
محمد في شعر النصارى العرب
تأليف محمد عبد الشافي القوصي
عن الكتاب
لا يزال للشعراء المسيحيين العرب أثرهم الكبير في تاريخ الأدب ،فقصائدهم تعد سجلًا للحوادث التي عاشوها ،كما أنها تمثل دستورا للعلاقات الاجتماعية وغيرها ..خاصة أن المسيحية العربية كانت مسالمة ،لا تحدوها مطامح سلطوية أو مطامع سياسية ،لذلك لم تعش بصفتها أقلية دينية متقوقعة على النفس ومنغلقة على الذات ،بل اندمجت مع المجتمع الإسلامي من حولها ،واحتفظت المسيحية العربية بخواص تميزها عن كافة المسيحيين الآخرين في المجتمعات الأخرى ،فكانت أقرب الفئات روحا وثقافة إلى المسلمين ولها صلات حضارية تفوق ما للفئات المسيحية الأخرى ..فهيأت الطريق في قلوب العرب لقبول الدعوة الإسلامية حتى انتصرت على الوثنية . هذا ،وقد حفل العصر الحديث بعدد وافر من الأدباء والشعراء المسيحيين العرب أمثال :خليل مطران ،وميخائيل نعيمة ،وإيليا أبو ماضي ،والشاعر القروي ،وجبران ،والأخطل الصغير،وجورج صيدح ،وجاك صبري شماس …وغيرهم ممن حملوا على عاتقهم رسالة الأدب والفن الرفيع للدفاع عن مقدرات الأمة الثقافية ،فدافعوا عن لغةالضاد ،وعن أعلام الأمة ورموزها ومقدساتها ،وهانحن نسوق ألوانا من الشعر العذب الذي تغنى به العرب النصارى ،مما يؤكد عروبة هؤلاء وانتمائهم لسيد العرب والعجم محمد صلى الله عليه وسلم انتماء مفاخرة ونسب وحنين منقطع النظير …بهذه الكلمات قدم الكاتب والمفكر محمد عبدالشافي القوصي كتابه “محمد في شعر النصارى العرب” وهو سباحة في عالم الجمال والشعر والمثل العليا التي التقى والتف حولها هؤلاء الشعراء إذ لم يمنعهم دينهم المخالف من رؤية النقلة العظيمة التي حققها النبي صلى الله عليه وسلم للبشرية جمعاء والأثر الأخلاقي والتشريعي الذي قام به الإسلام في مسيرة الحضارة الإنسانية ،وهذه الأسماء الرنانة في عالم الأدب والشعر لا تجد كبير فرق بين ما تقول وبين ما يقوله أبناء ملة الإسلام من شعر لأن الحقيقة ذات اتجاه واحد مهما تعددت أوجه التعبير عنها. فها هو أمير الشعراء / احمد شوقي يدعو في شعره إلي التسامح والمحبة ونبذ الخلافات واحترام الأديان فيقول : الحق أبلج كالصباح لناظر لو أن قوما حكموا الأحلاما اعهدتنا والقبط إلا أمة للأرض واحدة تروم مراما نعلي تعاليم المسيح لأجلهم ويوقرون لأجلنا الإسلاما الدين للديان جل جلاله لو شاء ربك وحد الأقواما يا قوم بان الرشد فاقصوا ما جري وخذوا الحقيقة وانبذوا الأوهاما هذي قبوركم وتلك قبورنا متجاورين جماجما وعظاما فبحرمة الموتي وواجب حقهم عيشوا كما يقضي الجوار كراما • وقد حفظ الشعراء النصارى هذا الواجب خير حفظ ،فها هو الشاعر السوري / عبد الله يوركي حلاق، يقول في مدح الرسول صلي الله عليه وسلم : إني مسيحي أجلُّ محمداً وأراه في سفر العلا عنوانا وأطاطيء الرأس الرفيع لذكر مَن صاغ الحديث وعلم القرآنا إني أباهي بالرسول لأنه صقل النفوس وهذب الوجدانا و يقول الشاعر / جاك شماس في قصيدة له بعنوان ” خاتم الرسل ” : يممت طه المرسل الروحاني ويجل طه الشاعر النصراني يا خاتم الرسل الموشح بالهدي ورسول نبل شامخ البنيان ماذا أسطر في نبوغ محمد قاد السفين بحكمة وأمان أنا يا محمد من سلالة يعرب أهواك دين محبة وتفاني وأزود عنك مولها ومتيماً حتي ولو أجزي بقطع لساني ونذرت روحي للعروبة هائماً بالضاد والإنجيل والقرآن مهما مدحتك يا ” رسول ” فإنكم فوق المديح وفوق كل بيان وهو نفسه القائل مفاخراً بعروبته وحبه للرسول صلي الله عليه وسلم : كحلت شعري بالعروبة والهوي ولأجل طه تفخر الأقلام أودعت روحي في هيام محمد دانت له الأعراب والأعجام وأما الشاعر إلياس قنصل فيعلن غضبه على الأمة التي تنشغل بالاحتفالات والتهاني والمهرجانات ، مع ما هي فيه من الانكسار ، والوقوع في إسار أعدائها ، فيقول : أيقبل بعضنـا بالتهنئـات وموطنـنا المفدى للغزاة ونحن نساق من خطْب لخطب يضج لصفده قلب الصفاة ثم يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم معتذرًا ، مشيدًا بالقرآن ومن جاء به ، فيقول : رسولَ الله : عفوَك ؛ إن عذلي لتنبيه النفوس الغافلات كتـابك زينة الأجيال تزهو بمـعجز آيهِ أمُّ اللغات ودينُك نعمةٌ في الكون ضاءت فنوَّرَت النواحي المظلمات تكرم يا إله العرش واجـعل بلاد العُـرب للعرب الاباة أما الشاعر الشهير إلياس فرحات فيقول في قصيدته : مادحًا ومنبهًا ، ومشيرًا إلى أن الرسول جاء سراجًا منيرًا ظلام الدنيا المدلهم ، ليخرج الأعراب الجفاة من حمأة البداوة والجفاء ، ويطالب بأن يتعرف الناس على الإسلام ، ليتعرف على معالم الدين ، ثم يستصرخ ، ناعيًا التضليل الذي ترتكس فيه الأمة ، والجهل العاتي الذي يكتسحها ، مطالبًا بالعلم والقوة ، حلاًّ لتردي حال الأمة ، فيقول : غَمَرَ الأَرْضَ بِأَنْوَارِ النُّبُـوَّةْ كَوْكَبٌ لَمْ تُدْرِكِ الشَّمْسُ عُلُـوَّهْ لَمْ يَكُدْ يَلْمَعُ حَتَّى أَصْبَحَتْ تَرْقُبُ الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا دُنُـوَّهْ بَيْنَمَا الكَوْنُ ظَلاَمٌ دَامِـسٌ فُتِحَتْ فِي مَكَّةَ لِلنُّورِ كُـوَّةْ وَطَمَى الإِسْلاَمُ بَحْرًا زَاخِرًا بِـأَوَاذِيِّ الْمَعَالِـي وَالفُتُـوَّةْ مَنْ رَأَى الأَعْرَابَ فِي وَثْبَتِهِمْ عَرَفَ البَحْرَ وَلَمْ يَجْهَلْ طُمُـوَّهْ إنَّ فِي الإِسْلاَمِ لِلْعُرْبِ عُلاً إنَّ فِي الإِسْلاَمِ لِلنَّاسِ أُخُـوَّةْ فَادْرُسِ الإِسْلاَمَ يَا جَاهِلَـهُ تَلْقَ بَطْشَ اللهِ فِيهِ وَحُنُـوَّهْ يَا رَسُـولَ اللهِ إِنَّـا أُمَّـةٌ زَجَّهَا التَّضْلِيلُ فِي أَعْمَقِ هُـوَّةْ ذَلِكَ الجَهْلُ الذِي حَارَبْتَـهُ لَمْ يَزَلْ يُظْهِرُ لِلشَّرْقِ عُتُـوَّهْ قُلْ لأَتْبَاعِكَ صَلُّوا وَادْرُسُوا إِنَّمَا الدِّينُ هُدَىً وِالْعِلْمُ قُـوَّةْ وكتب الشاعر المهجري جورج صيدح قصيدة رائعة في مدح النبي باسم :” حراء يثرب” يستنهض فيها الأمة ، مذكرًا إياها بما بعث النبي صلى الله عليه وسلم به من الحمية ، والهمة ، والأنفة ، مشيرًا إلى تدنيس القدس الشريف ؛ حتى إنه ليقتبس آية من القرآن – من سورة الرحمن تبارك وتعالى – يضمنها القصيدة ، فيقول : يا من سريتَ على البراق وجُـزت أشواط العَنان آن الأوان لأن تجـــدّد ليلة المعـراج .. آن عرّج على القدس الشريـف ففيه أقـداسٌ تهـان ماذا دهاهم ؟ هل عصوْك فأصبح الغازي جبـان ؟ أنت الذي علمـتهم دفع المهـانة بالسنـان ونذرت للشهداء جنــات وخـيرات حسـان يـا صاحـبيّ : بأي آلاء الـنبي تكـذبـان ؟! ومن الشعراء المجيدين ، شاعر محب ، منصف ، متفهم ، هو الشاعر المهجري جورج سلستي الذي كان مما كتبه قصيدة : بعنوان ( نجوى الرسول الأعظم ) تموج بالعاطفة والحب ، كأنما كتبت بقلم شاعر مسلم : أقبلتَ كالحق وضّاحَ الأسارير يفيض وجهُك بالنعـماء والنور على جبينك فجرُ الحق منبلجٌ وفي يديك جرت مقاليدُ الأمورِ فرحتَ فينا ، وليل الكفر معتكر تفري بهديك أسداف الدياجير وتمطر البـيد آلاءً وتُمرِعها يمنًا يدوم إلى دهـر الدهاريرِ أبيتَ إلا سموّ الحق حين أبى سواك إلا سموَّ البُطل والزور ِ! ومما جاء في هذه القصيدة أيضًا – وهو ما لا يصرح به الشعراء غير المسلمين عادة – إقراره بنبوة سيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، إذ قال يصف الصحراء العربية التي أطلعت شمس المصطفى عليه الصلاة والسلام : ما أنتِ بالمصطفى يا بيدُ مجدبةً كلا ولا أنتِ يا صحراءُ بالبورِ أطلعتِ من تاهت الدنيا بطلعته ونافستْ فيه حتى موئلَ الحورِ بوركتِ أرضًا تبث الطهرَ تربتُها كالطيبِ .. بثته أفواه القواريرِ الدين ما زال يـزكو في مرابعها والنبل ما انفك فيها جدَّ موفورِ والفضل والحلم والأخلاق ما فتئت تحظى هنـاك بإجلال وتوقيرِ ويعتذر سلستي عن تقصيره في الوفاء بشعره وكلماته القاصرة – من وجهة نظره – في حق النبي صلى الله عليه وسلم ؛ إذ هو عليه الصلاة والسلام ، صاحب البيان الفذ ، ومالك ناصية جوامع الكلم ، وأفصح من نطق الضاد ، فيقول : يا سيـدي يا رسول الله معذرةً إذا كبا فيك تبيـاني وتعبـيري ماذا أوفيك من حق وتكرمةٍ وأنت تعلو على ظني وتقديري ؟! وأنت ربُّ الأداء الفـذ في لغةٍ تشأو اللُّغى حسنَ تنميقٍ وتصويرِ على لسانك ما جن البيان به فذلك الشعر يرنو شبهَ مسحور ! آي من الله .. ما ينفك مُعجزُها يعيي على الدهرِ أعلام التحاريرِ تلوتَها فسرت كالنور مؤتلقًا يطوي الدنا بين مأهولٍ ومهجورِ ! الكتاب زاخر بدرر من الشعر الفريد الثري يألوان التجرد من الهوى والاعتراف الشعري المتجدد القائم على الصياغة الفنية المتألقة والتي أحسن المؤلف اختيار نماذجها وناقشها نقاشا أدبيا وفكريا رائعا ـ كهدنا به ـ، ولكن ما يمكن أن نسميه مفاجاةالكتاب هي قصيدة يعارض فيها الشاعر النصراني: ميخائيــِل ويردي، .. البوصيري في بردته وشوقي في نهج البردة وهي من أجمل المعارضات وأقواها فنا ومعنى منها هذه الأبيات : أنوار هادي الورى في كعبة الحرمِ فاضت على ذكر جيرانٍ بذي سلمِ يا أجمل الخلق سيماء وأظرفهم طبعا وأوفاهم بالعهد والذمم عشقت فيك صفات جل مبدعها كالغيد تفتن لب الشاعر الفهم وحسن شعري بكم من شمسكم قبس والنبع ما سال لولا صيب الديم فإن أجدت بهذا الطل مدحكم فكل معنى بكم كالهاطل العرم صلى الإله على ذكراك ممتدحا حتى تؤم صلاة البعث بالأمم ويتنقل الشاعر في المعارضة وفي وصف النبي صلى الله عليه وسلم بروح رائعة وإتقان مما جعل الكاتب يطيل حولها النقاش ،هذه القصيدة ومعها النقاش الذي حوله أظنك شغوف لقراءته ..إذن فعليك بالطبعة الجديدة للكتاب التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في سفر كبير يظهر التسامح المفقود ،والجمال الغائب والعقل الواعي الفاهم.
عن المؤلف
كاتب صحفي، وباحث، وأديب، ومترجم.عضو اتحاد كتَّاب مصر. عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية. وعضو رابطة الأدب الحديث بالقاهرة. عمل في كثير من الصحف العربية والأجنبية. له حوالي (ثلاثين كتاباً) في الأ
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!








