
مجاني
سادن
تأليف جريدي المنصوري
0.0(٠ تقييم)
عن الكتاب
ها هو جهار يغادر، قلقاً ومرتبكاً، مشوّش التفكير، تعصف به الهواجس، والأفق أمامه يضيق، خطواته تتعثر، يريدها ثابتة وسريعة فتأتي مضطربة وبطيئة، ويكاد الفتى أن ينكفئ على ذاته، إنه مشدود للخلف وقلبه هناك، ولكنه مع ذلك يحاول المسير ويجاهد نفسه ليُعيد لها التوازن والقدرة على مواجهة الموقف، فالموضوع الذي أخبرته به عمته وطلبت منه البدء في تنفيذه كان صادماً ومفاجئاً، ولا يحتمل التأخير، ومع أنه وصل البارحة من مدينة الطائف التي يدرس فيها إلى دياره في قرية عبقر إلا أنه الآن يغادر.
عن المؤلف

جريدي المنصوري
ا.د. جريدي سليم المنصوري .أستاذ الأدب والنقد بجامعة الطائف.وكيل الجامعة للإبداع والتنمية .الأمين العام لسوق عكاظ .مستشار بأمارة منطقة مكة المكرمة
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (١)
رانيا منير
١٢/٦/٢٠٢٥
تبدأ الرواية من نقطة تبدو بسيطة: جهار، الشاب البدوي، الطالب المتفوق في الطائف، يعود إلى القرية لزيارة عمته سلمى وحبيبته محمدة، أو "زعفران" كما يسميها. لكن الزيارة تتحول إلى نداء أسطوري: "من يأتني بغراب أزوجه محمدة". هكذا يعلن أبو محمدة، الذي حسب رواية العمة أصيب بمرض عضال ولا شفاء له سوى مرارة البعير "غراب" الذي هرب عائداً لدياره في الجنوب وعلى من يحب محمدة أن يجتاز الصعاب ليحضر الدواء له ولعمه.
"اسمع يا جهار عمّك مريض، وقد بحثنا له عن علاج في أفضل المستشفيات في الرياض وجدّة وزرنا أمهر الأطباء، ولم نجد له علاجاً بعد، مرضه عضال، وحين يئسنا اتجهنا إلى المعالج الشيخ إدريس محفوظ الغطريف، وهو رجل مبروك وحكيم معروف، فحصه وقال: دواؤك معروف، مرارة غراب" …
ينطلق جهار مع ذيبان، صديق الطفولة، في رحلة وجودية لا يبحث فيها عن غراب فقط، بل عن أجوبة لأسئلة تحاصر ماضيه وحاضره وستحدد شكل مستقبله. هل يستطيع الحب أن ينتصر على الخرافة؟ هل العلم يتفوق على السحر؟ وهل يستحق الإنسان الحب إن لم يكن غنيا؟ هل كان خروج ذيبان معه بدافع الصداقة أم الغيرة؟ هل كانت عمته تدرك فداحة ما فعلت عندما أرسلته وحيدا بصحبة بندقية معطوبة إلى حتفه؟ نفس البندقية التي كانت سبب يتمه.
"الأمر لا يحتمل التأخير انطلق الآن يا جهار، عليك اللحاق بغراب قبل فوات الأوان، بل عليك اللحاق بالجوهرة زعفران".
ولكن هل جهار نفسه بريء بالكامل؟ هل هو ضحية الآخرين أم ضحية طموحه ورغباته التي دفعته لتجاهل صوت العقل والخروج في رحلة انتحارية أشبه برحلة دون كيخوته، وراء خرافة يعلم زيفها لكن يرضخ لها ويقبل شروط اللعبة فقط ليثبت رجولته و"استحقاقه" للحب وأنه ليس مجرد "ابن مدارس" كما يصفه "ابن الحياة" ذيبان.
❞لماذا أتيت إلى هنا؟ كيف أتيت إلى هنا وأنا أعرف الحقيقة ولدي يقين، وأؤمن بالعلم، لا أعرف لماذا استعجلت واستجبت لرغبة عمتي، وانسقت خلف تخويفها لي، كانت تصرفات فوضوية، العقل الأمي يفرض سلطته، ومن يؤمن بالخرافة يملي شروطه، وأنت أيها المتعلم تمتثل وتنفذ، لماذا تعلمت إذن؟ كلام رجل شعبي لا علاقة له بالطب يؤخذ به في موضوع طبي خطير وحساس والمستشفيات الطبية تملأ المدن، ماذا أصابنا؟"
"سوف أثبت له ولغيره أنني أحب زعفران ولهذا غامرت بحياتي من أجلها في أودية الهلاك وقفزت على قناعاتي العلمية لأثبت لهم الحب والطاعة."
الحب؟ الكرامة؟ الخرافة؟ أم الحاجة إلى إثبات الذات أمام مجتمع لا يرحم هو ما دفع جهار إلى هذا؟ ولكن لماذا على نهايته أن تكون أيضاً بهذه المأساوية؟ لماذا لم يكتف من خذلان الحبيب، وخيانة القريب، واستغلال الضعيف. لماذا لم ينفض يديه من مكان العاشق فيه لا يُكافأ، بل يُفجَع. والصديق لا يساند، بل يُنافس. والأم لا تحمي، بل تُضلل.
أبعد أن كنا طيلة الرواية نتابع رحلته ونخشى عليه أهوالها ونتوقع موته عطشاً أو غرقاً أو افتراساً أو اغتيال صديق أو انتقام بعير أو ثأراً لمحبوبته أو حتى شوقاً وقهراً في الغربة، لكنه يتخطى كل ذلك بشجاعة عاشق ليموت في النهاية ميتة سوريالية في صاعقة؟
كان هذا السؤال إضافة إلى أسئلة كثيرة لم أفلح في إيجاد حل لها:
- أولها السؤال الذي طرحه ذيبان: أين ذهبت الرصاصة؟ وماذا فعل جهار بالبندقية في الرياض قبل أن يعيدها لمكانها؟
- لماذا لم تكتمل قصة نجمة تلك الفتاة البدوية التي أحبت جهار ماذا حدث لتلك العفريتة بعد أن طلبت نقل عملها من الرياض إلى جدة، فكما اعتدنا لا توجد أحداث عشوائية في الاعمال الأدبية كما يمكن أن توجد في الواقع.
- ما المقصود بأجنحة الجمل على الغلاف؟ هل تعني أن غراب مجرد أسطورة؟ وأن أغلب ما نتعلق به هو أوهام لا وجود لها؟ لماذا نشعر أن لقصة غراب تتمة، كوجود محاولة انتقام أخرى مثلا أو لحظة وصوله، لماذا اختفى من الحكاية وكأنه لم يكن محورها.
- ما سبب تكرار بعض الحكايات أو لنقل المعلومات في الرواية فكل فكرة يتم تناولها مرتين. كعمل والد جهار مثلاً، او أصل اسم جهار، أو معنى الأرقام التي توسم بها الإبل..
وبكل الأحوال جميلة هي الأعمال التي تترك خلفها أسئلة أكثر مما تمنح أجوبة جاهزة.
نص يستحق أن يُقرأ مرات، فهو بأبسط تأويلاته يذكّرنا أن الحب، مهما بدا خرافة، هو المعنى الوحيد الذي نرغب في اختباره، ولو أدى بنا إلى الصاعقة.








