات أخرى يعيش فيها الكلب “ليدر” حياة مشابهة لحياة صاحبه من حب وخيانة وصداقة وعنف وقتل تغيرت فيها الطبيعة التي اكتسبها من سيده، حتى أنه يتساءل مع نفسه ككلب: “يا إلهي ماذا يجري لي،هل تحولت إلى وحش بغمضة عين، ما الذي يحصل لي؟” فلا تنتهي مغامراته مع غيره من الكلاب التي واجهها بعد هروبه من سجنه إلا بقراره الخروج من العراق كلها وتركها لجراحها التي لا تلتئم بعد أن فقد الأهل والصاحب، وفي هذا الجزء يمكننا أن نرى الجانب الآخر الذي يأخذ رواية عبد الهادي سعدون إلى الاقتراب من عالم الرواية الطبيعية التي ذكرناها في بداية المقال. * ناقد وأكاديمي من مصر ( عن الاتحاد الاماراتية )