تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب القنافذ في يوم ساخن
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

القنافذ في يوم ساخن

4.0(٣ تقييم)٦ قارئ
عدد الصفحات
٤٩٣
سنة النشر
2012
ISBN
9789959296221
التصنيف
فنون
المطالعات
١٬٤٨٦

عن الكتاب

عندما يصل "سليم كاظم" أستاذ اللغة الإنكليزية العراقي، من الصحراء الليبية إلى مدينة صور الساحلية العُمانية، تبدأ حكاية محتدمة بالمشاعر والأسئلة في مدينة صغيرة وادعة. أبطال هذه الحكاية عراقيون، وعرب، وأجانب من كل بقاع الأرض اجتمعوا في محيطٍ يعتز بتقاليده العريقة لتدريس الإنكليزية التي فقدتْ هويتّها الوطنية وصارتْ شفرة إغتراب عالمية، يتساءل سليم في فندق الفلج بمسقط عندما يصل أوّل مرة... إذا كان البيت يدجّن الوطن، فما الذي يمكن أن يدجّن المنفى؟" وتأتيه الإجابة بعد عامين من فصل محموم آخر في منفاه الطويل يتعرف خلاله على أريكا وساندرا وبتول وجورج وأريك ورالف وجفري والطاهر وزكي وحاكم وسعيد وآخرين يشاركون جميعاً في نسج خيوط دراما عميقة للدلالة لا تكتفي بأقل من إثارة أسئلة الإنسان الكبيرة في عصرنا المتقلّب الملتبس. تتزامن هذه الحكاية مع تصاعد الحرب الأهلية في العراق بين عامي 2006- 2007 في ظلّ الإحتلال الأمريكي، وقرارِ شهاب العودة من منفاه البلجيكي الطويل في محاولة لإستكشاف ملاذ المثقف الأخير في مشروع الجماعة، بينما يوغل فرحان في مشروع آخر مختلف يرى المنفى نوعاً من التحرير والكرنفال، بين شهاب وفرحان يتحقق لسليم في منفاه العُماني الجديد برفقة ساندرا المثقلة بأزمتها الأسترالية كشفٌ لم يخطرْ على باله من قبْل، وهو كشف يتبلور تبلوراً حاداً بعد هبوب إعصار غونو المدمّر على مدينة صور في صيف 2007 الساخن.

اقتباسات من الكتاب

يعتقد الأنسان لسبب او لآخر أنه عندما يمر بمحنة كبيرة تكون بانتظاره دائماً محطة للمواساة والأستراحة ، أي ان هناك نهايات موضوعية سعيدة للمآسي . التجربة العراقية البشعة والمتوحشة تجعلنا نصدق درس فرانك كيرمود الإسكاتولوجي القائل ان وجودنا صيرورة متصلة وإن النهايات كما قلت لي يوما متخيلة دائما . لاتنتظر مكافأة على عذابك في العراق أو نهايه سعيدة : العراق مكان يخلو من المواساة ، يخلو من احترام الفرد أو أخذه في الأعتبار .

— فلاح رحيم

1 / 6

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٧‏/٦‏/٢٠١٥
تبدأ رواية (القنافذ في يوم  ساخن) * لفلاح رحيم بوصول الاستاذ الاكاديمي سليم كاظم، قادما من الصحراء الليبية للعمل في عُمان وسرعان ما يندمج في واقعه الاجتماعي الجديد كمدرس في قسم اللغة الانكليزية في جامعة صور مع اكاديميين اخرين ، ثم اداريا متابعا لشؤون المدرسين والطلبة ، يعيش سليم في شقته متوحدا بعد طلاقه لزوجته ، في مدينة صور السياحية المطلة على خليج عمان، تتقاذفه الهموم المتمثلة بوطن يرزح تحت الاحتلال ، وعائلة( امه وشقيقته انعام) التي تسكن حيا في بغداد يتعرض ناسه للحرب الطائفية . فيما يكون الهم الاخر المتعلق بالذات وعلاقتهما  مع لعبة الحياة القائمة على الحب والكره،  العمل ، الجنس ، النجاح، الاخفاق ، السياسة، الثقافة، الانتماء..الخ، وعلى اساس هذه الثنائية (الوطن/الذات) التي اجدها اطارا ثابتا لما تريد قوله الرواية، يحاول سليم صياغة حياة مقبولة الى حد ما تعرضت  الى اخفاقات وهزائم منذ منتصف السبعينيات حتى زمن الرواية الحالي2006-2007م يتعذر علينا ملاحقة جميع الشخصيات التي تحتشد في متن الرواية التي تقع نحو (493) صفحة ولكننا سنقوم بمتابعة شخصية سليم كاظم بوصفها شخصية  اشكالية وانسانية . تثير جدلا فكريا واخلاقيا وثقافيا وحتى سياسيا . عبر تشبثها بمتع الحياة التي قد تقترب من اللهو (وردت مفردة لهو على لسانه ) ذلك لكي يتجاوز منفاه البعيد ، بحثا عن الجمال والحرية والعدالة المفتقدة اصلا في وطنه العراق، كذلك نتابع اهم الشخصيات الاخرى قدر تعلقها بسليم، الذي يبدو منذ الوهلة الاولى هاربا من الاسئلة السياسية المصيرية التي يتعرض لها بلده، بوصف هذه الاسئلة مادة قابلة للهو ايضا ، ايمانا منه ان النفور من حديث عقيم في السياسة مرده انها (صارت لا توفر لي زاوية حميمة اخلع فيها اسلاب المحنة العراقية وارتدي بيجاما البيت ومشاغله الصغيرة) ص37 ، ولان خساراته لا تحصى انسحب نفوره  كذلك على البشر او (البشرية) بحسب كلامه فهم عنده(قرينة للارتياب والخوف والقلق) وان كان يصر على ان البشر(احبابه) بحسب وصفه لهم، والذين هم معه نتاج المحنة العراقية  لذا اصبحوا في كل الاحوال (مصدر الم وأفق عذاب)ص39. والمشكلة الاكبر التي تؤرقه هو انه لم يجد في الناس ما يمكن قبوله او الاعتراف  به، لكي يتمتع بطمأنينة الانتماء معهم(ص40)  مثل هذه الشخصية المسكونة بفوبيا العلاقات التي تحددها  مواقف مغرقة في التشاؤم والعدمية غير المنفصلة عن حركة التاريخ فيما يخص البلاد والعائلة الذين يتعرضان لتهديد مستمر منذ مطلع الثمنانينيات على يد حاكمها الديكتاتور من حروب ودمار انساني وعمراني يستعرضها سليم لنفسه وللقراء بمزيد من الالم، وكتعويض مادي معنوي يمنح نفسه الحق على صنع(مغامرات) لعلها تنسيه المحنة او على الاقل تفكك اوصالها ليضمن لنفسه الهدوء والسكينة(ترد مفردة مغامرة/ مغامرات عشرات المرات في الرواية) بوصفها انعتاقا او خلاصا يقول سليم : (مضى ربع قرن على العراق لم يخل يوم من الموت او الالم... حتى صارت هذه الكوارث ركنا مكونا من اركان الوجود الشقي ولكن هل تنجح محاولتي الافلات من ربقة هذا الوجود؟ هل يمكن للمنفى ان يستحم بماء المغامرة) ص153 . وتطبيقا على ما جاء ذكره في التنصيص اعلاه ، يعكف سليم على انشاء مغامرة  مع زميلته المدرسة(ساندرا) القادمة من بيرث في استراليا ، تتطور العلاقة / المغامرة تدريجيا حتى تصبح علاقة جنسية. على الصعيد الاخر نرى ساندرا تؤكد ايضا على (المغامرة) فهي تصف الحياة على انها مزيج من الانتظار والمغامرة، ثم تضيف لتسأل سليم(الانتظار والمغامرة اليسا خلاصة الحياة بأسرها؟) ص123، وفي مكان اخر تقول (انا اهوى المغامرة والاستكشاف) ص191 . واذا قبلنا ان نسمي هذه المغامرة انسانيا علاقة فهي منطقية لانها تقترن بمعادلة جوهرية وانسانية واضحة فهما (كهلان شارفا العقد الخامس) (منفيان والمنفى يعمق حاجات الجسد!؟) (مطلقان مما يعني مهيآن سيكولوجيا ونفسيا) تنتهي هذه المغامرة غير  المحسوبة النتائج بقطيعة للجسدين نتيجة وصال محموم يفجر( بثرة حمراء قانية كالحرق) ص329 على منطقة الذكورة، بعد ذلك يتطور الى جرح/ مرض تسميه ساندرا (الهربيز) لتؤول ساندرا وفقا بعد اصابته بالهربيز لنعوت سليم الى مجرد امرأة (مخادعة) (انانية) ص334 استغلت حاجته الجسدية لتورثه مرضها الذي تحمله والذي هو رمزيا جزءا مكملا لعطب عام اصاب سليم ولن يبرأ منه. بقيت ملاحظة لدينا تتلعق بالبعد الانساني لساندرا وهو حتما لا يلغي بل يعمق الاوصاف المشتركة بينهما، لكنه يتناقض قليلا ، وفي حدود مثل الحروب والكوارث والحصار ثم الاحتلال بعدها الاقتتال الطائفي، الذي لم تعشه ساندرا يبقى من حصة سليم مما وسع جانب الخيبات والانكسارات والامراض (الهربيز) بينما ساندرا التي تخلصت من الحروب والكوارث فهي متفائلة سعيدة، متدفقة عاطفيا ، جموحة وقد تحولت مغامرتها الى حب حقيقي لسليم ومن طرف واحد ، لذا فساندرا هي عند القارئ مزيج من امرأة نصف اوربية ونصف شرقية ، حين نقرأ حبها دلالها وغنجها وشكها وتعاملها مع سليم ، فهي تود الخلاص لسليم من موته السريري بعد طول جدب ونوم في سرير مخصص لنفر واحد!، تود ان يتجاوز حياة تتآكل ازاء الكلية والكتب والعراق بحسب كلامها ، فاذا كانت هناك سلبيات رافقت سليم وساندرا نرده الى انواع الشقاء والاستلاب الجسدي لكليهما ، والى خراب الحياة ذاتها،  بفعل قوى مسلطة  سابقا ولاحقا خاصة عند سليم المأزوم دائما بحياته ووجوده على الارض. هذه السلبيات تخلص منها (شهاب زيدان) الماركسي، المنتمي الى الحزب الشيوعي ، والصديق الحميم لسليم ، الذي ترك العراق عام 1979 ، ابان صعود الديكتاتور الى الحكم، وفشل الجبهة الوطنية بين الشوعيين والبعثيين ، يعود شهاب الى العراق من المنفى البلجيكي وكان قد مر شهر على تفجير ضريح الاماميين العسكريين في سامراء واندلاع الحرب الطائفية، ليعمل مستشارا في وزارة الثقافة، وفي رسالة الى سليم نختار منها ما يؤكد عراقيته الصميمية (...لم اتمكن من التخلص من عراقيتي هناك (يقصد منفاه) ظل منظر العراقيين في الاسواق والشوارع وقد هدتهم الفجيعة بعد الانفجار يثير في نفسي الرغبة في المشاركة والبحث عن حل ، لقد قررت منذ عامين العودة والمشاركة في محاولة الاصلاح، ص213. هذه الرسالة فيها تأكيد على انتماء عراقي ، فيها اقتران العمل مع الوعي السياسي فيها مشاركة وجدانية صادقة في ازاحة الحيف والظلم عما يعانيه العراق والعراقيين تقابلها رسالة سابقة لسليم وان كانت قائمة  على قبح الواقع المزري والقتل الطائفي، ومأساة تتفاقم ولا تنتهي تعيشها بغداد ، الا ان هذه الرسالة لا تقدم الشفاء لعلة العراق المزمنة ، بقدر ما تقدم رؤيا تشاؤمية تفتقر الى الامل والاصلاح والمشاركة  ، يقول سليم: (العراق مكان يخلو من المواساة يخلو من احترام الفرد او اخذه في الاعتبار ، العراق هو المكان الذي يكشف فيه التاريخ فضائحه) ص85. من خلال ما تقدم يتضح لنا ان شهاب  في سعيه للعودة الى عراق يلتهب هو ايمانه ان يكون مع الجماعة التي هدتها الفجيعة والتي يراها تستحق منه المشاركة والاصلاح ، كي يبعث اليقين في نفوسها ويمكنها من تقوية او شد حاضرها،  لعل كل هذا ربما يدخل ضمن النوايا الطيبة او المثالية المفرطة ، او مصلحية كما بدت للغير . عموما  يظل شهاب نقيضا لسليم على الاقل في تطبيقه المنهج السياسي الذي يؤمنان به معا . تنتهي حياة شهاب كما تنبأ لها سليم بطريقتين الانتحار او التصفية الجسدية حيث ينتهي اغتيالا بمسدس كاتم  على طريق محمد القاسم (بغداد) ص488. اما شخصية الدكتور حاكم ، التي اراها مرسومة بنمطية وتكلف زائديين، ولم تقدم شيئا على الصعيد الروائي وحذفها لا يخل بمسار الاحداث ، لكنها تخدم غرضا ايدلوجيا ، ينهض على اشكاليات سياسية فكرية وعقائدية لا زالت تتحكم بالمشهد العراقي تعيق وتنتنافى مع خط سليم ، فحاكم (لاحظ دلالة رمزية الاسم) من بقايا فلول البعثيين، متحمس لحماقات الديكتاتور الحاكم، تعرف اليه سليم في جامعة الفاتح في ليبيا قبل ثماني سنوات، مدمن على شرب القهوة والتدخين (اما النسيان او تكريسا لابهة حزبية سابقة) انه مرسوم بانتفاخ كاريكتيري ان جاز الوصف لنا ، اما وجوده فهو لملء او رص لخيبات سليم ، او هو احدى المنغصات التي ترافق سليم في الطريق او في أي مكان، وان خامر الاخير ذات يوم بفتح افاق من الود حين لبى دعوة طعام لحاكم في مطعم الخروف التركي ص51، كذلك الحال بالنسبة الى الدكتورة (بتول هادي) استاذة الرياضيات والعراقية الوحيدة في الكلية ، حيث اعتقد ان وجودها  للتخفيف من هيمنة(الدم الاشقر) للنساء الاوربيات اللواتي تضج بهن الرواية ( اريكا، جين،ستورمي) (ماريا اوليري/ اسم عابر) اضافة الى ساندرا وحضورها الطاغي. د. بتول تغربت منذ خمسة عشر عاما وتقيم في شقة مع ابنتها شذى (تفاصيل اخرى ص243-244) لذا اكسبها  سليم طعما عراقيا محلياً. بدء من اللهجة البغدادية المحكية، وليس انتهاء بالقاسم المشترك كرهها - كما هو سليم- لسماع نشرات الاخبار لكونها مصدر رعب وخراب واستحالة عيش في العراق الذي لا يوفر الطمأنينية والامان ، تغيب بتول عن احداث الرواية لتظهر بعد اعصار غوغو المدمر الذي ضرب مدن عمان، كذلك تظهر بعد جفاف العلاقة بين سليم وساندرا ، مثلما اسلفت وجود بتول هو لملء فراغ انثوي عراقي شح في بلد الغربة، فان كانت مصنوعة لادامة تكحيل عيني سليم! الا انها مقبولة للاسباب اعلاه لكن غير المقبول الا وضعه في خانة التأويلات هو احتفاظها بزجاجة ويسكي اسكتلندي(ممتلئة الى النصف) في ثلاجتها وهي المطلقة الساكنة مع ابنتها شذى ، يقول سليم وهو يلقي نظرة على فضاء الثلاجة المزدحم(وقع نظري... على زجاجة ويسكي ممتلئة الى النصف ، كانت تلك مفاجأة لي ... لم يخطر لي يوما ان الدكتورة بتول.... بأصرارها على الالوان الغامقة والحجاب الاسود ممن يقربون الخمر... لا يخلو من استمتاع واثارة) ص452-453. تقدم بتول لسليم كأس الويسكي، وسط رفضه لشرب القهوة على ان يتبادلا الانخاب ، علما ان سليم لا يتعاطى(المسكرات) (التدخين) كما مر  بنا في الرواية(اعدت كأسين بصمت ورضا وقرعنا الواحدة بالاخرى فصدر رنين اقرب الى نغمة موسيقية... ومضى الشراب يبث الحرارة في العروق كأنه مفاجأة سارة) ص453. بالضبط كما هي مفاجأة سارة وجديدة لا تخطر لنا على بال! ولعل في شخصية (فرحان  جابر) الكثير مما يفتقده ويتمناه سليم لنفسه بدعوة ان فاقد الشيء منجذب اليه، ففرحان يتوفر على طاقة من التنكيت والمسامرة حريص على العلاقات العامة ، حريص على اللقاء والاندماج مع الناس (هذه صفات اعترف سليم انها لا تتلائم ونفسه الحساسة) لكن فرحان ايضا له ميل قوي الى الغاء السياسة بوصفها (دوخة رأس)  ص89. ولربما الاهم ولعه بـ(المغامرات) النسائية(لم يفتر يوما) ويكفي ان الصفتين الاخيرتين تتوافقان مع حساسية سليم المرهفة، والصفة الاخيرة كفيلة ان تشبع  زخم رغبة سليم التواقة الى افراح الجسد المقموع! حيث يقومان  فرحان وسليم معا بزيارة الى عيادة للتدليك والطب الصيني(ص104-113) وفي فصل ايروسي رائع وممتع ، يتحرك ضمن بنية(جدب/اخضرار)  (موت/حياة) عبر لقاء جنسي مع امرأة صينية تعالج سليم بالتدليك والابر الصينية، تحيي فيه موات جسدي كان معطلا عنده ، وخلاله ينتاب سليم خدر لذيذ يرفعه الى (اثير ساهم) ص109. فجأة تقفز الى ذهنه صيحات سيابية (عراق .. عراق ليس سوى عراق) التي هي مقحمة اطاحت بفحوى وقيمة النص واسقطته من عليائه الذي لامس تجليات صوفي مدله برغبة الاندماج والفناء! كذلك مما يعمق تسطيح هذا النص الجميل هو ان يتحول الى تجارة رقيق ابيض يخلو من عاطفة ، بوسعنا ان نقول ان فرحان قادر على اشباع كم هائل من رغبات وتطلعات تخفف من قسوة الكف الضاغطة على سليم وعلى مستوى المكانين (بغداد، عمان) والاخيرة بوصفها المنفى الذي حوله فرحان من فرن شواء يزخر بالحرارة والعرق الى (كرنفال) كما جاء في غلاف الرواية الاخير، حتما سيبحث سليم عن فرحان جابر لمجرد ان يصل الى منفاه الاوربي الجديد، ، فان لم يجده سيخلقه عبر المتخيل السردي، من بين ركام ودخان لا ينتهي في زمن الشتات العراقي، ويبقى سليم الشخصية المركزية في الرواية ، انه نواة لبؤرة ارتباط شديد ومؤثر وشاهد عيان لايهدأ او ينام قرير العين . اخيرا، لقد استطاع الروائي فلاح رحيم ان يقدم في روايته ( القنافذ في يوم ساخن) ابطالا وشخصيات حية، من دم ولحم حقيقي نعرفها تحمل ذات افراحنا واحزاننا وهي تتحرك امامنا ، بما وفره لها من دينامية في المواقف والصراعات جمعت كل المتناقضات ، اما الشخصيات التي كان لنا موقف مختلف مع ادوارها في الرواية ، فهذا لا يعني اطلاقا انها مسطحة ، او بلا فاعلية ، بقدر ما تملك عمقا وواقعا ولها وظائفها الانسانية التي تحمل نفس سماتنا ايضا مهما صغرت او كبرت ، باعتبارها كائنا انسانيا مشاركا في الحياة. ولربما مقولة فرجينيا وولف هي الاكثر انسجاما لمعرفة هؤلاء والانصات لهم وحدهم (دعونا نتذكر مدى قلة ما نعرفه عن الشخصيات)**. ـــــــــــــــــ * القنافذ في يوم ساخن ، رواية، فلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة ، الطبعة الاولى، حزيران، يونيو2012. ** نظرية الرواية في الادب الانجليزي الحديث ، تر: د. انجيل بطرس سمعان، الهيئة المصرية للترجمة والنشر، 1971، ص174.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٧‏/٦‏/٢٠١٥
أودّ أن أسارع إلى القول إن رواية الكاتب والمترجم فلاح رحيم (القنافذ في يوم ساخن، دار الكتاب الجديد المتحدة، 2012) ساعدتني على ترسيخ قناعات طالما آلمني التشكيكُ فيها أو العجز عن دعمها بخبرات روحية آخرية تتجلّى عند مَنْ قاسوا عذابات الحياة والمنفى ومواجهة الخطر الداهم. لقد عزّزت قراءتي الخاصة لهذه الرواية، بعد نفض اليد منها، فكرةَ قبول الضرر مع الحياة، وهو ليس درساً في قبول الضرر المحض بقدر ما هو درس في قبول الحياة المحضة. وهنا يكون ثمة ضررٌ بلا ضِرار، فالآخر، ساندرا الأسترالية مثلاً، وهي شخصية محورية في الرواية، هو الذي يدلّ بطل الرواية سليم كاظم، ومعه قارئ الرواية، على معارجَ ترتقي إليها الروح في الحياة لتواصل العيش مع الضرر. ما من طيشٍ أهوجَ مثل الإصرار على تجنّب الحياة باعتبارها ضرراً، أو، بلغة وجودية، عبثاً. وأسارع مرة أخرى إلى التنبيه على أن قبول الضرر لا يعني، بأيّ حال من الأحوال، القناعة بمعناها السلبي، أو الاستسلام بمعناه المشين، بل السعي المبيّت، والمثابر، إلى اقتناص السعادة طريقاً في مواجهة الضرر، حتى ليبدو الضرر في الأخير لازمة تتكرّر بين فصول الحياة الغائمة والمشرقة على حدّ سواء. منذ إهداء الرواية: "إلى الصديق كامل شياع، الذي عاد من المنفى لأنه قرّر ألاّ يموت"، تضعُنا رواية فلاح رحيم، (القنافذ في يوم ساخن)، في ترقّب تتحسّس فيه القراءة الموضوعة المهيمنة فيها، تُرى كيف يمكن القبض على موضوعة تتناثر وتتبدّد حين تمضي القراءة إلى اختبار شخصيات عديدة، وموضوعات عديدة، ومواقف أكثر من أن تُحصى، هنا يكمن التحدّي النشوان؛ النشوان لأن فعل القراءة هنا لا يُرهق، كما هو معتاد، وكما هو متوقّع من رواية بخمسمائة صفحة تقريباً، والتحدّي يذوب وجهُه المتجهّم بفعل لغة الرواية التي بدتْ هادئة، لكن تسرّب الصفحات المتسارع بين اليدين يعارض ذاك الهدوء، وأولئك القرّاء الذين قرؤوا الرواية، وأبدوا انطباعاتهم من هذه الناحية، حرصوا أول ما حرصوا عليه أن يتساءلوا كيف قرؤوا هذه الرواية خطفاً وكيف راحتْ الصفحاتُ من بين أيديهم متسرّبة بسحر. الكاتب والمترجم فلاح رحيم، الذي يكتب روايتَه الأولى، هو أحدُ أكثر الأشخاص الذين عرفتُهم توجّساً مما يكتبُ، إذ يرى في الثقة خطراً حقيقياً، وفي الكتابة خطراً كبيراً. لكنه لا يستطيع أن يتقنفذ حتى النهاية، فيُشرع في الحديث عن (سليم كاظم) بطل روايته، مدرّس اللغة الإنجليزية العراقي، الذي يقضّي سنواتٍ طويلة في المنفى مدرّساً، في ليبيا أولاً، ثمّ في عُمان، حيث تدور أحداثُ الرواية. في الرواية شخصيات كثيرة تبرز وجوهها مهلاً، هم المدرسون الذين عمل معهم واختبر ذواتهم المختلفة أشدّ الاختلاف، فهُمْ في الأصل من جنسيات مختلفة عربية وأجنبية، اجتمعوا ليعلّموا اللغة الإنجليزية، وليعيشوا المنفى معاً، كلٌّ من زاويته، أو وجاره. إنهم "تجمّع كوسموبوليتي عجيب" في "حالة اضطراب وبلبلة" (ص261). ثمة أيضا فرحان المرح الذي يحمل فلسفة خاصة في الحياة، ليعيش وينجو من آفات الزمن والمنفى. هم قنافذ تقترب من بعضها لحاجة بعضها إلى بعض، وما أن تخزها الأشواك حتى تبتعد، وفي جدل الاقتراب والابتعاد نشهد، نحن قراء الرواية، نقيصة الإنسان، قصص حبّ وأجواء جريمة، مناكدات وأحقاد، انبساط وانكماش مثلما ينبسط أيّ قنفذ وينكمش في أدوار الحياة. لكن وجود هذا الحشد من الشخصيات ينطوي أيضاً على معالجة لمشكلات غير شخصية تُلقي بها الرواية أمامنا مثل الهوية والمثاقفة واكتساب اللغات، وتطلّع العرب المحموم إلى تعلّم لغات الآخر بوصفه نوعاً من المغامرة. تظهر الشخصيات في الرواية وتختفي مثل الأشياء التي تعالجها، ثمة حركة دائبة تذهب وتجيء، تغوص وتطلع بطريقة تجعل الظهور والاختفاء لعبة تشغل القارئ وتجعله يعيش، لا في انتظار، بل انتظارات. ومع ذلك، مع التجلّي والتخفّي، تظهر الشخصيات الغريبة، التي تعيش في غير موطنها الأصل، موسومةً بالاغتراب الموجع، الذي يتجلى ضرراً فادحاً تمشي معه الحياة يداً بيدٍ، ويبحث المتضرّرون عن فسحة هنا وفسحة هناك لتتبّع خيط السعادة المهدّد دائماً بالانفلات. مع ذلك، لقد بدا لي القسم الأول من الرواية متحكَّماً فيه إلى أبعد حدّ، فثمة وعي يقوده، لأقل إنه وعي روائي، أو روائي يعي ما عليه أن يفعله باعتبار الرواية فنّاً يقتضي مَلَكَة وإحاطة كبيرتين، وربما تحت وطأة هذا التحكّم انزلقت الرواية إلى وضع تعالج فيه مشكلات تدريس اللغة الإنجليزية في مقطع يغيب فيه التشويق والاكتشاف. أما خواتيم الرواية فلا يبدو أن التحكّم الواعي هو من يقود السرد، بل مسحة الخبرة التي تكتب وتُخفي أدوات الكتابة، لكنها تُظهر براعة الكاتب. تحضر في الرواية شخصية كامل شياع، ليس فقط في واجهتها، الإهداء، كما قلتُ قبل قليل، بل تحضر بوصفها شخصية في الرواية باسم شهاب، نعثر عليه في مراسلة مشوّقة بينه وبين بطل الرواية سليم كاظم، مراسلة توظّف فيها المقالة المعروفة لكامل شياع التي كتبها حين عاد من المنفى إلى العراق بعد سقوط الدكتاتورية. في الرسالة التي يبعثها سليم كاظم إلى شهاب، تتكشّف نبوءة استشهاده: "لا تنتظر مكافأة على عذابك في العراق أو نهاية سعيدة"، وفي رسالة سليم إلى شهاب تململ بين أن يكون دور المثقف عضوياً، أو أن يكون دوراً ربما يصحّ وصفه بالثقافي، أي الكتابة والتعمّق فيها. وسليم نفسه يشهد تغيّر أدوار المثقّف بين زمنين، زمن سبعينيات العراق حين احتضن فكرة الانتماء الحزبي والعمل بفعالية فيه، بينما كان شهاب يحرص على استقلاله من أنشطة الحزب ومتطلباته، وزمن ما بعد سقوط الدكتاتورية حين طلّق سليم العمل الحزبي منذ سنوات طويلة، بينما عاد شهاب إلى العراق ليعمل ضمن الحزب في تدارك ما تداعى وما بقي من الحياة. وهذه ثنائية تبرز عبر زمنين اثنين، يحدث فيها تبادل للنفي، فحين اختار شهاب المنفى الأوروبي في السبعينيات، آثر سليم البقاء في العراق ليشهد حرب العراق وإيران وغزو الكويت وحرب الخليج ويُتلف أحد عشر عاماً من عمره فيها، وحين سقطت الدكتاتورية بالاحتلال الأميركي عاد شهاب إلى العراق، بينما آثر سليم أن يظل في المنفى في مدينة صور العُمانية. كلا الخيارين فيهما محاولة لقبول الضرر بطريقة تراوغه من أجل استمرار الحياة، ولكن للبطل (سليم) طريقته في تفاديه، ولصديقه (شهاب) طريقة أخرى في تفاديه، الأول بالغياب والاغتراب، والثاني بالحضور والاقتراب، لكن الغياب قوبل بمزيد من الاغتراب، وقوبل الحضور بموت شهاب اغتيالاً في بغداد.في حوارات الرواية، في السرد الذي يصف الشخصيات، في التذمّر القلق، في الغضب المعلن والمكتوم، ثمة على الدوام قبول بالضرر، قبول يستبطن معاندته، لأن جميع الشخصيات القنفذية في الرواية معذّبة، منفية، لا تعرف للاطمئنان سبيلاً، لذلك تحاول بلا وعي أن تتوطّن نشداناً للراحة، فتلجأ إلى تسوية مصاعب الطريق الوعرة، مرة بالخيال وأخرى بالواقع، وبينهما تظهر أرواح مشتتة تدّعي أنها أرواح سويّة، لكنها في العمق أرواح كئيبة. قبول الضرر مراوحة بين إظهار القدرة وإضمار العجز، نشر البهجة وتغطية الكدر، رسم الابتسامة بفرشاة كئيبة، وهو نوع من مواجهة العجز بمزيد من المران والدربة في الحياة.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٧‏/٦‏/٢٠١٥
تضمنت الرواية شبكة شخصيات عربية وأجنبية كثيرة وتميزت بوجودها السردي الخاص ، لكل منها دور في البناء الفني الطويل ، منها امتد منذ ابتداء الرواية وحتى نهايتها ، ومنها من ترحم عليه فلاح رحيم وجعله متطابقاً مع القنفذ الذي يظهر قليلاً ، وسرعان ما يعاود الاختباء بجلده ، لكن شخصية شهاب هي المركز السردي مع عائلة سليم . وكان شهاب مبتدأ الرواية منذ الصفحة الأولى ، حيث منحه فلاح رحيم الرواية هدية له واستدعاء لحضوره والبقاء ، وتعاملت مع الإهداء باعتباره نصاً وهو كذلك وقد اختصر فلاح رحيم شخصية شهاب المركبة / والمعقدة بإشكالاتها الثقافية والمعرفية ، وصراعها العنيف في الداخل ، وأظن بأن شهاب هو النموذج الآخر بعد سليم في الميل للسفر للداخل والركون للذات العميقة ، لأنها الامتحان الحقيقي للتجربة الطويلة التي عاشها شهاب في أوربا ، ربع قرن من سنوات العزلة وأحلام الترقب والتشوق حتى لحظة القرار السهل بالنسبة لشهاب بالعودة من المنفى ، لكنه صعب في وظائفه التي تجاورت مع الفوضى [ التي حولها شهاب بعصا استشهاده الى أمثولة سرّية تدعوني الى حلّ مغاليقها // ص592 ] لم يكن المنفي / العائد شخصاً عادياً ، بل هو أسطورة في القرار ونتائجه ، وأضفى سليم عليه عناصر الأسطورة المقدسة الخاصة بالراعي / الملك / المقدس . هما أول من ميزته العصا تناظراً مع الإلهة في حضارة سومر وأكد ، وكلنا نتذكر الإله شمش وهو يحمل بيده العصا والحلقة المدورة في شريعة حمورابي ، العصا نظام ثقافي عميق وديني أيضا ، ينطوي على دلالة سياسية ، وهذا مقترن بشهاب وتذكرنا العصا بشخصية موسى التي ضرب بها الأرض وتحولت أفعى ، لكن شهاب ضرب بها الأرض ، فلم تتحول الى أفعى ولم ينفجر الماء من الأرض ، بل انبثق الدم متدفقاً ، دم شهاب بما ينطوي عليه من دلالة إيحائية وطاقة بناءة لتجدد الحياة ، وبالإمكان قراءة الدم ثقافياً وشعرياً والكشف عن تعدد معانيه . تضيء عصا شهاب بعضاً من أمثولته السردية . واعتقد بأن أمثولة شهاب الجوهرية الكبيرة هي التي اختصرت سردياته في الرواية ، لكنه ظل يشف عبر كل المرويات الخاصة بالحرب العراقية الإيرانية . حضور وقائع الموت والقتل حتى يبقى الأخر حياً ووجدت في قراءتي للرواية من أن شهاب حاضراً أيضا في نشرات العراق المستمرة وهي تعنيه والمماثل معه ، وقصدية فلاح رحيم قصدية بتركيز سرديات شهاب حتى يجعل منه " أمثولة " حقيقية ، يختبرها المتلقي بما يريد ويحلم من سرديات وهي هائلة وكثيرة جداً . ظل شهاب منذ بداية الرواية وحتى نهايتها بالتنويه ، لأنني تعاملت معه بوصفه نصاً ، ظل مدورة سردية ، وصاغ وحده دائرته وهو مركزها الخاص ، ونقطتها المركزية والقريبة منا [ بموته انتقل الى النقطة القصية التي وفرّت لي مرصداً جديداً لا يشبه في شيء كل المراصد التي أتاحها الوطن والمنفي حتى الآن وهو مرصد يبث في كل ما يحيط به دلالات تتجاوز الخواء والهامشية والتفاهة الى انتظام غريب وقدسية باهرة ص492 ] النقطة القصية التي انتقل إليها شهاب ليست بعيدة إلا أنها في الدائرة ، وربما افترض الروائي أو تخيّل الأرض دائرة له . والدائرة رمز للزمن ابتكره السومريون ومنها تكونت الأشكال الهندسية ، والمربع أولها رمز المكان ، ولم يكونا من ابتكارات شعب أخر في الشرق كما روجت الدراسات الصادرة عن الخطاب الهندو ـ أوربي والنقطة التي أشار ، فلاح رحيم هي قلب السطح التصويري للوحة ، وهي ـ النقطة ـ التي تفضي نحو التشكلات التصويرية ، وحسناً اختار الروائي الدائرة رمزاً لشهاب وقد كرره في أكثر من مكان بإشارات واضحة عن الزمان ، لقد منح شهاب مجداً في الحضور البهي والمقدس [ لا يمكن لعامل البناء أن يتم مهمته دون أن تتعفرّ ثيابه بالأتربة والغبار ودون أن يخطئ ويصحح خطأ هناك حيوية في التورط السياسي يفتقر إليها الوجود الساكن الشاحب في بُرج معزول من طين المصائب ص490 ] . لم يكن شهاب ذاكرة قريبة من سليم فقط ، بل هو ذاكرة حية ونشطة ، اختزن سليم بعضاً حيوياً منها . هذا الماضي / أثريات الذاكرة كما قال فوكو ، هو جوهر العلاقة بين الاثنين ، وسليم حافظ لتلك الذاكرة من خلال مدوّنات يومية شغف بها سليم منذ سنوات قديمة ، وصارت جزءا حياً من حياته المستقرة أو القلقة ، خوفه وإحباطه كلها مدونة ، والعودة لليوميات ، رضى بالذي فيها ، وتنطوي على احتمالات تصحيح ومعرفي وسياسي أيضا . كشفت يومية الاثنين 19/7/1976 الى الاختلاف العميق بين الاثنين كما قال سليم الذي استطاع أخيرا تحرير شهاب من صفته كمثقف ديمقراطي وجذبه للانتماء وقال سليم في يوميته " المثقف أين الحياة والمعرفة فعل قبل ان تكون تأملا لان الفعل مصدر المعرفة الحقة والأمل . التأمل جزء محدود من الفعل ، وحسن نتكلم عن الفعل فنحن لا نقصد الفعل الفردي ، بل فعل تاريخي جماعي له قوة التغيير الحاسم ، وكل هذه الشروط لا تجد ما يضمن الوفاء بها إلا التنظيم السياسي الذي يتجاوز به المثقف نرجسيته وانغلاقه ليصبح فاعلاً ص490 / نجح سليم في التحول الثقافي والسياسي الذي جعلته أمثولة سرية ، هذا كلام مهم ، قاله سليم في لحظة امتحان صعب ، لحظة الإمساك الأخير بالمدورة السردية المتوترة بعنف استذكار شهاب التي قلت عنها أسطورة وستظل سرية ، بحاجة الى ترجمة لمعرفة تفاصيلها . لقد صاغ شهاب قراره الحازم بعد طول تردد ، وغادر منطقة الوسط واتجه نحو فضاء وجوده الحديد ، الذي انتهى به حاملاً عصاه الرعوية التي لم تحن فرصتها الموضوعية ، كانت الرمزية بديلاً لها ولفت سليم بسورتها المدوّمة وتبدّى له شهاب مطارداً للضوء وطاوياً للزمن كما في مقطع شعري لترانستروم .[ الآن وقد شطب مهزلة الزمان وتقلباته وسجلاته وانتقل الى حيث لا يجرؤ الزمان على مسّه بأصابعه الشيطانية العابثة ، صار شخصاً أخر لم أتعرف عليه بعد / ص491 ] خرج شهاب بوعي كامل من كينونته " الوجود بحاجة الى موجودة " أنا أعيد أنتاج هذه المقولة الفلسفية من عمقها الداخلي ، ارتباطاً مع مقولة أخرى لها يدجر " اللغة بيت الوجود " بمعنى أن اللغة هي الموجود / والكائن ، وهذا الموجود مستمر ولا يتعطل . واعتقد بان المعنى الخاص بالموجود ، أو بعض منه ، هو اللغة التي تتمحور فيها الكينونة . واستشهاد شهاب ، لم يكن شطباً لوجوده لأنه لغته الخاصة ، مازالت باقية وحاضره حتى الأبد ، مدّونة ، ومروية ، وأكثر سردية ، ليست عامة وهي تكوين لخطاب لغة تأسيس وبفرادة خاصة ، لأنه شطب على مهزلة الزمان كما قال فلاح رحيم ، هو مكتفي بالمكان ولذا عاد إليه ، لكنه بالنهاية عرج الى نوع من الفراديس لا تصل إليها أصابع الشيطان ، وتحول الى شخص آخر . غريب تماماً عن سليم ، لان المشترك بينهما تزعزع ، وتحول ذاكرة سردية من نوع أخر . وباستعانة بمقولة الشاعر غوته : الزمان شيطان ، تفضي بنا دقة الراوي في مقولته عن أصابع الشيطان التي هي مجازيات السرد واعتقد بان موجود شهاب ، لغته / مرويات المدونة والشفوية ، منحت الحياة قيمة جديدة ، لغة أكثر فصاحة وبلاغة ، اللغة ، أنتجت أسطورة اليوم الجديدة ، والمغايرة تماماً ، أسهمت هذه الميثا بمجازاتها ، رموزها ، وقد ساهمت كما ورد في كتاب جدل التنوير من أن الأسطورة عقلنت الطبيعة وما حصل ويجري فيها ، جعلته أكثر وضوحاً وزودته بالوعي ، مثلما حولته [ لاحقا ] وعيا ، ولا نستغرب من قدرات الأسطورة على التحول الايجابي وقد أشار لذلك كل من رولان بارت وكاسييرر وهايدجر الى أن الأسطورة فعالة تماماً في أنتاج واقتراح الشعر والفلسفة ، ولأننا قبلنا الأسطورة فان التاريخ على تخومها ، ويرتسم لنا ، الشعر / الفلسفة / التاريخ ، هذا الثالوث المشترك المتبدّي في شهاب ، قد منحنا وسيظل طاقة البحث عنه في اللغة المدّونة والموجود المتصور له في الوجود الجديد . علينا قراءة هذه الأسطورة بعد ترجمتها ، حتى نتوصل الى بعض من معانيها التي استعادت شهاب لكينونته وسيظل محصناً بها ، وبالذي أنتجته الأسطورة اليوم من وعي المعيار الذي دائماً ما يتركه الجوهري في غيابه الفيزيائي [ لقد كتب شهاب الردّ المنتظر على رسالتي المطولة الأخيرة ، كتبه باستشهاده الباهر ، وهو رد مفارق يتخطى الحديث وثرثرته ويخطو برصانة الى عالم جليل وغريب لا يشبه شيئاً مما تحفل به اللوحة العراقية حيث الشك والاضطراب والألم ص492 ] . اتجه " الشهاب " مضيئاً باشتغاله الذهبي ، المتماهي مع لون الدم ، نزل نحو طريق لن يكون له طريق غيره ، نحو الأرض وكأن " الشهاب " اختار الأرض / الوجود ثانية بعد اشتعاله بالكامن من الطاقة بجسده ، فأودعها في المكان الذي لا مصير له بعيداً عنه [ بعد هذا الانغمار المكثف في وقائع الموت وأخباره ، يسألني بعضهم أحيانا ، إلا يخاف / الموت ؟ فأجيب ، أنا الوافد أخيرا الى دوّامة العنف المستشري ، اعلم أنني قد أكون هدفاً لقتلة لا اعرفهم ولا أظنهم يبغون ثأراً شخصياً مني ، واعلم أنني أخشى بغريزتي الإنسانية لحظة حين تأتي بالطريقة الشنيعة التي تأتي بها واعلم أنني قبل ذلك كله كثير القلق على مصير أخي ومرافقيّ الذين بملازمتهم لي في سكوني وحركتي يجازفون بحياتهم وحياة عوائلهم ص339] [ طارد " شهاب " الضوء طاوياً الزمن ] كما قال الشاعر ترانسترومر ، عاد الشهابي الى الأرض استعارة ليحط فوق مكان عاد إليه كائناً من طراز خاص ، هو طراز الإنسان الشبيه بالشعاع كما قال شاتوبريان ] . لم يكن المتحقق في العراق مثيراً لمخاوف شهاب ، ولم يفزعه الموت ، لأنه مستهدف من قبل القتلة ، الذين يراهم يقتربون منه ، لأنه اقتنع بمقولة بيير بورديو ان النهاية حاصلة في الحاضر . لقد غابت الأنا النيتشوية / الجسد ، لكن أمثولته السرية باقية وحاضرة . عاد الشهاب طافراً من وهم المنفى الى العراق ، الحقيقة الوحيدة ، عاد للعيش وسط الجماعة المؤهلة لإنتاج وتصحيح تاريخها ، احترق الشهاب وتكشفت أمثولته السرية عبر تجدد انبعاثه مثل الفينيق ، وطائر السيمرغ في منطق الطير لفريد الدين العطار الذي انفرد أخيراً بقيادة الثلاثين طيراً ، وكان ـ السيمرغ ـ ثلاثين طيراً وبالعكس ، هذا العدد هو خلاصة لما موجود في الكون الصوفي.