thumb
قصة / خذيني إلى الخابية /

أمي ! تنهضينَ من منامي ،تقودينَ النهارَ لبابِ الطيور ، تفرُديْنَ كفَّك، يركضُ القمحُ إلى منقارِهِ ، يحطُّ اليمامُ ، تناديك عنـزهٌ رابضةْ ، يخافُ دُوريٌّ ، يقفزُ إلي مكنسة الجنة . أنْتِ خَطُّ حبَّةِ القمح ، افتحُ حلمي ، أتبعُكِ حافياً ، أُمسكُ ثوبَكِ الأسودَ .. الأسود دائماً ، أدْعَكُ عينّي ، أصيحُ : ياما ! : " تاعْ لَ قلبي " تقولين .تحملينني ، أتأملُ وجهَكِ ، أضعُ كَفِّي الصغيرَة على خَدِّكْ ، كأني أتفقُدكِ .كأني أختبَرُ حواسي : أنتِ أنتِ . تبوسينَ يدِيْ أتدلَّلُ ، أسحبُها غاضباً وأنطَمِزُ.تضميِّنني ، تدفعينَ وجهَكِ في صدري ، ثم في بطني " تِقْبر عظامي ! " أرضى و لا أقوْلُ ! أعرفُ إني َأغلى من شَعير الحمار ، وديْكِ الدجاجات ورُقادِ البيضِ على التبِّن ، أعرفُ ولا أقوْلُ !." خُذيني إلى الخابيَةْ " : أمدُّ عُنقي ، أنحني من على صدرِكِ ، أراني في مرايا الماء ، خطوةٌ منْكِ ، انحناءةٌ حانيةْ يسقطُ وجهُكِ صوْبَ الماء ، حيث وجهيَ ، يركضُ غيمٌ ،يتألقُ وجهُكِ ،يضيْعُ بوجهي ، أستردُّ منامي ، تُوَّاثبُ نفسي ، تُشرقُ روحِي ، أشعر أني أشربُكِ ، يضيء قلبي ،يضيءُ بابونجٌ على شفةِ الخابيَةْ ، يميْلُ قليلاً ، يقفزُ في الماء ، أنْتِ بابونجي ،نعنعُ الخابيَةْ ، قطنُ الغيومِ تسْيلُ ، حليبٌ يضيء ، دفءُ عصفورةٍ ، مَحْضُ عصفورةٍ ، ثُغاءُ حَمَلْ ،نافذةٌ في بيضةِ الصُّوص ،حبَّةُ قهوة خَضراء ، خضراءُ نازلة ، شِيْحُ الشتاء ، ثَلْمُ العَدسْ ، دُردار سطح المضافة ... دُخانُ المطحنة في الندى ، عروس زيْتٍ و زِعتر ، منقَارُ حَجَلَةْ ، زلالُ البيضِ على ذراعي المكسورة ، أوَّلُ " ثابر " على جلاء المدرسة ، خَطُّ حَّبةِ القمح ، رائحة الكِلْس المذاب قَبْلَ يرتدي جدرانهُ ، آثار القماش الأبيض على وَجْهِ الجبنة .. غربَال يهتزُّ ، دَلْوُ البئر الطافح ، قنينةُ زيْت في الشمس ، حُمُّصُ أسناني المسْلوق .. أرزٌ يطير فوق عُرْسي ، بذرةُ أكدنيا ، نبعٌ يفرُّ ، ظِلُّ صفصافةٍ في الساقيةِ ، زغبُ السفرجل ، جَدْيٌ يسنَحُ ، قُبَّرةْ ، نبيذُ الفَجْرْ ، كَفٌّ على قنطرة المزار ، لثغتي ، شفَةُ ناي ..كَمَأَةْ ،خَطُّ حبَّةِ القمح ، جَلُّ البُطمِ ن تلفُّتُ مُهْرة ، أنتِ أنتِ ن خذيني إلى الخابية ، أعْيِدي إليَّ منامي ، ضَعي كفاً أزرقَ في سريري ، ازرعي لي حَبَقْ، أريْدُ عروساً بزيتٍ وزعتر، احكِ لي حكاية الطير الأخضر ، غنِّي لي : يا كسَّار الزبادي ، ادْعي لي ، خذيني إلى الخابية وادْعيلي، بوسيني على مرأىً من الماء ،أعيْدي إليَّ منامي .... ياما ااا


thumb
قصة / أنا وخالي وفيثاغورس

وأنا أطالعُ أقوال فيثاغورس نقلتُ هذه العبارة إلى دفتري :

( يجبُ إحترام آلهة الأوليمب
ليس لأنها موجودة حقا
أو أنها وُجدتْ أصلا
بل لأن عبادتها عُينتْ بالقانون )

تأملتُ في هذه الكلمات وأنا أتذكر حكايا خالي ، وعلى الأخص حكاية أم علي الحصين ، التي هي أنثى الثعلب في قاموس خالي . كنا في مضافة ناهي ، وكان الحديث عن الشعائر الدينية
( خالي يقول : شعاير ) . قال معضاد إن طقوسا لدى بعض الشعوب يراها ، يعني معضاد ، غريبة ومضحكة . ردَّ خالي طرف الشماغ وأدخله تحت العقال .. تنحنحَ وإعتدلَ في جلسته .. فهِمْنا أنه سيحكي لنا حكاية فصمتنا جميعا . كان خالي يطارد الأعشابَ الطبية بين رجوم المقرونَين عندما سمع آذان المغرب . تمتمَ بعض الأدعية ومشى إلى بِركَة الماء الصخرية ، توضأ .. وعندما شمَّر للصلاة سمعَ حركةً قريبة ، نظر أمامه فرأى ثعلبا صغيرا على مرمى حجر ، تابعَ صلاته ولم يكترث ، غير إن الثعلب الصغير وقف على قائمتيه الخلفيتين وراح يقلدُ خالي . عند هذه اللحظة نهض خالي ووقف وسط المضافة وأعاد تمثيل المشهد ، وإذْ بدأ يقلد الثعلب تعالت ضحكات الجميع . الثعلب أربكَ خالي ، وكاد أن يشوش عليه صلاته لولا أن أم الثعلب ظهرتْ فجأة : إقتربتْ من جَروها الصغير وراحت تدفعُهُ برأسها محاولة إبعاده ، لكن الصغير رفض الإنصياع لأوامر أمه حاولتْ مرة ، مرتين .. والصغير يرفض الإنسحاب من اللعبة ..فلجأتْ إلى أسلوب آخر : فتحَتْ حلقَها وحملته بأسنانها من رقبته وإبتعدَتْ به . وأضافَ خالي :
" .. آمنتُ بالله .. حتى أم علي الحصين بْ تحترم شعاير الناس ! .. " .


thumb
كانوا يقطعون الليل في مضافة ناهي،وكان فضلو يقول إنه بينما كان يقتلع الشِّيحَ والجِزْل في رُقَّة المقرونين،إقتربَ من الرسم الغربي ووقف في ظل رجمة العبد كي يبول،رأى رجُلاً يتربع وسط دائرة الرسم ويلتهمُ عروق كزبرة،وإذ حَلَّ دكَّة شرواله رفع الرجل رأسه وسألَه : دخان! معك دخان؟.. رمى له العلبة المفضضة وابتعد قليلا وبَال.عاد ليأخذ علبته فباغتَه الرجل:لا أعرف كيف ألفُّها! وطوح له بالعلبة.التقط فضلو العلبة في الهواء ولفَّ له سيجارة .نهض الرجل ليأخذها : مَدَّ ذراعَه فوق حائط الرسم،فلاحظ فضلو أن يدَ الرجل تنتهي بأظلاف كتلك التي للماعز،فقاطعه نصار:لفّها ولك فضلو ! وقال مزعل ابن بندر: "الجنّي اللّي في رجمة العبد هو ابن هارات" فلم يعلِّق أحدٌ،وتظاهر ناهي بأنه لم يسمع،ورمقَ متروك عطا ابنَ جُرْهُمْ بطرف عينه،وإذ دخلَ برجاسُ نهضوا جميعاً ووقفوا صامتين.
بدأ الحصَاد،ونصب جرهم خيمةً في السهل.في اليوم السابع ارتعشتْ أمامَه عروقُ الشعير،ثم ماجتْ واضطربت،ظن أنها زوبعة عابرة،لكن حَيَّةً حمراءَ اندفعتْ أمامه في حركة مباغتة،ثم ذهل وهو يرى ثعباناً أسودَ يطاردها في ضراوة.دارا،رعَّشا زروعَ السهل،اشتبكا والتفَّا،انجدلا أمام عينيه ما يوحي بمعركة عاتية ، التقط حجَراً صلداً ملئ كفِّهِ،فانسَلَّتْ الحيةُ مبتعدةً تجاه رجمة العبد،التفَّ الثعبانُ لاصفا ومرعباً واندفع خلْفَها،وإذ رفعَ رأسه المتَّقد فوق حجارة الحدّ،ضربَهُ جُرهم بكل ما أوتي من رعب فرضَخَ رأسَه. استجمع شجاعتَه،دَقَّ عنقَ الثعبان وهو يرتجفُ ويرى إليه كيف يتقلصُ، ثم يتجمَّعُ أقواسا غليظة ،ويمُوْرُ،ويترعَّشُ.
بعد ساعة،وصل ابنُهُ اسماعيل يحمل الزوادة وقربةَ ماء،وركض الطفل كي يتفرج على الحنَش الذبيح.سأل أباه : وين؟. "قدامك عند القعقور" ردَّ جرهم.أشار الطفل بيده الصغيرة غاضباً: ما في شي!.نهض جرهم وهو يمضغ، فلم يجد للثعبان أثراً.توقف عن المضغ وأطرَقَ مفكراً،لفظ نواة التمر في كفِّه.وينو؟أعاد الطفل سؤاله. الله أعلم. تمتمَ جرهم.
توسل اسماعيل إلى أبيه أن يسمح له بالمبيت في الخيمة كي يتفرج على النجوم وهي تهوي حاملةً أعمارَ الناس،لكن جرهم توجَّسَ أمراً مريباًولا يريد لابنه أن يبيتَ معه في السهل. قال :
"يالله ياروحي ..ارجع ع البلد ..يالله مثل الذيب " . عاد اسماعيل تجاه تل صعد والغسقُ يذهِّبُ الغيوم فوق وادي اليرموك.رآهُ جرهم وهو يبتعد ويتلهَّى،مرَّةً يضربُ حجَراً على قطاة عالية،ومرَّةً يتربَّصُ بالجنادب قبل وثوبها.وإذ تلألأتْ نجمةُ الصبح،شَعَرَ جرهم كأن صوتاً يناديه،نهض على عجل،فرأى رجالاً في زيِّ عسكري مهيب ينتظرونه قدام الخيمة صامتين.تحرك قائدهم تجاه رجمة العبد في رُقَّة المقرونين، فهِمَ جُرهم أن عليه أن يتبعه،وخُيِّلَ إليه أنه في موكب،وأن الجنود الأربعة الآخرين يسيرون خلفه.وما إن فكَّرَ أن يرفع قدَمَهُ ويمشي، ارتفعَ في الهواء ،حَلَّقَ،ثم حَطَّ كما الطائر بين رجمة العبد وصخرة العيُّوطة.كان تحليقُه رشيقا كالنسائم،وجسدُهُ خفيفاً كالبهجة،وكان ضوء القمر يفضض صمتَ الرُّقة،حتى أن جرهم ميَّزَ عروق الدردار من عروق الهندباء،ورأى التماعَ دلوٍ معدني مقلوب.دخل قائدهم في صخرة العيوطة،دخل من صفحتها الجنوبية،الملساء،السوداء واللاصفة،ودخل جرهم خلفه،فانفتح المشهد على قصر ملكي لألاء،يتوهج فيه الذهب،وتنسرب في ثناياه إشراقاتُ نور شفيف،وبهاءٌ آسِرٌ.ثم في رهبة،جلس ملك في يده صولجان على عرش مهيب.لمحَ جرهم،في ركن من القاعة الفسيحة،رجلا أسودَ مُسَجَّى،طويلا وقويَّ البنية،ورأسه معصوبة بالأبيض،ربما كان شاشاً أبيضَ،ثم أحسَّ بسخونة مباغتة بين عينيه،كأن أحداً يسلط على جبهته شعاعاً وهَّاجاً،أدار وجهَه:ثمة امرأةٌ تنظر إليه،إلى عينيه خاصة، إنها واقفة قرب المسَجَّى في صمت،وإنها ناحلة متَّشحة بالبنفسج،أو القرمزي المعتم،اللون الذي يجتذبُ حديثي النعمة،وإنها تنظر في عيني جرهم. " رامِنْ " .. نطقَ الملك . ارتعش جرهم ودخلتْ صبيةٌ كأنه الإشراقة وجلستْ عن يسار الملك.لاحظ جرهم أنها فتية،يضوعُ جسدُها ندىً،ويتفتَّحُ صِباً،ويُشعُّ بابونجاً..وأحسَّ أن روحَهُ انخطافُ سنونو ، تئن ،وتندلقُ على خصرها،وسمعَ الهواءَ يتعذَّبُ ،ويتأنَّثُ في حضورها ،ويصرخ في حضرتها: شذا استبد... شذا استبد . ارتفعَتْ جثةُ المسجَّى قليلاً في الهواء،ورآها جرهم تتقدم كأنما تحملُها رافعةٌ غير مرئية،وظلتْ عالقة في الهواء قدام الملك،وران صمتٌ . هارات ! .. نطق الملك وارتجفتْ الجثة :
.
كنتَ مارقاً من المرَدَة فجعلتُكَ حاملَ الصولجان
ظلَّلْتُكَ مثلما ظلل الحَوْرُ الهندباء
فتطاولتَ كي تشربَ رامن ، سيدتَكَ ، ابنتي، الأميرة رامن
عُدْ إلى عماء الهيولى
وطاجن طين الطَّارة
ترمَّدْ كي يبولَ فوقكَ أبناءُ الناس : رِضْمْ .. رِضْمْ
.
جرهم الذي لا يعرف القراءة،قال هذه الكلمات بلا خطأ، كأنه يحفظها ،أو حُفِّظَها ،حكاها قبل عشرين عاماً في مضافة القميزي بوغنام بحضور برجاس( وقال يومها:يلعن والدي إذا كنتُ أكذب .فقلنا له:إنت كبير القدْر ) وأوضحَ برجاس أن الجثة ذابت ما إن نطقَ الملكُ " رِضْمْ " .ورأى جرهم حجرين واقفين في الهواء،في الحيِّز الذي كانت تشْغَلُهُ الجثة،الأول كرأس جَدْي،والثاني بحجم الصَّاع،فاقشعرَّ بَدَنُهُ:لقد حمَلَ الحجرَ ذاتَه بيديه الإثنتين ودَقَّ عنقَ الثعبان على حجارة الحدّ.شعَّتْ بقعة هواء مقابل الحجرين،وانبثقتْ قطعةُ ذهب دائرية،لصَفَتْ ووقفتْ في الهواء،تبعَتْها قطعٌ أخرى،راحت تدوْرُ وتحطُّ فوق سابقاتها،مكوِّنةً عاموداً،يرتفع ويتنامى،إلى أن ارتعَشَ الحجران،وارتفعا قليلاً،كأن ميزاناً ترْجَحُ منه كَفَّةٌ على أخرى،فهِمَ جرهم أن الذهبَ له .. ووجَدَ نفسَه قدام الخيمة،وفي يدِهِ كيسُ خام أسمرَ ، كالصُّرَّة. تذكَّرَ ما سمعَه عن قابلة صُعُدْ ، يوم جاءتها امراةٌ غريبةٌ وطلبتْ إليها أن تساعدَها لأن " حرمة تعَسَّرتْ ولادتُها " . قادتْها الغريبةُ إلى خربة كايد،دخلتْ في الجدار الحجري الأسود ذي المدماكين،ودخلتْ أم خليل الدَّاي وراءها.رأتْ نسوةً يتحلَّقن حول امراةٍ في المخاض ." زيحوا هيك " قالت بلهجة آمرَة،فنهضن مذعورات في قفزات أقرب إلى النط.ألقَتْ نظرةً فاحصة على الولاّدة ففهمت أن في بطنها توأماً،قالت لها: " قومي" فتقاعسَتْ المرأة.صرخت ام خليل في وجهها: "قومي .. فزِّي! " خافت المرأة ووقفت وهي تئن،فزجرتْها ام خليل : " بدِّيش إسمع صوتِكْ " فأخرستْها.أخرجَتْ المولود الأول الذي كان رأسُه متقدما،وتطلَّبَ إخراجُ الثاني جهداً أكبَرَ .. إنهما ذَكَران صغيران . نهضتْ النسوة وشكرنَ أمَّ خليل ثم اقتربَتْ إحداهن وفي يدها طاسةُ نحاس مملوءة بقطع برَّاقة .رفعتْ أمُّ خليل طرفَ إزارِها الجورسيه المعرَّق فأفرغتْ المرأة طاستَها في الإزار.اتَّجَهَتْ ام خليل نحو الباب،وأوشكَتْ أن تُدْخِلَ قدَمَها في حذائها،فإذا بأحد الوليدين يضع قدميه في فردَتي الحذاء ويركض بهما،فانعقدَ لسانُها ،ثم ركض الوليد الثاني ودَسَّ قدميه في الحذاء،صارا متخالفين،ظهْرُ أحدهما للآخر،وراحا يتدافعان بالأكواع،ويتجاذبان الحذاء،ثم قفز أحدهما وتسلَّقَ كتفَ أم خليل،نظرَ إلى طربوش المخمل الأحمر تحت غطاء رأسها،رفعه قليلاً وتأمَّله،ثم أعادَه ووضعه على رأسها وأخذ يطبطب عليه بكفيه الصغيرين كأنه دربَكَّة.قفز أخوه إلى الكتف الثاني،وصار يتفرَّجُ على وجْه أم خليل،ثم حشر إصبعَهُ في أذنها وهمسَ لها:درَّاقة! . صمت قليلاً وأضاف:سفرجَلة! ..والحقيقة فإن اسمَ أم خليل : تفاحة !. ويبدو أن الصغير قد أخطأ في الصورة البصرية،الصورة المتحرِّضَة من أفكار أم خليل .الأفكار التي يتلقَّاها الجنُّ،على شكل صورة،من دماغ الكائن البشري ما إن يهجس بها .همسَ الوليد الأولُ:وحواحَة! ..ولا شك أنه عرف اسمَها بدقَّة،لكنه أراد أن يدلِّعَها،وقد نطقَ بذلك تحبُّباً.نهضت الأم شبه عارية،فانزلق الصغيران عن كتفي أم خليل وركضا إليها.ورأتْ أم خليل كيف يرتقي كلٌ منهما في الهواء،مرفرفاً بأطرافه كطائر الطنَّان،ويرضع.فكَّرتْ أن تترك حذاءها وتخرج حافية،لكنها لم تكن قادرة على تنفيذ هاجسِها،كانت مُسَرْنمَة،مثلما نهربُ،في نومنا،من ذئب.وهي،أم خليل،مِثْلُنا جميعا، تعرفُ أنه يكفي أن تنطقَ: بسم الله الرحمن الرحيم كي تُفْلِتَ من هذه الدوَّامة،لكنها مشوشة،تختلط الكلمات في رأسها وتدور،ولا تستطيع التقاط مفردة واحدة،أحسَّت بعجزها،ووهن قواها،وتلاشي نفسها.باغتَها شيءٌ كالنعاس،انحبسَتْ انفاسُها،رأتْ بياضاً لا حدودَ،ولا قرارَ،ولا انتهاءَ له،وجدتْ نفسها ترفُّ في العدم.وإزاء هذا الحصار المطبق،والمباغت لروحها،انتفضَتْ وصرخَتْ: " يا مولاي العقل" .كان صوتها يطنُّ في أذنيها لحظةَ فتحَتْ عينيه،غير أن صوتَها لم يخرجْ،أبداً،خارج حلقِها.قالت كالغرقى :" لا إله إلا أنت سبحانك " فوجَدَتْ نفسَها قدام دارها،في الزقاق الضيِّق الذي يفصِلُ الدارَ عن بِرْكة الحجيج .الركة الرومانية ذات الأدراج المنحوتة.وقفت تحت القنطرة ذاهلة،انتبهت لإزارها،نظرتْ فيه،رأت ما يشبه قشور بصل.أفرغتْ إزارَها في الزقاق وركضت إلى البيت الغربي،حيث كان أبوخليل والأولاد يغطون في النوم.عندما نهضت في الصباح فكَّتْ إزارها قرب الباب،فوقعتْ ليرةٌ ذهبيةٌ لاصفة،ورَنَّتْ على حجر العتبة.حارت.فكرتْ قليلاً ثم ركضتْ إلى الزقاق : رأتْ لصخات روث طريَّة ، وديكاً يَلُمُّ بدجاجة.
( من رواية خفة أنجم )

thumb
كانوا يقطعون الليل في مضافة ناهي،وكان فضلو يقول إنه بينما كان يقتلع الشِّيحَ والجِزْل في رُقَّة المقرونين،إقتربَ من الرسم الغربي ووقف في ظل رجمة العبد كي يبول،رأى رجُلاً يتربع وسط دائرة الرسم ويلتهمُ عروق كزبرة،وإذ حَلَّ دكَّة شرواله رفع الرجل رأسه وسألَه : دخان! معك دخان؟.. رمى له العلبة المفضضة وابتعد قليلا وبَال.عاد ليأخذ علبته فباغتَه الرجل:لا أعرف كيف ألفُّها! وطوح له بالعلبة.التقط فضلو العلبة في الهواء ولفَّ له سيجارة .نهض الرجل ليأخذها : مَدَّ ذراعَه فوق حائط الرسم،فلاحظ فضلو أن يدَ الرجل تنتهي بأظلاف كتلك التي للماعز،فقاطعه نصار:لفّها ولك فضلو ! وقال مزعل ابن بندر: "الجنّي اللّي في رجمة العبد هو ابن هارات" فلم يعلِّق أحدٌ،وتظاهر ناهي بأنه لم يسمع،ورمقَ متروك عطا ابنَ جُرْهُمْ بطرف عينه،وإذ دخلَ برجاسُ نهضوا جميعاً ووقفوا صامتين.
بدأ الحصَاد،ونصب جرهم خيمةً في السهل.في اليوم السابع ارتعشتْ أمامَه عروقُ الشعير،ثم ماجتْ واضطربت،ظن أنها زوبعة عابرة،لكن حَيَّةً حمراءَ اندفعتْ أمامه في حركة مباغتة،ثم ذهل وهو يرى ثعباناً أسودَ يطاردها في ضراوة.دارا،رعَّشا زروعَ السهل،اشتبكا والتفَّا،انجدلا أمام عينيه ما يوحي بمعركة عاتية ، التقط حجَراً صلداً ملئ كفِّهِ،فانسَلَّتْ الحيةُ مبتعدةً تجاه رجمة العبد،التفَّ الثعبانُ لاصفا ومرعباً واندفع خلْفَها،وإذ رفعَ رأسه المتَّقد فوق حجارة الحدّ،ضربَهُ جُرهم بكل ما أوتي من رعب فرضَخَ رأسَه. استجمع شجاعتَه،دَقَّ عنقَ الثعبان وهو يرتجفُ ويرى إليه كيف يتقلصُ، ثم يتجمَّعُ أقواسا غليظة ،ويمُوْرُ،ويترعَّشُ.
بعد ساعة،وصل ابنُهُ اسماعيل يحمل الزوادة وقربةَ ماء،وركض الطفل كي يتفرج على الحنَش الذبيح.سأل أباه : وين؟. "قدامك عند القعقور" ردَّ جرهم.أشار الطفل بيده الصغيرة غاضباً: ما في شي!.نهض جرهم وهو يمضغ، فلم يجد للثعبان أثراً.توقف عن المضغ وأطرَقَ مفكراً،لفظ نواة التمر في كفِّه.وينو؟أعاد الطفل سؤاله. الله أعلم. تمتمَ جرهم.
توسل اسماعيل إلى أبيه أن يسمح له بالمبيت في الخيمة كي يتفرج على النجوم وهي تهوي حاملةً أعمارَ الناس،لكن جرهم توجَّسَ أمراً مريباًولا يريد لابنه أن يبيتَ معه في السهل. قال :
"يالله ياروحي ..ارجع ع البلد ..يالله مثل الذيب " . عاد اسماعيل تجاه تل صعد والغسقُ يذهِّبُ الغيوم فوق وادي اليرموك.رآهُ جرهم وهو يبتعد ويتلهَّى،مرَّةً يضربُ حجَراً على قطاة عالية،ومرَّةً يتربَّصُ بالجنادب قبل وثوبها.وإذ تلألأتْ نجمةُ الصبح،شَعَرَ جرهم كأن صوتاً يناديه،نهض على عجل،فرأى رجالاً في زيِّ عسكري مهيب ينتظرونه قدام الخيمة صامتين.تحرك قائدهم تجاه رجمة العبد في رُقَّة المقرونين، فهِمَ جُرهم أن عليه أن يتبعه،وخُيِّلَ إليه أنه في موكب،وأن الجنود الأربعة الآخرين يسيرون خلفه.وما إن فكَّرَ أن يرفع قدَمَهُ ويمشي، ارتفعَ في الهواء ،حَلَّقَ،ثم حَطَّ كما الطائر بين رجمة العبد وصخرة العيُّوطة.كان تحليقُه رشيقا كالنسائم،وجسدُهُ خفيفاً كالبهجة،وكان ضوء القمر يفضض صمتَ الرُّقة،حتى أن جرهم ميَّزَ عروق الدردار من عروق الهندباء،ورأى التماعَ دلوٍ معدني مقلوب.دخل قائدهم في صخرة العيوطة،دخل من صفحتها الجنوبية،الملساء،السوداء واللاصفة،ودخل جرهم خلفه،فانفتح المشهد على قصر ملكي لألاء،يتوهج فيه الذهب،وتنسرب في ثناياه إشراقاتُ نور شفيف،وبهاءٌ آسِرٌ.ثم في رهبة،جلس ملك في يده صولجان على عرش مهيب.لمحَ جرهم،في ركن من القاعة الفسيحة،رجلا أسودَ مُسَجَّى،طويلا وقويَّ البنية،ورأسه معصوبة بالأبيض،ربما كان شاشاً أبيضَ،ثم أحسَّ بسخونة مباغتة بين عينيه،كأن أحداً يسلط على جبهته شعاعاً وهَّاجاً،أدار وجهَه:ثمة امرأةٌ تنظر إليه،إلى عينيه خاصة، إنها واقفة قرب المسَجَّى في صمت،وإنها ناحلة متَّشحة بالبنفسج،أو القرمزي المعتم،اللون الذي يجتذبُ حديثي النعمة،وإنها تنظر في عيني جرهم. " رامِنْ " .. نطقَ الملك . ارتعش جرهم ودخلتْ صبيةٌ كأنه الإشراقة وجلستْ عن يسار الملك.لاحظ جرهم أنها فتية،يضوعُ جسدُها ندىً،ويتفتَّحُ صِباً،ويُشعُّ بابونجاً..وأحسَّ أن روحَهُ انخطافُ سنونو ، تئن ،وتندلقُ على خصرها،وسمعَ الهواءَ يتعذَّبُ ،ويتأنَّثُ في حضورها ،ويصرخ في حضرتها: شذا استبد... شذا استبد . ارتفعَتْ جثةُ المسجَّى قليلاً في الهواء،ورآها جرهم تتقدم كأنما تحملُها رافعةٌ غير مرئية،وظلتْ عالقة في الهواء قدام الملك،وران صمتٌ .
هارات ! .. نطق الملك وارتجفتْ الجثة :

كنتَ مارقاً من المرَدَة فجعلتُكَ حاملَ الصولجان
ظلَّلْتُكَ مثلما ظلل الحَوْرُ الهندباء
فتطاولتَ كي تشربَ رامن ، سيدتَكَ ، ابنتي، الأميرة رامن
عُدْ إلى عماء الهيولى
وطاجن طين الطَّارة
ترمَّدْ كي يبولَ فوقكَ أبناءُ الناس : رِضْمْ .. رِضْمْ

جرهم الذي لا يعرف القراءة،قال هذه الكلمات بلا خطأ، كأنه يحفظها ،أو حُفِّظَها ،حكاها قبل عشرين عاماً في مضافة القميزي بوغنام بحضور برجاس( وقال يومها:يلعن والدي إذا كنتُ أكذب .فقلنا له:إنت كبير القدْر ) وأوضحَ برجاس أن الجثة ذابت ما إن نطقَ الملكُ " رِضْمْ " .ورأى جرهم حجرين واقفين في الهواء،في الحيِّز الذي كانت تشْغَلُهُ الجثة،الأول كرأس جَدْي،والثاني بحجم الصَّاع،فاقشعرَّ بَدَنُهُ:لقد حمَلَ الحجرَ ذاتَه بيديه الإثنتين ودَقَّ عنقَ الثعبان على حجارة الحدّ.شعَّتْ بقعة هواء مقابل الحجرين،وانبثقتْ قطعةُ ذهب دائرية،لصَفَتْ ووقفتْ في الهواء،تبعَتْها قطعٌ أخرى،راحت تدوْرُ وتحطُّ فوق سابقاتها،مكوِّنةً عاموداً،يرتفع ويتنامى،إلى أن ارتعَشَ الحجران،وارتفعا قليلاً،كأن ميزاناً ترْجَحُ منه كَفَّةٌ على أخرى،فهِمَ جرهم أن الذهبَ له .. ووجَدَ نفسَه قدام الخيمة،وفي يدِهِ كيسُ خام أسمرَ ، كالصُّرَّة. تذكَّرَ ما سمعَه عن قابلة صُعُدْ ، يوم جاءتها امراةٌ غريبةٌ وطلبتْ إليها أن تساعدَها لأن " حرمة تعَسَّرتْ ولادتُها " . قادتْها الغريبةُ إلى خربة كايد،دخلتْ في الجدار الحجري الأسود ذي المدماكين،ودخلتْ أم خليل الدَّاي وراءها.رأتْ نسوةً يتحلَّقن حول امراةٍ في المخاض ." زيحوا هيك " قالت بلهجة آمرَة،فنهضن مذعورات في قفزات أقرب إلى النط.ألقَتْ نظرةً فاحصة على الولاّدة ففهمت أن في بطنها توأماً،قالت لها: " قومي" فتقاعسَتْ المرأة.صرخت ام خليل في وجهها: "قومي .. فزِّي! " خافت المرأة ووقفت وهي تئن،فزجرتْها ام خليل : " بدِّيش إسمع صوتِكْ " فأخرستْها.أخرجَتْ المولود الأول الذي كان رأسُه متقدما،وتطلَّبَ إخراجُ الثاني جهداً أكبَرَ .. إنهما ذَكَران صغيران . نهضتْ النسوة وشكرنَ أمَّ خليل ثم اقتربَتْ إحداهن وفي يدها طاسةُ نحاس مملوءة بقطع برَّاقة .رفعتْ أمُّ خليل طرفَ إزارِها الجورسيه المعرَّق فأفرغتْ المرأة طاستَها في الإزار.اتَّجَهَتْ ام خليل نحو الباب،وأوشكَتْ أن تُدْخِلَ قدَمَها في حذائها،فإذا بأحد الوليدين يضع قدميه في فردَتي الحذاء ويركض بهما،فانعقدَ لسانُها ،ثم ركض الوليد الثاني ودَسَّ قدميه في الحذاء،صارا متخالفين،ظهْرُ أحدهما للآخر،وراحا يتدافعان بالأكواع،ويتجاذبان الحذاء،ثم قفز أحدهما وتسلَّقَ كتفَ أم خليل،نظرَ إلى طربوش المخمل الأحمر تحت غطاء رأسها،رفعه قليلاً وتأمَّله،ثم أعادَه ووضعه على رأسها وأخذ يطبطب عليه بكفيه الصغيرين كأنه دربَكَّة.قفز أخوه إلى الكتف الثاني،وصار يتفرَّجُ على وجْه أم خليل،ثم حشر إصبعَهُ في أذنها وهمسَ لها:درَّاقة! . صمت قليلاً وأضاف:سفرجَلة! ..والحقيقة فإن اسمَ أم خليل : تفاحة !. ويبدو أن الصغير قد أخطأ في الصورة البصرية،الصورة المتحرِّضَة من أفكار أم خليل .الأفكار التي يتلقَّاها الجنُّ،على شكل صورة،من دماغ الكائن البشري ما إن يهجس بها .همسَ الوليد الأولُ:وحواحَة! ..ولا شك أنه عرف اسمَها بدقَّة،لكنه أراد أن يدلِّعَها،وقد نطقَ بذلك تحبُّباً.نهضت الأم شبه عارية،فانزلق الصغيران عن كتفي أم خليل وركضا إليها.ورأتْ أم خليل كيف يرتقي كلٌ منهما في الهواء،مرفرفاً بأطرافه كطائر الطنَّان،ويرضع.فكَّرتْ أن تترك حذاءها وتخرج حافية،لكنها لم تكن قادرة على تنفيذ هاجسِها،كانت مُسَرْنمَة،مثلما نهربُ،في نومنا،من ذئب.وهي،أم خليل،مِثْلُنا جميعا، تعرفُ أنه يكفي أن تنطقَ: بسم الله الرحمن الرحيم كي تُفْلِتَ من هذه الدوَّامة،لكنها مشوشة،تختلط الكلمات في رأسها وتدور،ولا تستطيع التقاط مفردة واحدة،أحسَّت بعجزها،ووهن قواها،وتلاشي نفسها.باغتَها شيءٌ كالنعاس،انحبسَتْ انفاسُها،رأتْ بياضاً لا حدودَ،ولا قرارَ،ولا انتهاءَ له،وجدتْ نفسها ترفُّ في العدم.وإزاء هذا الحصار المطبق،والمباغت لروحها،انتفضَتْ وصرخَتْ: " يا مولاي العقل" .كان صوتها يطنُّ في أذنيها لحظةَ فتحَتْ عينيه،غير أن صوتَها لم يخرجْ،أبداً،خارج حلقِها.قالت كالغرقى :" لا إله إلا أنت سبحانك " فوجَدَتْ نفسَها قدام دارها،في الزقاق الضيِّق الذي يفصِلُ الدارَ عن بِرْكة الحجيج .الركة الرومانية ذات الأدراج المنحوتة.وقفت تحت القنطرة ذاهلة،انتبهت لإزارها،نظرتْ فيه،رأت ما يشبه قشور بصل.أفرغتْ إزارَها في الزقاق وركضت إلى البيت الغربي،حيث كان أبوخليل والأولاد يغطون في النوم.عندما نهضت في الصباح فكَّتْ إزارها قرب الباب،فوقعتْ ليرةٌ ذهبيةٌ لاصفة،ورَنَّتْ على حجر العتبة.حارت.فكرتْ قليلاً ثم ركضتْ إلى الزقاق : رأتْ لصخات روث طريَّة ، وديكاً يَلُمُّ بدجاجة.

thumb
( عن تقمُّصُ ظمياء الطود ، حيواتها السابقة ، كم مَرَّة ماتتْ قتلاً )

.. وكانت تحب الكزبرة ،أضاف برجاس، وكان زوجها ثعلبا في الأناضول،وسلجوقيا أيام المماليك، ودرزيا أيام ديغول ..ومن أسمائها :أروى المعمر،ظمياء الطود،سافو بنت رومولوس ..وكان اسمها لميا بنت العَرَّاد يوم فصلوا رأسها بمنشار بادح .وفي بصرى الشام راودتْ راهبا غنوصيا عشرين عاما، وقد عاشت في شَهبا خمس سنين ثم قتلتها أمُّها ولما تزل طفلة :
رأتها تأكل من طنجرة نحاس ثعابينَ مذبحة، مسلوخة ويكدمُ بعضُها بعضَها.عرفتْ انها هي ، قتلتْها في الليلة ذاتها:خنقتْها وهي نائمة.غير أن برجاس يشك في أن الأمَّ رمَتْ بنتَها في بئر هورا وأنها عادت لتراها أمامها تمضغ الخرُّوب صامتة، ونفى ،في مضافة ناهي،أن يكون المبروكي هو الذي لفَّ أخته في خرقة وتركها للضّباع شرق رُجْمة العبد في رُقَّة المقرونين.لكنه أكد،وهو مَن هو، أن رجمةَ العبد قبرُ جلمود ، أخيها التوأم ، لأن ظمياء الطود ، وفي جميع أجيالها،لم تأت إلى الدنيا وحدها.والجنِّي الذي قُتلَ غيلةً والذي،قيْلَ ،يظهر في الليل، يفردُ عظامَه وينتحبُ ،ثم يهيم بين رجوم المقرونين ..لن يخوض حكايته لأنه ، هو ، برجاسُ، لم يفهمْ ، بعدُ ،الرابطَ بين الحكايتين.فانطلقتْ صيحات الإعجاب من جميع الحاضرين ،قدَّروا تواضعَه،نهض ناهي وقدَّمَ قهوة مُرّة لبرجاس . تناول القهوة ثم هزَّ الفنجان وأعاده .وكي لا يشربَ أحدٌ من الفنجان ذاته بعْدَ برجاس،هوى ناهي بالفنجان على بلاطة الأرض المنحوتة في الصخر،فابتهج الحاضرون لهذا التبجيل،أطبقَ نايف علبة التنباك المفضضة،بلَّلَ الورقة بطرف لسانه ، لفَّ سيجارة وقدمَها لبرجاس ،ونهض فضلو فأولعَها ،ومن باب المضافة المفتوح لاحتْ قناديلُ شهبا كأنها معلقةٌ في الفراغ ، شحَّتْ الكلمات حتى فاض الصمت ، فهُمْ يصمتون إذ يصمتُ ،وهو،برجاسُ،يروي ولا يفسِّرُ،يلفظ الكلمة موجفا قلوبهم ،وإذ يتوتر الإيقاعُ،أو يحتدمُ ،يصمت بَغتةً ،حابسا أنفاسَهم كالطاغية ، شابحاً أرواحهم كالغسيل .

(من رواية : خفة ُ أنجُم )