متطلبات السعادة عند أبيقور



لمحة عن فيلسوف يوناني قديم:

- ولد أبيقور عام 341 ق.م في جزيرة ساموس.

- اهتم بالفلسفة باكراً وسافر في عمر الرابعة عشرة لحضور دورس الفلسفة.

- قيل أنه ألف 300 كتاب في الحب والموسيقا والحياة والطبيعة ولكن لم يصلنا سوى شذرات قليلة منها.

- تتميز فلسفة أبيقور بتأكيده على أهمية اللذة الحسية، إذ يؤكد أن "اللذة هي منطلق وغاية الحياة السعيدة"، فحتى الفلسفة بالنسبة له ليست سوى دليل إلى اللذة:

"الإنسان الذي يدّعي عدم استعداده للفلسفة بعد، أو أن الوقت قد فات على هذا، يشبه الذي يقول إنه صغير جداً أو كبير جداً على السعادة".

فلسفة أبيقور لخدمة سياسية الإنفاق:

- كثيراً ما تم تشويه فلسفة أبيقور واتهامه بالسعي وراء حياة اللذة والترف والحياة الباذخة، وحتى بعد قرون عدة بقى اسم أبيقور مستخدماً في الدعاية للحياة المترفة الباذخة ووسائل الترفيه وكماليات الحياة.

- حتى أن اسم أبيقور قد دخل في كثير من اللغات للدلالة على من يهتم بمنفعته الشخصية، ففي قاموس أوكسفورد "أبيقوري: هو الشغوف بالسعي وراء اللذة، أي، المترف، الشهواني، الشره".

فلسفة اللذة عند أبيقور:

بينما كان واجب الفلسفة بحسب أبيقور ، مساعدتنا على تأويل نوبات اليأس والرغبة الغامضة التي تعترينا، وبذا تنقذنا من النماذج الخاطئة للسعادة. لذا علينا قبل أن نجيب عن سؤال "ما الذي يجعلني سعيداً؟" أن نعمد لتمحيص عقلانية رغباتنا: هل هي مال أكثر، إجازات أكثر، منزل كبير، طاولة من خشب السنديان.. الخ وقبل أن نضع هذه اللائحة من شروطنا للسعادة، علينا أن نطبق منهج سقراط في تقييم التعريفات الأخلاقية، وبهذا ستقوم الفلسفة بإرشادنا إلى علاجات أرقى، وإلى السعادة الحقة. "فكما لا يكون للطب أي نفع عندما لا يتخلص من العلة الجسدية، ستكون الفلسفة غير ذات نفع إن لم تتخلص من معاناة العقل".

اللذة كما عاشها أبيقور في حياته:

قد يصدم من أساء فهم فلسفة أبيقور المعروف بفيلسوف اللذة، عندما يعلم أنه لم يكن يملك منزلاً كبيراً وكان طعامه بسيطاً، يشرب الماء لا الخمر، ويستمتع بعشاء من الخبز والخضار وبضع زيتونات. أما اللذة التي توصل إليها والتي من شأنها أن تجعل الحياة ممتعة حقاً فهي لا تحتاج إلى دخل مالي كبير لحسن الحظ..

السعادة، لائحة ممتلكات أبيقورية:

1- الصداقة

في سن الخامسة والثلاثين جهّز أبيقور منزلاً كبيراً ليسكن فيه مع مجموعة أصدقاء، حيث يحظى كل منهم بغرفة خاصة وهناك غرفة مشتركة لتناول الطعام وتبادل الأحاديث. 

يقول أبيقور: "من بين جميع الأشياء التي تمنحها الحكمة لتساعد المرء على عيش حياة كاملة مليئة بالسعادة، يعتبر امتلاك الأصدقاء أعظمها على الإطلاق". كان ولاء أبيقور للرفقة الودودة، لذا أوصى أن على المرء أن يحاول أن لا يأكل بمفرده أبداً: "قبل أن تأكل أو تشرب أي شيء، فكّر ملياً بمن ستأكل وتشرب معه لا بما ستأكله أو تشربه: إذ إن تناول الطعام من دون رفيق يشبه حياة الأسد أو الذئب".

لن نكون موجودين ما لم يكن ثمة أحد يرى أننا موجودون، وما نقوله لا معنى له ما لم يفهمه أحد، وأن نكون محاطين بأصدقاء يعني حتماً تأكيداً لهويتنا.. أكّد أبيقور أن مجموعة صغيرة من الأصدقاء الحقيقيين قد تمنحنا الحب والاحترام اللذين قد تعجز الثروة عن منحهما.

2- الحرية

قام أبيقور وأصدقاؤه بمبادرة راديكالية ثانية. كي لا يضطروا للعمل لدى أناس لا يستسيغونهم، ومواجهة نزوات مهينة محتملة، اشتروا حديقة قرب منزلهم وزرعوا أصنافاً متنوعة من الخضار لأجل طعامهم. لم يكن نظامهم الغذائي مترفاً أو باهظ التكلفة، ولكنه كان متنوعاً ومغذياً. هكذا يشرح أبيقور "لا يعمد الحكيم إلى انتقاء النوعية الأفضل من الطعام، بل الأكثر لذة".

لا تؤثر البساطة على تقييم الأصدقاء للمكانة لأنهم، عبر إقصاء أنفسهم عن قيم أثينا، أحجموا عن الحكم على أنفسهم تبعاً للأساس المادي. لم تكن ثمة حاجة للشعور بالحرج بسبب الجدران العارية، أو منفعة من التباهي بالذهب. إذ بين مجموعة من الأصدقاء الذين يعيشون خارج نطاق المركز السياسي والاقتصادي للمدينة، لم يكن ثمة أدنى داع للتباهي- بالمعنى المادي.

3- التفكير

عند تدوين مشكلة أو طرحها في حديث، فإننا نبين مظاهرها الجوهرية وعبر إدراك ماهيتها، سنتمكن من إزالة سماتها التفاقمية كالاضطراب والانعزال والمفاجأة. لذلك كان التفكير أهم ما كان أبيقور وأصدقاؤه يمارسونه في حديقة منزلهم. كان أبيقور مهتماً على نحو أساسي بأن يتعلم هو وأصدقاؤه تحليل حالات قلقهم بشأن المال والمرض والموت.. بالطبع، لن تتسبب الثروة ببؤس أي أحد. ولكن أبيقور يرى أننا لو امتلكنا مالاً من دون أصدقاء، أو حرية، أو حياة منظمة، لن نكون سعداء فعلاً. ولو امتلكنا هذه العناصر، مع الافتقار إلى الثروة، لن نكون تعساء أبداً.

يقسم أبيقور حاجاتنا إلى ثلاثة أصناف في ما يخص الرغبات، بعضها طبيعي ولازم. وبعضها الآخر طبيعي وغير لازم. وثمة رغبات ليست طبيعية ولا لازمة:

1- طبيعية ولازمة: الأصدقاء - الحرية - التفكير - الطعام - الملجأ - الملابس

2- طبيعية وغير لازمة: منزل كبير - حمامات خصوصية - ولائم - خدم - سمك - لحم

3- ليست طبيعية ولا لازمة: الشهرة - السلطة

لن يقل إحساسنا بالسعادة مع الإنفاق الأكبر، ولكننا لن نتخطى مستويات السعادة المتوفرة أساساً لذوي الدخل المحدود، يؤكد أبيقور، إذ تقدم الأطباق البسيطة اللذة ذاتها التي تعطيها الطاولة المترفة عندما يتم إقصاء الألم الناجم عن الحاجة.

بالنسبة لأبيقور لا يحتاج الأمر لتجهيزات باهظة للحمام لنسترخي وإنما التفكير هو ما سيمنحنا السكينة. وليست سيارة الجيب ما نبحث عنه وإنما الحرية، ولا فاتح الشهية هو الحل وإنما وجود الأصدقاء. قد تكون السعادة صعبة التحقق. ولكن العقبات ليست مالية على نحو أساسي.

..
من كتاب: "عزاءات الفلسفة" لـ آلان دو بوتون

  • أعجبني
  • تعليق
  • مشاركة
  • 0
  • 0
thumb
مهتم بنشر أهم المراجعات المنشورة في الصحف العربية والعالمية.

جاري التحميل...

بين الكتب والقرّاء


كيف تقرأ أكثر؟

13 أبريل 2018

عزاءات الحب

12 سبتمبر 2016
المزيد »