تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب الطبل الصفيح
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

الطبل الصفيح

3.9(٣ تقييم)٧ قارئ
عدد الصفحات
٦٨٨
سنة النشر
1999
ISBN
0
المطالعات
٢٬١٥٥

عن الكتاب

"الطبل الصفيح" الرواية الأكثر شهرة في المانيا، تعد من أهم الأعمال الأدبية التي كتبت بعد الحرب العالمية الثانية، وما زالت إلى اليون مثار جدل واسع في مختلف الأوساط الثقافية والسياسية والاجتماعية. إنها رواية منذرة، جدية، عميقة الدلالة، ذكية في تناولها للموضوعات، المحرم منها والمباح، ولاذعة في سخريتها. وقد اعتمدت في بعض تقنياتها على أسلوب السرد العربي القديم الذي ينتمي إليه غراس حسبما أكد في مناسبات عديدة. توجت هذه الرواية الفريدة بجائزة نوبل في العام 1999. وبهذه الرواية تستهل "منشورات الجمل" نشر الأعمال الكاملة للكاتب الألماني الكبير غونتر غراس.

عن المؤلف

غونتر غراس
غونتر غراس

غونتر غراس (بالألمانية: Günter Grass) ولد في 16 أكتوبر1927 في مدينة دانتسيغ (ضمت إلى بولندا بعد الحرب العالمية التانية). شارك غونتر غراس سنة 1944 في الحرب العالمية الثانية كمساعد في سلاح الطيران الألم

اقتباسات من الكتاب

الثوب الواسع اعترف : بأنني نزيل إحدى مصحات العناية والعلاج، حيث يراقبني ممرضي، وبالكاد يصرف النظر عني، إذ أن ثمة عينا سحرية في الباب، بيد أن عيني ممرضي ذات لون بني غير قادر على رؤيتي، أنا الأزرق العينين. لذلك لا يمكن أن يكون ممرضي عدوا لي. لقد كسبت وده، وكنت أقص على الرقيب المتطلع خلف الباب، حالما يطأ غرفتي، وقائع من حياتي،، لكي يستطيع التعرف علي، على الرغم من العين السحرية التي كانت تعوقه، بدا أن هذا الرجل الطيب كان يحترم ما رويته عليه ويقدره، فكان يخرج لي، عندما أكذب عليه بعض الشيء، تطريزاته الجديدة، لكي يظهر نفسه عارفا. وقد استقبلت الصحافة معرض ابتكاراته استقبالا حسنا، وأغرت كذلك بعض المشترين كان يعقد بابتذال خيوط القنب التي يجمعها من غرف المرضى بعد انتهاء الزيارات ويفككها على هيئة أشباح متعددة الطبقات مرتبطة ببعضها، ثم ينقعها بالجبس ويتركها تجف، ليشكلها في دبابيس مثبتة بقواعد خشبية. وكثيرا ما كانت تراوده فكرة أن يبدع أعماله بالألوان، وكنت أنصحه بالعدول عن تلك الأفكار، مشيرا الى سريري المعدني المطلي بالدهان الأبيض، وأرجوه أن يتخيل هذا السرير المتكامل ملونا. فكان يصفع رأسه بيديه الحانيتين التضميديتين من شدة الهلع، ويحاول في الوقت ذاته أن يعبر من خلال وجهه المنكمش والمتصلب عن مخاوفه كلها، فيكف عن خططه اللونية. وبهذا المعنى، فإن سريري المعدني ذا اللون الأبيض في هذه المصحة، يعتبر معيارا للقياس، بل إنه يعني أكثر من ذلك : فهو الهدف الذي تحقق أخيرا، وهو عزائي وسلواي، ويمكن أن يصبح عقيدتي وايماني إذا ما سمحت لي إدارة المصحة بإجراء بعض التعديلات عليه. كأن أرفع مثلا قضبان السرير المشبكة الى الأعلى حتى لا يقترب مني أحد. ويحدث أن تقطع الزيارة الأسبوعية سكينتي المنسوجة بين قضبان الحديد البيضاء، ثم يأتي أولئك الذين كانوا يريدون انقاذي، مستمتعين بحبهم لي، والذين رغبوا من خلالي في التعرف على أنفسهم وعلى مقدرتهم وعمق احترامهم، كم كانوا يبدون فاقدي البصيرة، ومتوترين، وبلا تربية، وهم يخدشون بقلامات أظافرهم قضباني المشبكة بيضاء الطلاء، ويخططون بأقلامهم الجافة أو زرقاء الحبر أشكالا وقحة على الشراشف، وكل مرة كان المحامي المكلف بالدفاع عني يقلب قبعته النايلون فوق القائمة اليسرى عند نهاية السرير بعدما يفجر الغرفة بتحيته العاجلة. وبقدر ما تستغرق زيارته من وقت - إن المحامين يتمتعون عادة بقابلية مندهشة على الحديث - فإنه يسلب مني بهذا العمل القاسي مرحي وتوازني. وبعدما يضع زواري هداياهم فوق المنضدة البيضاء المكسوة بقماش من المشمع والمنتصبة أسفل اللوحة المائية لشقائق النعمان، بعد تمكنهم من استعراض محاولات الإنقاذ الجارية آنذاك، أو المزمع القيام بها، واقناعي، أنا الذي يسعون كلهم بلا كلل الى انقاذه، بذلك المستوى الراقي لحبهم للآخرين وغيرتهم عليهم، فإنهم يجدون لذة ومتعة في وجودهم ذاته. حينئذ يدخل ممرضي لكي يهوي الغرفة ويجمع شرائط الهدايا، كان كثيرا ما يجد بعد التهوية وقتا للجلوس على حافة السرير ويفك عقد الشرائط، مشيعا جوا من السكينة في الغرفة، حتى أنني أطلقت اسم السكينة على برونو واسم برونو على السكينة. لقد اشترى برونو مونستربيرغ - أعني ممرضي، لكي أتخلى عن اللعب بالكلمات - خمسمائة ورقة من ورق الكتابة على حسابي الخاص. وسيقصد برونو الأعزب، والذي ليس له أطفال والقادم من ناحية "زاورلاند"، في حالة أن يبدو احتياطي الورق غير كاف، يقصد مرة ثانية دكان اللوازم المدرسية، والذي يبيع لعب الأطفال أيضا، وسيوفي لي مكانا خاليا من الخطوط وضروريا لذاكرتي التي أتمنى أن تكون دقيقة. إنني لم أكن قادرا على أن أطلب من المحامي. أو من صديقي كليب تقديم هذه الخدمة. وأحضر لي برونو ذلك الشيء الذي كان سيمتنع أصدقائي عن احضاره والتزاما بالحب الموصى به لي، أحضر الشيء الخطير الذي ينطوي عليه الورق الخالي من الكتابة، والذي من شأنه أن يتيح لي فرصة الاستفادة منه ولنفسي التواقة دوما الى إطلاق المقاطع الكلامية. عندما قلت لبرونو "آه يا برونو، هل بإمكانك أن تشتري لي خمسمائة صفحة من الورق البريء"، أجابني وهو يتطلع الى سقف الغرفة، رافعا سبابته في الاتجاه ذاته، ناشدا المقارنة : "تقصد ورقا أبيض يا سيد أوسكار" لكنني كنت مصرا على كلمة بريء، وتوسلت به أن يلفظها أيضا في دكان القرطاسية. وحين عاد بحزمة الورق في المساء المتأخر أراد أن يظهره باعتباره برونو الذي تحركه الأفكار. كان قد ثبت بصره مرات عديدة في سقف الغرفة الذي كان يستلهم منه تأملاته وخواطره، ثم قال بعد فترة صمت طويلة : "انك نصحتني باستخدام المفردة الصحيحة فطلبت ورقا بريئا، لكن وجه البائعة اصطبغ بالحمرة قبل أن تجلب لي ما طلبت". فشعرت بالأسف لأنني أطلقت صفة البراءة على الورق، خشية أن يلحق ذلك حديث مستطرد عن البائعات في محل القرطاسية والتزمت الهدوء، منتظرا أن يغادر برونو الغرفة، وفتحت بعد ذلك الحزمة ذات الخمسمائة ورقة. لم يكن كثيرا ذلك الوقت الذي صرفته في رفع الكتلة الورقية المتماسكة ووزنها، وأحصيت عشر أوراق واحتفظت بالكتلة في الخزانة الصغيرة، وعثرت على قلم حبر في القارورة الى جانب ألبوم الصور، كان القلم مليئا تماما بالحبر، لا نقص فيه لكن كيف سأبدأ؟ إن المرء يستطيع أن يبدأ القصة من الوسط، ثم يسير بها متقدما أو متراجعا، بجرأة مخلفا وراءه الحيرة والارتباك. ويمكن أن يبدو المرء معاصرا فيلفي الأزمان والمسافات كلها، ليعلن، أو يدع الآخرين يعلنون أنه قد حل معضلة المكان - الزمان، وكذلك يستطيع المرء أن يدعي منذ البداية بأن من المستحيل كتابة رواية في هذه الأيام، لكن يراعه سيجود فيما بعد، ومن خلف ظهره كما يقال بتسطير عمل لا مثيل له، وبتسجيل سبق أدبي، ثم يتوج نفسه في آخر المطاف باعتباره آخر من استطاع كتابة رواية. وقد قلت في نفسي، أنا أيضا، بأن من المناسب، من ناحية ودية متواضعة التأكيد منذ البداية على أن : لا وجود اليوم لأبطال الروايات، لأن ليس هناك شخصيات فردية، ولأن الفردانية قد اختفت، ولأن الانسان بات معزولا، بحيث أن كل انسان أصبح منفردا بالقدر ذاته، ومحروما من العزلة الفردية، ومشكلا كتلة فردية خالية من الأسماء والأبطال. ويمكن أن تكون الأمور كلها جارية على هذا المنوال ومحتفظة بمصداقية ما، لكن فيما يتعلق بي وبممرضي برونو، فإنني أود التأكيد على أننا بطلان مختلفان تماما، حيث كان برونو يقف وراء عدسة الباب السحرية بينما كنت أنا اضطجع أمامها، واذا ما فتح الباب فإننا لا نتحول بالضرورة الى كتلة بلا بطل ولا أسهم على الرغم من الصداقة والعزلة. سأبتديء بنفسي من مسافة بعيدة إذ لا يجوز لأحد أن يعرض حياته ويسردها دون أزن يتحلى بالصبر، فيذكر على الأقل نصف أجداده قبل أن يؤرخ لوجوده الشخصي، إنني أقدم اليكم أنتم الذين توجب عليهم أن يعيشوا حياة مضطربة خارج مصحة العناية والعلاج التي أرقد فيها الآن. أنتم أيها الأصدقاء والزوار الأسبوعيين الذين لا علم لهم بمخزون ورقي، اليكم كلكم أقدم جدة أوسكار من ناحية الأم. كانت جدتي أنا برونسكي تتربع بثيابها الكثيرة ذات أصيل من شهر أكتوبر على حافة حقل للبطاطس. وفي الضحى كان يمكن رؤية الجدة وهي تنضد الأعشاب الذابلة في باقات منتظمة وفي الظهيرة تناولت قطعة خبز محلاة بالدبس الأسود. كانت قد حرثت الحقل للمرة الأخيرة قبل أن تجلس أخيرا فوق طويات ثيابها بين سلتين ممتلئتين. وأمام فردتي حذائها المتخالفتين اللتين وضعتهما بشكل عمودي كانت تتصاعد أحيانا نيران أعشاب البطاطس، متأججة باختناق وتبعث دخانها الى قشرة الأرض الخفيفة الانحدار على نحو هاديء ومرتبك ومتكلف، لقد حدث ذلك في العام التاسع والتسعين، فكانت الجدة تجلس في منتصف "كاشوباي"، بالقرب من "بيساو" بل كانت أكثر قربا الى معمل القرميد، جلست الجدة آنذاك أمام "رامكاو"، خلف ناحية "فيراك"، في اتجاه الشارع المؤدي الى "برنتاو" ما بين "دير شاو" و"كارتهاوس"، جلست مخلفة غابة "غولد كروغ" وراء ظهرها، وتزحزح بطرف عود محترق من خشب البندق حبات البطاطس الى قلب الرماد المتوهج. واذا ما كنت ذكرت للتو ثياب جدتي بشكل خاص، وأتمنى أنني قلت بوضوح كاف، لقد جلست بثيابها -نعم - إن الفصل يحمل عنوان "الثوب الواسع" فإنني على علم تام بما أدين به الى تلك القطعة من الملابس. لم تكن جدتي ترتدي ثوبا واحدا، بل أربعة فوق بعضها، وذلك ليس بمعنى أنها كانت ترتدي ثوبا واحدا ظاهرا وثلاثة ثياب داخلية مستترة إنما كانت ترتدي أربعة أثواب ظاهرة، أحدها يحمل الآخر تحته، ترتديها وفق نظام يتيح للأثواب التناوب متغيرة يوما بعد آخر. فما كان بالأمس ظاهرا أصبح اليوم مختفيا في الأسفل، وأصبح الثوب الثاني ثالثا. وما كان في الأمس في المرتبة الثانية بات اليوم لصيقة بجلدها. وكان الثوب الذي وقف يوم أمس في المرتبة الثانية يسفر بصورة جلية عن شكله ونقشته، أي أنه كان يسفر في الواقع عن انعدام شكله، لأن أثواب جدتي أنا برونسكي كانت تؤثر كلها لون البطاطس، فلابد أن يكون ذلك اللون يليق بها. وما عدا الطبيعة اللونية، كانت أثواب جدتي تتميز باسراف ملحوظ في استخدام القماش الكثير، وعندما تلامسها الريح فإنها سرعان ما تساير وتنفتح ثم تتراخى بعدما تظهر الريح نوعا من الاكتفاء وتظل ترفرف حين تسكن الريح تماما، وتتطاير أثوابها الأربعة إذا ما هبت عليها الريح من الخلف، وعندما تجلس، فإن الأثواب الأربعة تتحلق حولها. وبالاضافة الى الأثواب الأربعة المنتفخة دائما، أو المعلقة والمطوية، أو المتصلبة الفارغة والمنتصبة الى جانب فراشها، فإن جدتي كانت تحتفظ بثوب خامس لا يختلف قط عن قطع الملابس الأخرى الرمادية اللون كالبطاطس. وكذلك لم يكن الثوب الخامس في الموضع الخامس دائما. بل إنه كان يخضع للتغيير، شأنه شأن أخوته -إذ أن الأثواب كلها كانت تتمتع بطبيعة رجولية - ويرتبط بالأثواب الأربعة الأخرى التي كانت الجدة ترتديها. وكان عليه أيضا أن ينقع في برميل الغسيل إذا ما حان وقته لينشر في يوم الجمعة الخامسة على حبل الغسيل أمام نافذة المطبخ، وبعد أن يجف تضعه الجدة على لوح المكواة. واذا ما غطست الجدة قدميها في طشت الاستحمام في يوم كل أحد مخصص للتنظيف والخبز وغسل الملابس وكيها بعد علف البقرة وحلبها، مفضية ببعض من سرها الداخلي الى الماء المليء برغوة الصابون، قبل أن تغادر ماء الاستحمام، لتجلس على حافة السرير، فإن الأثواب الأربعة التي ارتدتها في ذلك اليوم، وكذلك الثوب الخامس المغسول توا تكون مفروشة أمامها على الأرضية الخشبية. حينئذ تسند الجفن الأسفل لعينها اليمنى بسبابتها اليمنى، رافضة أي مشورة تسدى لها حتى لو جاءت من شقيقها فنسنت لذلك فإنها كانت تتوصل الى قرار عاجل، وتقف منتصبة ثم تزيح جانبا بأطراف قدميها الحافية. ذلك الثوب الذي فقد الكثير من طراوته وبريق لونه الرمادي مثل رماد البطاطس. في تلك اللحظة تحتل القطعة النظيفة المكان الذي فرغ للتو. واحتفاء بعيسى المسيح الذي كانت جدتي تحمل عنه تصورات ثابتة محددة، فإن الثوب النظيف سيشهد خلال زيارة الكنيسة في "رمكاو" النور من جديد عبر نضارته وطراوته المتناوبة. وفي أي موقع كان جدتي ترتدي الثوب المغسول توا؟ إنها بلا شك لم تكن فقط امرأة مولعة بالنظافة، بل كانت أيضا مصابة بالغرور بعض الشيء، لذلك فإنها كانت ترتدي أجود القطع على نحو مرئي حين يكون الطقس جميلا ومشمسا. بيد أن ذلك اليوم الذي قبعت فيه جدتي خلف موقد البطاطس كان مساء الاثنين، وقد بدا لها ثوب الأحد قريبا من يوم الاثنين، بينما بدت لها تلك القطعة التي التصقت دافئة فوق جلدها يوم الاحد معتمة وهي تنساب على ردفيها، وباهتة مثل يوم الاثنين نفسه، كانت الجدة تصفر على رسلها دون أن تعني لحنا معينا، ثم نكشت بعود البندق أول حبة بطاطس ناضجة وأزاحت الرماد بعيدا الى جانب كومة الأعشاب الكامنة اللهب، لكي تمسها الريح وتبردها. وبغصن مستدق الطرف شكت حبة البطاطس الباردة المنفلقة والمتيبسة الحواف، وقربتها من فمها الذي توقف عن الصفير وصار ينفخ الرماد والتراب عن القشرة عبر شفتين جافتين ومتشققتين بفعل الريح، وكانت تغمض عينيها أثناء النفخ. وحين تعتقد أنها نفخت بما فيه الكفاية فإنها كانت تفتح عينيها واحدة بعد الأخرى، ثم تقضم البطاطس بقواطعها التي تتيح النظر الى الداخل، والتي كانت سليمة تماما ما عدا الانفراج الخفيف في وسطها، وتحتفظ في فمها المفتوح بنصف حبة البطاطس الساخنة، العجينة الشكل والتي كان البخار يتصاعد منها، وتتطلع بنظرة دائرية عبر منخاريها المنتفخين اللذين كانا يتنسمان الدخان وهواء أكتوبر، تتطلع الى الحقل حتى الأفق القريب الذي توزعت فيه أعمدة التلغراف، وحيث أطل حوالي الثلث العلوي من مدخنة معمل القرميد. كان ثمة شيء ما يتحرك بين أعمدة التلغراف، فأغلقت جدتي فمها وزمت شفتيها الى الداخل وقلصت عينيها، ثم أخذت تلوك البطاطس. كان ثمة شيء يتحرك بين أعمدة التلغراف، شيء ما كان يقفز، وثمة ثلاثة رجال كانوا يتقافزون بين الأعمدة في اتجاه المدخنة، ومن ثم الى الأمام، وفيما بعد تراجع أحدهم، وانطلق من جديد، بدا ذلك المتراجع قصيرا وبدينا وقد وصل الى معمل القرميد، بينما كان الآخران الطويلان والنحيفان قد أوشكا على اللحاق به عند المعمل لكنهما أخذا من جديد يتقافزان بين الأعمدة وكان القصير قد خلفهما مسافة وراءه إذ أنه كان على عجلة من أمره أكثر من النحيفين الطويلين الوثابين اللذين توجب عليهما الرجوع ثانية الى المدخنة، لأن ذلك الثالث يطوف حولها، فاقترب الأخوان منه مسافة فترين، ثم انطلقا يعدوان مرة أخرى حيث اختفيا فجأة إذ لم تعد لهما رغبة في العدو، هكذا بدا الأمر، وكذلك كان الأمر مع القصير الذي سقط أثناء القفز في المدخنة خلف الأفق. لبث الثلاثة فترة وجيزة على ذلك المنوال، أو أنهم كانوا استبدلوا ثيابهم في تلك الأثناء، أو لعلهم كانوا يضعون اللبن في قوالب القرميد ويتقاضون على ذلك العمل أجرا. عندما أرادت جدتي استغلال فترة الاستراحة في التقاط حبة بطاطس ثانية أخطأت هدفها. وبعد حين تسلق ذلك الذي بدا قصيرا وبدينا الأفق بثيابه ذاتها، فأصبح الأفق من ورائه وكأنه سياج من خشب وبدا كما لو أنه خلف الرجلين القافزين خلف السياج أو بين القرميد، أو في الطريق العام المؤدي الى "برنتاو"، لكنه على الرغم من ذلك كان يحث الخطىء ويريد أن يكون أكثر سرعة من أعمدة التلغراف فأخذ يقفز قفزات واسعة بطيئة عبر الحقول المحروثة والقذارة تتطاير من نعليه وهو يقفز مبتعدا عن القذارة، وبقدر ما كان يقفز بخفة وسرعة، فإنه بات يخوض في الأوحال زاحفا بدأب وتجلد. وقد بدا في بعض الأحيان وكأنه غرز في الوحل، لكنه اعتدل واقفا في الهواء، حتى أنه وجد متسعا من الوقت ليجفف العرق من جبينه أثناء القفز قبل أن تتشبث قدمه القافزة في الأرض المحروثة حديثا والتي كانت أخاديدها تقود الى الطريق العام الموازي لحقل البطاطس الشاسع. لقد تمكن من الوصول الى الممر الضيق، وحالما اختفى القصير البدين في الممر الضيق تسلق الطويلان النحيفان اللذان يمكن أن يكونا قد قاما حينئذ بزيارة لمعمل القرميد، تسلقا الأفق، وأصبح هذان الطويلان النحيفان اللذان لم يبلغا مرحلة الضعف والهزال بعد، يحرران جزمتيهما من الوحل ويسحبانهما سحبا، فأصبحت جدتي غير قادرة على شك البطاطس واخراجها من الموقد لأن شيئا ما قد حدث في تلك اللحظة، شيء لم يكن يحدث كل يوم، إذ أن ثلاثة من الرجال البالغين المختلفي الحجم والبلوغ كانوا يتقافزون حول أعمدة التلغراف، حتى كادوا يهدمون مدخنة معمل القرميد، قبل أن يختفوا وهم يشبون في الممر الضيق، واحدا تلو الآخر، وكان القصير في المقدمة، وخلفه الطويلان النحيفان، بيد أن الثلاثة جميعهم كانوا قد بذلوا جهدا خارقا وصلابة كبيرة، وهم يجرجرون الأطيان في نعل جزمتيهما عبر الحقل الذي جنى فنسنت ثماره وأعاد ترتيبه قبل يومين. وبعد ذلك توارى الرجال الثلاثة، فتجرأت الجدة على وخز حبة بطاطس أصبحت باردة الى حد ما، ونفخت عن قشرتها الرماد والتراب عن نحو عابر، ودستها كاملة في جوفها، وفكرت، هذا إذا كانت قد فكرت أصلا في شيء محدد: أن هؤلاء الرجال هم من معمل القرميد، ثم أخذت تلوك لقمتها بشكل دائري، الى أن قفز أحد ما من الممر الضيق فتطلعت بوحشية الى ذلك الرجل ذي الشارب الأسود والذي قطع مسافة الوثبتين التي كانت تفصله عن النار ليقف أمامها وخلفها ومن ثم الى جانب النار في آن واحد وهو يطلق الشتائم معبرا عن خوفه وقلقا ولم يكن يعرف في أي اتجاه عليه أن يمني، إذ أنه لم يعد يستطيع العودة من حيث أتى، ولأن النحيفين الطويلين لاحا في الخلف خارجين للتو من الممر الضيق، فقد قذف بنفسه على الأرض، ثم جثا على ركبتيه. لقد كانت له عينان في الرأس أوشكتا على الانفلات من محجريهما، وكذلك كان العرق يسح من جبينه. وسمح لنفسه أن يزحف مقتربا من الجدة أكثر فأكثر بشاربه المرتعش الى أن وصل أمام النعل، فزحف ملتصقا مباشرة بالجدة، ورمقها بنظرة وكأنه حيوان صغير ممتليء الجسد، حتى أنها قذفت بحسرة، ولم تعد قادرة على مضغ البطاطس، وتركت النعل ينقلب الى الأعلى، بل إنها لم تعد تفكر في معمل القرميد ولا في شواة القرميد، أو عمال القوالب، إنما رفعت ثوبها، كلا، لقد رفعت أثوابها الأربعة دفعة واحدة الى الأعلى بمقدار مناسب، لكي يستطيع القصير البدين الذي لم يكن يشتغل في معمل القرميد التوغل في الأسفل حتى اختفى بشاربه، بحيث أن مرآه لم يعد مثل مرأى حيوان، فضلا عن أنه لم يكن من أهالي "رامكاو"، أو "فيراك". لقد اختفى بهلعه رفوفا تحت الأثواب، غير مضطر الى الزحف على ركبتيه، ولم يعد قصيرا أو بدينا، إلا أنه مع ذلك احتل موقعه المناسب، ونسي اللهاث ورعشة الخوف، ووضع اليد على الركبة، كان هادئا كما لو أنه في يومه الأول، أو يومه الأخير، وثمة شيء من الريح كان يعبث بنيران الأعشاب، وكانت أعمدة التلغراف تحص نفسها بصمت، وظلت مدخنة المعمل منتصبة، فردت جدتي ثوبها الظاهر على الثوب الذي يليه بنعومة وتعقل، بحيث أنها لم تشعر بالرجل المختبيء تحت الثوب الرابع، ولم تفقه أبدا من خلال الثوب الثالث طبية ذلك الشيء الذي أراد أن يكون جديدا ومدهشا بالنسبة لجلدها. ولأن ذلك كان مدهشا، لكنه رقد من الأعلى بترو، وثانيا وثالثا أيضا لأن الجدة لم تفقه بعدما حدث، فقد نبشت حبتي بطاطس أو ثلاثا من الرماد ثم تناولت أربع حبات بطاطس نيئة من السلة المنتصبة تحت مرفقها اليمنى ودستها واحدة بعد الأخرى في الأعشاب المتوهجة، وغطتها بطبقة من الرماد، وصارت تقلبه حتى تصاعد منه الدخان - اذن ما الذي كان عليها أن تفعله سوى ذلك ؟ وحالما هدأت حركة أثواب جدتي، واستقام الدخان السائل المنبعث من نيران البطاطس والذي فقد اتجاهه بفعل خفقات الركبتين والنبش وتغيير المكان وصار يزحف من جديد بلونه الأصفر حسبما اشتهت الريح، متجها عبر الحقول صوب الجنوب الغربي، ظهر الطويلان النحيفان اللذان كانا يطاردان القصير البدين الذي هجع :لآن تحت الأثواب. لقد تكشف الأمر عن أن الطويلين النحيفين كانا من حيث الصنعة ينتسبون الى أولئك الذين يرتدون قيافات الجندرمة الميدانية. فتجاوزا جدتي هرولة، وقد قفز أحدهما فوق النار، إلا أنهما انحرفا فجأة وفي انحرافهما تجلى عقلهما، فتوقفا وأخذا يلتفتان ويدبكان بجزمتيهما، شاخصين وسط الدخان بالقيافة والجزمة العسكريتين، ثم سحبا قيافتهما الحربية وهما يسعلان، فسحبا الدخان معهما من كتلة الدخان نفسها وازدادت حدة سعالهما عندها خاطبا جدتي، لكي يعرفا فيما إذا كانت قد رأت كولياجك، إذ أنها لابد أن تكون لمحته طالما جلست هناك عند الممر الضيق، لأن كولياجك نفسه "فر للتو من الممر الضيق. إلا أن جدتي لم تكن قد رأت كولياجك، لأنها لم تعرف أحدا بهذا الاسم، وأرادت أن تعرف فيما إذا كان كولياجك من معمل القرميد، لأنها لا تعرف إلا أولئك الذين يشتغلون في المعمل. غير أن صاحبي القيافتين الحربيتين وصفا لها كولياجك باعتباره شخصا قصير القامة بدينا، لا علاقة له بالعمل فتذكرت جدتي أنها رأت رجلا تنطبق عليه تلك الأوصاف كان قد مر على عجل، ثم أشارت بغصن رفيع، شكت فيه حبة بطاطس كانت تبعث بخارا، الى ناحية "بيساو" بما تطابق مع الهدف، وحسبما تقتضي البطاطس فلابد أن يكون الاتجاه يقع بين العمودين السادس والسابع من أعمدة التلغراف، إذا ما عدها المرء من ناحية مدخنة المعمل، نزولا الى ناحية اليمين، وفيما إذا كان ذلك العداء يدعي كولياجك فذلك أمر لا تعرفه الجدة، فاعتذرت لهما عن جهلها وانشغالها بالنار أمام نعلها. لقد كان لديها ما يكفي من المشاغل، إذ أن النار لم تنشب في الموقد الا على نحو خافت، متوسط القوة، لذلك فإنها لم تشغل نفسها بالآخرين الذين يمرقون من هناك، أو يقفون وسط الدخان، وأنها لم تهتم قط بالناس الذين لا تعرفهم، بل تعلم بدل ذلك، بأنها مكتفية بأولئك الناس المتواجدين في "بيساو" و"رامكاو" و"فيراك" ومعمل القرميد. عندما نطقت جدتي بتلك العبارة أطلقت حسرة لكن بصوت عال لدرجة أن الرجلين المتلفعين بالقيافات الحربية أرادا أن يعرفا سبب تحسرها، فهزت رأسها للنار، بما يعني أنها تحسرت بسبب خفوت النار، وكذلك بسبب الناس الكثيرين المنتصبين وسط الدخان، ثم قضمت نصف حبة بطاطس بقواطعها المنفرجة انفراجا واسعا، وانهمكت تماما في المضغ، وغضت عينيها طرف الشمال. لم يجد المتلفعان بقيافة الجندرمة في نظرة جدتي الساهمة ما يمكن الاستفادة منه، ولم يعرفا فيما اذا كان عليهما البحث عن "بيساو" خلف أعمدة الكفران، فطعنا بحربتيهما كومة الأعشاب التي لم تلتهمها النار بعد، واثر خاطرة إلهام مفاجئة قلب الرجلان في وقت واحد سلتي البطاطس المليئتين الى حد ما تحت مرفقي جدتي، وصعقا لأنهما لم يبصرا كولياجك يتدحرج من القفتين أمام جزمتيهما، إنما حبات البطاطس وحدها. وطافا بريبة حول أكوام البطاطس كما لو أن كولياجك دخل عليها أجيرا لاجئا لوقت قصير، ثم طعنا بتصويب دقيق، لكنهما على الرغم من ذلك افتقدا صراخ الهدف المطعون. وأخذ شكهما يتجه الى كل حرش مهمل والى كل جحر فأر إضافة الى التلال الصغيرة التي كومها حيوان الخلد، ليعودا مرة أخرى الى جدتي القابعة كالنبت وتقذف بالحسرات وتجذب حدقتيها تحت رموشها لتبصر عبر بياض عينيها، حيث كانت تعد الأسماء الأولى لجميع القديسين بصوت مشبع بالمعاناة، وقد ارتفع قليلا بفعل النار الخافتة الاشتعال وبسبب قفتي البطاطس المقلوبتين. أمضى صاحبا القيافة الحربية فترة نصف ساعة كاملة، يبتعدان حينا ويقتربان من النار ويرصدان مدخنة معمل القرميد كما لو أنهما أرادا احتلال "بيساو" لكنهما أجلا الهجوم الى وقت آخر، وصارا يقربان أيديهما الزرقاء المحمرة من الموقد، ثم تناول كل واحد منهما حبة بطاطس مفلوقة قدمتها جدتي بعصاها دون أن تنقطع عن قذف الحسرات. وفي منتصف المضغ تذكر الملفوفان بالقيافة العسكرية زيهما الحربي فوثبا في الحقل مسافة مرمى حجر بموازاة نباتات الغنستر الذاوية المحاذية للممر الضيق،فاستنفرا أرنبا من مخبئه لم يكن اسمه كولياجك، ولم يعثرا إلا على حبات البطاطس الطحينية المفطورة والتي كانت تبعث بخارا ساخنا، فعزما بوداعة ودماثة خلق، مصحوبتين بشيء من الارهاق، على أن يجمعا البطاطس النيئة من جديد في القفتين اللتين اضطرا الى قلبهما في باديء الأمر حسبما اقتضى الواجب. وفي الأخير بعدما عصر المساء سماء أكتوبر وجعلها تذري مطرا ناعما مائلا، وغروبا كان لونه لون الحبر، شن الرجلان بخمول وتكاسل هجوما مباغتا على صخرة بعيدة معتمة، الا أنهما تخليا عنوا حين لاحظها بأنها كانت هامدة أصلا، أجهز عليها بما يكفي وبعدما راوحا قليلا بأقدامهما وشرعا يدفئان أيديهما، متبركين بالنار بالمديدة الممطورة والمستفيضة الدخان سعلا في معمعة الشهب الخضراء حتى دمعت أعينهما بالدخان الأزرق قبل أن يجرجرا أقدامهما منسحبين في اتجاه "بيساو" انسحابا دامعا ساعلا. إن رجال الجندرمة الميدانيين لا يعرفون في الواقع سوى امكانيتين اثنتين لا ثالثة لهما. لقد لف دخان النار المحتضرة جدتي برداء خامس فضفاض حتى أنها وجدت نفسها بزفراتها الحارة وأدعيتها بأسماء الأولياء الصالحين، تحت الثوب نفسه، حالها حال كولياجك. وعندما استحال المجندان الى نقطتين متبددتين تتأرجحان ببطء في المساء بين أعمدة التلغراف، نهضت جدتي بصعوبة كما لو انها ضربت جذورها في الأرض، وأرادت الآن أن تقطع النمو النباتي الذي بدأته، ساحبة معها أنسجة الأرض وتربتها. شعر كولياجك بالبرد بعدما أصبح مكشوفا دفعة واحدة وبلا قلنسوة تحت المطر،هكذا مثلما كان قصيرا وبدينا. وعلى عجل أطبق أزرار سرواله التي جعله فتحها تحت الثوب الأخير خائفا مذعورا، وكان يشعر في الوقت ذاته برغبة عارمة في العثور على هاوى، لقد عاجل الى إطباق أزراره خشية أن يتعرض عرنوصه الى البرد المباغت، إذ أن الطقس كان مشبعا بمخاطر الرشح الخريفي. عثرت جدتي على أربع حبات من البطاطس تحت الرماد، فأعطت ثلاثا منها الى كولياجك واحتفظت بواحدة لنفسها وقبل أن تتناولها سألته فيما إذا كان من المشتغلين في معمل القرميد، على الرغم من أنها لابد وأن أدركت بأن كولياجك قد قدم من مكان آخر لا علاقة له بالقرميد، لذلك فأنها لم تضف الى اجابته شيئا، إنما حملته القفة الخفيفة وانحنت لتحمل القفة الثقيلة، ومع ذلك مازالت تحتفظ بيد طليقة لحمل المجرفة التي كانت تنكش بها الأعشاب وكذلك الفأس وصارت تتمايل بالقفة والبطاطس والمجرفة والفأس وأثوابها الأربعة، ثم يممت شطر وجهها صوب "بيساو-آباو". لم يكن ذلك هو الاتجاه الصحيح الى "بيساو" بل أنهما خلفا معمل القرميد الى الشمال، وسارا نحو الغابة السوداء التي تقع فيها "غولكروغ" التي وقعت خلفها "برنتاو". والى ذلك المكان تعقب يوسف كولياجك القصير البدين جدتي ولم يعد قادرا على التخلي عن أثوابها. في الناقلة الخشبية ليس من السهل أبدا أن أعيد تصوير سحب الدخان التي كانت تنبعث من نيران أعشاب البطاطس والخطوط المتوازية لمطر أكتوبر وأنا مضطجع هنا في السرير الحديدي المشطوف بالصابون، في سرير مصحة العناية والعلاج وتحت رحمة العين السحرية المزججة والمسلحة بعين برونو. ولو لم يكن معي الطبل الذي كان يتذكر جميع التفاصيل الثانوية والضرورية لتدوين الحدث الرئيسي على الورق، إذا ما استخدمت الطبل بتأن واتقان. ولو لم تسمح لي إدارة المصحة باستنطاق طبلي ثلاث أو أربع ساعات يوميا، لأصبحت إنسانا بائسا مسكينا، ليس له أجداد يمكن البرهنة على وجودهم. على أية حال إن طبلي قال في مساء ذلك اليوم من أيام أكتوبر من العام التاسع والتسعين، وبينما كان "أوهم كروغر" يمشط بالفرشاة حاجبيه الكثيفتين المناوئتين لبريطانيا في جنوب افريقيا، غرزت بذرة أمي، أغنس، في رحم جدتي من قبل القصير البدين يوسف كولياجك وقد حدث ذلك ما بين "ديرشاو" و"كارتهاوز" بالقرب من معمل "بيساو" للقرميد، تحت أربعة أثواب متماثلة اللون، وفي ظل الدخان والمخاوف والحسرات وأسئلة مجندي الجندرمة المحلية المغفلة والساذجة ونظراتهما المنطفئة التي كدرها الدخان. لقد قامت آنا برونسكي، جدتي في سواد تلك الليلة العتيدة بتغيير اسمها الى آنا كولياجك بمعونة قسيس كان كريما في توزيع أقراص القربان المقدس، ثم تبعت يوسف، ليس الى مصر، إنما الى العاصمة الاقليمية على نهر "مولتاو" حيث كان يوسف يعمل في النقل النهري وينعم في غضون ذلك بالهدوء من متاعب الجندرمة. ولكي أرفع من حدة التشويق والاثارة قليلا، فإنني سأحجم الآن عن ذكر اسم تلك المدينة الواقعة على مصب "مولتاو"، مع العلم أنها جديرة بالذكر في هذه المناسبة باعتبارها محل ولادة أمي. في نهاية يوليو من العام صفر وصفر - تقرر آنذاك مضاعفة ترسانة الأسطول الحربي القيصري - أبصرت أمي نور الدنيا في برج الأسد، حيث الثقة بالنفس والتحليق في عالم الخيال والجود والغرور والغطرسة. كان البرج الأول المسمى أيضا برج الحياة يدور دورة فلكية تركت أثرها على برج الحوت. إن تعارض الشمس مع كوكب نبتون، أي البرج السابع، أو بيت الزوجية، من شأنه أن يجلب الاضطراب، كما أن تعارض كوكب الزهرة مع زحل المعروف بجلبه لأمراض الكبد والطحال والمسمى بالكوكب المر والذي يهيمن عادة على الجدي ويحتفي بأعماله التدميرية في برج الأسد، حيث يقدم الى كوكب نبتون ثعابين الماء ويتقاضى بدلا منها حيوان الخلد، والذي يحب الكرز والبصل والشمندر والذي يقذف حمما ويفسد النبيذ، هذا الكوكب الذي يسكن مع الزهرة في البرج الثامن المميت، نعم إن ذلك التعارض من شأنه أن يجبر المرء على التفكير في الحوادث، بينما كان غرس الجنين في حقل البطاطس ينبيء بسعادة مهددة وجسورة معا تحت حماية عطارد في برج الأهل والأقرباء. علي أن أضيف هنا احتجاج أمي التي كانت تنفي بأنها غرست في رحم أمها فوق حقل البطاطس، لقد حاول أبوها في حقيقة الحال - اعترفت الأم الى هذا الحد - لكن حالته آنذاك وكذلك الوضع الذي اتخذته آنا برونسكي لم يتم اختيارهما بشكل موفق بما يمهد لكولياجك المقدمات الضرورية للانجاب "لابد أن يكون ذلك قد حدث أثناء عملية الهروب، أو في عربة الخال فنسفت، أو ربما في جزيرة (ترول) حيث مستودع الأخشاب، حيث عثرنا على حجرة وملاذ لدى الملاحين. "كانت أمي تؤرخ لحيثيات وجودها بكلمات كهذه، بينما كانت جدتي التي يفترض أنها على علم بالموضوع تهز رأسها بأناة قبل أن تبلغ العالم المحيط بها: "نعم يا بنيتي، فوق العربة حصل ذلك، أو في (ترول) لكن ليس في الحقل : الريح كانت قوية، ثم مطرت الدنيا بجنون مثلما يقولون". كان شقيق جدتي يدعي فنسفت، وبعد الوفاة المبكرة لزوجته حج فنسفت هذا الى ناحية "جنستوخاو" حيث تسلم البلاغ من ماتكا جستوخوفسكا، بأنه سيشهد فيها ظهور ملكة بولندا المقبلة. ومنذ ذلك الوقت، فإنه صار ينقب في الكتب العجيبة التي كان يرى في كل عبارة فيها تأكيدا على حق المطالبة بعرش مملكة البولنديين من قبل منجبة الآلهة، وتخلى عن حقوله الصغيرة لشقيقه، كان ابنه يان الضعيف البنية، والذي كان يميل الى البكاء دوما، يربي البط ويجمع الصور الملونة وكذلك الطوابع في زمن مبكر ينذر بالشؤم ويضمر قدرا سيئا للغاية. الى ذلك المنزل الريفي المنذور لملكة بولندا السماوية جلبت جدتي قفتي البطاطس وكولياجك، فعلم الخال فنسفت بحقيقة الأمر وهرع فورا الى "رامكاو" وصار يطبل في أذن القسيس لكي يتزود بأقراص القربان الرباني ويعاجل الى عقد قران آنا على يوسف، وحالما وزع جناب القسيس المثقل بالنعاس بركاته الممطوطة بفعل التثاؤب وأدار ظهره المقدس الذي زود "بهبرة" ضخمة من شحم الخنزير، ربط فنسفت الحصان أمام العربة وألقى بالعريسين في جوف العربة، ومهد أرضيتها بالتبن والجوالات الفارغة، ثم أردف يان المنتحب بصوت خافت الى جانبه على مقعد القيادة، وأصدر أمرا للحصان بأن يخب باستقامة تامة ليشق عنان الليل : لقد كان العريسان على عجلة من أمرهما. وعبر الليل المتعب المنهك والذي كان يزداد عتمة وظلاما وصلت العربة الى مرفأ العاصمة الاقليمية. فاستضاف أصحاب كولياجك الذين كانوا يشتغلون ملاحين، مثل شغلته، الزوجين الهاربين. وفي الحال انصرف فنسفت متوجها بحصانه صوب "بيساو" إذ كان هناك كلب حراسة ينتظر وثماني بطات لابد من إطعامها وثمة ماعز وبقرة وأنثى خنزير يجب أن تعلف إضافة الى تنويم الابن "يان"، لأنه قد تعرض الى حمى خفيفة. أمضى يوسف كولياجك ثلاثة أسابيع كاملة متخفيا، استطاع شعره خلالها التآلف مع التسريحة الجديدة، ثم إنه حلق شاربه وزود نفسه بأوراق صحيحة لا غبار على صحتها وعثر على عمل ملاح تحت اسم يوسف فرانك. لكن لماذا حمل كولياجك أوراق الملاح فرانكا الذي قذف به من الناقلة الخشبية أثناء معركة بالأيدي فمات غرقا في نهر "بوغ" بالقرب من "مولدين" ولم يتم ابلاغ السلطات بموته ولماذا لم يقدم نفسه في ورش النجارة وأمام تجار الأخشاب بصفته فرانكا؟ لأنه كان قد اشتغل في ورشة نجارة في "شفيتس" بعد أن تخلى عن عمله في الناقلات، لكنه تورط هناك في مشكلة وخلاف مع رئيس ورشة النجارة الذي صادر سياجا خشبيا كان كولياجك قد دهنه بيده بالنونين الأحمر والأبيض دهانا بديعا. وعلينا أن نمنح في هذا الموضع بالتحديد المثل المعروف حقه كاملا، ذلك المثل القائل بأن المرء يمكن أن يفجر الصراع من السياج، وبهذا المعنى فإن رئيس ورشة النجارة انتزع لوحين أحمر وأبيض من السياج، ثم هوى بهذين اللوحين البولنديين على ظهر كولياجك الكاشوبي، حتى جعل اللوحين حطبا أحمر وأبيض، فتحول ذلك الى دافع للمضروب لاضرام النيران الحمراء في ورشة النجارة المطلية بالجص الأبيض ذات ليلة مرصعة بالنجوم، احتفاء ببولندا المشطورة نصفين، والتي كانت تعتبر موحدة لذلك السبب. لقد كان كولياجك مضرم نيران متعمدا، بل إنه قام بإشعال نيران عديدة، لأن ورش النجارة ومخازن الأخشاب المكشوفة في غرب بروسيا كلها كانت تعرض نفسها آنذاك لمشعل النيران باعتبارها مشاعر قومية ملتهبة بلونين. وطالما كان الأمر متعلقا بمستقبل بولندا،. فإن مريم العذراء كانت حاضرة في كل خريف باعتبارها جزءا من العملية وكان ثمة شهود عيان - ربما البعض منهم مازال حيا الى يومنا هذا - قد أبصروا أم الرب مكللة بتاج بولندا، وقد أطلت فوق سطوح ورش النجارة المنهارة التي التهمتها النيران. أما الشعب الذي كان حاضرا في كل خريف، فإنه كان يردد أنشودة "بوغوروجسكا"، ويمكننا الاعتقاد بأن حرائق كولياجك قد شهدت احتفالات كبيرة صاخبة : احتفالات كان يؤدي فيها القسم. ومثلما كان كولياجك مطلوبا ومتهما بجنح مختلفة، فإن الملاح يوسف فرانكا كان شخصا محدود الأفق، يتيم الوالدين، لم يؤذ أحدا قط، ولا أحد يبحث عنه أو يعرف شخصه على الاقل. وبعدما قسم يوسف فرانكا تبغ المضغ على بضع وجبات يومية، ابتلعه نهر "بوغ" فخلف فرانكا ثلاث وجبات من التبغ موزعة على ثلاثة أيام، إضافة الى أوراقه الشخصية، ولأن الفريق فرانكا لم يستطع الاعلان بنفسه عن غرقه، ولأنه لم يكن هناك من كلف نفسه بطرح أسئلة محرجة تتعلق بمصيره،فقد سطا كولياجك الذي كان جسمه شديد الشبه بجسم الفريق وكذلك كان له شكل جمجمته المستديرة، سطا في البدء على فرانكا، ثم توغل زاحفا في جلده النظيف الثابت رسميا ثبوتا ورقيا، ومن بعد أقلع كولياجك عن تدخين الغليون وصار يعلك التبغ بل أنه انتزع من فرانكا أشياءه الأكثر خصوصية، أي تعثره في الكلام، وأخذ يتصرف في الأعوام اللاحقة بصفته ملاحا حريصا على عمله ومهذبا، ومتلعثما الى حد ما بالكلام ويخترق غابات "نيمين" و"بورب" و"بوغ" و"فايكسل" منحدرا في اتجاه السهوب. ومن الواجب أن يشار أيضا الى أنه تدرج الى رتبة عريف في كتيبة الخيالة تحت إمرة ماكنزن، والتي كانت مكلفة بحماية ولي العهد، إذ أن فرانكا لم يكن قد دخل الجندية، إلا أن كولياجك الذي كان يكبر الفريق بأربعة أعوام. ترك وراءه أثرا وسمعة معيبين لدى أفراد كتيبة المدفعية في ناحية "تورن". كان القسم الأخطر من الغزاة والنهابين والقتلة ومشعلي الحرائق يتحين الفرصة في ذلك الزمن، زمن السلب والنهب والقتل والحرائق، لممارسة مهنة مستقيمة شريفة. وكانت الفرصة تعرض نفسها آنذاك صدفة، أو تقدم نفسها للمعنيين : فأصبح كولياجك الذي انتحل شخصية فرانكا زوجا طيبا وقد برأ من ذنوبه الحمقاء، لدرجة أن مرأى عود الثقاب المشتعل أصبح كفيلا بإلقاء الرعب في نفسه. ولم تكن حتى علب الكبريت الموضوعة أمامه على طاولة المطبخ حرة بزهو وخيلاء تنجو من قبضته أبدا، هذا الرجل الذي لو لم تكن عيدان الثقاب موجودة في زمانه لاخترعها، فصار يقذف بتلك المغريات الموسوسة من نافذة المطبخ. وكانت جدتي تجد صعوبة أحيانا في تحضير طعام الغداء في الوقت المناسب. وكثيرا ما كانت العائلة تقرفص في الظلام، لأن السراج النفطي قد انطفأت فتيلته. ومع ذلك فإن فرانكا لم يكن رجلا مستبدا وطاغية، بل كان يرافق زوجته آنا فرانكا في أيام الآحاد الى الكنيسة في "نيدرشتات" ويسمح لها بارتداء ثيابها الأربعة مجتمعة، مثلما كانت تفعل في حقل البطاطس، بصفته متزوجا منها زواجا شرعيا ورسميا، وعندما كانت الأنهار تتجمد في الشتاء بحيث تمر على الملاحين ظروف صعبة، كان كولياجك يمضي الوقت بكل هدوء وحسن أخلاق في ناحية "ترول" حيث يقطن الملاحون وعمال الشحن والتفريغ وبناة السفن، كان يجلس هناك ويراقب ابنته التي بدت وكأنها حملت سمات الأب وصفاته، إذ أنها إن لم تترو تحت السرير، فإنها كانت تدس نفسها في خزانة الملابس، واذا كان هناك ضيوف، قبعت تحت طاولة الطعام بعرائسها المخيطة من الخرق. كانت الصبية آغنس تحب الاختفاء، وتجد فيه أمنا وطمأنينة، ومتعة كانت تختلف نوعيا عن المتعة التي حظي بها يوسف تحت ثياب آنا. لقد كان مشعل الحرائق كولياجك رجلا ملسوعا ملوعا بما فيه الكفاية، أكثر بكثير من قدرته على فهم الدافع الذي جعل ابنته تميل الى الاختباء،. لذلك أقام لها على شرفة الدار ذات الغرفة ونصف الغرفة، تلك الشرفة التي سمرت لتصبح خنا للأرانب، أقام لها قمرة خشبية، صممها حسب قياس البنت، وفي قمرة كتلك أمضت أمي طفولتها تلعب بالدمى وتنمو. وفيما بعد، عندما دخلت المدرسة بدا وكأنها نبذت الدمى وصارت تلعب بالكريات الزجاجية وبالريش الملونة. معبرة للمرة الأولى في حيالها عن ولعلو بالجمال الهش. وربما يسمح لي المرء هنا أنا المتحرق الى سرد بداية وجودي الشخصي، أن أعرض عن ذكر تفاصيل الى فرانكا الذين مسار مجرى حياتهم بهدوء وانسياب حتى العام الثالث عشر. حين دشنت سفينة "كولومبس" قرب "شيخاو" آنذاك تمكنت الشرطة التي لا يمكن أن تنسى من اقتفاء أثر فرانكا المزيف.

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

ح
حميد الله مقيول
٢٤‏/٤‏/٢٠٢٣
واحدة من أشهر الروايات في الأدب الألماني الحديث. تمثل الرواية جزءًا من سلسلة روايات يدعى "سلسلة دانزيغ" التي تركز على تاريخ مدينة دانزيغ (اليوم جدانسك في بولندا) في القرن العشرين. "طبل الصفيح" تروي قصة أوسكار ماتياس، وهو شاب ألماني صغير في الثالثة من عمره يمتلك قدرة غير عادية على إصدار أصوات عالية باستخدام طبل صفيحة. تتحدث الرواية عن حياته وتطوره وكيف يعيش مع هذه القدرة ويشهد الأحداث الهامة في ألمانيا وأوروبا خلال فترة الحرب العالمية الثانية. الرواية تعتبر دراسة عميقة للتاريخ والسياسة والثقافة، وتتناول موضوعات مثل الهوية والهوية الوطنية والمجتمع والعلاقات الإنسانية. إنها معقدة ومليئة بالرموز والمواد الأدبية وتعتبر تحفة أدبية. "طبل الصفيح" لغونتر غراس هي إحدى الروايات التي يجب قراءتها إذا كنت تهتم بأدب القرن العشرين والأدب الألماني الحديث والقصص الكلاسيكية ذات الأبعاد الثقافية والتاريخية.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٨‏/٤‏/٢٠١٥
نشر الروائي الألماني الكبير غونترغراس «من مواليد 16 اكتوبر 1927» مجموعته الشعرية الأولى بعنوان «ديك الريح الحديدي المحبوب» عام 1956، وتلاها عام 1957 أربع مسرحيات، وبعدها نص باليه بعنوان «فضلات أو قصاصات» - أصدر «غراس» روايته الأولى «الطبل الصفيح» التي أثارت الكثير من الجدل عام 1959، وجعلت منه.. مع روايته القصيرة «بنج موضعي» أو «مخدر موضوعي» 1969 وغيرها من الروايات واحداً من أكبر الروائيين في العالم الغربي. تتمحور رواية «الطبل الصفيح» حول القزم أوسكار - الشخصية الرئيسة في الرواية.. تلك الرواية التي بيع منها أكثر من مليون ونصف نسخة في كل أنحاء العالم، وأثارت فزع وانبهار القراء فى ست عشرة لغة.. ولقد استوعب القراء وتعمقوا رؤية هذا القزم المحيرة والعميقة الغور لقيام وسقوط الرايخ الثالث.. فصرخة «أوسكار» التي كان يصرخها ويستطيع بها تحطيم أي زجاج، وطبلته السحرية التي تحمله إلى الأمام وإلى الخلف في الزمان.. وكان أفضل حيلة التي قام بها في الرواية إفساد تنظيم المواكب النازية وطوابيرها... وحين اختفى تحت مقصورة المتفرجين ودق على طبلته ألحاناً معاكسة ومضادة ومخالفة لتلك التي كان يعزفها النازيون، وصارت طبلة «غونترغراس» رمزاً لهؤلاء الذين عليهم أن يعزفوا ويدقوا ألحان غيرهم دائماً.. أو ينتظرون من يدق عليها كي تصدر الأصوات - الأوامر.. وهو في هذه الرواية يعمد إلى توظيف أسلوب سردي من التهويل والترويع سبيلاً لاستجلاء أبعاد الماضي.. فمن خلال ذلك الكم الهائل من المفارقات والنوادر التي تروي غرائب الأمور وعجائبها، وتمزج الواقعي بالفانتازي - فضلاً عن تلك اللغة التي تصور ما هو سوقي ومبتذل - بفصاحة.. يبقي وجدان القارئ يقظاً ومتنبها، والأهم من ذلك - عاجزاً عن الركون إلى الصورة المألوفة للكينونات والحوادث طبقاً لما يصوره الوجدان المشترك. وعندما تحول هذه التدابير التقنية دون أمر ما... فإنها تحول دون التأويل الرمزي للتاريخ - بما هو اختزال لظاهرة الماضي الذي يسلم في نهاية المطاف بانقضائها - إلى ذلك فإنها تنبه القارئ إلى حقيقة التشويه الشامل الذي تعرض له الواقع الألماني في ظل النازية. وليس يعوز الكاتب تبرير خارجي لاستخدام تقنيات سردية كهذه طالما أنها التقنيات الوحيدة التي يمكن لشخصية مثل «أوسكار ماتسراث» بطل الرواية وراويها، استخدامها على وجه مقنع.. فهو فضلاً على أنه نزيل مستشفى للأمراض العقلية، فهو كائن عجيب، قزم في الخامسة عشرة.. يرفض منذ سن الثالثة أن ينمو مثل بقية البشر، ومن ثم - فإنه لا مناص من أن يبدو العالم لناظريه ضخماً ضخامة كاريكاتورية تثير الروع حينا وتبعث على الضحك أحياناً - ولكن تشبث «أوسكار» بالطفولة - رافضاً الانضواء في عالم الراشدين - فإنه لا يتلاعب بالفارق بين الطفولة والصبيانية.. فهو يريد التشبث بالبراءة وعدم التورط.. فلا يتُهم بالصبيانية، ومن ثم بالطيش وانعدام المسؤولية.. وما عالم الكبار.. على ما يستشف من تصوير «أوسكار» له - إلا عالم صبياني يتصنع أفراده الجدية المفرطة في المواقف التي تدعو إلى السخرية والضحك، وينشغل أهله انشغالاً تاماً بتافه الأمور وصغيرها - في حين يولون الشؤون المدنية والسياسية العامة أقل اهتمامهم، ولذا فإن «أوسكار» يرفض الانتماء إلى من هم معدومو النضج المتنصلون من المسؤولية والمراوغون للإحساس بالذنب الذي يدعونه، وهو يدين أخلاق البرجوازية الألمانية التي توانت في مواجهة المد النازي، وتصنعت الجهل بدورها فيما جرى، وما يزدريه أوسكار بشكل خاص هي تلك الرقابة الذاتية التي يفرضها الواحد من أبناء هذه الطبقة على نفسه مخافة الإدانة الجماعية أو حتى الخروج من القطيع.. و«الأوسكار» ليس بطلاً بالمعنى التقليدي، ويوظفه «غراس» كصوت الضمير الألماني المكبوت في العصر المظلم، وإنما هو أيضاً شخصية ملتبسة التباس الشخصية الألمانية العادية في زمن الحرب وبعده، وهو إذ يعري الواقع الألماني. فإنه هو نفسه عاجز عن الإقرار بالذنب، وقصارى ما يعترف به، وما يميزه عن أبناء الطبقة التي ينتمي إليها - هو أنه مرواغ ومتهرب من المسؤولية، وهو ذو انتهازية صريحة، ويقوم بدوري الملاك وإبليس.. وذلك انسجاماً مع المهنة التي يزاولها كبهلوان، وهو لا يكتفي بتسليط الضوء على الإلتباس الذى يعتري التاريخ وإنما أيضاً الإلتباس الذي يكتنف محاولة كتابة ما جرى من موقع من ينتمي إلى الطبقة المدانة هنا. فالراوي - شأنه في ذلك شأن الكاتب المنحدر من عائلة برجوازية منحازة لهتلر فضلاً عن انضوائه عضواً في الشبيبة الهتلرية، ليس من البراءة والحيادية بما يسوغ قبول روايته من دون شك أو سؤال.. وبذا فإن «غونتز غراس» الساعي إلى محاسبة الأمة الألمانية حساباً يكفل عدم تكرار ما جرى.. لا يزعم احتلال موقع الحكم الأخلاقي المتعالي تعالياً تاريخياً عما فعله أبناء أمته. وحيث إن الكاتب لا«يستثني» نفسه، فإنه يحرص على تنبيه القارئ بأن ما يرويه مجرد عمل أدبي - لا من حيث إنه سلسلة من الحوادث المتخيلة التي لم تقع فعلياً، وإنما من حيث أنه - رجل لا سلطة مطلقة له في سرد وقائع ما جرى، وأن المواطن الألماني الغارق في البحبوحة الاقتصادية التي شهدتها المانيا بعد الحرب ليتوجب أن يشاطره هم التفكير فيما جرى، والحيلولة دون التغافل والنسيان.. فالعجيب في شخصية «أوسكار» هذا الذي لا يحتمل، والهدام، والشاذ المنظر، ومع ذلك لا يخلو من جاذبية.. فهو يستطيع أن يؤثر في الناس عن طريق حكايات يحكيها خلال نقراته على الطبلة، ويستطيع أن يرفع صوته بالصراخ فيصل إلى مسافة يمكن أن نتصورها أو لا نتصورها، ويحدث نتيجة لهذا الصوت أن تتكسر جميع ألواح الزجاج التي تكون في طريق صوت أوسكار وعندما يتحدث عن الجنس فإنه يتحدث عن القراميط، وعن اللعاب، وعن البودرة، ومستخدماً ألفاظاً وتعبيرات وصوراً تدعو للاشمئزاز والرعب لذا يرى الناقد الإنجليزي «ريفيو شيرمان» أن النقاد لن يجدوا صعوبة في الربط بين شخصية أوسكار وبين «جوبلز» وزير الدعاية في العهد النازي وبين العقلية النازية، ولن يجدوا صعوبة في الربط بين صوت أوسكار وبين صوت «أدولف هتلر».. لكن «غراس» لا يوافق على هذا الرأي، وينكر أنه تعمد استعمال الرمز للتعبير عن معنى معين.. ورغم ذلك فالرواية أشبه بالسيرة الذاتية، وهي أشبه - أيضاً - بمن يكتب منتقداً الذاكرة الجماعية التي أدت إلى الكارثة، ومن خلال ذاكرته الشخصية. ولقد أحدثت هذه الرواية ضجة كبيرة، وتم شجبها في المانيا على أنها تعرض الروح والعقل البشري للخطر، إن لم تكن تدمرهما على ما يحتمل، وجرت محاولات لحظرها.. إذ إن الألمان كانوا تواقين إلى نسيان ماضيهم، ومن الناحية الجنائية، بدا «غراس» غير مسؤول.. لأنه يروي ثانية حكايات سنوات الحكم النازي بتفاصيل تعافها النفس، بل ميتة. وظهر أن اختياره ليروي الحكاية كان مهيناً في حد ذاته - حيث إنه اختار قزما ماكراً ماجنا هو «أوسكار»، وهو بالنسبة لمظهره الجسدي طفل في الثالثة.. له عقل رجل بالغ، وشهوة جنسية نامية تماماً، وموهبة في السخرية، وبصيرة ثاقبة، ولأنهم عدوه طفلاً لم يتقن المشي بعد أن كانوا يمارسون في وجوده أمورهم الجنسية.. وهو طبال بصورة اضطرارية، ويحتاج باستمرار إلى دمى في شكل طبول من الصفيح يحولها بعد أسبوعين من الاستعمال إلى خردة. و«أوسكار» مثل «مبتدعة - غراس» ولد في «دانزنج» وكان في الخامسة من عمره حين وصل النازيون إلى السلطة، ويراقب بني جلدته من المواطنين، وهم يكيفون أنفسهم للنظام الجديد وفي «كريستا لنخت» في نوفمبر 1938.. حين خربت محلات اليهود التجارية، يقابل بالمصادفة - صاحب محل اللعب المفضلة عنده - ميتاً وسط أطلال المتجر الملوثة، وبعد عشرة أشهر كان «أوسكار» ووالده بين المدافعين عن مبنى مكتب البريد البولندي، حين دمره النازيون، وقد وجدا وسط التشويه المستديم وقتاً للعبة ورق غريبة.. ينزف فيها واحد من اللاعبين حتى الموت، ويظل قابضاً على أوراق لعبه.. وفي أثناء الحرب يسافر «أوسكار» إلى فرنسا مع فرقة تمثيلية لتسلية الجند، وتصل إلى «نورماندي» في الوقت المحدد لغزو الحلفاء بالضبط، ولكنه يعود إلى «دننزج» حيث يحرر الجيش الأحمر المدينة، وبينما يأتي الجنود الروس مصلصلين، وهم يهبطون سلم القبو يحاول زوج أم أوسكار - على نحو يائس - أن يبتلع شارة حزبه النازي، ويختنق بها، وتحيره طلقات رصاص واحد من المحررين الذي يمسك حنجرته المعذبة - باعتبار أن ذلك نوع من الاستعراض العدائي. وتعادل سخرية «أوسكار» الباردة كل لون من ألوان الرعب، وكان الحب العظيم في حياته لممثلة قصيرة القامة تكون معه في «نورماندي» حينما يبدأ الحلفاء ضربها بالقنابل، وتجري إلى مطبخ الميدان بحذائها ذي الكعب العالي، وتصل إلى مشروب القهوة شديد السخونة.. وفي الوقت نفسه بالضبط تصل دانة من مدفع بحري. أما شخصيات الرواية المساعدة فهي نابضة بالحياة على نحو دال، وتذكرنا كيف يمكن أن تكون الكائنات البشرية لا تطاق - فهناك «جريف» بائع الخضار والفاكهة العاشق المغرم بالغلمان، والبارع في الآلات الميكانيكية، والذي يشنق نفسه على مشانق موسيقية مخترعة بعناية، وهناك «ميين» عازف البوق الذي ينضم إلى فرقة شباب هتلر، ويحظى بالمديح لتدميره معبدا يهوديا، ولكنه يطرد بمنطق نازي معصوم من الخطأ بتهمة القسوة على القطط.. وبدا أن «غراس» قد خطط روايته الغريبة كمجموعة من القصائد أصلاً.. ونشهد في الرواية كيف يتجول «أوسكار» وأمه قرب بحر البلطيق، ويسحب «صياد سمك» رأس حصان يزحف بسمك الأتلكيس، وربما يلمح هذا إلى الخيالة البولندية المحكوم عليها بالموت، وهذا أحد رموز الرواية المتكررة - لكن المشكلة الرئيسة بالنسبة للقارئ - عندما يتقدم الصياد ليعصر سمك الأتلكيس، وتندهش أم أوسكار كيف لا يصيب المرض الصياد، وتبذل أم أوسكار مجهوداً كبيراً كي تحضر وجبة فطور دسمة إرضاء للنوارس الصارخة التي تلتهمها، وفي الرواية لمسات مؤثرة أخرى مثل: أن فتحتي أنف أوسكار الحادتين تميزان النساء بروائحهن الطيبة، وتفوح من «ماريا» زوجة أبيه، ورفيقة الفراش - رائحة الفطريات البرية وعطر «الونيلية» وهو نبات أمريكي استوائي، ويتربى «أوسكار» «مثل غراس» في محل بقالة العائلة حيث تكمن فيه روائحه المختلطة مثل: الرنجة، والفواكه المجففة بأنواعها.. في أغوار نفسه. وفي هذه الرواية أحرز «غراس» قصب السبق إلى «سحر الواقعية».. حيث يجعل كتابته بدرجة أكثر، وليس بدرجة أقل - لكنها تستجيب لمطالب موضوعه، ويجعلك تشعر أنك لكي تتكلم عن الأحداث في مستوى معين.. ربما يكون الصوت النثري غير لائق - لكنه قد يقبلها على أنها معقولة ويعلق الناقد «نيل اشكرسون» على هذه الرواية «نيو ستبتسمان - سبتمبر 1994» بقوله: «يشعر المرء - وهو متحير بالحدث الجارف القائم على الخيال الجامح الذي اكتنفه الغموض بكل ما يقصده غونتر غراس - مثل العالم الحيواني الذي يكتشف حيواناً ثديياً وحشياً غير مسجل، يلتهم أوراق الشجر، ربما تكون له قرون جميلة، ولكن هي ماهيته؟.. وهذه أول رواية لرسام ورموزها ليست عضوية.. إنما تتكرر بالطريقة التي تتكرر بها أشكال الدروع في عمل تشكيلي للفنان «ماكس أرنست» أو آلة المندولين الموسيقية في عمل «بيكاسو»، وقد أصبح «غراس» من أعلام الأدب الألماني القصصي في هذا القرن، وقارن البعض هذه الرواية بملحمة «توماس مان» الروائية «جبل السحر»، وعدها البعض الآخر زوبعة أدبية استفزازية. ولعل هذه الرواية هي السبب الذي ارتأته الأكاديمية الملكية السويدية لمنح «غونتز غراس»، جائزة نوبل لعام 1999، والذي يتمثل في ناحية من نواحي عالمه الروائي الشاسع وذلك لأنه ينقل الوجه المنسي للتاريخ من خلال حكايات مروية على ألسنه الحيوانات في قالب من السخرية اللاذعة، لكنه نقل أيضاً تحولات هذا التاريخ والتناقضات التي شهدها، وكان خير معبر عن الواقع الألماني والمراحل الصعبة، والخطرة التي اجتازها. وروايته «الطبل الصفيح» تشهد فعلاً - لاعلى موهبته الروائية الكبيرة فقط.. وإنما على ارتباطه الوثيق بالتاريخ والذاكرة وبالواقع والوجدان العام.. فالبطل الذي يدعى «أوسكار» هو صورة واضحة عن الشخصية الألمانية التي تتذكر ما عانت وما شهدت من أحداث وجرائم هي جرائم الرايخ الثالث، بل هو نموذج للبطل المضاد والمعقد الذي يتمرد ويرفض ويواجه الموت واليأس والخراب الكبير المنتشر من حوله. وحين صدورها في العام 1959 - اعتبرت رواية «الطبل الصفيح» رواية المرحلة، وربما رواية «العصر»، وسرعان ما ترجمت إلى لغات شتى، وحققت لكاتبها شهرة عالمية حتى بات اسمه مرتبطاً بها.. علماً بأن الرواية هذه كانت أولى الثلاثية التي سوف تعرف «بثلاثية دانتزيج». ومنذ صدور «الطبل الصفيح» عام 1959 تلقى «غراس» عروضاً كثيرة بتحويلها إلى فيلم - دون أن يعجبه أي مشروع عرض عليه.. ولكن الأمر كان مختلفاً مع المخرج «فولكر شولندورف» - فقد أقنعه عام 1978 - بعد صدور الرواية بحوالي عشرين عاماً - بمحاورته الدائمه له، وأسئلته بأنه توصل إلى جوهر الرواية، واستطاع أن يعيده إلى الكتاب الذي كان قد أحس بأنه أصبح بعيداً عنه بحيث كان ممكناً - بفضل أسئلة «شولندورف» المثيرة أن يشترك «غراس» نفسه في كتابة حوار الفيلم، وشارك في كتابة السيناريو الفرنسي «جان كلود كاريير»، وفلوكرشولندورف، وفرانزساتيز». ويعلق «غراس» بقوله: ولمست على الفور أنه قد فهم أبعاد الفترة التي يتناولها الكتاب.. وأنه يملك من القوة ما يكفي لإعادة تشكيل المادة.. ليس بالخضوع الأعمى للكتاب.. وإنما بأن يستبدل بأدوات الأدب أدوات السينما.. وتم بالطبع - استبعاد بعض الفصول وبعض القصص والمواقف، وكان «شولوندورف» يطلعني على تطورات السيناريو لأعطيه أنا وجهة نظري.. وكان البعض يحدثونني أثناء ذلك عن قزم بشع.. بينما كان الموضوع - والكتاب نفسه - يقول ذلك بوضوح - عن طفل توقف عن النمو.. وكان «شولندورف» مصمماً على ألا يكون هناك أي أقزام.. فأين المتفرج الذي يمكن أن يتوحد مع قزم، إن لكل منا طفولته التي يفتقدها والتي يود أن يسترجعها.. وكثير مما في «أوسكار ماتزيراث» يمكن العثور عليه في جيل اليوم في الشباب.. وكثيرون يودون لو استطاعوا الهرب من البلوغ والمسؤوليات.. وهذا هو السبب في أن التجسيد الأدبي «لأوسكار ماتزيراث» يبدو لي موجوداً اليوم.. محاصراً بالحاضر باستمرار.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٨‏/٤‏/٢٠١٥
حين رحل الكاتب غونتر غراس عن عالمنا قبل يومين، كان من المؤسف أن معظم الذين كتبوا عنه في الصفحات الأولى للصحف في جميع أنحاء العالم، آثروا التركيز على مواقفه السياسية المتأرجحة، في نظرهم، أكثر مما على قيمته الأدبية الكبيرة، التي تمثلت في روايات ربما يصحّ اعتبارها من أفضل ما صدر في أوروبا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. بل الأدهى من هذا، أن «التأبينات» الصحافية توقفت أكثر عند الضجة التي أثارها قبل سنوات «اعتراف» غراس بأنه كان من شبيبة هتلر، ثم مجنداً في قواته الخاصة وهو في الخامسة عشرة ثم السابعة عشرة من عمره! نعرف طبعاً أن هذه الحكاية أسالت حبراً سياسياً كثيراً، لكنها سرعان ما همدت يومها، إذ سرعان ما صمت المهاجمون، وبقي أدب الروائي الألماني الكبير، وصــاحب جائزة نوبل للآداب، حاضراً بقوة في الحياة الثقافية العالمية، وينتظر دائماً من يكتب عنه ويحلله ويعيد دراسته، وهو أمر لا شك في أن الكتّاب الأكثر جدية سيبدأون به الآن مجدداً بعد أن اكتمل متن كتابات غراس برحيله. وتقف على قمة هذه الكتابات، روايته «الطبل الصفيح» التي لا تعتبر فقط أبرز أعمال غراس، بل كذلك، أبرز رواية صدرت في اللغة الألمانية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. ثم العمل الأفضل الذي غاص في صلب الضمير الألماني، الذي ما برح يسائل نفسه عن تلك المجزرة الإنسانية التي اقترفها. ومن هنا هذه العودة الى الرواية لمناسبة رحيل الكاتب الكبير. > منذ البداية، نلتقي في «الطبل الصفيح» بطلها أوسكار ماتزيرات، أول ما نلتقيه، في مصحّ الأمراض العقلية. حيث يقدم إلينا نفسه، لأنه هو الذي يروي حكايته الممتدة بين عامي 1920، و1954. فالرواية، في نهاية الأمر، رواية عنه: سيرة حياته. أو بالأحرى سيرة حياة ما، سيفترض هو وسنفترض نحن معه أنها حياته، طالما أنها تبدأ مع ولادته، لتنتهي به جالساً يكتب مذكراته وتحديداً في مدينة دانتزغ، ذات الكيان الملتبس. ذلك أن دانتزغ «الألمانية» هي في الوقت نفسه غدانسك البولندية. وأوسكار نفسه قد يكون ألمانياً وقد يكون بولندياً، وفق وجهة النظر. أو في شكل أكثر تحديداً، وفق الحقبة التاريخية. غير أن الأهم من هذا كله، هو ما يفضي به إلينا أوسكار من أنه، ومنذ ولادته، يطلق صرخة قادرة على تحطيم أقوى أنواع الزجاج: الكريستال ما يحيلنا بالطبع، وفي شكل مباشر، على ليلة الكريستال الشهيرة التي ستشهد بعد ولادة أوسكار بسنوات، بدء صعود النازيين كقوة عنف تدميرية في ألمانيا، ثم في العالم. غير أن لأوسكار، بين سمات أخرى، سمة أساسية في شخصيته: أنه حين بلغ الثالثة من عمره، والتسعين سنتيمتراً من قامته، قرّر ألا ينمو بعد ذلك أبداً. سيظلّ الى الأبد قزماً... لكنه سيصطحب معه لبقية حياته، ذلك الطبل الصفيح الذي يحمله ويعبر به، جاعلاً من إيقاعه، إيقاعاً للعصر وللزمن وللأحداث التي تمرّ به، ويمر بها. > إذاً، حاملاً طبله الذي تلقاه هدية يوم عيد ميلاده الثالث، ومكتفياً بالطول الذي بلغه رافضاً المزيد، احتجاجاً على فساد عالم الكبار، يطل أوسكار على الحرب العالمية الثانية ومقدماتها، وتحديداً في تلك المدينة البروسية/ البولندية، التي إنما كان تمزّقها، خلال الحرب، صورة عن تمزّق الأمة الألمانية ككل. في حياته تلك، يعيش أوسكار الحرب والحياة والمجازر والمحارق الهتلرية، وحكايات الحب الغريبة، لكن الأمر من هذا كله، أن أوسكار يعيش أيضاً عالم بعد الحرب الهش. العالم الغريب الذي يبدو فيه لأوسكار أن كل شيء قد فقد هويته ونقاءه. وأوسكار، لموقعه الوسط، يبدو قادراً على رصد ذلك كله. فهو منذ البداية، مثلاً، يعتبر أن له والدين: ألفريد زوج أمه، العضو في الحزب النازي، ويان عشيق هذه الأم، وهو مواطن بولندي من دانتزغ يُعدم على أيدي النازيين بتهمة الهجوم على الجيش النازي حين غزا هذا الأخير بولندا. بعد ذلك إذ تموت أم أوسكار، يتزوج ألفريد من ماريا، المرأة التي كانت قبل ذلك عشيقة سرية أولى لأوسكار. ومن هنا نعرف نحن القراء، أن ماريا إذ تضع لألفريد مولوداً ذكراً «كارل» هو باكورة زواجهما، تخفي عنه أن الطفل هو في الحقيقة ابن أوسكار. أوسكار طبعاً سيسرّ بالولد، لكنه سيستاء لاحقاً استياء شديداً حين يبدو له كارل غير راغب في التوقف عن النمو عند سن الثالثة، كما حدث لأوسكار نفسه. > لكن هذا كله لا يوقف دورة الحياة، ولا تفاعل أوسكار مع ما يدور من حوله. ذلك أننا نراه خلال الحرب، ينضمّ الى فرقة من الأقزام تقوم بالترفيه عن جنود الاحتلال الألماني... وهي مهمة تقود الــــفرقة الى دانكرك. وهناك تقتل روزفيتا، حبيبة أوسكار القزمة، على أيدي الحلفاء النازلين في النورماندي. فيعود أوسكار الى دانتزغ، حيث يصبح زعيماً لعصابة من المجرمين. ويــــتزامن هذا مع دخول القوات السوفياتية إليها. وهذه القوات تطلق النار عليه فيما كان يرمي شارته الحزبية، كي لا يدرك الروس أنه كان عضواً في الحزب النازي. بيد أن إطلاق النار لا يقتله، بل يدفعه الى التعجيل بالرحيل مع ماريا، زوجة زوج أمه، الى داسلدورف، حيث يعمل موديلاً لطلاب الرسم، ثم صانعاً لمحفورات حجارة القبور. وهناك، يقع في غرام الأخت دوروثيا الطاهرة كالملائكة، لكنه يخفق في إغوائها. ولعل هذا الاخفاق هو ما يدفع بأوسكار الى التعويض على نفسه بالفن - أي بالنسبة إليه: بالعزف على الطبل -، حيث يصبح عازف طبل في فرقة جاز، ويدرّ عليه هذا النشاط الفني ثروة طائلة موفراً له في الوقت نفسه شهرة ما بعدها شهرة. ثم ذات يوم وهو يسير في حقل من الحقول، يعثر صدفة على إصبع مقطوعة. إنها إصبع دوروثيا. فماذا يكون رد فعله؟ يقنع نفــسه بأنه هو الـــقاتل، إذ يتبين أن دوروثيا قد قتلت، ما يجعل السلطات تعتقله وتضعه في مأوى المجانين، حيث يجلس هادئاً طوال سنتين ليكتب لنا حكايته. > طبعاً، يمكننا أن ندرك هنا ونحن نطوي آخر صفحات هذا الكتاب، أن موضوعه يتناول الكثير من الرؤى والقضايا. غير أن «التيمة» الأساسية تبقى البراءة والفن كصنو لهذه البراءة. الفن الذي يمكنه، وحده، أن يجابه عارياً، كل شر الحروب والكراهية والتمزق داخل الذات وبين البشر. فأوسكار يتفادى كل شيء، بما في ذلك الموت والقتل، بموهبته الفنية. بل إنه يستخدم طبله من ناحية، وصراخه العنيف من ناحية ثانية لمجابهة النازيين، هو الذي لا يكفّ عن إزعاجهم بطبله. ثم لاحقاً حين يتزعم عصابة المجرمين، نراه يستخدم صوته لتحطيم واجهات المحلات التي يريد وعصابته سرقتها. إذاً، في الحالين، خيراً أو شراً، تبدو مواهب أوسكار الفنية، سلاحاً يستخدمه. غير أن هذا ليس سوى سمة واحدة من سمات هذه الشخصية، في رواية، صحيح أن كاتبها غاص عبرها في تاريخ نصف قرن تقريباً، لكنه صور في شكل خاص، تمزق أوروبا وألمانيا والإنسان المعاصر عموماً، في حقبة ما بعد الحرب. ومن هنا، لم ينظر الى هذه الرواية التي نشرها غراس للمرة الأولى عام 1959، على أنها رواية تاريخية، بل اعتبرت عملاً معاصراً، إذ من خلال أسلوبه «الواقعي السحري» تمكّن غراس من رسم صورة شديدة الراهنية، تبدو رموزها من الشفافية لتقول كل شيء وترسم كل الهواجس. > وغونتر غراس نفسه هو من مواليد مدينة دانتزغ، عام 1927، ودرس الرسم، والنحت قبل أن يتحوّل الى الأدب، وخلال إقامته في باريس آخر الخمسينات، كتب «الطبل الصفيح» التي كانت روايته الأولى لتليها بعد ذلك روايات وكتب أخرى من أبرزها: «القط والفأر» و «سنوات الكلب» و «الفأرة» و «يوميات الحلزون»... كما كتب للمسرح نصوصاً سياسية، هو الذي خاض المعترك السياسي مستشاراً لويلي براندت مؤيداً سياسته الانفتاحية، واصلاً بعد توحيد ألمانيا إثر سقوط النظام الشيوعي، الى إدانة ذلك التوحيد باعتباره غير مفيد للجانبين.