Skip to content
غلاف كتاب الحالة الحرجة للمدعو ك
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

الحالة الحرجة للمدعو ك

3.8(٣ تقييم)٨ قارئ
عدد الصفحات
٢٦٩
سنة النشر
2017
ISBN
0
المطالعات
١٬٣٤٦

عن الكتاب

بضع لحظات صامتة مرّت، فيما راح الباب ينغلق على مهله. أخبرني بعدها أن عليَّ التفكير بجدية في العلاج الكيميائي، بنفس النبرة التي يخبرني بها أحدهم أنه حان الوقت لشراء حذاء جديد. كنت هادئاً، والطبيب هادئ، والغرفة هادئة، ودرجة الحرارة فيها مناسبة، وكان ثمة بخار يتصاعد من أكواب الشاي الورقية أمامنا. حملت الكوب إلى حجري وأطرقت إليه بسكون. عبر الشق السفلي للباب، كانت تصلني من الممر أصوات خافتة؛ نداءات لمرضى، وممرضات يتحركن بخفة في أزواج أحذية بيضاء، تلتصق خطواتها في البلاط. ومن منطقة أبعد قليلاً، أخذ يتردَّد بكاء صاخب لرضيع، حُقن بإبرة على الأرجح. حين عاد الطبيب يتحدث، كنت لا أزال ممسكاً بالكوب وقد ازداد سخونة بين يديّ. استغرقت في التحديق إلى داخل الكوب باهتمام، كما لو كان صوت الطبيب يصدر من هناك.

عن المؤلف

عزيز محمد
عزيز محمد

كاتب سعودي من مواليد مدينة الخبر، السعودية، عام 1987. كتب في الشعر والقصة القصيرة، وله مقالات سينمائية نُشرت في مجلات ثقافية ومواقع إلكترونية متخصصة. صدرت روايته الأولى "الحالة الحرجة للمدعو ك" عام

اقتباسات من الكتاب

أجر خطوة ثقيلة خلف الأخرى، كجندي جريح يسحب إصابته في معركة، لكني لا أحارب شيئاً، فمن أين يأتي كل هذا التعب؟

1 / 10

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

A-Ile Self-hallucination
A-Ile Self-hallucination
١٠‏/٣‏/٢٠١٨
الحالة الحرجة للمدعو ك لست من الأشخاص الذي يرغب بالقراءة تحت تأثير الضجة، لكن هذا العمل دفعني لإسقاط القاعدة بعد الكم المخيف من القرّاء والأصدقاء والإعلام، الذي صوّر العمل على أنه إحدى التحف الخالدة في التاريخ الأدبي .. وتمت قراءة العمل بصعوبة بالغة. العمل فاشل بالنسبة لي بنسقين، الأول هو ليس من النوع المفضل من الأعمال التي يمكن لي أن أشعر بالانبهار من خلالها، وربما مردّ ذلك لأني لا أحبذ كثيراً منطق التسوّل الأدبي الذي يقوم على استجرار العواطف نحو الجزء الضعيف من الإنسان، لأنّ هذا المنطق يقوم على أحد شكلين، إما أن الكاتب ضعيف في صناعة عوالم تخيلية فيستعيض عنها بعالم واقعي سردي، بنائه تراجيدي كي يخفي ضعف الخيال الأدبي بتطور الشخوص والأحداث المُربكة والمفاجآت، وإما لأنه يُريد نسبة تعاطف أكبر مع حالة ليست فريدة من نوعها، لكنها تقوم على مسألة إشكالية تاريخياً وهي انتظار الموت .. لكن ما هو الجديد في رواية عزيز بمعالجة فكرة الموت !!! عزيز لم يعالج فلسفية الموت بقدر ما طرح عُصاب مجتمعه حول الموت ورغبته بخلق صدام مُهذّب لم يجرؤ أن يكون صداماً ثقافياً بقدر ما هو صدام يختفي وراء فكرة التعاطف مع إنسان سيقضي نحبه. وهذه الصدامية المتوارية نشاهدها تماماً عندما يُعلن رسمياً لإصابة الشخصية بالسرطان. تبدأ الشخصية بممارسة الانتقام من المجتمع الذي قمع البطل خلال حياته، فأتى السرطان كصورة دفاعية وانتقامية من المجتمع، دون أن يجرؤ أحد على إذلاله أو صدامه .. لأن (لا شماتة في الموت) هذه البديهية المجتمعية الدينية التي عرفها بطل الرواية كانت الشكل الذي اختفى ورائه ليحقق انتصاراته العصابية على ذلك المجتمع. هذا الشكل الذي بُنيت عليه فكرة الرواية بالنسبة لي هو منطق فاشل بجدارة لأنه لا يُقدّم تطور للشخصية ولا للأحداث التي يمكن أن تفاجئ قارئ. منذ البداية توضحت الصورة التي ستسير عليها الرواية، سرد ممل للتفاصيل حول كيف يرى المُصاب بالسرطان الحياة وكيف يمكن أن ينتقم من المُدعين .. وهذه النقطة الوحيدة الجيدة في العمل يمكن الاستفادة منها، وهي أن أي قارئ يمكن أن يُصاب بالسرطان مستقبلاً فلديه فكرة كافية عن مشاعره وآليات العلاج ونظرة الناس له، باعتبارنا كلنا نعيش ذات المنطق الشرقي العاطفي والإنساني مع فكرة الشخصية الضحية وهي تنتظر موتها. أما النسق الثاني لفشل العمل فهو الحالة الأدبية. قدّم الإعلام والقرّاء العمل بهالة كافكاوية مطلقة، وكأنّ الرواية هي إعادة إحياء لجنس أدبي تلاشى من التاريخ. منذ البداية يحاول عزيز فرض إيقاع خاص حول ما يجب أن تكون عليه الرواية وليس لأنّ الحدث والشخوص (بافتراض أن الرواية تحمل شخوصاً تتصاعد بمستوياتها النفسية بعيداً عن الشخصية الرئيسية) هو ما يقود الرواية، أراد منذ البداية أن يقنع القارئ بأنه أمام الهالة الكافكاوية، وهذا ما نقرأه في الصفحات الأولى عندما يتم ذكر كافكا وشخصياته لأكثر من مرة، وكأنه يريد أن يُطبّق مقولة، تكرار الكذبة يؤدي لتجذرها، وفعلاً نجح في إيهام القارئ بهذه اللعبة. لكن أين تتجسد الكافكاوية التي نشرها الإعلام ؟! إن الفرق بين استحضار الكافكاوية كشكل وبين الجوهر ليس واضحاً جداً، عندما نتحدث عن عمل كافكاوي، فنحن نتحدث عن وعي شخصي عُصابي ناتج من الذات للعالم مما يؤدي لإنشاء صورة غرائبية عن العالم الخارجي من منظور الذات، وهذا ما نقرأه تماماً في شخصية سامسا وشخصية ك في المحاكمة وحتى في رواية القلعة .. لكن شخصية رواية عزيز تناولت الشكل الخارجي للمعنى الكافكاوي دون التجرؤ للدخول إلى عمقه، من خلال وضوح صورة بطل عزيز الذي أُصيب بالسرطان كما أُصيب كافكا بالسل، وشخصية الأخت الشبيهة بشخصية أخت سامسا عازفة الكمان (وحتى جملتها بأنها تتمنى له الموت القريب)، دون أن يخلق العنصر الأساسي للفن الكافكاوي وهي الرؤية الذاتية للعالم، بل ما فعله عزيز هو العكس تماماً، فقبل إصابة الشخصية بالسرطان كانت متفردة بسأمها نتيجة تأثير عقلية المجتمع عليه، وبعد إصابته بالسرطان تحوّل إلى منطق الصدام مع المجتمع وراء قناع الموت (حتى الصِدام ليس شجاعاً) وأصبحت الشخصية تفهم تراتبية المجتمع وتسعى لضرورة نقده والانتقام منه لأنها سبب عُصابيته وليس لأنّ الشخصية هي متفردة بعالمها الذهني الفلسفي. ما شاهدته شخصية عزيز وما عاشته لا يعدو عن كونه نقد اجتماعي لأعراف يومية يعيشها كل البشر في مجتمعات متخلفة، لكن الهالة المترتبة على سياقات الموت وانتظاره أخفت هذا الجانب النقدي وخدعت القارئ فعلياً. إن شخصية بطل عزيز هي سطحية بكل معنى الكلمة (لا تطور فكري إلا ما نذر من خيالات تنبع من فكرة أنه يموت تدريجياً، ولا تصاعد نفسي مضطرب لأحد أشد الأنواع الوجودية شراسة وهو الموت، فمن يدرك موته على الأقل يخضع لنوع من اضطرابات تتأرجح بين محاولة المقاومة والاستسلام، وهذا نجده في كل شخوص كافكا، لكن بطل عزيز لا مشكلة لديه وكأنه ينتظر وجبة طعام .. هذا الانطباع الشخصي بالاستسلام يجب أن يكون له مبررات قوية لم توجد في رواية عزيز) شخصية لا تمتلك أي نوع تصاعدي، عبارة عن سرد بطيء وروتيني وممل. من قرأ كافكا سيدرك أن شخوصه تغوص إلى القاع رغم محاولتها المقاومة والاستسلام، دون الحاجة للنقد أو الإثبات لأهمية الذات أو الانتصار الانتقامي، ومن هنا فعلياً يأتي التفرّد الكافكاوي. وبعيداً عن مسألة التشبيه بكافكا .. ما الذي قدمته الرواية أو عالجته على مستواها الفكري ؟؟ أيستطيع أحد من كل الذين أثاروا حولها المديح أن يُقدّم إجابة واضحة ؟؟؟ بعيداً عن مسألة أنها رواية تحكي قصة إنسانية والتي شخصياً لم أتعاطف معها كمريض سرطان. أيمكن لأحد أن يشرح فعلياً ما هي تطورات الشخوص الدرامية المرافقة لبطل العمل .. ذهنياتها، رؤاها، أفكارها ؟؟ بعيداً عن كل ذلك ، ما هو التراجيدي الممتع في هذا النص .. إذا اعتمدنا المنطق الطبيعي للأدب أنه حتى في أعتى النصوص المأساوية يوجد العنصر الذي يجعل القارئ يتأمل مطولاً في معنى الحالة المعروضة ضمن النص ويستمتع بها رغم ألمها .. بطل عزيز لم يعاني بالمعنى الحقيقي للمعاناة كما عانى مثلا هامسون في الجوع ليجعلني أشعر بالتعاطف مع الشخصية .. وحول مثال هامسون، من قرأ العمل سيفهم تماماً المقصود بالتراجيدي الممتع .. رواية تقوم على معاناة الإحساس بالجوع دون أن يأخذ النص إلى مساراته المتطرفة بقضايا الوجود الكبرى كما فعل عزيز نحو الموت، لكن من قرأ الجوع سيشعر بمقدار الألم الممتع في مسألة طبيعية وغريزية، لكن عزيز رغم تنويعه على المنحى الأكثر راديكالية في العقل البشري وهو الموت، لم يُقدّم ذلك النوع التراجيدي (باعتبار الرواية هي تقوم على هذا النمط المأساوي والسوداوي) بشكل مؤثر ... بُنيت الرواية على العاطفة (وعاطفة هشّة) لتخفي الضعف الفكري للكاتب ببساطة الرواية عبارة عن موت مدلل باسوأ صورة هناك روايات تأخذ هذا الجانب السردي الممل كرواية الهدنة لبينديتي، لكن تطور الشخصية يُضفي طابعاً فكرياً ومتسائلاً عن معاني الإنسان اتجاه كثير من المشاكل الوجودية والفكرية .. لكن هذا العمل لم يُقدّم لي أي شيء سوى القراءة بصعوبة، والشعور بالراحة عند انتهائها. هذا العمل له جانب إيجابي واحد، أنه استطاع أن يُشرّح آلية القارئ العربي الذي يسير بمنطق التأثير الإعلامي فقط.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢‏/٢‏/٢٠١٨
كثيرًا ما يتم تصدير بعض الكتابات التي تحرّض القراء على عيش تجربةٍ مماثلة بسؤال «ماذا تفعل لو كنت مكانه؟» على اعتبار أن هذا السؤال هو الطريقة الأمثل لمعايشة حالة معيّنة، والتفاعل معها بأكثر الطرق إيجابية ومباشرةً. لكن ما يفعله الروائي السعودي «عزيز محمد» في روايته الأولى «الحالة الحرجة للمدعو ك»؛ هو أن يضعك مكان بطل روايته بالفعل، وليس ذلك من خلال السؤال بالطبع، بل من خلال تفاصيل روايته شديدة الثراء والشفافية والصدق؛ بدءًا بطريقة السرد التي تأتي على ضمير المتكلّم. يجد القارئ نفسه متورطًا في الحكاية التي يرويها بطل الرواية، مرورًا بقراءاته المختلفة وسعيه الدءوب لكتابة كل ما يمر به، وصولًا إلى اغترابه عن عالمه في محيط أسرته وعمله ومجتمعه كله. يجد القارئ نفسه جزءًا من هذا البطل الذي يجيد «عزيز محمد» التعبير عنه، حتى يفاجأ بمشكلته الكبرى، وهي إصابته «بالسرطان». المدعو ك! مثل قطع البازل التي يتم تركيبها بشكلٍ متتابع، نتعرّف شيئًا فشيئًا على عالم البطل «المدعو ك»، والذي يستلهم حكايته من عوالم «كافكا» الأثيرة لديه، حيث يأخذ رمز البطل «ك» من نص «المحاكمة» الشهير، كما يبدو البطل شديد الشبه بــ«سامنثا» بطل رواية «المسخ»، ولكنه ينتقل من ذلك كله إلى التعبير عن عالمه بكل ما فيه من خصوصيةٍ وتعقد. هو ذلك الموظف العشريني الذي يعمل بشكلٍ روتيني، ويرصد جوانب العمل التي لا يجد أنها تناسبه، حتى تحل عليه مصيبة مرضه، كحلٍ نهائي وعاجل يخلصه من كل الأزمات والمشكلات التي قابلها في حياته، ليفاجأ أنه يضعه وجهًا لوجهٍ وحيدًا مع ذلك الألم! نفتبس من الرواية: كانت أرضيّة سيارتي دليلًا واضحًا على أني لا أواعد أي فتاة، لا نقصًا في الرغبة بل فقط لأن فعل التعارف كلّه لم يكن يوافق شخصيتي، إنّك مطالبٌ أن تكون ظريفًا وحفيًا ومتحليّا بالرقّة معهن، لإقناعهن بأنّك جديرٌ بالثّقة، وذلك من دون أن تفعل الفتاة شيئًا في المقابل، بل بمجرد السطوة الناتجة عن كونها أنثى. فهي تتمتع بحقٍ فطري أن تدين لها بمبادراتٍ ظريفة وتفتح معها مواضيع شيّقة للحديث، وتبقى المحادثة سلسةً وسهلة، وتوضّح أفكارك ومبادئك المتحضّرة وتلقي كلماتٍ بلهجةٍ أمريكيّة متقنة، وتثبت أنّك معتادٌ على مخاطبة النساء بعفويّة، وإلا أعرضت عنك بالنظر إلى الجدار أو النافذة، مانحةً إياك الفرصة لأن تبتعد عنها بكرامتك، أو تدفن وجهها في هاتفها الذكي على أمل أن تكون قد ابتعدتَ حين ترفعه. على عكس كل الكتابات الأدبية والروايات والأفلام التي تتناول مواجهة الأمراض و«السرطان» بشكلٍ خاص، وتحاول أن تصوّر المصابين به كأبطالٍ في مواجهة المرض؛ يُبدي بطل «عزيز محمد» نفوره الشديد من تلك الفكرة، وهو الذي لم يكن يلقي بالًا لقصص الناجحين أصلًا ولا حكاياتهم، بل يعلن على الدوام سخريته من طريقة التفكير تلك وإن كان يجد في المرض والاستسلام له طريقة جديدة لمواجهة العالم بما فيه من قبحٍ وتسلطٍ وغباء. ويبدو النص/الرواية في النهاية كمحاولةٍ ناجحة جدًا لرفض الكثير من العادات والتقاليد المجتمعية البالية، بدءًا من الأسرة الصغيرة والعلاقات الاجتماعية الهشّة، وصولاً إلى روتين العمل وطريقة كسب العيش والحياة نفسها. لا أكاد أذكر لحظةً واحدةً خلال هذه الأسابيع لم أكن أعاني فيها من ألم ما يتآكلني ويقوّض رغبتي في الصبر. إنّه كلبٌ ينبح في جسدي ليل نهار. أحاول النوم قدر الإمكان لكن نادرًا ما يسمح هذا النباح بذلك. وحين أستيقظ يكون أوّل ما أنتظره، إذا لم يكن هو ما أيقظني. لقد انتهت تلك الأيام التي أستيقظ فيها بحسن ظنٍ تجاه حالتي، ذلك نوعٌ من المقياس البيولوجي الذي تتغيّر برمجته تدريجيًا بعد أن تعيش مع المرض مدة كافية.. أنت لا تعتاد أبدًا على المرض، فقط تنسى كيف كان الأمر حين لم تكن مريضًا! يجيد «عزيز محمد» التعبير عن بطله بدقة، ويغرق النص بتفاصيل ذكيّة تجعل القارئ شغوفًا بمواصلة قراءة العمل رغم ما يحتوي عليه من ألم، لاسيما في وصف طريقة تعامل مريض «السرطان»، سواء في التحاليل والأشعة التي يتعرض لها وما يصيبه من غثيان ومشكلات صحيّة، سواء في محيط أسرته أو أثناء وجوده في المستشفى. يرصد تلك المواقف البسيطة التي قد تبدو للآخرين عابرة بكل دقة. يتأمّل القارئ معه مثلًا موقف البطل في الطائرة أثناء رحلة علاجه ومحاولته العثور على فرصة «للتبوّل»، وكيف كان خبر كونه مريضًا «بالسرطان» وسيلته الوحيدة لأخذ مكان في دورة المياه!. ومرة أخرى حينما يضطر البطل لمواجهة «جده» بأمر مرضه، وكيف يصف عالم ذلك «الجد» في مكانه/ مملكته شديدة الخصوصية، والتي يبدو أنه لا يقدر أحد على أن يزعزع أركانها أو يؤثر عليها، ولا حتى إصابة حفيده بذلك المرض الخطير. كذلك علاقته شديدة الخصوصية بوالدته وأخيه وأخته، لدرجةٍ يتداعى فيها العالم كله حول «ك» ولا يجد مكانًا له إلا في غرفته في النهاية. وهكذا يدور عالم «ك» وحالته وبدون أن يقع الراوي في «ميلودرامية» الحدث، يجد القارئ نفسه متعاطفًا معه لفرط صدق وشفافية بطل الرواية، الذي يشعرك في كل موقفٍ من مواقف حياته أنه يدافع عن وجوده وكينونته، قبل أن يكون الأمر أمر إصابةٍ بمرض خطير، إنه البحث الحقيقي عن الحياة وسط مستنقع العبث واللامبلاة التي عاشها ويعيشها فردٌ بسيط في هذا العالم رفض ـ بمحض الصدفة ـ أن يكون ترسًا يدور في آلة! وعلى الرغم من كون هذه الرواية هي الأولى لكاتبها السعودي الشاب «عزيز محمد»؛ إلا أنه استطاع أن يكتبها لتحظى بإقبال وحفاوةٍ بالغين من القرّاء والنقاد. ولم يكن من المستغرب أن تصل إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية هذا العام، كما يتوقع أن تظل محتفظةً بمكانها وتصل إلى القائمة القصيرة أيضًا.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٣‏/١٢‏/٢٠١٧
لا ينسجم بطل رواية "الحالة الحرجة للمدعو ك" للكاتب السعودي "عزيز محمد" مع محيطه، سواء في الأسرة، أو في العمل، أو في أي مكان يكون فيه. لديه دائماً هذا الشعور بالنفور مع كل ما يحدث حوله. هو شابٌ في العشرينيات من عمره، تخرج من كلية تقنية المعلومات، يعمل ضمن اختصاصه في شركة بيتروكيماويات منذ ثلاث سنوات، ويضع حاجزاً لا مرئياً بينه وبين باقي زملاءه. يهرب إلى الكتابة، ليعبّر من خلالها عن نفوره من العمل الرتيب، وشعوره بأنه مع الموظفين الآخرين مجرد آلات أو روبوتات، يمضون كل وقتهم وراء أجهزة الكومبيوتر يعملون، لا يرفعون رؤوسهم عنه، لا يتحركون دون سبب، بل حتى إن تنفسهم يبدو مضبوطاً، لا مجال فيه لأي صوت غريب أو كاسرٍ للرتابة. أكثر من ذلك، فإن بطلنا لا تحركه قصص النجاح، بل يسخر منها كما يسخر من كل شيء. "بحكم كوني موظفاً جديداً نسبياً، لم تكن صدفة أن يتم إلحاقي بفئة المتطلعين للنجاح، فالإدارة تفترض دائماً أن الموظف يطمح لتحقيق ذاته عبر خدمتها. كان هؤلاء يجلسون بحماسة إلى جواري، قبل بدء الاجتماع بربع ساعة، معززين ذاك الافتراض. وكانت عيونهم تلتمع فيما ينتظرون قصص النجاح التي ستغير حياتهم، ولعلهم أخذوا بالتغير حتى قبل سماعها، إذ إن تلك القصص تتشابه، ويسهل توقع نهاياتها، فجميعها – ويا للعجب – تنتهي بالنجاح". إنه يرى في التزام الموظفين الشديد بهذه الطريقة بالعمل نوعاً من العبودية، ويرى أن حياتهم اقتصرت على العمل، وأن كل ما يفعلونه عند عودتهم من العمل هو التحضير ليوم العمل التالي. في أفكاره تلك يحاكي عزيز "كافكا" وأفكاره حول هذه النقطة في روايته الشهيرة "الانمساخ" وفي غيرها، بل إنه حتى يستلهم اسم بطل القصص التي يؤلفها أثناء اضطراره لحضور الاجتماعات من روايات "كافكا"، فيسميه "المدعو ك". يترافق نفوره من العمل مع مظاهر جسدية مرضية كالشعور بالغثيان والإعياء وفقدان الشهية وإحساس دائم بالتعب المزمن، وحين تتفاقم أموره ويضطر إلى زيارة المشفى وإجراء التحاليل الطبية يتبيّن له أنه مصابٌ بالسرطان. أقوال جاهزة شارك غردبطل الرواية سيستخدم مرضه بالسرطان لينال من كل شيء وليعيش بحرية مطلقة... شارك غرد"الحالة الحرجة للمدعو ك": مذكرات للألم الذهني وما يحركه في الإنسان من أفكار وذكريات وما يوفره من حرية يسجل "المدعو ك" في الفقرات التي يكتبها والتي يرتبها بحسب الأسابيع، ما يطرأ عليه من تغيرات أسبوعاً وراء أسبوع، يراقب ما يحدث حوله بسخرية حادة، ويستعيد أحداث من الماضي بتحليل جديد ثاقب، راصداً علاقته مع والده المتوفي، ومع عائلته الصغيرة المكونة من أمه وأخته وأخيه، وعلاقته مع الجد الصارم الذي يشبّهه بأبي الهول لشدة جموده وقسوته. وبعد أن كان فاقداً للذريعة التي تؤهله لإعلان قطيعته مع مجتمعه، ونفوره منه، فإنه يجد في المرض هذه الذريعة. بل أكثر من ذلك، فإنه صار يشعر بحرية لتبني أكثر الآراء تطرفاً، والتقلب بين الأدوار كيفما أراد، طالما أن مظهره المزري هو سلاحه في ردع أي شخص يلومه. هكذا، سيستخدم مرضه لينال من كل شيء، "سأقولها كلما تجاوز أحد الطابور الذي أقف فيه، أو تجشأ أحدهم بجانبي، أو حين يحك أحدهم عضوه على الملأ. وسأكون محقاً بها كلما ركضت خلف معاملة حكومية، أو أوقفني شرطي المرور، أو تأخر طلبي في المطعم. وإذا رفضتني فتاة سأقول: ولكن كيف؟ أنا مصاب بالسرطان! (...) لقد شعرت بأني صلب حقاً، بإمكاني أن أواجه الناس جميعاً. بإمكان المرض أن ينال مني، وسأكون سعيداً بهذا، طالما ظل يمنحني المكنة على أن أنال من أي شيء آخر". تتجلى براعة "عزيز محمد" في قدرته على التعبير عن الألم النفسي الذي يعاني منه بطله، والمترافق مع الألم الجسدي، فهو يستيقظ كل يوم متوقعاً أنه سيعاني حتى قبل أن يبدأ بالإدراك والشعور، ويصير غير قادر على الفصل بين الألمين، ومعرفة أي منهما يشحذ الآخر. هكذا، يجعل القارئ مشدوداً ومتحفزاً لقراءة المزيد من كتابة المريض عن ألمه، وذلك بسبب جمالية تصويره لهذا الألم، وبلاغة التعابير التي يستخدمها في وصفه، حتى يغدو ما يكتبه عبارة عن مذكرات للألم "الذهني"، وما يحركه في دواخل الإنسان من أفكار واستعادة لذكريات بعيدة والتأمل فيها وإعادة اكتشافها بعينٍ جديدة. على امتداد تلك الكتابة، يعقد "المدعو ك" مقارنات بين مرضه الجسدي، وذلك المرض الذي يستشري في المجتمعات الرأسمالية، كأنه سرطان آخر. وكما يدمر الفايروس الأنسجة والخلايا في الجسم ويفقدها مناعتها فإن فايروس النظام الرأسمالي في العمل يدمر طبيعية الحياة وإنسانية الفرد، ويفقده حقه في الخصوصية. "منذ الآن، على كل موظف أن يوقع وثيقة تمنح الشركة الحق في مراقبة ملفات الكومبيوتر واستخدام الإنترنت، لدواعٍ أمنية كما يقولون. هناك أيضاً كاميرات مراقبة جديدة في كل زوايا القسم. (...) ما الذي يدفعك للتوجس، إن كنت لا تملك ما تخفيه؟ الخصوصية؟ ماذا تعني؟ لا تفرط في تقدير حياتك الخاصة. المزيد من الرقابة تعني المزيد من الأمن". وفي خضم كل ذلك لا تغادر البطل روح السخرية والهزء من كل شيء، وكأن الحياة كلها لا تعني له أكثر من فكاهة، ما يمنعه من إكمال ضحكته عليها "الأسى العذب على زوال الأشياء".