
مجاني
📱 كتاب إلكتروني
اللفياثان الإسلامي: الإسلام وتشكيل سلطة الدولة
تأليف سيد فالي رضا نصر
ترجمة خالد بن مهدي
3.0(٠ تقييم)•١ قارئ
📄 قراءة PDFمجاني
عن الكتاب
تنطلق الدراسات الاستشراقية عموماً، وكذلك الدراسات حول الدين والدولة في العالم الإسلامي، وتجارب الإسلام السياسي في عالم اليوم، من مقولات ومدارك نمطية شبه مستقرة، وتأتي معظم القراءات والتحليلات الثقافية والسياسية والإعلامية إما لتأكيد تلك المدارك والنمطية أو للمرافعة ضدها. وقلما تجد دراسات تمكنت من الإفلات من تلك الثنوية الحاكمة (مؤيد-معارض) في هذا المجال. غير أن دراسة الكاتب والأكاديمي الأميركي من أصل إيراني ولي رضا نصر بعنوان "اللفياثان الإسلامي: الإسلام وتشكيل سلطة الدولة"، التي صدرت ترجمتها عن مركز نماء للدراسات في بيروت، وجاءت في 287 صفحة، مختلفةً في منطلقاتها المنهجية والمعرفية، ومفرداتها، وإيقاعها واستخلاصاتها.
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (١)
المراجع الصحفي
١٦/٣/٢٠١٨
نطلق الدراسات الاستشراقية عموماً، وكذلك الدراسات حول الدين والدولة في العالم الإسلامي، وتجارب الإسلام السياسي في عالم اليوم، من مقولات ومدارك نمطية شبه مستقرة، وتأتي معظم القراءات والتحليلات الثقافية والسياسية والإعلامية إما لتأكيد تلك المدارك والنمطية أو للمرافعة ضدها. وقلما تجد دراسات تمكنت من الإفلات من تلك الثنوية الحاكمة (مؤيد-معارض) في هذا المجال. غير أن دراسة الكاتب والأكاديمي الأميركي من أصل إيراني ولي رضا نصر بعنوان "اللفياثان الإسلامي: الإسلام وتشكيل سلطة الدولة"، التي صدرت ترجمتها عن مركز نماء للدراسات في بيروت، وجاءت في 287 صفحة، مختلفةً في منطلقاتها المنهجية والمعرفية، ومفرداتها، وإيقاعها واستخلاصاتها.
يتناول نصر موضوع الأسلمة والسياسة وإقامة سلطة الدولة في باكستان وماليزيا، بالتركيز على حكم الجنرال ضياء الحق في باكستان عام 1979 ومهاتير محمد في ماليزيا عام 1980، اللذين أعلنا أن الدولة سوف تصبح معهما أو مع حكمهما إسلامية، وان الإسلام سوف يشكل "أساس الهوية الوطنية والقانون والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية،،، وأنها سوف تلهم كل صناعة للسياسات" في بلديهما. ص 9.
ينطلق الكتاب من تحولات دولة ما بعد الاستعمار، وكيف أمكن إدراج الدين في مقتضى السياسة ليلبّي "حاجيات سلطة الدولة وتنميتها"، ويقارب الموضوع من خلال إسهام العلوم الاجتماعية ودراسات الدولة والثقافة والدين، وتتبع دقيق لمجريات الأمور في باكستان وماليزيا، مع تناول معمق لـلهند عندما كانت الباكستان جزءاً منها.
والأسئلة الرئيسة للكتاب هي: "لماذا اختار هؤلاء القادة طريق "الأسلمة" لبلدانهم؟ وكيف أمكن لدول ما بعد الاستعمار التي كانت ذات مرة علمانية أن تصبح وكيلة للأسلمة والمبشّرة بدولة "إسلامية حقيقية"؟" ص 9، وكيف أخذت الدولتان المذكورتان دور الناشطين الإسلامويين أو المجددين أو الأصوليين بأن عدّت نفسها "الحامية للإسلام والمدافعة عن مصالحه"، ص9، وكيف يمكن لدول ما بعد الاستعمار العلمانية أن تتحول إلى وكلاء للأسلمة، وبشكل أعم "كيف يمكن للثقافة والدين أن يلبيا حاجيات سلطة الدولة وتنميتها"، ص10.
يتألف الكتاب من مقدمة وثلاثة أقسام: يتناول القسم الأول تشكيل الدول الجديدة، وفيه فصلان، الأول الميراث الاستعماري ويتناول أصول الدولة وتكوينها المبكر في ماليزيا وباكستان، والتجربة الاستعمارية المؤسسة للدولة فيهما، والعلاقة بين الإسلام والمجتمع فيهما. أما الفصل الثاني فيتناول طبيعة السياسة في الدولة منذ الاستقلال، والعوامل التي أدت إلى تطور الموقف بين الدولة والإسلام حتى فترة الثمانينيات من القرن العشرين.
أما القسم الثاني فيتناول فترة السبعينيات، حيث عانت الدولتان الاضطراب السياسي والتغيير الثقافي، وفيه فصلان، الأول يدور حول الأزمة التي واجهت الدولة العلمانية في ماليزيا وباكستان بين عامي 1969 و1980، حيث قامت أعمال الشغب في ماليزيا وسقوط نظام أيوب خان في باكستان. ويتناول الفصل الثاني بشكل موسع تحديات الفواعل والتنظيمات الإسلاموية في تلك الفترة.
القسم الثالث حول الأسلمة والتنمية واستعادة سلطة الدولة، وفيه فصلان، الأول يتناول ماليزيا بين عامي 1981 و1997، ويركز على الأسلمة والتنمية الرأسمالية، والسياسات والغايات التي حكمتها. والفصل الثاني يتناول باكستان بين عامي 1977 و1997، والأسلمة واستعادة سلطة الدولة، وتأثير تلك الاستراتيجات على الدولة والمجتمع، والتنمية والاستقرار.
يقول الكاتب ان الدولة في البلدان الإسلامية لعبت "دوراً أساسياً في غرز الإسلام في السياسة"، والأهم من ذلك، كما سيظهر خلال هذه الدراسة، هو أن الدول لم تفعل هذا فقط جراء الضغوطات من قبل الحركات الإسلامية، "بل لتخدم مصالها الخاصة"، ص 12. ذلك أن الإسلام يكن مصدر تهديد للحكومات وإنما فرصة أيضاً. كما أن الأسلمة لم تكن استراتيجية دفاعية، بقدر ما كانت "عملية استباقية" من قبل الدولة، ص12، وذلك أن ماليزيا وباكستان دولتان ضعيفتان، وقد كرس النظامان الحاكمان الاستعمال المفرط للرموز والسياسات الإسلامية "لتعزيز سلطة الدولة عند منعطف حرج"، ص13.
مدخل التحول هو التفاعلات داخل مؤسسات الحكم، وتجاذبات العلاقة والتوازن والصراع داخل المجال، والتداخل مع متطلبات التنمية والموارد وقوة الدولة. يقول الكاتب: "تُظهر حالتا ماليزيا وباكستان أن تأثير الثقافة والدين في تغيير المؤسسات والدول ومسارات التنمية أهم بكثير مما يفيده لتعامل معها بوصفها جوانب من الهيكلية المؤسسية: باعتبارها قواعدَ وقيوداً وأشكالاً روتينية"، ص15. ومن ثم فإن الأسلمة كانت مؤشراً على صعود الدولة وليس تراجعها، وعلى قدرتها على ضبط عملية تحصيل الموارد وإعادة توزيعها، ومدى استقلاليتها عن الطبقات ومجموعات المصالح.
يركز هذا الكتاب على دور العوامل الثقافية في طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة، والتأثير على قدرة الدولة نفسها، وكيف أنها تعود لتتوسل الثقافة مدخلاً للتأثير، وخاصة كيف تم استخدام الدين من أجل إعادة تأكيد أو تعزيز الشرعية لنظم الحكم وللدولة، وتمكينها من الضبط والسيطرة والتحكم في المجتمع، في مختلف الأبعاد، الأمنية والسياسية والاقتصادية، واتجاهات القوى الاجتماعية على المدى البعيد، بما يجعل تلك المهام أكثر سهولة ويسراً وأقل تكلفة.
دولة ما بعد الاستعمار هي دولة موروثة عن الاستعمار نفسه، بمنطقها وأجهزتها ودافعيتها، حتى أن دولاً لم تخضع للاستعمار بصورة مباشرة، مثل تركيا وإيران، أقامت دولها بوحي ومنوال ومثال دولة الاستعمار. ويبدو أن تبنّي المنظور الغربي العلماني، كان عامل قوة للدولة في مرحلة تحديث وتأسيس للهوية. لكن الأمور، لم تسِر على ما يرام، وقد كان التحديث والعلمنة في الشكل أكثر منه في المضمون، وقد برزت سريعاً عوامل اضطراب اجتماعي وسياسي تحت عناوين دينية، الأمر الذي وضع الدولة في مواجهة قوى إسلاموية متزايدة القوة والتأثير، ثم في حالة من المزاودة المحاكاتية بين تلك القوى وبين الدولة نفسها على "حيازة" الإسلام.
يقول الكاتب: ان "الأسلمة التي تقودها الدولة هي في جوهرها توطين (indigenization) لدولة ما بعد الاستعمار، من خلال تضمينها في النظم القيمية المحلية. لقد أجبرت جدلية توسع الدولة والمقاومة الاجتماعية ضدها بعض دول ما بعد الاستعمار على الأقل على إدراك أنه من الأكثر فاعلية أن تكون إسلامية"، ص 30.
لم تقف الإسلاموية في ماليزيا وباكستان وغيرها ضد عملية الدولنة إنما ضد أيديولوجيا الدولة، بمعنى أن تأكيدها على المجال الخاص بالدين واستقلاليته لم يكن موجهاً ضد الدولة إنما ضد علمانيتها. ولذا عندما فُتح الباب برز اتجاه لـ "أسلمة" كل شيء تقريباً: الاقتصاد، الاجتماع، الثقافة، العلوم، التعليم، المال والأسواق، التربية، وحتى الطب.
"الالتفات نحو الإسلام لا يتطلب من الدول توحلاً أساسياً، وإنما يتطلب فقط توجها ثقافياً"، ذلك أن الدولة في ماليزيا وباكستان منذ الثمانينيات لم تغيّر شيئاً يذكر في بنيتها وعملية صنع السياسات فيها، خلافاً لما حدث في إيران، حيث تمت "إعادة إنشاء الدولة" منذ العام 1979، ص36.
تم استخدام الأسلمة لتكون "سداً منيعاً" ضد اليسار والاتجاهات الوطنية المناهضة للاستبداد، كما فعل الجنرال أنور السادات ضد اليسار والناصرية، والجنرال كنعان إيفرين في تركيا ضد اليسار، أنظر ص47. وقد كانت اتجاهات الرجلين المذكورين مدعومةً من الغرب وعدد من النظم الإسلاموية الموالية له في المنطقة. ومن المعروف أن الغرب شجّع السياسات الإسلاموية في مصر وباكستان وإندونيسيا وتركيا وغيرها كجزء من سياسات الاحتواء لليسار والاتجاهات الوطنية في العالم.
أدت التحولات في النظام العالمي وانحسار اليسار إلى "زوال الحاجة" لدعم سياسات الأسلمة المذكورة، في عدد من دول العالم. ويشير الكاتب إلى دول مثل مصر والأردن وتركيا، وما حدث بعد ذلك هو انقلاب العلاقة بين الدولة وحلفائها الإسلامويين، ص48. لكن الأمور تطورت بشكل مختلف في ماليزيا وباكستان، وذلك أن الأسلمة فيهما لم تكن مجرد نتيجة لصراع على الموارد بين الدولة وفواعل اجتماعية دينية، وإنما كانت نتيجة مدارك تهديد ذات طابع وجودي لـ"دولة ما بعد الاستعمار"، بمعنى أن الجيش قام بانقلاب عسكري في باكستان لأن نظام الرئيس الراحل ذو الفقار علي بوتو لم يكن قادراً – كما يقول الكاتب- على مواجهة تحدي حركة المصطفى التي كانت قريبة من أن تجعل من باكستان كإيران عام 1979، ص 49. وقد كانت ماليزيا تحت مدارك وفواعل تهديد عالية أيضاً؛ من ثم فإن الأسلمة هناك، أي في باكستان وماليزيا، كانت "أكثر جذرية" منها في مصر والأردن وتركيا. ومن ثم فقد فضلت الدولة في الدولتين المذكورتين، باكستان وماليزيا، أن تقود هي نفها عملية الأسلمة وليس من خلال وسطاء "إسلامويين".
يبدو أن وضعية الدولة في باكستان وماليزيا لجهة حداثتها النسبية وضعفها وكونها غير معززة ببنى إثنية قوية ومتماسكة، نظراً للتعدد الإثني فيها، فقد وجدت في الأسلمة عامل الأمان الرئيس الذي يمكن التعويل عليه.
كانت الأسلمة في ماليزيا وباكستان قوية، إلا أنها لم تصل إلى مستوى "إعادة تشكيل الدولة". وهكذا فقد بقيت الدولة في باكستان وماليزيا بعد الأسلمة "تماماً كما كانت من قبل"، ص 249. وهكذا فإن الأسلمة "لم تكن متعلقة بالإسلام بقدر ما كانت متعلقة بالدولة"، و"كانت الأسلمة استراتيجية لتشكيل الدولة"، ص250. صحيح أن الأسلمة طبعت المجال العام، وأثّرت في تفاصيل الحياة، والتفكير والعمل، ولكن الأهم من كل ذلك هو "الجعل من مؤسسات الدولة ساحة للصراعات على السلطة". وهكذا فإن "الإسلام لم يعد المحور الرئيسي للصراع بين الدولة والمجتمع، وإنما عجَلَ ذلك بوقوع صراعات جديدة بين الفاعلين التابعين للدولة وزعمائها"، ص251.
يبدو أن الأسلمة تمت يسهولة في ماليزيا، إذ تمكنت الدولة من "تقسيم القوى الإسلامية، وتحييد بعضها"، فيما واجهت الأمور صعوبةً كبيرة نسبياً في باكستان. صحيح أن المجتمع في ماليزيا ينقسم على أسس إثنية، لكن كان ثمة القليل من الانقسام الحقيقي داخل مجتمع الملايو. أما في باكستان فإن الانقسامات داخل المجال المسلم كانت أكثر تجذراً وعمقاً، بالإضافة إلى الانقسامات الثقافية والعرقية. وفي نهاية التسعينيات من القرن العشرين، تمكنت الدولة في ماليزيا من الابتعاد قليلاً عن الأسلمة، في حين "لا تزال باكستان متورطة بعمق في الأسلمة"، ص251. وحققت الدولة في ماليزيا استقراراً وسيطرة اجتماعية وتنمية اقتصادية أكبر، أما في باكستان فتبدو الأمور على النقيض من ذلك، ما يحيل إلى اضطراب في سلطة ونفوذ الدولة.
لكن مسيرة ماليزيا لم تكن ميسرة على الدوام، وقد ألقت الأزمة المالية العالمية في نهاية تسعينيات القرن العشين بظلالها على طبيعة السياسات الاقتصادية والتوازنات الاجتماعية فيها، كما تأزمت الأمور بين مهاتير محمد وأنور إبراهيم، وقد وصل الصراع بين الرجلين إلى تحقيق (أو تظهير) انقسامات سياسية واجتماعية أكبر غوراً وخطورةً. وهكذا "أصبح الإسلام مرة أخرى قوة سياسية معادية للمؤسسة"، ص 257. كما نشطت سياسات الاستقطاب على أساس عرقي وجهوي في ماليزيا.
وقد أثّرت الأزمة المالية المذكورة سلباً على باكستان، ولم يتمكن نواز شريف من تجاوز تداعيات الأزمة بنجاح، فقد "أدت التكلفة السياسية للإصلاح الاقتصادي سلباً على قدرة الدولة على الاستمرار في إدارة الأسلمة في العملية السياسية"، ص 259.
وصلت الأسلمة في ماليزيا وباكستان إلى مآلات سلبية، إذ "فقدت قدرتها على تعزيز سلطة الدولة وتراجعت قاعدتها الاجتماعية في باكستان". أما في ماليزيا فقد برز مجدداً "التعارض الأساسي للعلمانية المتأصلة لدولة ما بعد الاستعمار والأيديوولجيا الإسلامية بغرض فصل الدولة عن الإسلام"، ص 263.
يستدرك المؤلف على حكمه السابق حول المآلات السلبية للأسلمة، ليقول إن الأسلمة لم تكن فاشلة بالتمام، وقد حققت مكاسب كبيرة للنظم السياسية والدولنة في ماليزيا وباكستان، لكنها أدت إلى أحكام وظروف قاسية بالنسبة لـ"الأقليات" والتكوينات الإثنية والدينية والمذهبية والجماعات الأصغر عدداً والتكوينات ذات الخصوصية الثقافية والنساء، كما أنها شجعت على خلق بيئة ذات قابلية للتطرف الديني.
تمكن ولي نصر من تقديم مقاربة لافتة، بنت على مقاربات مركبة لتراث كبير من اجتهادات العلوم الاجتماعية والدراسات الإسلامية والأنثروبولوجيا الخاصة بالمجتمعات الإسلامية، ودور الإسلام في إنشاء سلطة الدولة في تجربتي باكستان وماليزيا، حيث حضر الإسلام بقوة، لكن عوامل الترجيح كانت سياسية واجتماعية في المقام الأول، بانتظار مقاربات على المستوى نفسه من الجدية والعمق بالنسبة لتجارب البلدان في المنطقة العربية والشرق الأوسط.








