
مجاني
📱 كتاب إلكتروني
زهور تأكلها النار
تأليف أمير تاج السر
0.0(٠ تقييم)
📄 قراءة PDFمجاني
عن الكتاب
من والدتها الإيطالية ورثت خميلة الجمال، ومن والدها الثراء. كانت تخطو إلى العشرين حين عادت من مصر حيث درست علم الجمال إلى مدينتها "السور" بمجتمعها المتنوع. تظهر فجأة على الجدران كتابات لجماعة "الذكرى والتاريخ" التي أعلنت الثورة على الكفار مستبيحة المدينة قتلا وذبحا وسبيا. اقتيدت النساء إلى مصيرهن أدوات متعة لأمراء الثورة الدينية، زهورا ملونة تأكلها النيران. الآن انتهى زمن وابتدأ زمن، وخميلة الجميلة التي صار اسمها نعناعة تنتظر أن تزفّ إلى أمير من أمراء الثورة لعله المتّقي نفسه.
عن المؤلف

أمير تاج السر
طبيب سوداني وهو ابن اخت الكاتب المعروف الطيب صالح بدأ ممارسة الكتابة في مراحل مبكرة جداً من حياته، ففي المرحلة الابتدائية كان يكتب القصص البوليسية تقليداً لما كان يقرؤه أثناء الطفولة، وفي المرحلة
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (٣)
ح
حسين قاطرجي
١/٣/٢٠٢٣
جاءت رواية زهور تأكلها النار للروائي أمير تاج السر بناءً على طلب قارئة، هكذا يخبرنا الروائي في الصفحة الأولى، ورغم أنّني أتحسّس في هذا الفكرة ملامح خياليّة كشأن الرواية أصلاً فأيّاً كان الأمر فهذه الرواية جاءت لتملأ فجواتٍ تركتها رواية توترات القبطي حول مصير السبايا والجواري بحسب قوانين مدينة أباخيت المفجوعة بحكمٍ ظلامي، حيث ركّز الكاتب على قهر الرجال تحت نير نظامٍ تعسّفيٍّ يُغفل لكلٍّ عقله ويرغمه على الانصياع لأوامر يقنعونه -فِريةً- أنها إلهيّة، وقد رشّحت الرواية للجائزة العالمية للرواية العربية البوكر 2018.
تحكي الرواية قصة خميلة عازر، وهي شابة فتية من أبٍ قبطيٍ ثري وأمٍّ إيطالية، تسكن مع أهلها مدينة السور القريبة من مصر، ومخطوبةٌ لشابٍ يُدعى ميخائيل. يحصل أن تندلع ثورةٌ في مدينة أباخيت القريبة، وهي ثورةٌ أشعل فتيلها شبابٌ متعصّبون يدّعون أنّهم أبناء القداسة وهم للدناسة أقرب، ثم لم يلبثوا أن قطعوا الطريق على أهالي المدينة واستباحوا قوافلهم حتى سقطت أسوار مدينة السور فدخلوها يعيثون فيها فساداً، ومن يومئذٍ تحولت مباهج الحياة هناك إلى أجواءً موغلة في الشّدّة الغاسقة.
يسلّط (الذين يدّعون أنّهم جهاديّون) سيف الشريعة على الرقاب متأوّلين نصوصاً دينيةً تأويلاً ينسجم ورغباتهم، وعلى إثر ذلك جاؤوا إلى أهل المدينة بأصنافٍ من الكوارث لم تشهد البسيطة مثيلها عبر التاريخ، وهم معتمدون في فتاويهم على قوى ظلاميّة تتفشّى بينهم يقودها زعيمٌ يُدعى المتّقي.
تؤخذ خميلة سبيّةً كما تؤخذ رفيقاتها ماريكار وأمبيكا وحسناء وطائعة، ويوضعن أسيراتٍ في مركزٍ للمستورات في ساحة المجد، وتنتخب المجاهدات من هاتيك الصبايا خميلة التي هي أحسنهنّ طلعةً وأصفاهنً بشرةً ونضارةً لتكون زوجةٍ لأميرٍ من أمراء الحرب، لعله المتّقي ذاته، الذي لايشبع من إفراغ جياد شهوته الجامحة الرعناء.
تؤوب الرحمة إلى قلب عبدٍ أسودَ اسمه لولو فيضمر مساعدة نعناعة وهو الاسم الجديد لخميلة. فيتّفقان على ليلة الهروب، وهنا أصون القارئ عن كشف الخاتمة إبقاءً له على متعة قراءة الرواية والحماس لمعرفة الختام.
رسم الكاتب أمير تاج السر بيئة مدينة السور رسماً دقيقاً ومفعماً بالحيوية والحركة وغنيّاً بالأقليات والإثنيات، يهوداً وأقباط وبوذيين ومسلمين، وأحسن الكاتب رسم الملامح والأزياء والألوان رسماً يحاكي الواقع ما يجعل القارئ يُمسك بالدلالات الجزئية والعامة للنص بسهولةٍ وانسيابٍ يعينه على ذلك بناء الرواية التقليدي المريح، وسردها السلس غير المتشعّب.
إذن تتمحور الرواية حول ثيمة الإرهاب والفكر المتشدّد، والحق أقول لم تأتِ الرواية بجديدٍ حول هذه القضية، لكنّي أرى فيها إبداعاً يستحق أن يُذكر ويُشكر ويُشار إليه بالبنان وهو جمال الوصف ودقته وحكمة الكاتب في تخيّر مفرداته وتحديداً في وصف بيئة مدينة السور ومعاش أهلها.
صدرت الرواية عن دار الساقي عام 2016، وتقع في 188 صفحة من القطع المتوسط، وبالمجمل هي رواية جميلة تشدّ القارئ الغرّ ويبقى متفاعلاً معها حتى النهاية، أما القارئ المتمكّن فربما ستسحره -فقط- بلاغة الكاتب في السرد والوصف.
المراجع الصحفي
٢٠/١/٢٠١٨
للوهلة الأولى قد يتخيل قارئ رواية السوداني أمير تاج السر الجديدة "زهور تأكلها النار"، الصادرة عن دار الساقي في بيروت، أن "المتّقي"، ورغم الاختلاف الزماني والمكاني اللذين هما ضبابيان في الرواية، هو ذاته أبو بكر البغدادي، أو نسخة عنه، بشكل أو بآخر، وبأن جماعة "المتّقي" هم "داعش" أو "تنظيم الدولة الإسلامية"، وأن "السور" الريفية بالرواية هي "الموصل"، أو ربما "الرقة"، أو "تدمر"، وأن "الخميلة" التي كانت تستعد لحفل زفافها وباتت سبية هي واحدة من "الأزيديات"، وغيرهن من سبايا القرن الحادي والعشرين، مع فارق أن جيش "المتّقي" يبدو كأنه يخوض حروباً عتيقة كان فيها للخيول والسيوف كلمة فصلى، لا كما هي الحال عليها الآن.
وكان من اللافت أن "المتقي"، وهو شخصية لا يعرف القارئ إذا ما كانت حقيقية أو مصطنعة لتبرير ما يقوم به جيشه المفترض، محوري الحضور وليس بحاضر في آن، وكأن أمير تاج السر هنا يزجنا في تساؤل حول إذا ما كان "المتقي" موجوداً بالفعل، أو هو مبتكر وهمي يبدو كالفزاعة، لبث الرعب في قلوب الناس من جحافله، الذين يقتحمون "السور"، ويعيثون فيها قتلاً، لا يفرقون بين قبطي وبوذي ومسلم، باعتبارهم كفاراً لا فرق بين هذا وذاك، كما تقع نساؤهم جميعاً تحت طائلة السبي، وما يرافقه من استباحة جسدية، ومتعة جنسية، حتى إنه تم إنشاء دار تحت حراسة تابعات "المتقي" زجت بها السبايا، وكن ينقلن "حسب الطلب" إلى حيث "المتقي" المفترض ورجالاته، فتعود الواحدة منهن مغتصبة، أو جثة، أو لا تعود أبداً، في مشهد يحاكي ما فعله "الدواعش" في أكثر من منطقة بالعراق وسورية.
ولم يكتف أنصار "المتقي" بذلك بل غيروا أسماء الأقباط والبوذيين وحتى المسلمين من سكان "السور"، فـ"الخميلة" تصبح "نعناعة"، و"السور" كلها باتت تحمل اسم "أباخيت"، علاوة على القتل ذبحاً وبغير طريقة، وغيرها من الفظائع بينها هدم وحرق كل ما هو أثري وديني من معابد وكنائس ضاربة في التاريخ، وفي هذا إحالة إلى ما قام به عناصر داعش في "تدمر"، أو "الموصل"، أو غيرهما، وكما فعلت طالبان قبلها.
وهنا لابد من الحديث عن أن استخدام مصطلح الأقباط قد يحيل البعض بالتفكير إلى أن الأحداث تدور في مصر، أو بلد مجاور، خاصة أن "خميلة" ابنة كبير التجار في "السور"، كانت قد درست التزيين في مصر قبل عودتها إلى حيث بلدتها الأصلية، والتي قد تكون في السودان، فكما يشير بعض المراجع فإنه قبل دخول العرب إلى مصر كانت كلمة "قبط" تدل على أهل مصر دون أن يكون للمعتقد الديني أثر على ذلك الاستخدام، إلا أنه بسبب كون السلطة كانت بأيدي أصحاب الديانة المسيحية وقت دخول العرب المسلمين مصر، فقد اكتسب الاسم بعداً دينياً تمييزاً للمسيحيين لتفريقهم عن غيرهم، حتي انحصرت كلمه قبطي على مر العصور لتشير للمسيحيين في الأحاديث وكذلك في الخطاب الرسمي للدولة، كما أشارت المراجع إلى أن معظمهم يتركز في جمهورية مصر العربية والسودان.
جماعة "الذكرى والتاريخ"
ومما لابد ذكره في استعراض الرواية، وتحليل بعض رمزياتها، الحديث عن تلك الكتابات التي لاحظها "ميخائيل"، خطيب "خميلة" الذي اختفت آثاره بعد سيطرة جحافل "المتقي" على القرية .. تلك الكتابات وقعت باسم "جماعة الذكرى والتاريخ" على عدد من جدران منازل "السور"، وكانت تتنبأ بشر قادم، فهذه الجماعة التي يقترب اسمها من
جماعة الهجرة والتكفير"، أعلنت الثورة على من سمتهم "الكفار"، مستبيحة المدينة، كما أشرنا، قتلاً وذبحاً وسبياً باسم الشريعة.
وكانت ثورة حدثت في مناطق مجاورة من "السور"، انبثق عنها تياران، أحدهما هم الجياع الذي باتوا "الجهاديين أتباع المتقي"، أو معسكر الإيمان، والثاني معسكر الكفر الذين ضم مسلمين، وأقباطاً، وبوذيين، وقليلاً من اليهود .. وحدث قتل، وذبح، وخطف، كما لوحظ خلو العديد من منازل "السور" من سكانها رجالاً ونساء قبل الاجتياح، اتضح لاحقاً أنهم باتوا، أو بعض منهم، عناصر في جيش "المتقي"، بمن فيهم الحمّالون الأشداء في السوق.
تتمة لـ"توترات القبطي"
ويقول أمير تاج السر لـ"الأيام الثقافية": رواية "زهور تأكلها النار"، التي تكمل أو توضح أحداثا كانت غائمة في "توترات القبطي"، حيث أدنت البدائية والهمجية، وربط الجاني في جناية لم يكن يعنيه ارتكابها، وأقصد فكرة "المتقي" التي تحرض الناس ضد الناس، مضيفاً: لا أقصد توظيف النساء أدوات شفقة في مخلفات الحروب، لكن للأسف هذا ما يحدث، وقد قالت خميلة في "زهور تأكلها النار"، إن "النساء هن الهدف الرئيس لكل ما هو معتاد وغير معتاد من الغرائز".. والقتل باسم صيانة المقدسات، أو التوسع أو إرضاء الأطماع، غريزة بكل تأكيد.. عموماً أنا قلت ما أريده داخل نصوصي.
وهذا يعيدنا إلى ما اقتبسه الروائي عن القارئة سارة كمقمة للرواية، بقولها: "قرأت رواية توترات القبطي منذ فترة، ثم عدت وقرأتها مرة أخرى، ووجدت كل ما يمكن أن أتخيله عما حدث للرجال من إيذاء وقهر، في نص "أباخيت" الرهيب، كما تسميه، لكني أتساءل: ماذا عن المرأة داخل النص؟ .. المرأة السبية، والجارية بحسب قوانين أباخيت؟ .. من يخبرنا بما حدث؟، فيجيبها الكاتب، وهو هنا أمير تاج السر: يخبرك هذا النص: زهور تأكلها النار.
حكايات نسوية
وتأتي الرواية في أربعة فصول حملت عناوين "شغف ومدينة"، و"ليل"، و"النار"، "والنار أيضاً"، حيث "الأيام الأشد عتمة" في حياة "خميلة"، وحياة "السور" كلها، مواصلاً سرد الرواية على لسان "النعنانة" التي كانت "خميلة"، حيث خرجت النساء، اللواتي انتصر لهن في الرواية، من الدار ليشاهدن "البيوت المهدمة، والأشجار المجتثة من عروقها، والحرائق التي لا يزال رمادها يتجدد باستمرار، والعقارب والثعابين تزحف علانية، والقطط والكلاب الضالة كسيرة الجناح بلا مواء أو نباح، أو حتى قمامة فيها رائحة طعام".
وكأن "خميلة" بوصفها السابق واللاحق تختصر فصولاً تتواصل منذ عقود أو ربما قرون، حيث يبطش التعصب الديني بكل أشكاله، وبغض النظر عن الدين، تحت ستار الأوامر المقدسة، بكل ما يمكن البطش فيه، هي التي تقول "كثيرات نودين إلى نزوات كبيرة، في أماكن مختلفة داخل (السور) وخارجها، بعضهن تزوج لأيام قليلة وسرّح، وكن أدوات متعة لنزوات متوحشة (...)".
وبقيت "خميلة" تحاول بمساعدة الحارس "لولو"، الهرب من "السور" ورجال "المتقي"، فتنجو تارة، وتفشل تارة، ما بين حلم وواقع، ليبقى مصيرها ضبابياً كعشرات آلاف النساء والرجال والأطفال من ضحايا الحروب المتواصلة، كما هو الوضع بالنسبة للحروب نفسها، ومصائر البلدان التي تعيشها.
المراجع الصحفي
٢٠/١/٢٠١٨
بين وقائع تاريخية تخيلية ماضية، وحاضر معيش يعجّ بالتعصب والطائفية والاضطرابات الدينية والعرقية، يعود الكاتب السوداني أمير تاج السر في روايته «زهور تأكلها النار» (دار الساقي) ليقترب بسلاسة سردية من عوالم الحروب والتدمير والتشرّد، وكيف يتم تحويل الأماكن الآمنة إلى بؤر رعب وخرائب. والأسوأ من هذا كيف يتم تحويل النساء إلى سبايا ضمن الفوضى الكبرى واللاقانون الذي يجرّد البشر من إنسانيتهم.
تبدأ الرواية مع «خميلة»، البطلة الساردة، وهي تتكلم منذ السطور الأولى بضمير الأنا عن أسرتها، أمها الإيطالية التي جاءت من ضواحي فلورنسا، وتزوجت من رجل إفريقي قبطي، ثم حكايتها هي مع خطيبها ميخائيل رجائي، الذي يعمل محاسباً في مجلس المدينة.
أما مكان الأحداث فهو مدينة «السور» التي تجمع ديانات وأعراقاً عدة لكنها ليست كبيرة أو معقدة. إنها مدينة يستنتج القارئ في ما بعد أنها تقع في بلد إفريقي قريب من مصر. أما زمن الأحداث فيعود إلى أوائل القرن التاسع عشر، حيث كان يحكم المدينة تركي عجوز جشع ومتغطرس يُدعى يوسف دامير.
هذه المرة، يقترب صاحب «توترات القبطي» الذي كتب عن بيئة شعبية يعاني أبطالها من مأساوية اللجوء والتشرد، من حكايا البشر الآمنين الذين تنقلب حياتهم بين ليلة وضحاها من حال إلى حال بسبب سيطرة روح التعصب والقبلية والرغبة في إبادة الآخر ذي الهوية المختلفة. ربما لا تبدو أزمة الهوية مطروحة في شكل مباشر في الرواية منذ البداية، حيث العنوان التقليدي للنص لا يشي بمضمونه المنسوج في شكل سردي متماسك، ويخلو من الترهل حتى في الحكايات الجانبية، فقد جاءت منسجمة مع السياق العام للسرد؛ إلا أن أزمة الهوية في شكلها العميق والمتجذر في الذوات المتعصبة تنعكس بحضور قوي على مصائر أبطال الرواية، وتشكل قدرهم الذي يتحول رغماً عنهم ومن دون اختيار.
البيئة والفضاء
تنقسم الرواية إلى أربعة فصول، ويستمر السرد عبر شخصية الراوية خميلة. اختار الكاتب تشكيل بناء داخلي عبر وضع أرقام ضمن الفصل الواحد. يحمل الفصل الأول عنوان «شغف ومدينة»، ويُعتبر فصلاً تمهيدياً رائقاً يركز فيه الكاتب على البيئة والفضاء الذي تدور فيه الأحداث. وهو لا يكشف عن توتر السرد في الفصول اللاحقة، على اعتبار أن النص يقدم حكاية البطلة وعالمها الخاص، أسرتها، قصة حبها، دراستها علم الجمال في مصر، علاقاتها الاجتماعية بالنساء من حولها... ويقدم أيضاً وصفاً للمدينة، الأعراس، العلاقات الوطيدة بين المسلمين والأقباط والبوذيين، العادات الإفريقية بين السكان، كأن تكون ثمة خرافة حول تشرين الثاني (نوفمبر)، بأن كل شخص ينبغي أن يصنع فيه عطره الخاص ويهديه لمن يحب.
في الفصل الثاني الذي يحمل عنوان «ليل» تتصاعد وتيرة الأحداث في شكل مباشر، تُطعن العجوز الفرنسية جيلال على يد ملثم مجهول، وأتاب عيسى يعثرون عليه مذبوحاً، كما اغتصب الملثمون رسامة تدعى كاترين اتخذت من السور مكاناً لها كي ترسم الحياة الشعبية، انتهكوا جسدها وهم يصرخون «كافرة».
تقول خميلة: «تذكرت أن هناك من ردد بصوت متشنج أن الحيات قد قصت رؤوسها، وفي معمعة بليدة كهذه، قد تكون حية أي قبطي، أي بوذي، وأي مسلم مسالم لم يعتدِ أو يسمح بالاعتداء». لكنّ خميلة تكشف أيضاً عن الصفقات التي تعقد في مثل هذا النوع من الثورات والحروب، حيث تتم تسويات بين زعماء الميليشيات وتجار الحــروب المنتفعين منها، إيزاك اليهودي تاجر الذهب لم يقطع رأسه، وكذلك فندوري تاجر الخمور. أما ولهان الخمري - قواد «حيّ ونسة» - فظل في مكان ما لكنه لم يفقد رأسه.
قصة السبي
تقع خميلة سبية في يد جنود المتقي، هي التي كان والدها جماري عازار تاجر ذرة، يقوم بتخزين الذرة في مخازنه، وإخفائها عن السوق بحثاً عن المكسب، وهذا سبب كاف للانتقام منه، وسبي ابنته، يتغير اسم خميلة إلى نعناعة عند جنود المتقي، وبرفقة فتيات أخريات تظل حبيسة سرداب ساحة المجد بحراسة أم الطيبات أو منحدرة المرأة الريفية الخشنة، ومن هنا يبدأ عالمها بالتحول الكبير، وهي تراقب ما يحدث حولها للفتيات السبيات وكيف يجبرن على الصلاة والصيام، على العمل في الطبخ والغسيل وإعداد الشاي، ثم في الليل يتحولن إلى أدوات متعة لنزوات متوحشة.
يأتي عنوان زهور تأكلها النار، من دلالة رمزية عن وشم قامت ماريكار صديقة خميلة بوشمه على ظهرها عند أحد فناني الوشم البارزين في المدينة، والوشم عبارة عن زهور ملونة تأكلها نيران كثيفة، ومعنى هذا الوشم هو خسارة الأريج والرونق، ذكرى هذا الوشم تلوح في مخيلة خميلة وهي سبية مع ماريكار أيضاً عند جنود المتقي، تقول: «الزهور التي تأكلها النار، لشد ما يمثلنا الشعار، لشد ما يصبح نحن ونصبح هو.. ثلاثون يوماً مضت ونحن أسيرات بيت أم الطيبات، زهوراً تتربع في النار».
كان الجهاديون ثوار المتقي قساة فعلاً، مجانين، غوغاء، وأي شيء متأخر في الدنيا، لذا يكشف السبي لخميلة حقيقة الأشخاص من حولها، خطيبها ميخائيل الذي تكشف شخصيته كيف هو ذليل جداً، بالمقارنة بباسيلي الذي حاول استعادة زوجته أمبيكا من أيد الجهاديين، تتغير خميلة ويبدأ وعيها بالتفتح فترغب في دراسة الشريعة فقط لتعرف موضعها من فتوى المتقي وجنوده، لكنها تكتشف أنها عالقة في شرك لا علاقة له بالعقائد.
في الفصل الأخير «النار أيضاً»، يكشف الكاتب عن التحولات التي حصلت لمدينة السور ككل، ليس للفتيات السبيات فقط: البيوت مهدمة، الأشجار مجتثة من عروقها، والحرائق مازال رمادها يتجدد باستمرار.
تقدم خميلة وصفاً دقيقاً لحياة السبي، والرجال الخصيان الذين يتحولون إلى حراس للغنائم، إلى أن يقع الاختيار على خميلة لتزف إلى المتقي. ولكن من هو المتقي؟ هل هو موجود حقاً؟ ربما المتقي ليس حقيقة على الإطلاق، إنه مجرد فكرة يستخدمها أتباعه كي ينتهكوا المدن، ويسبوا النساء، كي يحققوا مآربهم من السلطة. هكذا لا يبدو أن خميلة تمكنت من الفرار حقاً من السبي، لأن جنود المتقي مبثوثون في كل مكان، لتأتي الجملة الأخيرة في الرواية «أسمع صوتاً عجوزاً غاضباً يأتيني من بعيد: من لولو يا نعناعة!»، أي أن استخدام اسم نعناعة يكشف أن محاولة الهرب مع الخصي لولو فشلت أو أنها كانت مجرد حلم.
استطاع أمير تاج السر عبر هذه الرواية أن يقدم تخييلاً روائياً لما يجري في واقعنا اليوم، ويجيب عن بعض التساؤلات عن أحداث تبدو قريبة وبعيدة منا، لكنها تؤثر في حياتنا في شكل أو آخر. وجود التطرف والإرهاب الذي يحيط بنا أصبح أمراً واقعاً، وصار من الطبيعي أيضاً أن نجده مغزولاً بحنكة روائية في أعمال إبداعية عدة. ولو أن الرواية تنتهي في شكل متشائم لا يُنبئ عن حدوث تحول أو تنوير في المستقبل القريب، إلا أن هذه النهاية أيضاً تبدو واقعية جداً وعاكسة لكثير من الحقائق القريبة.








