Skip to content
غلاف كتاب من أنت أيها الملاك
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

من أنت أيها الملاك

4.0(٢ تقييم)٤ قارئ
سنة النشر
2009
ISBN
0
المطالعات
٦٠٦

عن الكتاب

من أنت أيها الملاك؟ رواية إبراهيم الكوني الجديدة... ترتحل بنا عبر الصحراء إلى أسئلة الهوية، الأمل واليأس، التصوف، القتل، الحب والكره، التضحية.... بين الصحراء والمدينة. شخصيات قوية يحتويها السرد المميز.

عن المؤلف

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني

ولـد بغدامس ليبيا عـام1948 .أنهـى دراستـه الإبتدائية بغدامس، والإعدادية بسبها، والثانوية بموســكو، حـصل على الليسانس ثم الماجستير فـى العلوم الأدبيّة والنقدية من معهـد غوركى لــلأدب العــالمـي بموسكـو

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١١‏/١١‏/٢٠١٥
كلّ شيء يبدأ بالإسم .. أو قد ينتهي به كل شيء ! »خاطبَ رفيقَ منفاه في جوف السّجلّ المدنيّ قائلا : – خرجتُ في غزوة لاسترداد الاسم المُغتصب، فإذا بي أجد نفسي وقد أضعتُ طريق العودة، اسمي أيضا إلى جانب الإسم المُغتصب ! اغتصبَ ضحكة مريرةً قبلَ أن يضيف : – أنا الآن أيضاً بلا اسم «(ص. 111 ) هكذا وصَفَ بطل الرواية “مسّي” بليّته لرفيقه في الإنتظار “موسى” داخل مبنى سلطات التسجيل المدني للمواليد الجُدد الذي انتظر فيه طويلاً جدّا لتسجيل اسم لنجله “يوجرتن” الذي رُفض بحجة عدم وجوده في “اللائحة المنزلة” للأسماء القانونية التي تعتبر لائحة مقدسة يستحيل مخالفة ما تمّ تدوينه فيها من أسماء. فيستغرب “موسى” من طريقة كلام “مسّي” ليشرح له هذا الأخير كيف أن اليأس عزاءه الوحيد : » – يُدهشني أن أسمعك تتحدث عن البلية بمثل هذه الرّوح. – لا أفعل ذلك من باب ادعاء البطولة، ولكن اليأس أيضاً خلاص.«(ص.112 ) ليس هذا فقط، فإن الحكم بعدم قبول الاسم كان يعني للأب والطفل معاً الحكم بالاعدام على قيد الحياة، وفعلاً، فقدَ “مسّي” اسمه أيضاً أثناء رحلة الصّراع لأجل “يوجرتن” بداخل المبنى نفسه بحجّة مفادها أنه لا يوجد دليل على أن بطاقة هويته قانونية لأن الإسم المسجّل ليس أيضاً من الأسماء “المنزلة”، فكيف يُعقل أن دائرة سجّلات مدنية قد سمحت به؟ تبدأ الرواية بلحظات انتظار.. يليه انتظار ثم انتظار آخر إلى نهاية ظلت مجهولة في نظر “مسّي” على الأقل قبل أن يبدأ مُسلسل الإستدعاءات، ولا فرق بين انتظار وآخر سوى في حجم القلق واليأس الذي يتزايد كل يوم بنفس عدد الأيام التي كان يكبر بها “يوجرتن”. لكن ما سرّ هذا الإسم الذي تسبب بعدّة كوارث للأب الذي لم يكن يطمع من وراء كل القصّة سوى أن يسجّل اسماً اختاره هوَ لخليفته من بعده للحفاظ على تراث الأسلاف؟ “يوجرتن” اسم يعني في لغة الأسلاف بطل الأبطال. ولكن المشكلة أن القانون لا يرغب، بل يرفض رفضاً قاطعاً كل رمز –والإسم هنا أحد هذه الرموز- يحيي التاريخ بأحداثه أو شخصياته أو نواميسه. وهذا ما يبينه الحوار بين “مسّي” وأحد الذين استجوبوه : » – أليسَ خطيئة في حقّ الوطن أن نمنع من التداول تلك الأسماء التي افتدى أصحابها حرية الوطن بأرواحهم يوماً؟ – نحن نضع وحدة الهوية فوق كل اعتبار، لأننا لا نحيا بناموس التاريخ ولكننا نحيا بقوانين الواقع الحاضر. – اللهفة على وحدة الهوية لا تجيز لنا أن نطلق النار على التاريخ ! يسكتُ صاحب الإستجواب، فأضاف “مسّي” : – إكبار الأسلاف لا يهدد وحدة الهوية لأن شروط أي وحدة هوية إنما تكمن في لمّ شمل الأجزاء، لا بِـدقّ الإسفين في الكيان ليتفتت إلى أجزاء! « إن المشكلة إذن لم تكن مشكلة اسم غيرمرغوب فيه وحسب كما اعتقد “مسّي” في البداية، ولكنها في الواقع كانت مشكلة صراع عميق بين التاريخ بما هو ماضي والهوية بما هي حاضر ومستقبل. لقد كان فقدان “مسّي” لبطاقة هويته مصدره فكرة “الإغتراب” التي كانت السلطات تؤمن بها، فبالرغم من أنه ابن الوطن بما هو مدينة وصحراء إلا أن القانون كان يعتبره مغترباً، وقد أخبره أحد المستجوبين أنه ما كان عليه أن يهجر الصحراء نحوَ المدينة “لأن الإغتراب في عرف الوطن خيانة للوطن”. وأي اغتراب في أن يهجر “مسّي” الصحراء نحو المدينة بحثا عن لقمة العيش بعد أن انتهك الإنسان كل خيراتها ! لهذا السبب يحاول “مسّي” أن يشرح دوماً أنه ابن الصحراء، وأنه بالرغم من أنه لا يحمل شهادات إلا أنه تعلم في جامعة الصحراء ما لا يمكن تعلمه في أي مؤسسة مدنية، وهذا ما يجعله متمسكا باسم لا يعرف دلالته إلا هو وأسلافه الذين عاشوا في الصحراء التي خربها الإنسان. ومع الإستجوابات المتتالية كان “مسّي” يتحدث بخطاب الواثق مما يفعله، وأحيانا كانت عباراته الجريئة تستفز الآخرين غير أنه لم يكن يبالي، وليس أمرا غريباً أن يدافع عن قناعاته هذا الدفاع المستميتَ وهو الذي انتظر سبعة أعوام أو يزيد في مبنى السّجل المدني لا لشيء سوى لكي يحظى ابنه باسم تركه الأسلاف بعد أن ضحوا بالغالي والنفيس لأجل حرّيتهم وحرية القادمين من بعدهم. لقد كانت نواميسُ السلطات تقضي بأن يُمسحَ كل أثر لتاريخ الأسلاف، وأن يُعدَم كل من فكّر في الحفاظ على آثاره، وهل من إعدام أقسى من الحرمان من الهوية في دولة مدنية فيصبح كل تحركٍ بدون هوية بمثابة تهديد للحياة؟ ربما كانت قصّة الإسم هنا تذكرنا بقصّة “كلّ شيء Alles ” لـ إنجيبور رايخمان حيث وصل الأب إلى خلاصة مفادها أن كل شيء يبدأ بالإسمالذي سيختاره لولده، وأن المرء عموماً يولد من اللغة وفيها وبأنه يحقق ذاته فيها ويتعذب بها وبداخلها وأنها السبب الأساسي لصداماتنا المتكرر مع الواقع وثوراتنا. وربما تشابهت القصّتان في هذه النقطة بالتحديد كما سيظهر لاحقاً حينَ سيفقد الأب في رواية ابراهيم الكوني “يوجرتن” الإبن بسبب “يوجرتن ” الإسم الذي هو مجرد لغة و رمز لكنه سبب التراجيديا التي ظلت تلازم كل الأحداث. بعد مُسلسل الإنتظار تبدأ الأحداث بالتسارع بوتيرة مرتفعة، فبعد وفاة زوجته بسبب هموم حرمان ابنها من الإسم، ها هو “مسّي” يلجأ هذه المرة لورقة ضغط هي القانون، فهل فعلاً للقانون سلطة ستعيد إليه الاسمين الضائعين؟ يذهب “مسّي” إلى “الداهية” الذي هو المحامي الشهير بكسبه للقضايا المعقدة، ويشرح له الورطة التي وقع فيها منتظراً شعاع أمل واحد في كسب المعركة، غير أنه يتلقى صدمة أخرى من المحامي بعد أن عرف بأن المعركة هي ضد لجنة تملك سلطة أقوى من القانون : »– الحق أقول لك : لا أمل لمظلوم في نيل حقّ مغتصب ما لم تتنازل البشرية عن كبريائها الزائفة، لتقي بالقوانين الوضعية في صناديق القمامة، لتذهب لاعتماد القانون الأخلاقي وحده ! « (ص. 124) يبدو أن لهذه العبارة دلالة فلسفية عميقة، ففي الوقت الذي تدّعي فيه أجهزة الدولة أنها تتبنى القانون لحماية الأفراد والمظلومين نجد أنها لا تخدم سوى أصحاب النفوذ والصّيت الذي لم يكن لـ “مسّي” نصيب منه. يعود الكاتب ليتحدث من جديد عن الجانب المُظلم من القانون الوضعي في صفحات أخرى من الرواية وذلك في اللحظة التي ذهب فيها “مسّي” لمخفر الشرطة قاصداً تقديم شكوى بعد اكتشافه بقضية سرقة “الحجر المقدس” الذي يعدّ كنزاً من كنوز الصّحراء : »– الحجَر الذي يحمل بصمة الأسلاف ليس كنز الدنيا، ولكنه وصيّة روح. – أفهم أن يكون الحجر الذي تتحدث عنه وصيّة روح، ولكن كيف السبيل إلى إقناع أبناء هذا الزمان بهذه الحجة؟ – ظننت أن الحيلة إذا أعجزت سلطان العُرف فلا يجب أن تُعجز الحيلة سلطان القانون الذي يملك الحق في أن يضرب بيدٍ من حديد. ابتسمَ رئيس المخفر بمرارة. توقف عن سعيه وقال : – يدهشني وجود المخلوق الذي يعول على سلطان القوانين. « (ص. 243) في هذا المقطع من الحوار يبدو “مسّي” مجرد مغفل دخل مركز الشرطة وهو يجهل الحجم الحقيقي لهذا السّلطان الذي يريد الإستعانة به. ويالها من خيبة أمل ! لكن “مسّي” وكما عوّدنا دائماً، يواصل السّجالَ رغم نظرات السخرية التي يتلقاها واليأس الذي يحيط به، فيجد له في الضمير آخر ملجأ للدفاع عن قناعته : » – يجب أن نعوّل على سلطان الضمير لا على سلطان القوانين. – الضمير فارس حقّا ولكن البلية أنه فارس أعزل ! – قد يفلح فارس الضمير وهو أعزل، في ما يفشل في عمله سلطان القوانين وهو مُدجج بألف سلاح.. « (ص. 243 ) هنا يتجلى الصراع بينَ القانون والضمير الأخلاقي وقد بلغ ذروته، فـ “مسّي” لم يعد يعقد الكثير من الأمل على القانون الوضعي الذي هو من صنع إرادة الإنسان الطامع في الجاه والسلطان، خصوصاً بعد الحقيقة القاسية التي واجهه بها “الداهية” و مسؤول قسم الشرطة وحتى المستجوبون، فيتجه بنظره نحو الضمير الذي نفهم أنه أصبح آخر حلقة يمكن التعلق بها، ولو كان “مسّي” يخفي وراء قوة جداله الكثير من الضعف. خلالَ مُجريات الأحداث نلاحظ تصاعداً غيرَ مألوف في حدّة المشاكل التي تواجه “مسّي” في كل مرحلة، فما بدأ بصراع لأجل الحصول على هوية للإبن “يوجرتن” انتقل إلى مشكلة فقدان هوية “مسّي” الذي حافظ رغم ذلك على إصراره وروحه العالية في التحدي، ولم تقف المشاكل هنا، فبعد مدّة قصيرة يحدث خصام بين “يوجرتن” وأحد أطفال الحي يؤدي بكليهما إلى قسم الشرطة حيث ينجو الخصم لا لشيء سوى لأنه قال للشرطي أثناء طلب بطاقة الهوية إنه نسيها وحسب، في الوقت الذي يثور فيه “يوجرتن” ويدافع بشراسة عن قناعة ورثها من أبيه : »إن المواطن الحقيقي ليس في حاجة إلى امتلاك هوية إثبات لا لأنه لا يشك في انتمائه إلى الوطن وحسب، ولكن لأنه يحتقر كفالة يثبتها ذلك القرطاس التافه الذي لا يتسابق للحصول عليه إلا أولئك الذين يشكّون في انتمائهم إلى الوطن لأنهم لم يعترفوا به وطناً أصلاً إلا يوم ضاقت به الثروات !« (ص.129) » البريء وحده لا يحتاج لشهادة براءة. « (ص. 131) بعد خبر اعتقال الإبن، يأتي إلى “مسّي” رفيقه في قاعة الإنتظار “موسى” ليعرض عليه صفقة مغرية بالعمل في شركة التنقيب عن المعادن في الصّحراء لحساب “الباي” الذي هو مديرها، مقابل أن يستعمل هذا الأخير نفوذه لاسترجاع الهوية الضائعة وتغيير الإسم لحساب “يوجرتن” وأيضاً إخراجه من السجن . وكما يبدو فإن العرض كان بمثابة أملٍ أخير يمكن البطل من ضرب عصفورين بحجر واحد لولاً أن الثمن كان غالياً، لأن العمل في هذه الشركة كان يعني للبطل خيانة الأرض بمساعدة أهل المدينة على اغتصاب خيرات الصحراء من نفط ومعادن وأسرار تختبئ في جوفها. ولكن بعد تفكير طويل، لجأ البطل “مسّي” إلى القبول وتوقيع الصفقة على حساب القناعات والمبادئ لا لشيء سوى لأنه كان يرى أنه في سبيل الإبن يهون كل شيء ! وفعلاً يذهب الأب رفقة ابنه في رحلة العمل في الصحراء آملاً أن يتحقق ما وعده به “الباي” بعد العودة، ثم يقضي جلّ وقته خلال الرحلة رفقة “يوجرتن” ليكشف له خبايا الأسلاف وأسرار الصّحراء معتقداً أن خليفته الوحيد يجب أن يحفظ السّر من بعده، وخلال الرحلة يلتقي “مسّي” بالرجل الأول الذي أخذ منه ملفّ تسجيل اسم الإبن والذي طُرد من الدائرة مباشرة بعد قبوله الملف من “مسّي”، وسيروي له ما حدث بعد تلك الحادثة، وسيكون له دور مهم في كشف بعض ما يخفى على “مسّي” لاحقاً. أثناء العودة للمدينة يقرر الأب بيع المنزل وأخذ الابن معه إلى الصحراء من جديد، في الوقت الذي كان يرفض فيه الإبن الفكرة تماماً كما سبق وقال له أثناء حوارهما في الصّحراء : ” أن أحيا في المدينة باسم مفترض أهون عندي من أن أحيا في هذا العَدم باسم مُكتسب.” (ص. 163) بعد أيام قليلة يكتشف الأب كارثة جديدة وهي أن “يوجرتن” الذي لم يرضَ بهذا الإسم الذي جلب له الويلات منذ ميلاده، قد غير اسمه إلى “جريء” ولحق بصبيان يعانون من نفس مشكلته – بلا هوية – و يخططون في مكان سرّي لنَسف دائرة السجّلات المدنية، ثم يترك الإبن البيتَ خوفا من العودة إلى الصحراء. يحاول جار “مسّي” أن يفسر له سرّ هروب الإبن قائلاَ : »الأبناء في سن الطيش لا يهجرون مأوى الآباء إن لم يضمنوا وجود مأوى آخر أكثر إغواء من مأوى الآباء. إنهم كالنساء اللائي لا يهجرن رجلاً إن لم يضمنّ وجود رجل آخر بالإنتظار. « (ص.212) وربما كانت هذه المقولة تعني الكثير، فهذا الأب ربما لم يكن يشعر في قرارة نفسه بأنه السبب في ما يجري بسبب عناده وعدم محاولته تغيير الإسم قبل فوات الأوان، وهذا ليس غريباً جداّ ما دام يعيش في زمن الماضي، ويريد إحياء التاريخ ولو على حساب حياته. يستعين الأب بحفيد الجار ليجد ابنه في منزل رفقة الصبيان المغتربين فيحذّره من خطر الانتقام والتخطيط لنسف الدائرة : ” وصية الأسلاف تقول : إياك أن تفعل شيئا على سبيل الإنتقام.” (ص.225) يرد الإبن بثقة كاملة وكأنه اكتشف خدعة ما تكمن في وصايا الأسلاف المقدسة : ” وعلى الرغم من ذلك لم تكن حياة هؤلاء الأسلاف سوى انتقام في انتقام ! ” (ص. 225) وهذا امتداد لما قاله من قبل : ” إن من فقد كلّ شيء ليس عليه أن يخاف أي شيء ! ” (ص.249) فما هو “كل شيء” يا ترى؟ إنه الإسم. ولا شيء غير الإسم الذي هو هويّة وتاريخ الإنسان، خصوصاً في عصر المدنية، حيث لا يمكن، بل ويستحيل في عرف القانون أن يعتبر إنسانا حيّاً ذاك الذي يتحرك بدون هوية منذ الميلاد، هذا إن تجاوز عنه المجتمع واعتبره “مغتربا” وحسب، أما إذا صادف وجوده في مجتمع من يحسبون أنهم أرباب على النّاس فإن وصف “اللقيط” لا يفارقه مهما حدث، فيضيف على شرّ انعدام الهوية شرّا آخر يزج به في سجن الحقارة والبذاءة بسبب جريمة لم تحدث يوماً. إن كل ما بدأ بالاسم سينتهي حالاً به ! فحتى ذاك الإبن الذي كان يظن “مسّي” أنه صارع لأجله القلق والإنتظار والخوف وحتى التهديد بالموتِ ها هو في النهاية يزيل القناع عنه ليبدو مجرد خائن لوصايا الأسلاف بعد أن اكتشُف أمره بأنه من دلّ “الباي” على مكان الحجر السّري الذي كشف والده سره له أثناء خلوتهما في الصحراء، فيصدم بأن وريثه الوحيد كان يخطط لنفس ما يخطط له هؤلاء الذي قضى عمره منتظراً في دائرتهم. لكن هل للإبن مبرر لفعلته التي تعدّ خيانة عظمى ؟ لو نظرنا للرواية في مجملها لوجدنا أن الإبن كان يبرر فعلته في كل كلمة ونظرة يواجه بها أباه حين يتحدث له عن الأسلاف حتى ضاق ذرعاً بهذه الأسطوانة التي لم يكن أبوه يتقن ترديد سواها. أن تولد محروماً من الإسم، وتحرم بعده من الأمّ، ثم من حنان الأب والمدرسة، فهذا يعني أن لعنة ما قد أصابتك. ولا يمكنك أن تفكّر في طريقة فهم الأب للأحداث إلا وتكتشف أنه رجل أناني جدّا لا يريد في الحقيقة لابنه إسماً بطولياً بقدر ما يريد إسما يخلّد خليفته من بعده، ما يعني خلوده هوَ كأب سينتمي فيما بعد للأسلاف. ولكن يبدو أن الإبن في النهاية فقد كلّ أمل في الحياة بالطريقة التي يريد، فاستسلم ورحلَ رفقة أبيه باتجاه الصّحراء هناكَ حيثُ انتهى كل شيء.. نعم، فقد نحَر “مسّي” خليفته “يوجرتن” بـطل الأبطال، كما حدثَ في قصّة إبراهيم وإسماعيل، غيرَ أن السماء هذه المرة لم تُنزل أضحية تفدي “يوجرتن”، فقد تقبّل المصيرَ بدون مقاومة. ” استقرّ النّصل المغسول بروح الإله الأبدي في نحر السّليل فَخرّ الإبن أرضاًـ انبثق الدم غزيراً من النحر ليسيل عبرَ الحضيض. تسلّل عبر الأرض الظمأى ليروي شجرة الرّتم فحشرجت الضّحية : – كأني أضحية العيد ! في البعد البعيد لفظَ معبود الأسلاف السماوي أنفاسه الأخيرة أيضاً، ليسلط على النسل المخضب بالدم شعاعاً مخضباً بالدم أيضاً، كأن الشعاع كانَ تلويحاً بتحية وداع.” (ص. 255 والأخيرة.) بهذه الكلمات الدّامية ينهي “ابراهيم الكوني” روايته الدّامية أيضاً، ويكون مصير سؤاله “من أنتَ أيها الملاك؟” أن الملاكَ يموتُ قبلَ أن يعرف أحدُ من يكون.. وهنا نتذكر رمزية لوحة رآها “مسّي” ذات يومٍ في مكتب رئيس الدائرة المدنية حيثُ كان الملائكة يحلّقون بأرواحهم كأنهم طيورٌ سماوية، وكان القاسم الوحيد بينهم أنهم لم يحظوا باسم ككل البشر، فولدوا ولم يولدوا، ثم ماتوا ولم يموتوا فعلاً.. ذلكَ ان هناك من البشر من يلعب دورَ الآلهة التي تحيي، فيـمنع الحياة عمّن يريد ببساطة لا تتجاوز رفض توقيع واحد على قبول اسم ما، ظنّا منه أن مقدار الحبر الذي سيوقّع به أغلى وأنفس من حياة كائن ينتظر خلف جدران الدائرة بشغف إسماً يؤسس به تاريخه ويعلق عليه آماله البسيطة في الحياة كالآخرين. هكذا إذن يكون ابراهيم الكوني قد نسجَ بعبقرية الفيلسوف خيوطاً ميتافيزيقية لفلسفة ما وراء السطور، وعبّر بإبداع الروائي عن عدّة قضايا كـ الهوية، التاريخ، السلطة، القانون، الأخلاق، اللغة، المصلحة.. وغيرها، ورصَد ما بينها وبين الواقع من علاقة جدليةٍ ليكشف المستور بتعرية واقعٍ مرير. حينَ انهيت الرواية شعرت بارتجاج أصاب دماغي ويدي التي كنت أعوّل عليها أن تكتب شيئاً عن الرواية، فما كان بيدي سوى أن أهجر قاعة المكتبة الضخمة تاركة الملاكَ فوق أحد الرّفوف والذهول لا يفارقني.. ومنذ ذاك الحين لم أتوقف عن ترديد : ” لو كانت هذه هي الرّواية، فـهذا بالضبط ما أريد أن أكتب مثله ! “
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٩‏/٦‏/٢٠١٥
ما يلفت النظر في رواية إبراهيم الكوني هو الغياب شبه التام للمرأة. لا تكاد المرأة تحضر إلا في بضع جمل على لسان شخصيات الرواية. رواية مدهشة هل يمكن تصور إنسان بلا اسم؟ هل يمكن أن يولد ويعيش ما شاء له أجله، ثم يموت دون أن يعرف له اسم؟ كيف يمكن تمييزه بين البشر؟ كيف يمكن الحديث إليه والحديث عنه؟ لكن هل الاسم هو ما يميز أفراد البشر فيما بينهم؟ ألا تكفي ملامحهم شارة للتمييز؟ بل إن الملامح في هذه الحالة أكثر دلالة على الفروق بين الناس من أسمائهم. مع ذلك فحاجتهم لتمييز أنفسهم بالأسماء أشد من حاجتهم للتمييز بالملامح. لماذا؟ ظني أن فكرة التسمية في حد ذاتها علامة على الفرق الجوهري بين الإنسان وغيره من الحيوانات. هناك في البشر ما يسميه إرنست كاسيرر "جوع إلى التسمية"، وهو جوع يقبض الإنسان بواسطته على العالم ليعيد فهمه وتنظيمه كيفما شاء. وهو نتيجة تالية لامتلاك الإنسان اللغة/العقل. دون هذا لا فرق كبير بين الإنسان وغيره من الكائنات. قد تكون غريزة الاجتماع لدى البشر وما يترتب على هذا الاجتماع من حقوق وواجبات ومعاملات إحدى الأسباب للتسمية، لكن لو وجد إنسان وحده في هذا الكون، وامتلك اللغة، فلا بد أن يسمي نفسه باسم في مواجهة العالم الذي يعيشه. • سؤال جوهري ما القيمة الوجودية للاسم؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي تدور حوله رواية "من أنت أيها الملاك" للكاتب المبدع إبراهيم الكوني. رواية ليست كأي رواية، تبزغ في عالم الكوني فتزيده ألقا فوق ألقه. فيها من التأمل والفكر مساحة تشغلك في أثناء قراءتها، وتزيدك انشغالا بها بعد أن تفرغ منها، رواية لا تهمل الحكي برغم استغراقها في مسائل فلسفية عصية على الوضوح بطبيعتها. ومن ثم فأنت ترى فيها أشخاصا كأنهم من لحم ودم، وترى حوادث تشغلك، كما ترى فيها أفكارا تجوس خلال دروب الحكي وتفاصيله الكثيرة. بنى الكوني عالم روايته بناء يشبه ما فعله جورج أورويل في روايته "1984". وعلى حين هيمن الأخ الأكبر على البشر من خلال أجهزة التنصت والقمع والرجال المنبثين في كل ركن في رواية أورويل، فقد اختار الكوني مكانا واحدا رئيسيا يظهر من خلاله هيمنة الدولة على مقدرات البشر: مكتب السجل المدني الذي يتم فيه تسجيل أسماء المواليد، ومن ثم إعطائهم هوية. رحلة الأب "مسي" التي بدأت في السجل المدني ليسجل مولوده "يوجرتن"، وانتهت في صفحة الرواية الأخيرة بقتل الأب لابنه. وما بين البداية والنهاية يظهر تعنت موظفو السجل المدني وسطوتهم في عدم الموافقة على الاسم الذي اختاره الأب بحجة أنه ليس من الأسماء المنزلة في القوائم لديهم، ومن ثم عليه الانتظار، طال هذا الانتظار حتى استوى المولود فأصبح صبيا، ثم شابا يافعا دون أن تتاح له الفرصة للحصول على اسم يدخله عالم الأحياء الذين تعترف بهم الدولة في سجلاتها، وتتعقد أمور الأب فيسحب منه هو أيضا اسمه، وبالتالي تسحب هويته ليعود كابنه شخصا لا وجود له. وفي النهاية يقرر الأب أن يعود من حيث أتى: إلى الصحراء حيث يجبر ابنه على الذهاب معه، وهناك على مشارف الصحراء يستل مدية كانت معه، ويطعن بها ابنه الذي يصيح وهو يموت "كأني أضحية العيد". تثير حبكة الرواية أسئلة قد تهدمها من أساسها، لماذا اختار الأب اسم "يوجرتن"؟ ولماذا أصر عليه؟ ألم يكن يعلم بأمر القوائم المنزلة، ويعلم بسطوة أجهزة الدولة التي تتدخل حتى في اختيار أسماء مواطنيها؟ في الرواية إجابات عليها، وفيها مواجهة شجية بين منطق للأب وآخر للابن حول هذا الموضوع. الأب ليس بطلا خارقا يتوهم أنه سيصارع الدولة وينتصر عليها. هو يعلم حدود نفسه ونطاق قدراته، لكن له منطقا جادل به كل من التقاهم من مسؤولي السجل المدني، أما خلاصة ما ردوا به عليه فهو أن النظام أهم من الأفراد، وأن الحفاظ على هوية الدولة من خلال الحفاظ على قوائم الأسماء المنزلة يقتضي التضحية أحيانا بالبشر. أما الابن فقد فشل أبوه في إلحاقه بالمدرسة مما اضطر الابن إلى الالتحاق في نهاية الأمر بعصابة تنوي تفجير السجل المدني، وأما الأب فإنه بعد أن انتزعوا منه اسمه وفشله في تجديد رخصة محله وعدم استعانة أحد به في أي عمل، اضطر لبيع بيته والعودة من حيث أتى: إلى الصحراء. يمكن لك أن تقرأ الرواية في بعدها الرمزي، وهنا ستجد الرواية كثيفة الرموز، متعددة التأويلات بدءا من رمز التسمية في ذاته مرورا بالسجل المدني وكل موظف فيه، إلى الدولة نفسها وحتى الأب وابنه ورمزية العلاقة بينهما والمشهد المؤثر في النهاية حين يقتل الأب ابنه. لكني في بقية المقال سأركز على جانب تقنيات الحكي والكيفية التي أثرت بها على "ثيمة" الرواية. • بناء غرائبي بنى الكوني روايته بناءً غرائبياً احتلت فيه الثنائيات مكانا مميزاً. مؤشر الغرائبية حاضر في حالة التردد التي تواجه قارئ الرواية، فبحسب تودروف "إن الفانتاستيك هو تردد كائن لا يعرف سوى القوانين الطبيعية أمام حادث له صبغة فوق طبيعية". وقارئ "من أنت أيها الملاك" يواجه عالماً روائيا ليس من جنس ما يعرفه في العالم الطبيعي سواء في علاقاته أو شخوصه وطريقة تمثيلهم أو في حوادثه والمآلات التي تصل إليها. من ثم يصاب بحالة التردد التي تؤثر –لا شك- على طريقة تلقيه للعمل، ومن ثم يحاول أن يخلق له آليات قراءة مختلفة ومرجعيات تصديق ليست من جنس ما يستخدمه في العالم الواقعي. وهو أمر حيوي لا بد من إنجازه على أعتاب الرواية قبل اتخاذ قرار بالاستمرار في القراءة وتصديق هذا العالم الموازي الماثل أمامه. ويمكن أن تلمح الغرائبية في بؤر كثيرة داخل الرواية سواء في التعسف اللامعقول في قبول الاسم الغريب، أو في تراتبية العلاقة بين موظفي السجل المدني، ثم علاقتهم بالمترددين عليهم، وطبيعة الجزاءات التي توقع على أخطاء لا معقولة، أو حتى في هيكل الدولة كله القائم على تحكم غيبي ليس من السماء من قبل كائنات غير مرئية تستطيع أن تمنع وتمنح، أن تميت وأن تحيي. لكني أقف هنا عند ملمح غرائبي واحد له دلالة عميقة هو هذا التنافر الذي يبدو حادا بين كثير من شخصيات الرواية والأفكار التي تحملها واللغة التي تستخدمها في التعبير عن هذه الأفكار. في تردد الأب "مسي" المتوالي على السجل المدني بحثا عن اعتراف باسم ابنه المولود، أضاع الموظف المسؤول مستند المستشفى الذي جاء به "مسي"، ثم اختفى الموظف، فسأل عنه أحد السعاة في المكتب، دار بينهما حوار قال فيه "مسي": أيعقل أن يكون للموظف الذي اختفى بمستند المستشفى علاقة بالمساءلة التي تتحدث عنها؟ أجاب الرجل دون أن يلتفت إليه كأنه يحدث نفسه: لا أدري. ما أدريه حقاً هو أن أعضاء المحفل لا يختفون من هذا المكان إلا إذا اقترفوا آثاما. - اقترفوا آثاماً - إذا ارتكبوا أخطاء، كما تقولون في لغتكم، هنا يسمون ارتكاب الأخطاء آثاما لأن الخطأ قد يغفر، ولكن الإثم في معجم هذا المكان هو ما لا يغتفر. استولت الدهشة على "مسي"، تمتم: ولكنه إذا كان قد ارتكب أخطاء، أو آثاما كما تسميها، فقد ارتكب في حقي أنا لا في حق المحفل أو دائرة المحفل. - هذا ما تظنه أنت، ولكن سادة هذا المكان قد يظنون شيئا آخر. تململ "مسي" على أريكته الخشبية الأبدية، تمتم: الحق أني لا أفهم.. سأله الرجل فجأة وهو ينحني فوقه: ألم يحادثك المعني؟ - بلى - ماذا قال على سبيل المثال؟ - لقد استنكر الاسم، بل أخضعني لاستجواب غريب بشأن الاسم. هلل الساعي: أرأيت؟ لقد أخضعك لاستجواب لم يكن مخولا به، وهو ما يعني في ناموس الدائرة أنه اغتصب حقا لم يملكه. لا يتحدث السعاة في عالم الواقع بمثل ما عبر عنه ساعي الرواية، لا ثقافته ولا مفردات ألفاظه تتيح له هذا العمق البادي في ساعي "الكوني". إذن تخرج به الرواية من عالم الواقعي إلى عالم الغرائبي، وتجعله حاملا لأفكار وليس معبرا عن أعماق شخصيات من عالم الواقع. ثم تأتي إشارات في هذا المقطع الصغير لتزيد من غرائبية الرواية " كما تقولون في لغتكم" "الإثم هنا لا يغتفر" "حق المحفل" "سادة هذا المكان" "ناموس الدائرة"، وكلها عبارات تدفع بالرواية إلى منطقة ما هو فوق طبيعي، وتشير لقارئها إلى الأسلوب الذي يجب أن يقرأ الرواية به. • ليست حكاية للتسلية لكن الرواية لا تعزل نفسها تماما عن الطبيعي أو الواقعي، فهي ليست حكاية للتسلية، والإشارات فيها إلى عالم الواقع تشكل لب العمل ومنتهاه. إشارة واحدة في كل العمل، يتم تفسيرها من خلال المعارف القبلية للمتلقي تخبر بأن هذه الدولة التي تقمع أبنائها حتى أنها لا تتيح لهم حق التسمية هي ليبيا حين يتحدث الكوني عن الدولة التي تحيط بها الصحراء من كل الجهات إلا الجهة الشمالية، غير ذلك يعود الكوني ليحتمي بسياج الغرائبي في عالمه الروائي ليقيه سطوة المساءلة عن النوايا. تحفل الرواية بثنائيات مؤثرة على "ثيمة" العمل، وعلى تقنيات الحكي فيها، وعلى اللغة. ثم إنها ثنائيات لا يشتغل كل منها بمعزل عن الآخر، تبدو شبكة متداخلة قوية التأثير على أطرافها، عميقة التأثير على متلقيها. ثنائية الحرية/ القهر، ثنائية المدينة/ الصحراء، ثنائية المركز/ الهامش، ثنائية الفكرة/ الحدث. ويبدو الكوني في أغلب هذه الثنائيات منحازا إلى جذوره، مدافعا عن الصحراء، عادا إياها هي المركز وهي الحرية وهي المآل، وهي الفكرة التي يجب أن يعود إليها إذا أعيته السبل وضاع في دروب الحياة. أما ما يلفت النظر في الرواية أيضا فهو الغياب شبه التام للمرأة. لا تكاد المرأة تحضر إلا في بضع جمل على لسان شخصيات الرواية، واقترن حضورها بالموت سواء مع زوجة "مسي" أو ابنة موسى. وهو غياب يثير تساؤلات حول نظرة الكوني للمرأة من خلال أعماله لأن هامشيتها لم تقتصر فقط على هذا العمل، بل إنها أيضا هامشية في كثير من أعماله الأخرى, هذه قراءة سريعة لعمل إبراهيم الكوني "من أنت أيها الملاك". لكن تبقى الرواية مع ذلك أجمل من كل قراءة لها.