
مجاني
آرام - سليل الأوجاع المكابرة
تأليف هيثم حسين
4.0(١ تقييم)•٢ قارئ
عن الكتاب
تتّخذ هذه الرواية من عامودا مركزاً لأحداثها، وملاذاً لأبطالها.. عامودا هذه البلدة الصغيرة التي تستعصي على النسيان، تجعل من نفسها أميرة تزيّن نفسها بنفسها.. بقصصها وحكاياتها التي لا تنتهي. هكذا ولدت عامودا وستبقى كما هي، طفلة مدلّلة لن تمحى من الذاكرة، لأنها هي الذاكرة، أحلامها تتراكض، تتبع أمكنتها التي تجمع كلّ شيء.. الجنون، الغضب، حكايات العشق والهوى، أرادها كاتبها أن يكبر معها وبها، فمن عادة أهالي عامودا أن يتّخذوا اسمها العريض عنواناً للتعريف بأنفسهم ثمّ الانتماء إليها.
عن المؤلف

هيثم حسين
من مواليد مدينة عامودا في سوريا عام 1978. ناقد وروائيّ ومترجم كردي سوري. يعمل ككاتب مستقل ومتعاون مع عدد من أبرز الصحف والمواقع والمجلات العربية. يكتب في الشأن الثقافي والأدبي العربي والعالمي، وهو متخ
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (١)
المراجع الصحفي
٢٣/٩/٢٠١٥
عامودا الحلم، عامودا المتربّعة على عرش الكبرياء، هذه المدينة التي حظيت باهتمام الكثيرين من الأدباء من أبنائها ومن غيرهم، بدءاً بـ «الجندب الحديديّ» لسليم بركات وانتهاءً بـ: «آرام.. سليل الأوجاع المكابرة» لهيثم حسين، «صدرت عن دار الينابيع ط1 2006، تقع في 240 صفحة من القطع الوسط»، تتّخذ هذه الرواية من عامودا مركزاً لأحداثها، وملاذاً لأبطالها.. عامودا هذه البلدة الصغيرة التي تستعصي على النسيان، تجعل من نفسها أميرة تزيّن نفسها بنفسها.. بقصصها وحكاياتها التي لا تنتهي. هكذا ولدت عامودا وستبقى كما هي، طفلة مدلّلة لن تمحى من الذاكرة، لأنها هي الذاكرة، أحلامها تتراكض، تتبع أمكنتها التي تجمع كلّ شيء.. الجنون، الغضب، حكايات العشق والهوى، أرادها كاتبها أن يكبر معها وبها، فمن عادة أهالي عامودا أن يتّخذوا اسمها العريض عنواناً للتعريف بأنفسهم ثمّ الانتماء إليها.
هذه المدينة التي تجبر سكّانها، كبارها وصغارها على عشقها.. ومَن منهم لا يحبّها..! من منهم يستطيع أن يخالف سنّة الحياة تلك..! حتّى تحوّل ذلك الحب عندهم إلى روتين ولكنّه ليس قاتلاً، روتيناً جميلاً تحلو ممارسته يوماً بعد يوم، حتّى لتجدنّهم أحرصَ الناس على التقيّد بهذا الحبّ، إذ تجدهم يتباهون بأنّهم من عامودا، يتباهون بهذا المجد الذي وُهب لهم، وهذا السلطان الذي يملكون به جميع الاتّجاهات، تصل حدود مملكتهم السماء، وتكبر هذه المملكة وتتّسع يوماً بعد يوم، حتّى لتظنّ أنّهم سيحكمون الحياة يوماً ما، بجنونهم وخيالهم وعشقهم اللا محدود.
هكذا يجسّد الكاتب حبّ هذه المدينة في شخصيّاته من أخمص القدم حتّى الرأس، وتتردّد الكلمات هنا وهناك على شفاههم بحبّها، بعشقها، وإذا ما جهر أحدهم بعدم حبّه لها، أو أنّه لم يعد يطيقها يصدر هو على نفسه عليه حكماً قاتلاً، ليس بالإعدام ورمياً بالرصاص، أو نفياً، بل ينعت نفسه بالخائن، وإن يحكم على الإنسان بالموت أفضل له من نعته بالخائن؛ لأنّ هذه الكلمة تظلّ عالقة بذهنه أبد الدهر، تقتله إعداماً، ورمياً بالرصاص ونفياً كلّ يوم. هكذا ولدوا على حبّ عامودا، وفطروا عليها حتّى صار الحبّ يعشّش في عظامهم تكاد هياكلهم تموت، تتحوّل إلى رماد يذرو بجميع الاتّجاهات ويبقى عشقهم ما دامت عامودا وما دام الحبّ والوجود.
السفر ولكن إلي أين:
يبدأ الكاتب سرد روايته على لسان بطله آرام الذي ولد ونشأ في هذه المدينة، كبر تاركاً في كلّ زاوية منها ذكريات جميلة، أيّاماً حلوة رسمت صورتها بذاكرته، حتى أصبح جزءاً لا ينفصل عنها، و عندما يدرك آرام الشباب ويكبر، تنازعه رغبةٌ كرغبة كلّ من وُجد في هذه المدينة، وهي السفر. نعم. السفر ولكن إلى أين..؟ إلى حيث ينتهي بك المطاف إلى ديارٍ تظنّ فيها بأنّ الذهب مكدّس على أرصفتها، وشوارعها، ستجمعه خلال لحظات وتعود بسرعة إلى وطنك، لتبني مجداً ما بعده مجد، وتكتسب صيتاً ما بعده صيت، إذ يعترف آرام بأنّ حبّ الثروة والمال هما اللذان يدفعانه إلى السفر « المال، الإقامة، التجنّس، تأمين الوضع والمستقبل، كلّها دوافع قاتلة للاقتران بمتصابية في عمر الجدّات». ص 32. فالمال و الثروة حجج يسوقها كلّ واحدٍ لنفسه، ويتذرّع بها ، لتكون دافعاً له إلى الهجرة، ولكنّها دوافع قاتلة لأنّ الإنسان يموت إذ يبتعد عن وطنه وأهله.
كان آرام في بداية مشواره يرى أنّ الهجرة، حصان طرواديّ معاصر سوف يمتطيه، ولكنّه يمتطيه مكرهاً، حاقداً. إذ أنه لا يرغب بالسفر والهجرة لأنّ مدينته ترفض رحيله، ترفض نزوحه عن أرضها، تجعل من روحه محارباً عنيداً يقف بوجهه، ويردعه عن السفر «لماذا أرفض أن أرحل عن عامودا..؟ لماذا تمسكني عامودا عن الرحيل..؟ لماذا تقاومني روحي إذا ما فكّرت بهجرها..؟» ص99. وعندما رأى أنّ الدنيا تضيق به ذرعاً أوهم نفسه أنّ السفر قد يكون دواءَه الشافي لروحه المتعالية، ولمَ لا ! وهو شابّ في مقتبل العمر ككلّ الشباب، سيسعى إلى جمع الثروة ويعيش عيشة راضية، حياة سعيدة، ثمّ يعود. هاهو يصف لنا إصراره على السفر «لكنّني كنت أصرّ على الذهاب ولو بقارب منتهي الصلاحية. أو حتّى سيراً على الأقدام». ص124. فسافر ونفسه تهفو إلى أوربا، موطن الأحلام، والبلاد التي سمع عنها الكثير بما تحفل به من مال، و جمال، ونساءٍ مثيرات لشبقه اللا محدود. لكن، ما إن وصل حتّى رأى حياة مختلفة، حياة لا تشبه الحياة التي عاشها في عامودا وأرضاً لا تشبه أرضها، فسقط في تلك الأزمة، وفي ذلك الازدحام الذي يتحوّل فيه الإنسان إلى رقم وآلة تقاس بمدى نفعها وقدرتها على الصنع والإنتاج يقول معبّراً عن حاله: «أسقطت كرقم مؤثر». ص46.
يشعر آرام بالشقاء والتعاسة، يصيبه الشعور بالوحدة وهو أبشع شعور يلازم الإنسان، فحين يحسّ الواحد منّا أنّه وحيد، تضيق به المذاهب، ويبقى يئنّ ويتعذّب ويشقى: «هناك أمورٌ أصعب من الموت وأكثر شقاءً كالفراق مثلاً ...... تجلدك سياط الموت، تُحتضَر..» ص53.
يحاول آرام التأقلم مع الواقع الجديد، والتعايش فيه، وليس العيش، فيفشل. وهيهات لروحه المهاجرة عبر الأوطان أن تنسى عامودا، هيهات لأوربا أن تقتل العشق في قلوب أبنائهاّ، فلقد اعترف بأنه رجع من أوربا ليروي ظمأه، فمذ خرج من عامودا، ما استطاعت مياه على وجه الأرض أن تروي ظمأه المزمن: «رجعت من أوربا لأروي ظمئي، لأنّني مذ خرجت من عامودا ، ولا مياه على وجه الأرض تروي ظمئي المزمن الدائم». ص31.
يعود إلى وطنه تاركاً أوربا «مالها – ذهبها – جنسها – نساءها وراء ظهره». يعود إلى مدينته، إلى مرتع ذكريات وطفولته يعود إلى أمه الرؤوم، يعود إليها لأنّه لا يتمنّى أن تشوّه صورتها بذاكرته وتمزّق. وهو عاشق من عشّأقها، ومريد يتلقّى دروسه على يديها، كما كلّ شخصية من شخصيّات هذه الرواية «هجار الأعرج،عبدو المطرب والفنّان صاحب الألحان الحزينة التي تنطلق من حنجرته لتملأ المدينة كلّها، وتعلن للعالم الصمت الذي تعيشه، بافي كيشو الكاذب الذي حوّله عشقه لها بطلاً يتردّد اسمه على مسامع كلّ مَن يسكنها، الأحدب الذي ما فتئ يقاوم شتّى صنوف العذاب ليظفر بمحبوبته الغائبة الحاضرة، وغير الموجودة أصلاً». والكثير من الشخصيات الأخرى، التي باتت تشكل بأفعالها، وتصرّفاتها جزءاً من فلكلورٍ عاموديّ معروف لدى الملأ منها مثلاً: «كُرتيلو، جلكو، اسماعيل ، حيندرو».
أورد الكاتب ذكراً لبعض المناطق التي تتألّف منها هذه المدينة «كري شرمولا، النهر الذي يقسّم المدينة قسمين الحارة الغربية والشرقية ـ پورتا وروتا ـ ، تل حبش القرية القريبة، المساكن». ووصفاً لبيوتها وأزقّتها وشوارعها وكثيراً من عادات أهل هذه المدينة، وتقاليدهم وتناقضاتهم، بعد معالجته لمشكلة الاغتراب والسفر، تلك الهجرة التي صارت جرحاً نازفاً بجسد هذه المدينة الصغيرة، فهي كما هو معروف عنها، نشأت قبل الكثير من المدن ولكنها أُبقيت كما هي. بل وتناقصت.
لقد استطاع الكاتب أن يعطي صورة واضحة للمكان الذي جرت فيه أحداث هذه الرواية، إذ أنّه عبّر بما دار على لسان أبطالها عن هذا المكان وسكّانه، بعاداتهم وتقاليدهم، فكانت بحقّ رواية المكان ودخلت تاريخ هذه المدينة من أوسع أبوابها، وكانت نفحاً جديداً يغذّي الفكر السائد فيها دون لبس أو غموض.
«آرام.. سليل الأوجاع المكابرة» رواية مفعمة بعشق المكان، ورفض للاغتراب والسفر، تدعو إلى تحدّي ظروف الحياة، والتجذّر بالأرض، بالمكان، وعدم التنازل عن لحظة واحدة من الذكريات التي تربطه بوطنه.. وهي رواية وُلدت مع الأحزان والأوجاع ومنها، لكنّها مع ذلك تبشّر ببارقة أملٍ.. تجعل آرام يصبر ويتصابر عليها، يتقبّلها بنفس راضية، كلّ ذلك من أجل عشقه لمدينته، فمن يعشق يعطي، فالعشق عطاء قبل كلّ شيء، وهو يدعو للعطاء ويضحّي في سبيل ذلك..
سوريا – قامشلي








