
مجاني
📱 كتاب إلكتروني
مواقيت التعري
ترجمة هدرا جرجس زخارى
3.8(٢ تقييم)•٥ قارئ
📄 قراءة PDFمجاني
عن الكتاب
تحقيق هذه الرواية شرطاً مهماً من شروط هذه السلسلة وهو البحث عن الكتابات غير المنطقية وتقديم الحس الفنى المختلف فى الكتاب الأدبية. فنحن هنا أمام رواية تتوسل بما هو إنساني لتصنع لحظة حقيقية فارقة فى تاريخ شخصياتها التى تعانى - على تعددها- من إحساس قوى بالضعف والهشاشة، وتطمح إلى التخلص من الألم والوحدة والضياع. ويقدم الروائى هنا رؤية شفيفة تعتمد على أن الكشف (أو التعرى) بمستوياته الفنية المتباينة هو الحالة التى يستطيع من خلالها المرء أن يتطهر من آلامة ويتصالح مع العالم، ولو إلى حين ولو لبعض الوقت.
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
١٨/٣/٢٠١٥
على الرغم من العنوان الذي اختاره هدرا جرجس لأولى رواياته "مواقيت التعري" وما تثيره كلمة التعري من أخيلة ليست بالبريئة على الإطلاق ، فقد جاءت روايته مقدسة تماما؛ أو بمعنى أدق فطرية كما الإنسان الأول الذي يأتي إلى الدنيا عاريا تماما بلا زيف الملابس التي تشكل حجابا لما يعتقده كثيرون مقدسات وممتلكات شخصية لا يجب كشفها إلا تحت شروط قننتها القوانين السماوية ، ثم أضافت عليها التقاليد والعادات قيودا أخرى ضخمت من الأثر السئ الذي تحدثه كلمة "التعري" في ذهن المتلقي
.
وكما يتفنن الانسان في اخفاء الجسد بالملابس، فهو يَجد في اخفاء ما يدور بداخله من أحقاد ومشاعر قد تكسبه أعداء، وتجعله في زمرة المغضوب عليهم اجتماعيا وسياسيا وفكريا. وهكذا يفقد الانسان براءة الطفولة وتلقائيته كلما تقدم في العمر، ففي كل يوم تزيد فيه قطع الملابس وتتنوع، تتطور معها طرق التحايل لاخفاء مايمور بداخله
.
أدرك هدرا جرجس أن الأصل في الأشياء "التعري، بل إن أغلب الطقوس المقدسة لا تتم إلا بعُري أو بعد عُري ، فالحج والدخول في سلك الرهبنة يرتبطان بطقوس تعرٍ وتخل عن الملابس المعتادة وارتداء نوع معين من الملابس البسيطة ، وكذلك بالنسبة لرهبان التبت، وأيضا التعري الجبري عند الميلاد والموت . وبين قدوم عار للحياة ، ومغادرتها بنفس العري رحلة طويلة مليئة بالزيف والمداراة التي نتفنن في أساليبها .
وكما نفعل مع النفيس من الثمار بتعريتها وازالة أغلفتها قبل الولوج إلى مكامن الاشتهاء فيها ، فعل هدرا نفس الشئ . ففي روايته أثبت أنه مهما بالغنا في التخفي والتستر، فهناك بالداخل أشياء لا يجدي معها فعل "الستر" أو الاخفاء ، لأن ما هو "مستور" أنفس مما هو ظاهر؛ تماما كما اللؤلؤ القابع داخل محارته ينتظر يد صائد اللؤلؤ ليعري جماله ويكشفه للناظرين الذين وقتها فقط يدركون كم كان من الخطأ قبره في قاع البحر
.
ومهما كانت الأقنعة التي يتخفى وراءها الجميع محكمة ومقنعة وصلدة ، فلابد لها أن تتهشم وتتكشف يوما .
وحدهم الأطفال تخلصوا من عقدة "فن الزيف" أو فن التحايل على دواخل نفوسهم . فهم إن أحبوا أعلنوا وعبروا ليس بالكلمات فقط ، بل وبالفعل الجسدي ليطبعوا قبلة على خدٍ ، أو ليدفنوا أكفهم الصغيرة في أيدي من يحبون ، و إن كرهوا صرخوا في وجه من يكرهونه بنفس الصراحة والتلقائية .
ولكن الأطفال لا يظلون أطفالا ، فهم يكبرون وفي كل يوم يفقدون فضيلة "التعري" ويتعلمون الكذب والنفاق ويلبسون أقنعة المجتمع المتوارثة . ولكن أطفال هدرا جرجس يبقون أطفالا ، فهم أطفال " داون سيندروم"أو متلازمة داون ؛ هذا المرض الذي يوشك أن يوحد المصابين به في الكثير من أنماط السلوك وملامح الجسد ، دون انتقاء لجنس أو هوية أو عقيدة . ولذلك جاءت الأسماء في الرواية محايدة لا تخص طرفا دون الآخر، فمن الممكن أن تكون "نور" عائشة أو حنه، ومن الممكن أن يكون "هادي" أحمد أو بطرس .
وكما جاءت الرواية بلا ميقات زماني ولا ميقات مكاني محدد؛ على الرغم من كلمة "مواقيت" التي يحملها العنوان كعتبة أولى ، فقد جاءت أيضا مفتوحة تصلح لكل البيئات وكل الأسماء لتحمل الصبغة الانسانية بامتياز.
جاءت مواقيت التعري الزمانية والمكانية الرئيسية في الرواية افتراضية تتخذ من "الأحلام" مسرحا مجازيا تجري عليه عملية التكشف والمصارحة. على مسرح الأحلام يظهر المكبوت وتنعكس حالات الضيق والكبت التي تفرضها عادات وتقاليد المجتمع التي تحتم على الإنسان ستر ما يشعر به واظهار خلاف ما يريده خشية "التعري"والكشف لما قد يواجهه من احباطات لا تتيح للفرد ما يشتهي في أغلب الأحيان
.
ومن ناحية أخرى جاء المرض العقلي "داون سيندروم" كفضاء أيضا للتعري، ولكنه فضاء من نوع خاص، لا يعري من أصيب بهذا المرض؛ بل يعري المخالطين لهم، وبقية الأشخاص الذين أدمنوا زيف "الحُجب والأستار " . فهؤلاء بعقلية الطفل يـُظهرون وبجلاء التناقض الشديد بين عالم الكبار الأصحاء " كما يعتقدون وكما يبدو لنا" ، ولكن بنظرة سريعة على أحلامهم سواء وقت النوم أو أحلام اليقظة نجدهم مرضى وعن جدارة ؛ مرضى للمداراة والخوف من أن يعرف غيرهم ما يأملون وما يطمحون اليه .
"فسناء" مديرة المدرسة الصحيحة بدنيا وعقليا "كما يبدو" لا تستطيع التعبير عن وحدتها ولا عن اشتياقها لدفء رجل إلا في أفكارها وأحلامها ، بينما نور وهادي وغيرهم ،المرضى في أعرافنا إن أحبوا صرحوا، وإن كرهوا لم يخشوا شيئا ولا أحدا . حتى الطفل الذي مات أبوه، يعبر عن رغبته في مشاهدة التليفزيون، لا يعلم أن عليه اخفاء رغبته الطفولية وارتداء قناع كامل من الحزن كي لا يثير استهجان المحيطين به . أيضا العلاقة البريئة بين نور وهادي، والتي نترجمها في لغة الكبار بأنها علاقة حب ، ولكنها براءة الطفولة التي ترى الحب لقاء تحت شجرة ، وتناول الطعام معا، والاشتيقاء للطقوس المصاحبة لهذا اللقاء الخالي من الزيف والتبرقع بقوانين وأعراف مجتمعهم الصغير داخل المدرسة الفكرية
.
في الرواية تبدو رسالة هدرا التي يكرز بها من خلال بساطة الطفولة، يريد حالة من التكشف أمام الذات للوصول إلى عيوبنا فلا نخجل منها ونواريها كسوأة. وفي نفس الوقت يريد حالة من الانكشاف على الآخر والذي نطلق عليه الانفتاح على الآخر وتقبله كما هو بلا فرض خصوصية كل منا على الآخر . هناك فرق صغير كالشعرة بيت التجمل والكذب ، فالتجمل حين يصبح شيمة دائمة كالوشم يصير كذبا لأنه أصبح محاكاة دائمة للواقع أو تقليدا له دون افصاح عما يختفي تحت ستار التجميل . وهكذا نحن نقضي أعمارنا يوما بعد يوم نجمل نواقصنا ، نخفي دواخلنا، وكلما زادت أقنعة التخفي كلما كانت العيوب غائرة لا يجدي معها سوى التهرب والانكار. ولكنها تنفلت غصبا عن أنوفنا؛ وقت الأحلام ووقت الحمى ووقت الهذيان والسُكر؛ حين يجدها اللسان فرصة كي يتعرى، حين يتخلص من سيطرة العقل الواعي ويصبح في يد العقل الباطن الذي انزاحت عليه كل احباطات الواقع وهزائمه
.
ومن اللافت أنه وعلى الرغم من أن الرواية تدور عن عالم الإعاقات الذهنية، إلا أن الكاتب لم يلجأ إلى الإسلوب المعتاد في استدرار الدمع من عين القارئ بشكل مباشر ، بل إن القارئ يجد نفسه وقد حلت فيه روح"نور" فتتجسد فيه بجسدها الصغير وأحلامها البسيطة كطفل مصاب بمرض"متلازمة داون" يعيش في مجتمع لا يعترف بمن يشذ عن القاعدة العامة والمقاييس الواحدة لكل شئ ولكل شخص .
والراوية نفسها وإن كانت تدورفى عالم خيالي داخل مدرسة فكرية لذوى الاحتياجات الخاصة ، إلا أنها جاءت تجسيدا لعالم متكامل بحلوه وعلقمه ، خيره وشره ، أطفاله وكباره ،احباطاته ونجاحاته ، بأنوثته ورجولته ، ضعفه وقوته . ومن خلال هذا يدلل الكاتب على إنه عندما يحل "التعري" تحدث المصالحة وتنفك العقدة بل العقد . ولا أبلغ من عقدة تمكين المرأة التي تكشفت في الرواية فقد تمكن العنصر الأنثوي من السيطرة على مجمل سير الأحداث، بل وظهر نموذج الأنثى أقوى وأكثر فاعلية من دور الذكر في الرواية . "هادي" مثل الشق الأجمل من عالم الذكورة رغم إصابته بإعاقتي التأتأة والمرض العقلي . يعيش هادي ونور الهدوء النفسي لأنهما تخطيا حاجز العقل بمقاييسنا، بينما تعاني مديرة المدرسة "سناء"العاقلة "بمقاييسنا أيضا" عذابا نفسيا لأنها تخشى العُري حتى في الأحلام فتبالغ في التجمل والمداراة حتى تتحول إلي آنية زهور بلاستيك بلا روح رغم جمالها الخارجي .
داخل المدرسة لا صراع بين أطفالها بمفهوم صراعنا الحداثي المليء بأعمال العقل ، وعندما حدث الصراع جاء من الخارج ، فالمدرسة كانت قصرا لأحد البشوات قبل التأميم ثم تحولت مدرسة لذوى الاحتياجات الخاصة، مما أثار غضب أصحاب القصر الوجهاء الذين خافوا على اسم العائلة والوهج المنصرم لتاريخ القصر ، استنكفوا أن يرتبط اسمهم "بالسراية الصفراء" ، فقاموا برفع قضية لتغيير نشاط المدرسة وحصلوا على الحكم فى النهاية , لتنتصر ثقافة الزيف على براءة نور وهادي ومثلهما ممن لا يتمتعون بثقافة التخفي ، ولكنهم يمضون ، يمارسون عريهم أو تلقائيتهم علانية لا يأبهون للنهج الهتلري في اقصاء ذوي الاختلاف ممن لا يسهمون في تدوير عجلة الزمن السريعة التي لا تتحمل إعاقة أو عطب في ترس من تروسه
.
ولكن هدرا يحتفي بهؤلاء الضعفاء الذين شكلوا عالمه الروائي في "مواقيت التعري"، فشخوص الرواية كلها تعاني ضعفا ،إما عقليا لا إراديا، أو نفسيا نتيجة الاحباطات المتنوعة .
وكل هذا كما شكل عالم هذه الرواية ، فقد عكس عالمنا أيضا بما يمثله من رحلة ممتدة من المعاناة والألام ، نحملها رغما عنا ، وفي كل خطوة يكللنا شوك المرض، وشوك الاعاقة والتهميش وشوك الاحباطات والظلم .
ويراهن الكاتب على أن من يصمد حتى النهاية وينجح في اجتياز طريق الألام ، هم فقط القادرون على التعري والمصارحة وتقبل سهام الظلم بصدر عار وبسمة مصوبة نحو السماء تناجي ربا خلقنا عراة ويفتح ذراعيه ليسترجعنا كذلك عراة

المراجع الصحفي
١٨/٣/٢٠١٥
مواقيت التعري هي الرواية الأولى لـ " هدرا جرجس " ، وقد صدرت في طبعتها الأولى عام 2007 ، عن سلسلة إبداعات عدد 44 التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة ، ثم صدرت في طبعة ثانية ، وهو الاستثناء الوحيد ( على حد علمي ) بعد فوزها بجائزة ساويرس للأدب المصري ، فرع الشباب عام 2008، في سلسلة إصدارات خاصة عام 2009 ، من نفس الهيئة .
يسعى هدرا في هذا العمل المراوغ بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ ودلالات ٍ ، إلى تقديم العالم الإنساني بواقعيته المفرطة في الزيف وارتداء الأقنعة ، ليكشف هشاشته ، وضعفه ، وما يعتري الشخصيات المنتمية إليه ، والمتورطة فيه ، من ضعف ، ووحدة ، وضياع . لذا نرى السارد يلوذ بشخصياته إلى التطهر والتعري ؛ لتخليص النفس من آلامها وعذاباتها ، فيتحقق لها الصفاء والطهر والتواؤم النفسي . فكرة التطهر بالاعتراف ، فكرةٌ سائدة في الفكر الكنسي ، حيث التطهر بالاعتراف أمام القس ، ومن ثمّ ينتهي الحال بالشخص صاحب الخطيئة، لأخذ صكوك الغفران . يوازي هنا السارد بين فكرة التطهر والخلاص في الفكر الكنسي ، وفكرة التعري بالكتابة ، حيث الذات تتعرى بالكتابة ، وكأن الكتابة هنا ترادف للجلوس على كرسي الاعتراف .
-1-
• دلالة العنوان :
منذ المؤشر الخارجي / العنوان " مواقيت التعري " المكون من دالين يرتبطان ببعضهما عن طريق الإسناد الإضافي ، واللذين يشيران في الوقت ذاته إلى حضور فضاء زمني " مواقيت "متمثّل في خمس ميتات لسناء كما أن التعري يرتبط _ هنا _ بمكان يتم فيه التجرد ( سواء أكان في الشارع ، أو في حجرة الرجل الغريب ، أو في الحلم )، وهذان الفضاءان : الزماني والمكاني ، يصيغان التساولات المبدئية التي تطرأ على ذهن القارئ ، فيسأل عن متي ؟ وأين ؟ ولماذا ؟؟
فالعنوان بما أنه دال ، يُسهم في تشكيل رؤية أولية للقراءة قبل الدخول إلى فضاء النص ، يقترن بمجموعة من الترددات ، وأول هذه الترددات يرتبط بمعني جنسي فج ،فالتعري مرتبط بفعل الجنس زمانيًا ومكانيًا ، وفي نفس الوقت يستدعي حضورًا لطرف آخر ليتم الفعل الجنسي الكامل ، وهذه الصيغة من التردد حاضرة في المتن ، في أكثر من موضع ، وكل هذه المواضع مرتبطة بشخصية "سناء" . فتقول :" في تلك الليلة تحررت فتاتي من ملابسها ، ولمعت دمعتان توازيتا هبوطًا من عينيها ....." وفي موضع آخر :" .. وما عليها إلا أن تقف عارية أمام موجات الرياح الباردة – أحستها ساخنة تكوي جسدها – وتنتظر فتاها الذي يرسل مع الرياح خلاصة رجولته مفتته .." (ص 33)وبتحقق التعري في وجود الفضاء الزماني والمكاني ، يتحقق الفعل الكامل الناتج عن التعري " ..وعند الاختراق سقطت بركبتيها على الأرض ، وسقطت قطرتان حمراوان على البلاط ، أحست بألم وزفرت بمتعة وشهقت بعنف ، أحست أن روحها مفعمة بالسلام ، لو يشاركها الكون كله متعتها وسلامها "(ص 34).
هذا هو التردد الجنسي الذي يتردد في ذهن القارئ ، وهو مصحوبٌ بالترددات السابقة ، لكن هذا التعري يتجرد من معناه الجنسي إلى معني دلالي عندما يتهرب هذا الحبيب من فعله ،حيث الكذب والذي يقابله من جانب سناء ، تمرد " اسمع .. أنا تعبت من الكذب .. في الصبح أنتظر الحل . .. فهمت " ( ص35) ، وفي الصباح كان التعري الحقيقي منه ، حيث ترك لها رسالة مع صديقتها في الجامعة " انتظريني .. سأعود، سأصنع البيت الصغير " ( ص 36) إلا أنه لم يأتِ.ومنذ هذه اللحظة بدأت غواية التعري ، التي مارستها على هؤلاء المتقنعين ، بأقنعة الكذب والزيف والخادع ، لاصطياد الفريسة التي تتعرى لهم فتعرت هي أولاً " وصلبت ، ورقصنا نحن كالمجانيين وأكلة لحوم البشر حول صليبها " (ص 32)
كما ارتبط تعري الحبيب ، واكتشافها كذبه ، بموتها المعنوي ، وقد حدث هذا الموت لها خمس مرات ، جميعها من أثر فعل الخداع ، و الكذب ، وارتداء الأقنعة ؛ لذا تتخذ من التعري الإرادي وسيلة، لفضح الأخبية التي يتوارى خلفها مَنْ على شاكلة حبيبها( باختلاف وجودهم في حياتها )، فتخرج عارية ، فتبدأ الأخبية في السقوط " كانت الكلاب تنبح بشدة "،وعندما تعرت لم تخف أن يراها أحد ، وحتى " لو رآها العالم كله ..هل يهم؟" يكفيها أنه صار أمامها عاريًا كما أرادته ، وما أن يدّعي كذبًا أن أعواد الثقاب نفدت منه ، تشعر بالغضب ، لماذا ؟ ؛ لأنه يريد أن يفسد لحظة الصدق الوحيدة ، لحظة المكاشفة ، فتصرخ في داخلها :
" يا غبي .. قولها صريحة .
" سهلة ..أنظر .. قل " أنا كلب جائع " جملة بسيطة فقط قل.. وسأمنحك الطعام .." ( ص 39)
وعندما ذهبت معه إلى منزله ، شعرت بالسعادة ، رغم قذارة منزله ، " لا لأنه كان بالفعل ممتعًا ، بل لأنه منحها لحظة التعري الصادقة" ، والتي أفسدها مرتين : عندما قال لها – تجنبي أن يراك أحد عند خروجك " (ص 41) ، وفي المرة الثانية ، عندما " دس في حقيبتها بعض النقود ، وهو يحاول أن يجعلها تراه"
التردد الثاني الذي يخطر علي البال ، هو التعري من الخطيئة ، بمعني التطهر ، وهي الفكرة المستمدة من الفكر الكنسي ، وهذا أيضًا متحقق ، وإنْ كان بنوعٍ من التوازي بين التطهر والكتابة ، فالبطلة سناء والمثقلة بالهموم ، تلجأ إلى الكتابة كنوع من التخلص من الآلام ، فتكتب فصلا من رواية عن ذاتها وقهرها ووحدتها ومواتها المعنوي .فيصبح الفصل بمثابة التكفير والتطهر لخلاصها من الألم، الذي لم يشعر به أحد ، رغم تأثير فعلهم في حياتها ، فمشكلتها " .. لم يكن أحد يحصي أعياد ميلادها ، ويحسب عمرها بالأيام ، فقط كانوا – هم – يعيشون بترتيب الأيام والشهور والسنيين – هم – يتسلقون عقارب الساعة فتلف بهم ومعهم ، وهي ساكنة ..وسكونها أليم حقًا "(ص 32) . ومن شدة القهر الذي مورس عليها لا تجد ملاذًا للخلاص إلا بالكتابة وتعرية ذاتها وذوات الآخرين الذين أسهموا فيما هي فيه لذا تنشد الكتابة " لأنها لم تجد من تحكي له .." (ص 27) وأعلنت في قرارة ذاتها الكتابة رغم حيرتها ماذا تكتب ؟ وعن من تكتب؟ إلا أنها في النهاية قررت :" سأكتب عن فتاة .. كرهتها إلى حد تجسيدها على الورق ، حاولت قتلها ، ولم تأتني الشجاعة .. فقلت أقتلها على الورق .. سأكتب عنها بلغة عارية من الصمت الأبدي الذي يتحدّثه الآخرون "(ص 31). فتصبح الكتابة عنها خلاص لها، حيث تصبح على الورق " مصلوبة كالمسيح تحمل خطايا البشر وتستر أجسادهم "(ص 31)، فتصير الكتابة بمثابة كشف لفداحة العالم ، وقهره ، وأنانيته ، وهشاشته ، وهذا ما يتضح في التردد الثالث .
التردد الثالث متمثل في التعري في المواجهة ، فنور وهادي هاتان الشخصياتان بمثابة المرآة التي يقف أمامها الجميع فيتعروا ( سناء / الفراش منصور / مدرس العلوم / المذيعة / مسئولو التربية والتعليم / والد نور / خال هادي / عضو مجلس الشعب)
دوال العنوان الثلاثة متحققة في النص من خلال الترددات التي سبق أن وضحناها لكن أيُّ هذه الترددات ، تمثل العنوان ؟ أعتقد أن الدوال الثلاث جميعها .
-2-
* شخصيات مواقيت التعري .. وتعرية الواقع :
سعى السارد من خلال شخصيتي ( نور ، وهادي) المعوقتين "ببله مغولي" ، إلى تعرية الواقع وأشخاصه ، والتي تأتي نظرتهم لهؤلاء المعاقين ، نظرة متدنية ، لتزيد من الشعور بالنقص ، أمام هؤلاء المعافين ، رغم أن الفارق بين الجماعتين هو " النقطة " الزيادة على الفاء فيتحول المعافى إلى معاقٍ ، وهذه النقطة أشبه " بخيط عنكبوت دقيق ، لا يرى إلا إذا عززته الشمس بانعكاساتها عليه .." (ص 20). فهذه النظرة بما تحمله من شعور نقص ، وعدم اكتراث بهذا المريض ، واعتباره جمادًا
( كما في حالة والد نور، ومدرس الرسم الذي ينتفش كديك أمام المدرسة الحسناء )، أو السخرية منه ( كما في حالة منصور الفراش لهادي ) ، أو استغلال ضعفهم الإنساني ، في مقابل تحقيق مآرب دنيئة ( كما في حالة الأب الذي يريد أن يثبت هذه الصفة " الهَبَلْ " على ابنه ، ليستثنيه من التجنيد ؛ ليساعده في التجارة، وبالمثل عضو مجلس الشعب الذي كان منتشيًا وهو يُسلِّم سناء الشيك ، ويوزِّع على الأطفال حلوى وملابس ودمى وأوراق فيها كلام وعليها صورته ، ورمزه الانتخابي ( الحوت ) وسط ضحك وأضواء كاميرات، يحتشد أمامها الجميع ، بينما هو جالس على ساقيه يمسح مخاط الأنوف واللعاب السائل على ملابسهم حتى يظهر في الصورة بهيئة رجل البر والتقوى ) . أي واقع هذا الذي نجد فيه هذه الأشخاص الانتهازية ، وصولاً إلى نظرة أهالي القرية، والمدينة معًا ، للمدرسة ، والتي كانت قصرًا ، وحصرها في " سرايا الهُبْل ،أو السرايا الصفرا " بدلاً من " قصر الرفاعي " أو سرايا الرفاعي بك " و هكذا يتحالف الجميع بلا استثناء ؛ لاستغلال ضعفهم ؛ سواءً لجلب منفعة لهم كما في حالتي ( عضو مجلس الشعب ، والتاجر ) ، أو سخرية منهم كما في حالات ( مدرس الرسم ، ومدرس العلوم ، ومذيعة التليفزيون ، ومنصور الفراش ) ، أو عدم الاعتداد بهم ، وإخراجهم من حساباتهم وكأنهم جماد لا مشاعر أو أحاسيس لديهم ( كما في حالة والد نور ، وخال هادي )
• فهذه النظرة الدونية لهم كانت بمثابة الإعاقة الحقيقية لهؤلاء :
نورــــــ بالنسبة لوالدها
فأثناء انهماك والد نور في ممارسة الجنس مع والدتها ، تنظر نور إليهما وهما في حالة تعري كامل ، وليس العري بمعناه اللفظي ( وإن كان هو ما يبدو في المشهد ) ، وإنما التعري المجازي ، أقصد تعرية نور لداخل والدها ، ومدى إحساسه بها ، حيث تتجسد نظرة والد نور لنور على أنها جماد لا يعي شيئًا، وهذا ما يظهر من خلال رد والد نور على أمها عندما تخبره " بأن الشباك مفتوح ..نور بتبص علينا " فتصبح نور بالنسبة له أشبه بالجماد ( المنضدة الخشبية القريبة منها ) ، ومن ثمّ يأتي ردّ والد نور بقوله :" يعني هي فاهمة حاجة ، سيبيها تبص "( ص 107)
• الطــــــلاب ـــــــــــ للمدرس
وبالمثل يكون رد فعل مدرس الرسم لهؤلاء الطلبة ، فهم جميعهم في نظره أشبه بالمقاعد التي يجلسون عليها ، لذا يستمر في فعله (لا يجيب على سؤال هادي عندما سأله عن كيف يرسم العلم وهو يرفرف ، وإنما يخرج من الفصل ليشعل سيجارته ، ويضاحك المدرسة الحسناء: ص 74) ، والذي يدرك بناءًا على هذه النظرة ( الراسخة في ذهنه منذ أن أطلقت وزارته على مدارسهم التربية الفكرية ، في مفارقة ساخرة ، وكأن الفكر في نظر الوزارة يعتبر تخلفًا عقليًا ) أنهم لا يفهمون ، ولا يعون شيئًا ،وقد تصل السخرية إلى العبث بأحلام هؤلاء المعاقين البسيطة التي لا تتعدى أن يصبح الفرد منهم " سمكة تعوم وتعوم "دون عائق ، أو حتى " مثل ماما سناء ، التي لا يجعله أبوها تصرخ " كما تحلم نور ،وهذا ما تحقق في سؤال المذيعة لنور عن أمنياتها عندما تكبر ، أو سخرية مدرس العلوم بقوله إن "السمك الذي ترونه في الترعة ليس سمكًا ..هو ضفادع لم تَنْمُ بعد وتأخذ شكلها المألوف .."ص 70.أو السخرية لا من هؤلاء المعاقين ، وإنما منّا نحن المعافين " بنقطة واحدة "من قبل مسئولي الوزارة " لجنة اختيار التغذية للمدارس الداخلية " الذين يقضون ست ساعات للتوفيق بين مفتش الصحة والمشرف المالي " الذي يعترض على الطهي بزيت الخروع ، لأنه يفوق ثمن الزيت العادي " ومفتش الصحة الذي يؤكد على رأيه بأحد الأبحاث المنشورة ، بأن زيت الخروع يكبح -ولا مواخذة – الرغبة الجنسية "ص 132.فوكيل الوزارة بدلا ما أن يقدم حلاً للمدرسة التي صدر حكم محكمة نهائي بإخلائها ، لأنها كما تقول سناء " هترجع لأصحابها ..."ص 133.يحكي لها عن الساعات الست التي قضاها مع كبار المسئولين لتقرير أي زيت يختارون .وإزاء هذا الواقع المفرط في قسوته على المعافين ، فما بالنا بالمعاقين يكون طبيعيًا أن يحضر والد نور ليأخذ ملفها من المدرسة حتى كما يزعم والدها " اليوم تروح المدرسة بعربية شرطة ، وبكرة تروح البيت بمصيبة "ص 134 ، ولا تستطيع أن تقاوم سناء ، حيث بدأ العالم النقي يتهاوي ،فقبل أن ترحل نور ، رحل هادي ، وعاد للتهته بعدما كاد أن يوشك أن يخف بل ازداد سوءًا عما كان عليه " وقد انغمس جسمه كله تحت الأغطية ، وعلى العمود النحاسي القديم علقوا محاليل الجلكوز ، وبجوار السرير وضعوا المنضدة .. عليها ودورق ماء وطبق الموز " وقبلهما " رحلت المدرسة نفسها للأبد "
ومع هذه القسوة المؤلمة والمميتة ، إلا أن سناء حاولت أن تخفف من وطأتها باصطحابها نور( رغم رفض والدها السماح لها ، إلا أنه استجاب لها بعد توسلات سناء له ) لزيارة هادي بعدما عاد أسوأ مما كان عليه ، وبالفعل يتجاوز حوار نور وهادي ما حدث ، إلى اللحظة المحبّبة ، لحظة الانفراد ، والانعزال عن هذا العالم الذي وصفه هادي بأن " الدنيا وحشة " ص 125:إلى عالمهما الخاص ، عالم البراءة والنقاء ، والذي تظهر فيه أمنية نور بأن تكون مثل ماما سناء ، دون حاجة لأن تسخر منها المذيعة ، أو حتى مدرس العلوم بكذبه بأن " السمك اللي في الترعة ضفادع صغيرة لم تكتمل "، أو مدرس الرسم بعدم الإجابة ، أو حتى يوجد فيه والد نور ..
وبينما هما يستعيدان عالمهما والذي تعلم سناء قطعًا بأنه لن يعود ، فالمدرسة رحلت إلى الأبد ، وكذلك نور وهادي ، لم تتمالك سناء نفسها " فانخرطت في البكاء ، وهي تحاول كتم آهة عالية كانت ستنطلق "ص 138، فبكاء سناء ليس بكاءَ تأثرٍ بالمشهد الدرامي المرسوم بعناية ، والمكرر في أول الرواية ( مع بعض الإضافات البسيطة ص ص 24، 25 ، 26) (وهذا من الفنيات الرائعة للرواية )، وإنما لقبح الواقع الذي جعلها ترضخ لرغبة خبيثة زرعها والدها يوم أن عاقبها بترك الخطيئة تلازمها ( إصبع الروج ) ، رغبةً في توقع السلوك القبيح، وها هي تُعَاقب مرة ثانية على ما فعلت يوم أن ذهبت خلفهما ، لاصطياد السلوك القبيح ، فتكتشف أن عالمهما عالمٌ ، شفيفٌ ، رهيفٌ ، لا يحتمل مثل هذا السلوك ، أو حتى التوقْع القبيح ، فعلى العكس ، كانت شدة الرهافة ، مدعاةً لفضح الأقنعةِ الكاذبةِ ، لاصطياد أخطاء الآخرين ، ومدارة عُرينا .وأيضًا كشف فجاجة الواقع ،وقبح أفعال أشخاصه ، اللذيْن يسعيان لتشويه كل ما هو جميلٌ ، وإفساد كل ما هو صالحٌ ، وتدنيس كل ما هو طاهرٌ ، وتعرية كل ما هو مستتر .
• سناء ـــــــــــــــ وزيف الواقع
في مقابل عالم النقاء والبراءة اللذين يعيشان فيه ويصنعانه ( هادي ونور) ، تقف سناء بعالمها النقيض للعالم السابق في كل شيء ، فمقابل قصة الحب البريئة النقية التي تنمو بين هادي ونور ، والتي تزداد توهجًا مع مضي الأيام ، تكشف قصة حب سناء وحبيبها الأول الذي تركها بحجة أنه سيصنع بيتًا، خسة الحبيب ، وفداحة الواقع . فرغم ما أخذه الحبيب من سناء إلا أنه يتركها ، تواجه مصيرها وواقعها، فينتهي بها الحال ، لعدم قدرتها على الصمود ، إلى الخروج من هذه الدنيا خالية الوفاض " فقد صارت مديرة للمدرسة ، ولم تتزوج " والشعور بالوحدة وقبلهما الاستمرار في تقديم التنازلات على حساب جسدها ، لا لتحقيق متعة جسدية ، وإنما لشعورها بلحظة الصدق الوحيدة ، عندما تُعرّي بِعْرّيها العالم أجمع ، فيصير الراغب في الجسد أشبه بالكلب الذي ينتظر قطعة اللحم ، ولا تقدمها له إلا إذا طلبها صراحة ، دون مواربة ، أو خداع بألفاظ برَّاقة مثلما كان يفعل حبيبها السابق " قل " أنا كلب جائع " جملة بسيطة فقط قل.. وسأمنحك الطعام .." ( ص 39).
لا يقف زيف عالم سناء عند خداع الحبيب وهروبه ، بل يبدأ بالأب الذي لم يأخذها في حضنه قط ، بل دائمًا تثير صورته في داخلها ، الرعب ، والنفور . فقد كان الأب بمثابة الموت الرابع لها ، بل هو الذي عزّز في داخلها توقع السلوك القبيح . وصورته المخزونة في داخلها ، منذ أن ترك لها إصبع الروج كعقاب ملازم لها ، "خطيئتها التي تستوجب الغفران "، هي التي دفعتها لأن تترقب سلوك نور وهادي في أول يوم دراسي بعد عودتهما من الإجازة . وهي نفسها ( صورة توقع الفعل القبيح ) التي جعلتها تصغي لأحاديث زميلاتها المدرسات عن علاقة نور بهادي ، دون أن تردهم ، بل وجدتها فرصةً للعقاب .
ويستمر عالمُ الزيفِ والخداعِ لا في حياة سناء فقط ، بل في حياة المحيطين بها ، الكل يكشف عن قناعه الذي يخفي تحته ، صورة لا تقل بشاعة عما عايشته سواء من خداع حبيبها ، أو في المجتمع الذي سافرت إليه عندما جاءتها الإعارة ، والحاد في كل شيء ، والمفرط في قسوته إلى حد قطع الكف عقابًا للسرقة ، والذي كانت الأحلام فيه أشبه بالكوابيس ، التي تريد أن تفتك بها ، وتحوّلها إلى مسخ ، تقترب من الجنون ، والذهاب إلى مصحة نفسية ، وبدلا من يصبح المال فرصةً لأن يَعْفيها من الاستدانة لتدبير نفقات شهر واحد في المصيف ، أصبح المال وسيلة للذهاب للجلوس في مصحة نفسية لمدة أسبوع ، وصولاً إلى محاولة أصحاب المدرسة الاستيلاء على المدرسة بعد صدور حكم قضائي لصالحهم ، دون أن يهتز جفن للمسئولين في وزارة التربية والتعليم ، الذين يقضون الساعات الطوال ، في التوفيق بين وجهتي النظر المطالبة بتقرير " زيت الخروع " في طعام هؤلاء المعوَّقين ، والأخرى المطالبة باستبداله بآخر أقل في السعر ، تدبيرًا للنفقات ، دون الالتفات للمآل الذي تنتهي به المدرسة ، وكذلك التلاميذ .
-3-
التباين بين نظرة المعافين للمعاقين واضحٌ ومتحققٌ في مواضع متعددة من الرواية ، ومن ثمّ تأتي ردود الأفعال لهؤلاء المعاقين ، كصدمة للمعافين ، فرغم توحُّد النظرة السلبية للمعافين للمعاقين ، حيث بدوا في نظرهم مجرد كائنات أشبه بالجماد ، إلا أن رد الفعل يثبت عكس ذلك ، بأنهم كائنات حية ( من لحم ودم ) لديها من المشاعر والأحاسيس ما نفتقده في المعاقين ( شخصيات الرواية )، بل يُقلِّصُون الفرق بينهما ، والمتمثِّل في النقطة الزيادة ، وفي كثير من الأحيان يزيدون النقطة على ( فاء) المعافين، ليصبحوا معاقين ذهنيًا وفكريًا ، ومتجردين من الأحاسيس والمشاعر . فرد فعل نور عندما تسمع بشكوى أبيها من الضائقة المالية التي وقع فيها ، يثبت عكس نظرة أبيها لها حيث " تقوده نحو فراشها وتمنحه كيسها الأسود الممتلئ بفائض مصروفها "( ص108) ، ومن ثم تختلط مشاعر أبيها ( والذي اعتبرها منذ لحظات أشبه بالمنضدة الخشبية ، ومارس فعله الجنسي دون اعتبار لرؤيته عاريًا) وبدّل نظرته تجاهها سريعًا ، وفكر لحظتها " أن يحتضنها ، ويقبلها..." بل رأى أنه من الممكن " الاتكال عليها حينما يكبر ويشيخ " ( ص 108 ) . وهذا هو السلوك الطبيعي المنتظر منه ، نتيجة لمؤازرتها له ( وغير المتوقعة منه ) ، لأنه يؤمن بالأفكار المترسخة في عقله الباطن ، بأنَّ المتخلفة عقليًا( كما ينظر لها دائمًا ) هي " سبب المصائب .."( ص 108 ) ، وما أن يشعر أن نورًا عرَّته داخليًا ، وكشفت بواطنه ، ليس أمامها فقط ، وإنما أمام أمها التي " ابتسمت راضية " ، وقد كشفت بهذه الابتسامة المسكوت عنه في دخيلة الزوج ، الساخط على ابنته أولاً ، لأنها أنثى ، وثانيها لأنها متخلفة عقليًا ، لا يمكن الاتكال عليها في شيخوخته ، لذا كان رد الفعل طبيعيًا ، ومتوقعًا فبدلا من أن يحتضنها ، ويُقبّلُها ، راح يصرخ في نور " هو أنا ناقصك يا بنت الكلب " ( ص 108) . الصراخ من قبل الأب تأكيدٌ للتعري الكامل الذي أضحى فيه ، والشعور بانتقاص الرجولة والعجز أمام أنوثة الزوجة ، وأنوثة ابنته .
وبالمثل معاملة خال هادي له ، وإجاباته لأسئلته بنوع من التأفف ، حيث يرى فيه صورة الأبله ، الذي لا يعي حقيقة ما يسأل عنه ، وما أن يأتي سؤال هادي المباغت لخاله ، والذي ينفي بصورة عملية تصور خاله إزاءه : ليه ما عندكش أولاد يا خالي ؟ (ص 88) سؤال هادي ساوى بينهما ، فكلاهما معاقٌ ، ولكن كل بطريقته ، فهادي يكشف إعاقة خاله ، والتي تتمثَّل في عدم الإنجاب ، وخال هادي ينظر لتهتهه كإعاقة له، وقد كشف هذا السؤال ، المخبوء والمستتر بين الزوجين ، والمُنتّظر القشة ، والتي كانت في سؤال هادي ، فيجدِّد سؤال هادي الرغبة الدفينة في زوجة الخال في الإنجاب ، والتي نكتشف أن السبب في عدم الإنجاب هو الخال وليس الزوجة ، فيدور هذا الحوار بين الزوجين ، ليكتمل تعري الزوج : قالت : شوف حل
وقالت : أنا تعبت
وقالت أيضًا : مش قادرة استحمل (ص88)
ومع كل ما قالته الزوجة ، إلا إننا لا نجد صوتًا للزوج ، فغياب صوت الزوج مُتعمَّد ، وهو حيلةٌ من قبل السارد ، ليكشف المعاناة الكامنة في صدر الزوجة ، والمقهورة من عجز الزوج ، وفي ذات الوقت تعرية للزوج ، ببيان عجزه وتساويه بهادي الذي في نظره عاجزًا .ومن ثمّ كان ختام المشهد قبل نوم هادي ، حيث داهمه " جلد الأحدب " في فيلم " أحدب نوتردام " في إشارة صريحة ، لمعاقبة الضعيف .
وبالمثل سلوك منصور الفراش إزاء صدمة هادي له ، وغير المقصودة ، فيقابل هذه الصدمة بالسخرية منه بقوله " ..حاسب يا بو نص لسان " (ص 119)، يقابله هادي بضحكة هادئة تنمُّ على أن الأمرَ لا يعدو سوى " مداعبة بين صديقين "، وتقبُّل هادي الأمر ، لكن الموقف يتغيّر كليةً ، عندما تندفع نور نحو منصور وتصرخ فيه :" أنت قليل الأدب " ( 120)، ثم عودتها حيث جلستْ صامتةً . هنا يبدأ هادي في إعادة صياغة الموقف من جديد ، بعد شعوره بعدم رضا نور عن رد فعله إزاء الموقف ، ويصطدم بالصورة المترسخة عنه في ذهن نور بأنه " خوّاف وجبان " ، وعلى الفور يُسْرع مندفعًا باحثًا عن منصور ، وما أن وجده أمامه ، اقترب منه أكثر ...." وفجأة صفعه على وجهه وبصق عليه وقذفه بمقعد كان بجواره هكذا دفعة واحدة..."(ص 120)، وهو خارج راح يركز على نور التي كانت تقف عند باب المسرح تنظر له بحب ، فلم يتمالك نفسه ، و "صرخ بصوت متماسك خالٍ من التهتهه. يا كلاب يا ولاد الكلب ، وخرج منشيًا " ( ص 121) ، تحريض نور لا يأتي من قبيل حب الشر ،بل يأتي ثأرًا لكرامة المعوقين جميعًا ، في صورة هادي ، الذي رضخ للأمر دون اعتراض ، حتى لا يتكرر الأمر من منصور ، ومن على شاكلة منصور ،وتأكيدًا لعدم الاستهانة بهم واستغلال إعاقتهم بالسخرية ، هذا من جانب ، ويأتي أيضًا ، من جانب آخر لتحفيز هادي بألا يكون جبانًا ، ونفي هذه الصفة عنه ، ومن ثم تأتي الابتسامة من جانبها ، تأكيدًا لنجاحها فيما قصدت ، وأيضًا الانتشاء من شادي ، بعدما أثبت أنه غير جبان ، وهذا ما تجلى بصورة واضحة في مقطع " هَذََيْان" .حيث تأكيده لأبله سناء " أن الدنيا وحشة " إنه خايف أن يتغير ، " أخاف أتغير .. ممكن حياتي في لحظة تتغير .. في لحظة .. طب وليه " ( ص 128)، وما أن اضطره سلوك البشر السيئ لفعل ما هو غير طبيعته ، يدخل في حالة هَذَيان " ثم ارتخت وقفته وسقط على الأرض " (ص128) وعاد أسوأ مما كان عليه .
-4-
ينتمي نصّ هدرا " مواقيت التعري " إلي ما يسمي بالنصوص الكتابية ، والتي تسعي لإبراز جمالياتها ، لا من جدة الموضوع الذي تطرحه ، أو تعقد أحداثه ، وإنما من جماليات تشكيلاتها ، وطرائق سردها . فالنص منذ المؤشر الداخلي ( الإهداء) يتوسد بمتلقي / قارئ ، في مشاركة منتج النص، فك شفرات النص ، وتأويل دلالاته التي يريدها منتجه / سارده .كما أن السارد يراوح بين مساحة البياض والسواد في النص ، في علاقة جدلية ، فمساحة البياض تكاد تعادل مساحة السواد ، في علاقة من شأنها تُفسر العلاقة بين المباح والمسكوت عنه في النص ، أو المعلن من قبل السارد ، والمضمر الذي يؤوله القاري /المتلقي . تبدأ المراوحة بين البياض /السواد ، أو المعلن /المضمر منذ الإهداء ، فالسارد /منتج النص بعد أن انتوي إهداء نصه إلى مجموعة أيًّا كانت فئتها ، قرَّر فجأةً ترك المشار إليهم في الإهداء ، دون تصريح واكتفى بالنقط ( مساحة البياض )، هكذا جاء الإهداء " إلى ... لا أحد "، بل لا يكتفي منتج النص بالإهمال المتعَّمد ، والاكتفاء بالنقط /البياض ، بل يؤكد بـ" لا أحد " رغم أن حرف الجر يشير دلاليًا ونحويًا ، إلى شخص أو مجموعة ( دون تحديد ) متجه إليهم النص صراحة، لكن المساحة الفارغة /البيضاء ، أشارت إلي وجودهم لكنهم مُغيّبُون ، بقصدٍ من قبل منتج النص ومن ثم يُسْرع منتج النص إلى التأكيد بـ" لا أحد " ليزيل التوقع ، من ذهن المتلقي ، ومع هذا فالتوقع يتحول إلى صيغة أخري لماذا قصدهم ثم غيَّبهم ؟ وما أن يبدأ المتلقي القراءة ، حتى تبدأ الإجابة تتضح ، فما فرضه الواقع وأشخاصه على شخصيات النص ، من قهر وتسلط ، ووصاية تجعل السارد، الرافض لهذا الواقع أساسًا ، بل والذي يحرض أشخاصه ( التي خلقها ) على التمرد ، مثلما رأينا في شخصية سناء وخروجها عارية غير أبهةٍ بأحد ، سوى التمرد على تلك الأخبية ، والأقنعة ، والوصاية ، بل ترفض العبارات المستهلكة من قبيل " تجنبي أن يراك أحد عند خروجك " ص 41، فخرجت، بل تعرت ولم " تخف أن يراها أحد ، لو رآها العالم كله ..هل يهم ؟" ص 38 ، فيرفض السارد فكرة النمطية السائدة في بناء النصوص الروائية ، ويتمرد على هذا الواقع ، بما فيه أشكاله السائدة ، ومن ثم يسعى لإنتاج نص متمرد مثله، علي الأشكال السائدة والنمطية . فيبدأ النص بعنوان فرعي " نهاية " والذي يشير إلى نهاية علاقة سناء بحبيبها، بعدما فشل في أن يأتي بحلٍ في الصباح ، وترك لها رسالة مع صديقتها " انتظريني ..سأصنع بيتًا" ، ومع كون النص يبدأ بمقطع " نهاية "، والتي تشير دلاليًا ، كما وضحنا إلى انتهاء العلاقة بين الطرفين ، إلا أن المعنى الأخر المضمر الذي يكشف عنه النص ، والذي يتردد في ذهن المتلقي بعد أن يقرأ الحوار في أول النص ( بين سناء وحبيبها )، أن النهاية المشار إليها ، هي نهاية العلاقة بينهما ، وبعدها بدأ العالم يتشكل ،كما أنها تُمثِّل بداية لسناء في هذا العالم المتشكِّل إثر النهاية ، بداية لكشف الأقنعة ، ومقاومة الأخبية ، وهو ما يكشف عنه التناص في التصدير الذي يُقدَّم به النص ، لجون مليتون " في يسر خلعنا كل ما نرتدي ، من تنكر يرهقنا .."،هذه هي البداية الشاقة ، أما ما فعله حبيب سناء فكان من اليسر ، لأنه خلع قناعه دون عناء ، رغم شعور سناء بالتعب من الكذب .إلا أنه في أول اختبار سقط ، وخلع قناعه برسالة قصيرة تركها مع صديقه لها ، دون مقدرة على المواجهة ، فبأي وجه يواجه بعدما خلع ما يرتديه من زيف ، وخداع .
ما بين النهاية المزعومة في أول النص ، والبداية المفترضة ( عودة هادي إلى حالته السابقة التهتهه) يتشكل النص من خمسة عشر مقطعًا ، تحمل جميعها عناوينَ فرعية ، أشبه بنزوع قصصي قصير مرتبة كالآتي ( نهاية ، في ذلك اليوم ، فصل من رواية سناء ، السرايا – المدرسة ، حكاية الولد الذي يتهته ، منولوج داخلي ( بينما نور تجلس تحت الجميزة )، ضحك ، في الليل ، الليل واحد والبيوت ثلاثة ، الحلم، خلق ، والد نور ، والد سناء –والدة سناء وصاحب الكف المبتورة ، انفجار ، هذيان ، وبداية ).
كل مقطع من هذه المقاطع الخمسة عشر ، ينزع نزوع القصة القصيرة ، في بنائها ، واعتمادها على التكثيف اللغوي ، والإيجاز ، والاختزال ، و مجردة من الزخرف اللفظي والبلاغي ، كما أنها موحية ، بل مكتنزة الدلالة والإيحاء ، ومعتمدة على التركيز على اللحظة الحاشدة بالأحداث ، كما أن استقلال كل مقطع بعنوان فرعي ، ما يشير إلى انفصال النصوص ،ومع هذا فالاستقلال لا يتحقق ، حيث إن النصوص جميعها تشترك في الهم ، والشعور بالقهر على اختلاف مستويات القهر ( قهر حبيب ، قهر أب وأم ، قهر مجتمع ، وغيرهم ..)، فالسارد تعمد انتهاك الترابط البنائي في النص الروائي ، والاعتماد علي المقاطع ، ذات العناوين الفرعية ، ليكسر القالب البنائي السائد للرواية ، ولزيادة في الإيهام بين التداخل بين نوعي الرواية والقصة القصيرة ، تجد المؤلف ، يجعل بعض المقاطع ذات العناوين ، تحمل هي أيضًا عناوينَ داخلية / فرعية ، أو مقاطع ذات أرقام مثل مقطع " حكاية الولد الذي يتهته "ويحتوي على أربعة مقاطع فرعية هكذا (1-2-3-4) ، أما مقطع " الليل واحد والبيوت ثلاثة " والذي يعتمد فيه السارد على توقيف الزمن ، ليصف أربعة مشاهد ، مختلفة في المكان ، وفي الشخصيات ، ومتوحدة في الهم الذي يؤرق مضاجع الشخصيات ، فيتكون من ثلاثة مقاطع كل مقطع يحمل اسم شخصية هكذا (سناء ، نور ، هادي )، وبالمثل مقطع " والد سناء – والدة سناء ، وصاحب الكف المبتورة " ينقسم إلى ثلاثة مقاطع معنونة ومرقمة حسب فاعليتها في حياة سناء كالآتي ( والد سناء الفاعل ، والدة سناء الفعل ، صاحب الكف المبتورة المفعول به ) ومقطع رابع بدون رقم معنون بـ "منصور" لعدم فاعليته في حياة سناء ، لذا يوجه السارد المتلقي إلى الصفحة التالية ، حيث دوره في حياة هادي.
-5-
يعمد السارد إلي بناء نصه ، على تقنيات مغايرة للبناء التقليدي للرواية ، والذي يسعى منذ تشكيل نصه إلى التمرد عليها ، فمنذ المشهد الأول للنص والمعنون بـ" نهاية "يخترق السارد القوالب الجاهزة ، والتي يركن إليها الروائيون ، تجنبًا للسلامة ، فيبدأ نصه بحوار بين شخصيتين ، دون تقديم مشهدي للحدث الذي ينتج عنه الحوار ، هكذا يضع القارئ / المتلقي ، أمام حوار بين شخصيتين مبهمتين بالنسبة له ، وأيضًا أمام حدث غير مكتمل ، فالحوار يكشف عن نهاية الحدث لا بدايته ، ومن ثم تتعقد الأمور .
" قالت :
- اسمع ..أنا تعبت ..تعبت من الكذب
- في الصبح انتظر الحل ..فهمت
تركته وسارت بحذاء الكورنيش تدق بكعبيها العالين غير مكترثة بندائه:
- سناء ..سناء ..اسمعي ...انتظري ..انتظري ..انتظري ..، ولكنها لم تنتظر ولم تسمع ..لم تسمع سوى دقات كعبيها على الأرض ورنين يصفر في أذنيها ، وهدأ العالم تمامًا إلا الاصطدام الذي باغت كتفها الأيسر ..كان جسمًا رخوًا .
قال الجسم :
- مش تحاسبي ...
قالت :
- متأسفة
وأكملت السير وبدأ العالم في التشكل ، انتظم المرور ، وارتفع صخب آلات التنبيه في السيارات ، وجلجل صوت بائعة الترمس .
- ترمس ..الترمس المملح ...ص ص 11-12
بعد هذا الحوار الذي دار بين طرفين سناء ، وآخر مجهول سوف يتضح فيما بعد أنه حبيب سناء، ثم دخول طرف ثالث في الحوار ( الجسم المار في الطريق ) ، يتدخل السارد:
هل كانت هذه النهاية ؟
سناء لا تعرف .
كيف بدأت البداية ، وكيف انتهت النهاية ... لا تعرف ، أمسكت سناء رأسها بكلتا يديها وصرخت : كفاية ..
كفاية
وفجأة صارت تكره البيت العتيق وصارت تكره أمها العجوز .هل ستقوم بتحطيم كل شيء ؟ زجاج النوافذ والأطباق الصيني وفازات الزهور البلاستيك وكل ...شيء.."ص 12.
فالقارئ لهذا الحوار لا يكتشف حدثًا ذا قيمة ، أو حتى على الأقل واضح المعالم يتابعه ، لكن الذي يجعل القارئ ينشد إلى المشهد رغم خلوه من الحدث ، هو تتابع الأفعال واطرادها داخل الحوار ، وهو ما ينم عن حدث صادم ، يجعل الشخصية تلقي بكلامها ، ولا تنتظر ، ولا تسمع الأخر ، فيبدأ القارئ في تشكيل الحدث المفترض في ذهنه ، ويفاجأ القارئ في "مقطع موت سناء الأول " ، أن المشهد الحواري يُكرَّر مرة ثانية ، مع إضافة الأحداث المبهمة في المشهد الأول ( مقطع نهاية ) ، ويكتشف أيضًا صدق توقعه في افتراض الحدث الغائب في المقطع الأول ، وهكذا يعمد السارد إلى تبادل المواقع بين المؤلف والمتلقي ، في عملية تتكرر بصيغ أخرى ، حيث يحل في مقطع ( خلق ) السارد محل الشخصيات ، ويأخذ مساحة كتابية هي من حق الشخصيات .
فمنتج النص بهذا لا يُقدِّم منتََّجًا جاهزًا يتلقاه المتلقي أيّا كانت وضعيته أثناء القراءة ، ومن ثمّ لا يقتصر دوره على ما بين الغلافين ، وإنما يتجاوزه إلى التدخل إلى ما بعد زمن الكتابة ، زمن القراءة ، وهذا ما تأكد بأكثر من صيغة تبدأ بتخصيص مقطع سردي بعنوان ( خلق ) ليصادر على المتلقي أية أفكار تحيد به عن التوجه الذي يرسمه له ، وصولاً إلي اختيار زمن القراءة الذي يختلف عن زمن أية رواية أخرى يقرأها وهو مستلقي ، أو حتي يقرأها على فترات متفاوته ، فهنا الأمر مختلف ، فرغم قصر النص ، حيث لا يزيد عدد صفحاته عن 138 صفحة . إلا أن الوقت الذي يحتاجه أطول نسبياً من المستغرق في نص آخر ، فالقاري يعاود القراءة مرة وأخرى للربط بين الأحداث المتناثرة داخل المقاطع السردية ، ليكون رؤية عامة للنص .
-6-
منذ المؤشر الداخلي / الإهداء ، والسارد منتج النص حاضر ، وقد يتفاوت حضوره بين الحيادية للحدث ، دون تدخل ، حيث يعرض الحدث ، دون محاولة منه لإضفاء أيديولوجيته ، التي يبثها في السرد بطرائق شتى ، أوالتدخل تارة بالتعليقات التي تكشف جوهر أيديولوجيته ، وانتماءه الديني ، وتارة بتخصيص مقطع داخل النص له ، بعنوان (خَلقْ ) ، يتحدث فيه عن شخصياته ، ويفسر ما أُبْهِمَ كما يقول " و لا يصح أن أترك هذه الدنيا التي خلقتها وأطلقت عليها " مواقيت التعري "وألبستها ثوب الرواية أن تسير هكذا دون أن أفهمها ، وإن لم يفهما الصانع يفهمها المصنوع ؟...سناء وهادي ونور هل يعرفوا ما حولهم أكثر مني ، وأنا الذي وضعتهم فيه ، وجعلتهم يتفاعلون في قارورة كيميائية تمتلئ بالفقاعات ؟" ص 102.ومرة أخرى يصرح تحسبًا لأي فهم خاطئ لأية لفظة في الرواية :" .. وهذا الإيضاح أعلنه مسبقًا تحسبًا لأية عواقب قد تثيرها الرواية ممن يقرأون اللفظ الخالي من نفخة الروح لمن يرى في لوحة الموناليزا لوحة لامرأة تعيسة فقط .."ص:102. وبعدما يشعر أنه ذهب بالقارئ في استطرادات لا تهم يقرر أن يعود بالقارئ إلى النص " ونعود إلى الرواية والتفاعل البشري الذي هو أخطر التفاعلات لأنك تتعامل مع شخصيات يفترض فيها العقل والروح ، لكن ما دفعني أن أقول أن نور كالمنضدة الخشبية ..هذا ما اعتبره جزءًا من منظومة التأثير الكلية التي صنتعها الشخصيات الفرعية في الأبطال الثلاثة : هادي ونور وسناء ..كالتالي "ص: 103.
إعلان السارد عن نفسه ، ومحاولته مصادرة أيُّ سوء فعلٍ يَصْدر من قِبَل القارئ ، يثير الكثير من التساؤلات ،عن علاقة المؤلف بنصه ، والنوع الذي ينتمي إليه النص ، فالمفترض أن السارد ما أن يلقي بآخر كلمة في الرواية ، ويصير مطبوعًا في كتاب ، تنتهي علاقته به، حيث صار ملك القارئ ، يقرأه بأية طريقة يشاء، دون أن يحتاج إلى وصاية من أحد ، يقوده للطريقة الأصوب ؛ لتجنب الوقوع في المزالق والفخاخ التي ينصبها المؤلف للقارئ ، أما هنا فيتمرد المؤلف على هذه التقاليد ، ويُفسِّر للقاري ما يستشعر أنه سوف يؤول خطأً، فالمؤلف يخشي من انتمائه الديني ، والذي يجعل من تقبُّل نصٍ فيه من الآراء الخاصة بأيديولوجية صاحبها غير محمود العواقب ، في ظل مجتمعٍ مستترٍ بشعاراتٍ زائفةٍ ، وإن كان في الواقع محتقنًا ويوشك على الانفجار ، لذا يسعى المؤلف بإعلان نفسه صراحةً وتدخُّله بتفسير ما يراه يحتاج إلي تفسير ، خشية أن يكون بروايته الفتيلَ الذي يُشْعل الانفجار ، هذا من جانب ، ومن جانبٍ آخر يسعي المؤلف بحضوره داخل النص ، إلى أن يرّدَ على ما أشيع في الفترة الأخيرة على ما وُصِفَ بظاهرة الكتابة الجديدة ، بأن معظم الكُتَّاب في رواياتهم الأولى ، يستمدون تجاربهم الشخصية ، وقد صنّف النقاد مثل هذه الروايات بأنها " روايات سيرة ذاتية "، فأراد المؤلف بذكاء شديد أن ينفي الارتباط بين حضور شخصية المؤلف في النص ، وتأكيد انتماء النص إلى " رواية السيرة الذاتية " .
ومع حرص السارد على هذا ، إلا أن الأيديولوجيا الخاصة بالسارد الضمني / أو منتج النص من خلال التعليقات المبثوثة في السرد ، فالأسئلة المتعاقبة بعد الحوار في المشهد الأول ، لا راوى لها ، فهي من تعليقات السارد الضمني ، فمعظم تعليقات السارد الضمني تأتي على هيئة أسئلة ( راجع ص 43، 73 ) فهذه الأسئلة تأخذ منحى قيمي ، فأيديولوجية السارد ترفض الابتزازات التي مارسها الأشخاص الانتهازيون على سناء( الحبيب الخائن / الرجل الغريب / التاجر والد الطفل )، لذا يتبنى السارد بهذا الرفض أيديولوجية مغايرة لهذا الواقع البغيض ، الذي استمرأ أشخاصه في الابتزاز والسخرية .
كما تنطوي هذه الأيديولوجية على سخرية مريرة في مواجهة فداحة هؤلاء الأشخاص الذين لا يشعرون بالخزي والعار عندما ينصاعون لإملاءات فوقية ، تطيح بالرغبات الحقيقية والبسيطة لهؤلاء المعاقين ، ومن ثمّ يجبرون الطلاب المعاقين بالتعبير بالرسم عن مظاهر الاحتفال باليوم العظيم ، في حين أن رغبتهم الحقيقية ، رسم شجرة .
وقد تظهر أيضًا أيديولوجية السارد الفردية في العناوين الداخلية للمقاطع السردية ، ففي هذه العناوين إشارة واضحة للرؤية التي يريدها السارد ، فعندما يقول أن والد سناء هو الفاعل ، ووالدتها هي الفعل ، وصاحب الكف المبتورة هو المفعول به ، تأكيد لأحكامه القيمة ، الرافض بها هذه الوصايا على الأفراد ، وسخطه على أدوار هذه الشخصيات الهامشية في حياة سناء ، والتي تصل بهؤلاء نظرًا لهشاشتهم إلى المرض العقلي كما في حالة سناء .وبالمثل عندما يعنون المقطع الخاص بمشاركة عضو مجلس الشعب هؤلاء الأطفال مناسبة الاحتفال بنصر أكتوبر ، وحرصه على أخذ صور معهم بـ" ضحك "؛ سخرية مكتومة من قبل السارد ، لهذا الواقع ، الذي يسعى لإفساد كل ما هو طاهر ، ويدنس كل ما هو برئ.
-7-
إلى جانب اتكاء السارد على تقنيات روائية مغايرة ، عما هو سائد في النصوص الروائية ، فإنه يستعير من التقنيات النمطية ما يلاءم نصه ، مع مغايرة يتطلبها التشكيل السردي والمغزى اللذان يريدان أن يصلا إلى المتلقي عبر التشكيل ، فالسرد يغلب عليه الحوار ، بل الحوار المقتضب ، والمختزل إلى حد التجريد ، بل يستخدم الحوار في تقديم شخصياته ورسم تكويناتها الداخلية ، والاستبطان بمصائرها ، وقد يصل الحوار في أحد مستوياته إلى التعرية ، سواء تعرية الشخصيات ، أو تعرية الواقع . فالحوار الذي بدأ به السارد النص بين سناء وحبيبها ، كشف عن أنانية الحبيب ، وسعيه المسبق للهروب ، وبالمثل كشف الجانب المضمر في شخصية سناء ، فهي التي صبرت ، بل تعبت من الصبر ، وأوشكت على الانفجار ، وفي طريقها إلى التمرد ، وهو ما تحقق فعليًا في ثورتها على البيت العتيق ، وتكسيرها الفازات .وأيضًا حوار سناء مع الرجل عابر السبيل ، فالحوار الذي تم بينهما في بداية النص - رغم أنهما أغراب يلتقيان أول مرة - لا يعتمد على مقدمات ، وإنما يدخل في الهدف مباشرة لكليهما ، فسناء تريده لـ( فضح القبح المتقنع خلف ابتسامات بلهاء ) ، أما الرجل فيريدها لـ( تحقيق المتعة عبر جسدها):
- قال الرجل : لماذا تتظاهرين
- قالت بتعجب : أنا ..أنا أصدق ما يكون هذه اللحظة
" يبدو أنه لم يفهم كلامها وشعر أنها لم تفهم كلامه أيضًا فقال :
- أقصد لماذا تتظاهرين بالتدخين ، الدخان لم يلمس رئتيك أنت تسحبين الدخان وتنفثين فقط
- قالت :
- أنا لا أدخن
ثم مصت شفتيها ورفعت كتفيها وقالت بلا شرح
- فقط اشتريت علبة سجائر ...لا أدخن
وتذكرت حبيبها الذي تركها وسافر ليصنع البيت الصغير
- قالت بعنف
- كداب
قال الرجل الجالس بجوارها على المقعد الرخامي أمام النيل بدهشة
- أنا
- قالت :
- لا .. لا .. لم أقصدك ..اسمع ..تسألني لماذا أتظاهر ولكن لن أسألك لماذا أدعيت أن أعواد الثقاب نفدت ...لن أسألك ..فقط دعنا نكون صرحاء ..أين منزلك ..؟ (ص40)
السمة الظاهرة في الحوار، أن الجمل المبني عليها جملاً قصيرة ، مختزلة ، وفي بعض الأحيان جمل مكررة ، كما أن الحديث سريع بين الطرفين ، بمباشرة وصلا إلى الهدف ، وهو ما يعكس طبيعة العصر اللاهث ، والسريع المتلاحق الأحداث ، إلا أن الجانب الأخر من الحوار كشف لا إراديًا عن حالة القهر والكبت اللذين تعانيهما سناء ، فالحوار ركز على النقطة المحتشدة بالأحداث ، والمكتنزة بالدلالات ، والتي قد تفارق واقعها ، إلى واقع آخر مستعاد لما له من تأثير بالغ على الشخصية ، فتحيل صورة الحبيب السابق على الرجل الحالي ، حتى أنه يصاب بالدهشة ، للتعبير عما بداخلها من حنق وضيق مما فعله حبيبها . وقد يكشف الحوار في أحد مستوياته عالم النقاء والطهر ، في مقابل الخبث وسوء النية ، كما حدث في الحوار بين نور وهادي بعد عودتهما إلى المدرسة من الإجازة ، والتي اعتقدت سناء ( بسوء نيتها التي غرزها فيها أبوها ) الشر فيما يدبران .وكذلك المسكوت عنه في النص مثل الحوار الذي دار بين خال هادي وزوجته :
قالت : شوف حل
وقالت : أنا تعبت
وقالت أيضًا : مش قادرة استحمل (ص88)
فالحوار رغم أنه من طرف واحد إلى أخر لم يشارك فيه لشعوره بالعجز ، إلا أنه كشف عن حالة القهر غير المعلنة التي تعانيها الزوجة بسبب شعورها بالحرمان .
وتستهدف هذه الحوارات كتقنية بنائية تقديم تفاعلات الأشخاص مع بعضها ، مع احتفاظ الحوار بعاميته ؛ للإيحاء بوهم المشهد ومحاكاة الواقع ، في ظل شيوع نسق قيم حل بديلاً عن آخر كانت له قيمته ومآثره لدى الجميع ، وهذا ما جعل السارد يكتفي بهذا النمط دون أن يقدم نمط حوار الأنا مع نفسها عبر منولوجات تكشف داخلها ، فالسارد أراد وكذلك الشخصيات فضح القبح الذي استشرى ، بفعل حلول القيم الاستهلاكية النفعية / التبادلية ( الشيء مقابل الشيء )،حيث الشخصيات تنصاع وراء نزواتها ورغباتها دون الاعتبار للذي يقع عليه الفعل .







