Skip to content
غلاف كتاب المشاءة

المشاءة

تأليف

3.0(٠ تقييم)٢ قارئ
عدد الصفحات
٢٠٨
سنة النشر
2017
ISBN
9789953895352
المطالعات
٩٢١

عن الكتاب

تمشي بلا توقُّف. تكره الكلام. تكتب أنَّ اللسان عضلة زائدة عن الحاجة. تربطها الأمّ بحبلٍ ينتهي بمعصم الأمّ نفسها. تستبدل صوتَها والكلمات بالرسوم والألوان، وتكتشف أنّ الحياة إنَّما هي تمارينُ على شعور الدخول في الموت، وأنَّ كلّ ما يحصل تمرين، مثل التمرين على الرسم والخطوط والألوان. تصف الموت وتشكِّله بالألوان، وتجعلنا ننصت إليه، وسط عالمٍ يتلاشى فيه المعنى والأمّ والأخ والحبيب والقلم الوحيد الذي تملكه.

عن المؤلف

سمر يزبك
سمر يزبك

كاتبة وصحافية سورية، ولدت في مدينة جبلة سنة 1970. عملت في عدة صحف عربية وسورية، وكتبت للتلفزيون أفلاماً تتناول قضايا حقوق المرأة. أصدرت 11 كتاباً بين قصة ورواية وسرد منها «صلصال، لها مرايا، جبل الز

اقتباسات من الكتاب

"لكلّ كوكب من كواكبي السرّية أهميته، لكن كوكب الطين، له أهمية استثنائية. هذا الكوكب لن يختفي حتى أختفي. هذا جيّد. لوني مثل لون الطين، وإنْ كان بدرجات متفاوتة. لكنّ أصله طين، وهو أحد ألواني المفضلة. نحن ألعاب من طين، ألعاب صغيرة سريعة الكسر والتفتت، إذ يكفي خدش بسيط في أجسادنا لنتحوّل إلى غبار. وتتقطع أعضاؤنا ببساطة. أنت لا تصدّق؟ استطعت التحقق من هذا عندما قُصف بيت أم سعيد وسقطت القذيفة قربها، وتحولت إلى تمثال نصفي من الطين. تمثال بلا ساقين. لعبة بلا ساقين. كانت أم سعيد تمشي على ساقين، وكانت مثل جبل، ومن المستحيل التفكير في أنّ معجزة قادرة على إزالة هذا الجبل، تحولت أم سعيد إلى لعبة طينية بلا ساقين، خلال ثوان»

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٨‏/٦‏/٢٠١٧
«المشّاءة» (دار الآداب) رواية سمر يزبك الأولى بعد الحرب السورية، والخامسة في مسيرتها الروائية. هذا التحديد الزمني مهم جداً في التعامل مع هذه الرواية، التي انتظر كثيرون قراءتها لمعرفة رؤية يزبك التخييلية إزاء حربٍ وثّقتها بكتابين يحويان يوميات الحرب في سورية وشهادات من أهالٍ ومقاتلين، «تقاطع نيران» و «بوابات العدم». قد يظنّ بعضهم أنّ من السهل على كاتبة متمرّسة بناء رواية نواتها الرئيسة حاضرة في واقعها وبين أوراقها، هي التي تسلّلت من تركيا إلى الشمال السوري في ريف إدلب (بين عامي 2012 و2013) وكتبت مذكرات تسجيلية للقاءاتها وانطباعاتها حول ما يجري في بلدها. لكنّ التحدّي الحقيقي يظلّ في انقياد الكاتبة نحو سردٍ قوامه التخييل الإبداعي، لا الواقع التسجيلي. ومع قراءة العمل، يلتمس القارئ قدرة الكاتبة على إذابة كل مشاهداتها (العينية) في قالب روائي يُعبّر- تخييلياً- عن الواقع الخارجي (المُتعيّن). لم تُخالف سمر يزبك توقعات القرّاء حين جعلت من الحرب تيمتها الرئيسة. فالحرب جذر مشترك في كلّ ما كتبته وتكتبه منذ بداية الثورة، مقالة ونصّاً ويوميات ورواية. لكنّ الحرب لم تحضر في «المشاءة»، عبر نقلٍ مرآوي، شديد الالتصاق بالواقع. إنما أعادت تشكيلها من خلال حكايةٍ ترويها- بصيغة المتكلم- فتاة (مُصابة بداء المشي)، هي أبعد الناس عن حرب شعواء يتحكّم فيها وحوش الداخل والخارج. وهي تُشرك القارئ في «تشكيل» حكاية تنسجها من حكايات كثيرة، مستخدمةً جُملاً «توصيلية» من قبيل: «سنعود إلى حكاية الحاجز»، «أين كنّا؟»، «هل أخبرتك إيّاها»... فيعتقد كلّ قارئ (عبر هذا التكنيك) أنّه هو المُخاطب المجهول الذي تكتب اليه البطلة روايتها من «قبوٍ في قلب الحصار». اختلاف تستخرج الراوية أفكارها تدريجاً - بالطريقة التي تخطر لها - بحيث تلجأ إلى تقنية «التناوب»، فتتوقف عن سرد الحكاية الأولى لتروي جزءاً من الثانية ثم تعود إلى الأولى. ومن ثمّ نكتشف أنّ ثمّة مساراً زمنياً محدداً تتبعه الراوية، يحفظ تراتبية الأحداث وتدرّجها. ولعلّ المحطات التي تتوقف عندها الراوية مقرونة دائماً بفكرة «الاختفاء»: اختفاء الأب (البيت)، اختفاء الأم (حاجز الاستخبارات)، اختفاء الفتاة الصلعاء (المستشفى العسكري)، اختفاء الأخ (الحرب في الغوطة)، اختفاء صديقه حسن (القبو تحت الحصار). وهذا إن دلّ فعلى فكرة الطمس والمحو والانعدام. وماذا بقي من سورية في صراع البعث الشمولي مع المتطرّف العقائدي؟ نعود إلى النصّ حيث يبدو لافتاً جداً تكرار السرد. فالراوية ترجع مراراً في خطابها الى الحدث عينه كأنما لترسخه في أذهاننا (علاقتها بالأوراق والمكتبة، معصمها المقيّد بمعصم أمّها...). وإذا قرأنا عن معنى هذا التكرار في معاجم النقد، نجد غالباً أنّ «تكرار السرد شائع عند الأطفال. هم يطلبون دائماً إعادة الرواية التي رويناها لهم، وكثيراً ما يتمنون إعادتها في الحال». وتأتي هذه التقنية لتُرسّخ طفولية الشخصية (وهي شابة لم يُحدّد اسمها ولا عمرها)، المأخوذة بعوالم «أليس في بلاد العجائب» و «الأمير الصغير». وبالحديث عن هاتين الروايتين، نجد أن يزبك تُقيم علاقات ظاهرة مع نصوص عربية وعالمية أخرى، لكنّ هذا التناص يأتي تارةً حرفياً كما في الاستعانة بنصّ (فصل) من كتاب الثعالبي وعنوانه «في ضروب الألوان والآثار»، وطوراً محاكاةً بمعنى التقليد والتحويل كما في «الأمير الصغير»: «ترى الحياة كأنها عبارة عن مستطيل غريب الشكل، يشبه الأفعى التي تبتلع فيلاً» (ص 48). حين نقرأ في مستهلّ الرواية «لا أعلم إن كنت مهتماً بملمس الأوراق... ولن يُفيدك أي تفصيل أضيفه حول أصابعي حين أمررها فوق الأسطر التي دوّنتها يداي»، ثمّ نقرأ في اختتامها «لم أعد أركّز في الحروف. عليّ أن أصرخ»، نفهم أنّ تلك «الأسطر» ليست أكثر من صرخة أطلقتها البطلة أخيراً بعد سنواتٍ من «الخرس» الاختياري. كأنها تعوّض بالكتابة عن فضفضة لفظية حُرمت منها (لا تحرّك عضلة لسانها)، وفضفضة بصرية ضاقت عنها (مقيدة داخل غرفة ضيقة). تصف الفتاة نفسها (في الصفحة الأولى) بأنّها «مختلفة عن بقيّة البشر»: «أقف وأنطلق بالمشي. أمشي وأمشي. أرى الطريق بلا نهاية. تقودني قدماي وأمشي. أنا ألحق بهما فقط» (ص7). لكنّ «المشي» هنا لا يحمل المعنى الفلسفي اليوناني، ولا يُقارب المفهوم الذي طرحه أنطوان أبو زيد في روايته «المشّاء»، وإن كان العنوان يُحيلنا عليها. ولعلّ «مشّاءة» سمر يزبك ليست سوى النموذج المتخيّل للسوري التائق إلى التحرّر والانطلاق بعد عقود من حياةٍ متشنجة، أو الأصحّ مكبلة، في السجون كما في الشوارع والمنازل التي تنمو على جدرانها الآذان. تحافظ يزبك على مستوى كلام بسيط يتناسب وشخصية الفتاة، فتبدو ألفاظ الراوية أبسط من معانيها، هي التي اكتشفت مثلاً أنّ الحياة ليست أكثر من تمرين على الموت، تماماً مثلما نتمرّن على الخطّ واللون قبل الرسم والكتابة. تحولات ظلّت يد الابنة «المشاءة» مربوطة دائماً بيد أمّها حتى ارتسم على معصميهما سواران بلون الدم المتجمد. أما اختلافها عن الآخرين فجعلها في نظر الجميع «مجنونة». ولم يكن ممكناً أن تلتحق بمدرسة، فظلّت حبيسة غرفة ضيقة في مخيم جرمانا، أو في مكتبة الستّ سعاد. البيئة الاجتماعية التي تنتمي إليها الفتاة وعائلتها معدومة. تعمل الأم في تنظيف حمّامات إحدى المدارس. كانت تصطحب ابنتها معها، تُقيّدها بأحد عوارض المكتبة بحبل طويل وتتركها تحت مراقبة أمينة المكتبة، الستّ سعاد. في ذاك المكان، وجدت الراوية «كوكبها السحري»، على طريقة بطل أنطوان دو سانت اكزوبيري. علّمتها الست سعاد على مدار سنوات الكتابة والقراءة حتى صارت المكتبة كلّ حياتها. وحين تعود الى البيت، تقضي وقتها بالرسم والقراءة والكتابة. فالورق متعتها الوحيدة، وإن كانت تستمتع أحياناً بمداعبات الشاب الذي يوصل اليهم الأغراض من دكان الخضرجي. مرّة، أرادت الأم وابنتها تلبية دعوة الست سعاد الى بيتها في «ساحة النجمة». كان عليهما أن تقطعا محطتين (باصين) كي تصلا الى المدينة. توقف الباص الثاني عند حاجز تابع للاستخبارات، أخذ يدقق في الهويات. يسبّ بعضهم، ويُجبر بعضهم الآخر على النزول لأنّه من قرية لا يوالي أبناؤها جميعاً النظام. وفي خضم معمعة التنزيل، انقطع الحبل الذي يربطها بيد أمها، فكأنّ حبل السرة انقطع فعلاً بين الأم وابنتها. شعرت بأنها ولدت من جديد حين استقلّ جسدها عن جسد أمها، فراحت تمشي بحرية غير آبهة بصراخ أمها. قدماها تجرّانها بلا وعي والأم تلحق بها. أطلق العسكري النار عليهما فتموت الأم وتستفيق الابنة الجريحة في المستشفى العسكري على صوت ممرضة تقول «هذا جزاء من يتظاهر ضد سيادة الرئيس». الذات التقت هناك بنساء معتقلات سياسيات، سمعت منهنّ ما لم تسمعه يوماً. إحداهنّ كانت صلعاء بعينين دائريتين وواسعتين جداً. سألتها إن كانت بكماء، فأجابتها بالإيجاب، علماً أنّ خرسها كان خياراً لا قدراً. « أنا لست خرساء، وكنت أرتّل القرآن، لكنني لا أرغب في الكلام، وأحبّ قراءة كتاب «الأمير الصغير» بصوتٍ عالٍ عندما يغيب أخي وأمي عن البيت» (ص 55)، تقول الراوية. وحين أخذها شقيقها من المستشفى، ذهبا معاً الى الزملكا في الغوطة الشرقية. سكنت في بيت تجتمع فيه عائلات، علمت من الحياة معهم أنّها لم تكن تعرف شيئاً من حقيقة هذا العالم، «ولا حتى ظلال هذا العالم الذي اعتقدتُ أنّ الكتب أخبرتني عنه بكل شيء» (ص75). وراحت تعلّم الأطفال الرسم بالألوان قبل أن تقصفهم الطائرات بالكيماوي وتجعلهم جميعاً بلون واحد. ترصد سمر يزبك الحرب السورية الراهنة من الداخل. تتفادى أيّ مقاربة عيانية - اجتماعية، وتغوص في ذات الفرد نفسه. تطلّ على مشهد الدمار الشامل بعين فتاة تنتمي إلى فئة الشخصيات التراجيدية المتروكة لأقدارها. أما البطل الحقيقي للرواية فيبقى «الغياب»، الذي يبتلع كلّ الشخصيات، بمن فيها الراوية التي تبقى وحيدة داخل قبو في مدينة محاصرة بلا أكل وشرب، فنتوقع أن تتيبّس في النهاية كما تيبّست التفاحة التي ظلّت تأكلها على مدار أيام. «وأنا حكاية سأختفي ربما... حلقي جاف، رأسي يدور، لم أعد أركّز في الحروف. وعليّ أن أصرخ» (ص 206). وهذه النهاية تأتي لتُضيء معنى الإهداء الذي كتبته يزبك «إلى رزان زيتونة، في غيابها المرّ». تُضاف «المشّاءة» إذاً الى روايات كثيرة عن الحرب السورية الراهنة، ولكن هل يمكن هذه الكتابات المتكاثرة أن تؤسس لمرحلة جديدة في الأدب السوري؟ وبماذا عساها تُسمّى، أدب الحرب أم الثورة؟
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٨‏/٦‏/٢٠١٧
تروي الكاتبة السوريّة سمر يزبك في روايتها "المشّاءة" حكايات من واقع الحرب السوريّة المستعرة على لسان طفلة صغيرة ساهمت ظروف الحرب بإنضاجها قبل أوانها، ودفعتها إلى التحدّث بلغة الكبار واستخدام مصطلحاتهم الغريبة عليها. تحكي كيف أنّ الحرب شوّهت طفولتها وبراءتها وألقت بها في عتمة قاتلة، وأوقعتها ضحيّة إجرام عبثيّ يمارسه أشخاص تجرّدوا من إنسانيّتهم وتحوّلوا إلى وحوش بشريّة. الطفلة التي تعاني كثيراً من المشاكل النفسية والجسدية، لا تستطيع المكوث في مكان بعينه، تبقى دائرة حول نفسها، ماشية من نقطة إلى أخرى. يمنحها المشي قدرة على التنفّس، يحقٌّق لها كينونتها المستلبة، ويبقيها على تواصل مع الحياة. وكأنّ المشي يكون بالنسبة لها صمّام أمان، أو كوّة تنفّس إجباريّة تفقد من دونها هويّتها وتوازنها وتقع فريسة مخاوفها والمخاطر التي تحيق بها من مختلف الجهات، لكنّها تفقد تلك المتعة واقعياً، وتسجن وتحاصر، فتسعى إلى التعويض في السرحان بالخيال والمشي في الأعماق المنفتحة على مآسٍ رهيبة.. الطفلة التي كانت تعيش مع أمّها العاملة البسيطة على في الغوطة الشرقية لدمشق، على أطراف بلدة جرمانا، في غرفة بائسة، تكابد مع أمها جراحها ومشقات العمل والاستمرار، تشاهد أمها وهي تضغط على نفسها، لا تفصح عمّا يكئبها، تحاول قمع ابنها الثائر على جرأته ومقاومته واستعماله مفردات الثورة المرعبة لها، والتي تكون كفيلة بدفعه إلى حتفه في حال تمّ القبض عليه أو الوشاية به من قبل النظام الذي يتعامل مع معارضيه بطريقة انتقاميّة بشعة. تتناسل الحكايات، تتوالى، تتوالد كصور حية في ذهن الطفلة الراوية التي تشعر أنها موكولة بنقل مآسٍ تكون شاهدة عليها، تدوّنها للريح والزمن، تتوجّه إلى قارئ مفترض يمكن أن يعثر على أوراقها المتناثرة في المكان الذي احتجزت وحوصرت فيه، وكان الناس يتساقطون أمامها جرّاء القصف المستمرّ بمختلف أنواع الأسلحة عليهم من قبل النظام. تتنقّل الطفلة الراوية في عوالمها السحريّة، تتحدّث عن كواكبها السرّيّة، تنقل أحلامها وكوابيسها، يتداخل لديها الواقع بالتخييل، تهرب من بشاعة المعاناة والتقييد إلى رحابة الحلم الذي يعيدها من جهة أخرى إلى واقعها العنيف الهشّ، ويغرقها بالفجائع. وتراها تتحرّر من الالتزام بحبكة متصاعدة، تختار الحكايات كدوائر تتقاطع وتتماس فيما بينها، تدور في فلك مأساتها الشخصيّة ومأساة بلدها العامّة. تستعين الطفلة الراوية بكتب أثرت فيها بطريقة ما كـ"الأمير الصغير"، "أليس في بلاد العجائب"، "فقه اللغة"، تتماهى مع أبطال الحكايات التي تتذكّرها، وتعجب بمرونة اللغة وانسيابيّتها وقدرتها على التوصيف واختلاق المرادفات والتعبير عن المعاني، وتكون بحكم إدمانها على القراءة في المكتبة مطلعة على كثير من الأشياء والأفكار التي تكون غريبة على مَن بعمرها، ثمّ تحاول نقل تلك التجارب القرائية إلى حكايات مصورة ومكتوبة إلى قرّاء مفترضين، تبوح وتكشف عمّا ينخر روحها، وتتصدّى بالكتابة لجرائم الواقع، توثّق مشاهداتها، تؤدّي دورها في الحرب كشاهدة شهيدة. تستنطق صاحبة "لها مرايا" الطفلة الصغيرة وتكلّفها بتأدية مهمّة كبيرة، وهي الانتصار للضحايا وتجريدهم من حالة الترقيم، والحديث عنهم كأرواح وبشر لا كأرقام ضائعة في لجّة الحرب والقتل والدمار. تكون الطفلة بائحة بهواجس محيطها، متقمّصة بدورها شخصيّات أكبر منها، وتكون أداة الروائيّة في لعن الحرب والاقتتال بالبراءة والأسى. تراها تحكي عن أجساد مقطّعة وأشلاء متناثرة وكأنّها تحكي كابوساً من كوابيسها التي تغرقها، لكنّها في الواقع تهرب من حصارها واختناقها وقيودها وتسرح بخيالها في عالم المشي المنشود الذي حرمت منه. يحكم وثاق الطفلة إلى حديد النافذة في قبو بائس، تشهد من مخبئها دمار البلاد برمّتها، تشهد مجزرة الكيماوي المرتكبة في الغوطة، تكاد تكون إحدى ضحاياها، تصوّر المشهد المأسويّ المرعب بلغة اللون والصورة والرسم، لا تكاد اللغة تسعفها في نقل الخراب والعنف والإجرام والإرهاب الذي عاشته مع غيرها من أبناء الغوطة وضحايا الكيماويّ، تبتدع ألواناً للعذاب الذي تفشّى هناك ودمّر الحياة والطبيعة، وتخترع لغة تواصلها الخاصّة وأبجديتها المشفّرة التي تختصّ بها وتلجأ إليها. تلتقط الراوية مفارقات عبثية ومشاهد أليمة ومريرة، تصوّر التغيير الذي اجتاح المكان؛ دمشق ومحيطها، وكيف أنّ الشوارع قطّعت أوصالها، وجعلتها جزراً بعيدة عن بعضها بعضاً، حبست أهلها وحاصرتهم بالحواجز التي بدأ عناصرها من الجيش والشبيحة بابتزاز الناس واستغلالهم والتقاط المشكوك بهم، ناهيك عن عرقلة حركة المرور وتلويث المدينة بممارسات قذرة وشعارات طائفيّة بغيضة. تصرخ الطفلة الغافية المقيّدة معرّية وحشيّة الحرب وإرهاب المجرمين، تستغيث، تبحث عن بارقة أمل وسط الخراب المعمّم، تتشبّث بخيط الحياة، تنجو من عدد من المجازر التي تشهدها، تستذكر أشخاصاً صادفتهم أو صادقتهم لفترة ثمّ فقدوا بطريقة بشعة في القصف والتعذيب. تتخلّل إلى مخابئ النظام والمشافي التي حوّلها إلى سجون وأماكن تعذيب، تكشف ما يسود من رغبة انتقاميّة قاتلة لدى الشبيحة وحقد منقطع النظير على أبناء البلد الذين يرونهم أعداء ومجرمين فقط. يكون هناك نوع من المحاكاة والتقاطع من قبل صاحبة "بوّابات أرض العدم" في "المشّاءة" مع كتاب "آخر الشهود.. لحن منفرد لصوت طفل"، للبيلاروسية سفيتلانا أليكسييفيتش الحائزة جائزة نوبل للآداب سنة 2015، التي روت على ألسنة الأطفال مشاهداتهم وحكاياتهم وتصوّراتهم عن الحرب البشعة التي شهدوها وعانوا من ويلاتها، وكانوا أبرز ضحاياها، وحملوا معهم ندوباً غير قابلة للمداواة والتطبيب، وجراحاً دائمة النكء عبر الزمن، وظلّوا قابعين في أنفاق الخوف والفقد لعقود، وكان البوح وسيلة استشفاء نسبية لاحقة لهم.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٨‏/٦‏/٢٠١٧
بعد كتابي "تقاطع نيران" و"بوابات أرض العدم" اللذين صدرا في السنوات الأولى من الانتفاضة السورية، تطلّ علينا، سمر يزبك، في رواية "المشّاءة" (دار الآداب، 2017، 206 صفحات) التي تنقلنا إلى فضاءات سوريالية تتقاطع مع فضاءات الانتفاضة السورية. الأنا الساردة الرواية كلها عبارة عن سرد مكتوب بضمير المتكلم، يُنقل بصيغة حديث موجّه لشخص يبقى خافياً علينا حتى النهاية. تقول بطلة الرواية - وهي فتاة خرساء في التاسعة من عمرها، ويعتبرها الناس مجنونة، وتقيّد دائماً بحبل في معصمها - إنني "وُلدت وأنا لا أستطيع التوقف عن المشي. أقف وأنطلق بالمشي. أمشي وأمشي. أرى الطريق بلا نهاية. تقودني قدماي وأمشي. أنا ألحق بهما فقط". فلا علاقة لها إذن بالمدرسة المشائية الأرسطية ولا بالمشائين في الفلسفة. أبو الفتاة هجر زوجته وابنه سعد وبنته (التي لا نعرف اسمها) وهما صغيران، لأسباب تبقى مجهولة. وتروي الفتاة أن أمها كانت تصطحبها معها إلى المدرسة التي تعمل فيها كعاملة تنظيف. وكانت تقيّدها في مكتبة المدرسة كي لا تمشي حيث تسوقها قدماها. فحنّت عليها الست سعاد أمينة مكتبة المدرسة وعلمتها القراءة والرسم. وذات مرة دعت الست سعاد أمَ الفتاة وابنتَها لزيارتها في "ساحة النجمة" في دمشق. وكان على الأم، التي تسكن غرفة واحدة في مخيم جرمانا أن تأخذ باصين للوصول إلى قلب المدينة، وكان عليها أن تتوقف عند حاجز للمخابرات وجيش الدفاع الوطني. وعند تدقيق الهويات ينقضّ الأمن على شاب ويقول له: "انزل يا حيوان. من جوبر يا ابن الكلب". رُكل الشاب بشراسة، وأنزل باقي الركاب بعنف من الميكروباص. وأثناء فوضى التنزيل، انقطع قيد الفتاة، فوجدت نفسها حرّة. فراحت تمشي: "كنت أمشي، فعلاً كنت أمشي! ولا ألتفت! أسمع صراخاً وأمشي. أنا أمشي. أنا أمشي". فأمرها العناصر بأن تتوقف، ولكنها تابعت سيرها، فركضت أمها وراءها لتوقفها، ولكن أحد العناصر أطلق عليهما النار، فماتت الأم وجرحت البنت في كتِفها: "لم أفهم لماذا انهال ثقل أمّي فوق جسدي، ولماذا رمت نفسها عليّ، ووقعتُ أرضاً على الإسفلت الحار، ولم أحرك جسدي. وشعرت بأنفاس أمي وهي تضمّني [...] ورأيت أبواط العساكر المغبّرة، والمحيطة بي". وفي فرع فلسطين حيث تم توقيفها أتى عنصر وأخبر الممرضة أن الأم قُتلت خطأ، وأنهم ينتظرون "أخي لاستلامي". وسمعت الممرضة تقول لإحدى الفتيات اللواتي جُرح أخوها: "هذا جزاء الخونة ومن يهاجم ويتظاهر ضد سيادة الرئيس". وفي الفرع تتعرف على بعض المعتقلات اللواتي تمّ التنكيل بهنّ. وأفرج عنها بسبب بكمها، فاستلمها أخوها سعد وهربا على ظهر "طرطيرة" إلى الغوطة الشرقية، وتحديداً إلى "زملكا". "أخي ورث مهمّة أمي في عملية الفك والربط. لكنه لم يقيدني إلى يده. صار يحمل على ظهره سلاحاً ثقيلاً". وأودعت الفتاة في كنف عائلة طيّبة، وراحت تعلّم أطفال الحي أن يلوّنوا ويرسموا. وكانت ترسم لهم صوراً مستوحاة من روايتي "الأمير الصغير" و"آليس في بلاد العجائب"، وهما الروايتان اللتان تشكلان خلفية لافتة لرواية "المشاءة". وكطفلة، تقدم لنا الرواية، مشاهداتها عن الأجواء العسكرية والاجتماعية التي كانت سائدة في الغوطة الشرقية: قصف الطيران، المسلحون المعارضون، عائلاتهم وأطفالهم الذين كانت الراوية البكماء ذات التسع سنوات تعلمهم الرسم وترتل لهم القرآن [المحيّر في الرواية كيف تستطيع البكماء ترتيل القرآن وهي بكماء؟ ولكن للخيال دوراً لا يمكن إنكاره]. ورغم تقييدها كانت تمشي: "كنت أمشي في الحلم ولا أتوقف. أمشي ولا... أتوقف، وأسمع صوت أمي. وجهها لا يبدو أمامي، أرى شعرها فقط". وبسبب القصف الشديد وإلقاء السلاح الكيماوي على الغوطة، اضطر سعد إلى مغادرة المكان ليقاتل في مكان آخر، ولكنه أودع أخته لرفيقه في السلاح: حسن. وشاء القدر أن تبقى على قيد الحياة بعد سقوط الكيماوي على المنطقة. وتصف لنا الراوية الفظائع التي شاهدتها في مشفى عربين، وحالة المصابين بالكيماوي: "أمسك حسن برأسي ووضعه في حضنه وهمس: لا تموتي". وقال لي حسن لاحقاً: "إن الطائرات بعد أن ألقت الغاز، عاودت القصف من جديد، وأصابت سيارات الإسعاف التي جاءت لإنقاذ المصابين، والناس الذين هربوا من القذائف السامة، وصعدوا إلى الطبقات العليا، لأن الغاز يستقر في الطبقات السفلى، قد ماتوا في القصف". كانت الجثث تتكوّم حولها، وظن المسعفون أنها ميتة. وسمعت أحدهم يصرخ بطفله المدنف: "بابا لا تنام". أما حسن فصفعها قائلاً: "فيقي... لا تنامي". وتقول الراوية: "كان هذا تمريني الرابع على الموت. اكتشفت في الأيام الماضية أن الحياة هي تمارين على شعور الدخول في الموت. كل ما يحصل هو تمرين، مثل التمرين على الرسم والخطوط والألوان". وفكّرْت في رسم صورة الموت، ورأت أنه ورقة بيضاء تتحول إلى الأسود ثم تعود بيضاء خلال ثوان. "حتى فتحتُ عينيّ على سقف الغرفة التي بدت لوهلة تمطر بقشور الدهان، وهطل المطر من جديد، كانت هي اللحظة التي عدت فيها إلى الحياة". وينقلها حسن أو الشاطر حسن كما تقول، إلى أحد الأقبية "الآمنة" ويوثق ربطها كي لا يعاودها وسواس المشي، وترك لها كيساً من التفاح ووعدها بأنه سيعود قريباً. وأثناء غيابه كانت تهجس بالرسم والألوان واستذكرت - وهذا طبعاً من سمر يزبك - فصلاً من كتاب الثعالبي عنوانه "في ضروب الألوان والآثار" شرح فيه معاني الألوان: الأبيض "هجان، خالص، ناصع، يقق، بهق، واضح..."؛ الأسود "أدلم، ظل، أربد، آوى، أحوى...". وتقضم ما تبقّى من التفاحة الأخيرة التي تركها لها حسن. وتسبح في عالم الحروف والألوان؛ فتتصور الأبجدية كالتالي "الألف تنتهي بطير له جناح واحد. الباء تنتهي بجناحين. التاء تنتهي بعود ثقاب. الثاء فوق نقاطها الثلاث تضع مظلة. السين تنتهي بسرير بقوائم عالية. الجيم والحاء والخاء، تنتهي بأصابع كف..."، الخ. وخلقت أبجديتها السوريالية، كما خلقت ألوانها. ولكن "هل توجد جمل تستطيع وصف اللون الذي كانت تتركه القذائف الكيماوية؟ هل كان أزرق؟ رمادياً مائلاً إلى الزرقة؟ هل كان شفافاً وأزرق؟ أنا وصفت اللون بالبنفسجي. ولكن، هل هو تماماً هكذا؟". وتنتهي الرواية بتعداد الحكايات المتناسلة التي قَصّتها الراوية: "حكاياتي لم تنتهِ، وحكاية حسن لا تزال في البداية. حكاية أمي التي اختفت. حكاية الفتاة الصلعاء التي اختفت. حكاية أخي الذي اختفى. حكاية أم سعيد التي اختفت. حكاية حسن الذي اختفى... وأنا حكاية سأختفي [...]. لم أعد أركز في الحروف. وعليّ أن أصرخ". حكايات دائرية متداخلة ثمة لازمة لافتة في رواية "المشّاءة" ترجئ القصّ إلى زمن لاحق: "هذه قصة أخرى سوف أرويها لك لاحقاً"، "هذا غير وارد الآن"، "هذا ما سأحكيه لك لاحقاً"، "أفضل الاستمرار في حكايتي كما هي"... وهذا يخلق نصاً مليئاً بالتداعيات التي ينبغي على القارئ ربط تفاصيلها. وعندما تؤجل الكاتبة قصة من السرد، تستدركها لاحقاً، ولو بصورة ضمنية. إنها تقفز فوق حدث ما، وتنبّه القارئ إلى ذلك كي تحرّض عنده عنصر التّشويق. وهذا أشبه بالدمى الخشبية الروسية المتداخلة التي توقّف عندها طويلاً فلاديمير بروب في تحليله بنية الحكاية، ونجد نواتها في حكايات ألف ليلة وليلة. أجواء سوريالية "استيقظتُ في أحد الأيام ورأيت أنني ضوء معلق في السقف"؛ "أرى عيني أخي تكبران وتكبران وتتحولان إلى بالونين". ومن خلال الكواكب السرية المقتبسة فكرتها من رواية «الأمير الصغير» لأنطوان دي سانت اكزوبيري، تسبح الراوية في عالم فانتازي. فعندما كانت أمها تبقيها عند الست سعاد في مكتبة المدرسة كانت مخيلتها "تزدحم بحيتان بيض طائرة، وبنجوم ذات لون برتقالي تتحرك بين الصفوف، وشخصيات تختفي من وقت لآخر"، وكانت تظهر لها كائنات غريبة وتسمع أصواتها في رأسها: "حيتان بأقدام نعامة، وقرد برأس زرافة، وأرنب بريش نعام، أما الجمل فنبت له جناحان صغيران، مثل جناحي وطواط عند رقبته". وفي المكتبة، "كانت الدروب تحملني، لم أكن أمشي، كنت أبقى واقفة في مكاني، تمسكني بعض النباتات المتدلية من أغصان الأشجار، وتطوف بي العالم كله". وتصرّح قائلة: "صرنا أصدقاء، أنا والأمير الصغير. تعلمت منه، كيف أبني كواكبي، كما فعل هو، وكان عليّ بناء الكواكب". وتتصور أيضاً أنها استيقظت ذات يوم ورأت أنها "ضوء معلق في السقف، وكنت أتأرجح داخل ورق مقوى لونه أبيض، بياضه ناصع"، هذا ما رأته بعد أن أصيبت بالسلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية. وتعود إلى حكاية "آليس في بلاد العجائب"، وتريد أن تضيف إليها بعض المخلوقات: "لو كنت أعيش في ذلك الزمن الذي كُتبت فيه الحكاية، لاقترحت على كاتبها أن يضيف مجموعة أسماك تطير في دروب الغابة التي تجتازها آليس. أسماك تظهر فجأة وتختفي، تدور حول رأس آليس مثل الجنيات، وتطلق فقاعات في سماء الغابة، وهذه الفقاعات يجب أن تكون ملونة، وكل سمكة لها فقاعاتها الخاصة بلونها، وهذه هي أنوار، أنوار الغابة التي كانت تنقص الحكاية...". كذلك تود لو أن أنطوان دي سانت إكزوبيري "أضاف مجموعة أخرى من الكواكب، مختلفة الحجوم، كواكب هي ساعات عملاقة تحيط بكواكب الأمير الصغير". * * * هذا الجو الاستيهامي الذي خلقته، سمر يزبك، في رواية "المشّاءة" هو الجو الذي عاشته وتعيشه سورية خلال السنوات الخمس الأخيرة، إذ هو جو عبثي مثقل بالأحداث اللامعقولة وغير المتوقعة، التي لا تستشف حقيقتها إلا مخيّلة جبّارة كمخيلة الراوية "المشّاءة" المكبلة التي مشى بها الخيال بعيداً بعيداً. ألا تمثّل هذه الراويةُ المقيدةُ سورية في واقعها وتوقها الى الانطلاق من جديد؟