تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب علي: قصة رجل مستقيم
مجاني

علي: قصة رجل مستقيم

0.0(٠ تقييم)
سنة النشر
2017
ISBN
0
المطالعات
٤٩٤

عن الكتاب

تحكي الرواية قصة المتطوعين الفلسطينيين في الحرب الإسبانية ما بين عامي 1936-1939. أبطال الرواية هم رجال مستقيمون غيّبهم التاريخ فضاعوا في متاهات الإهمال وعلى شواطئ النسيان. بلغ عدد الأجانب المتطوعين في الحرب الأهلية الإسبانية حوالي 40 ألف متطوع ، جاءوا إلى إسبانيا من أكثر من 56 دولة، لذا سمّوهم بالمتطوعين الأممين الذين حاربوا ضمن "الألوية الأممية" وكان منهم خمسة فلسطينيين، أخلصوا لقضية الحرية والعدالة. علي، بطل الرواية، يصبح قائدا عسكريا متميزا.

عن المؤلف

حسين ياسين
حسين ياسين

حسين ياسين كاتب فلسطيني من مواليد قرية عرابة البطوف، شمال فلسطين، عام 1943. حصل عام 1973 و1976 على شهادتين في الاقتصاد وتدقيق الحسابات من جامعة لنينغراد وجامعة حيفا، وحصل على شهادة في التأمين من كلية

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

غلاف ضحى

ضحى

حسين ياسين

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

غلاف الخيميائي

الخيميائي

باولو كويلو

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
ليس الأدب، ولا سيما الروائي، بالعمل التأريخي الموثق وقائعياً. ولكن، هل من قبيل المبالغة القول بان الأدب حاضنة فضفاضة مرنة للتاريخ الذي هو نفسه حاضنة الوجود البشري زمانياً، اي جهد الإنسان في الإنتاج بغض النظر عن مدى تطور نمط الإنتاج، ومن ثم مكانياً؟ وإذا كان التاريخ هو كل هذا المدى، فكيف يكون لأي منا حشر التاريخ في الأدب! قد يكون دفاعنا عن هذا التجرؤ على التاريخ هو فقط من باب أن الأدب وخاصة الروائي متحرر من قيود التقنين والتسجيل التاريخيين لأنه يذهب لما هو ابعد من الحدث الأرضي إلى التخيل الكوني/الفضاء. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني ان الأدب، ونعني هنا الأدب الواقعي، رغم فرصته في الذهاب الأبعد يبدا من الحدث. والحدث هو وليد الواقع الذي يولد أحداثا قلما نتوقعها، بل لا نتوقعها، وحينما تقع نجد انفسنا أمام تحدي الإحاطة بها وتوظيفها في علاقة جدلية مع متطلباتنا وشروط حياتنا. وهكذا، حين يكون الأدب قد ارتكز على الواقع المادي، يمكنه الذهاب إلى ابعد فضاء، ويمكننا التقاطه وإعادته كي نزرعه في الأرض في بحثنا بل قلقنا على الوجود والبقاء وحتى الأبدية حلم مختلف روايات التاريخ البشري من جلجامش وحى شهداء انتفاضات فلسطين ونساء اليمن وأكثر منهم في سوريا. كلٌ قضى وهو يحلم ب اللاموت أو يزرع البقاء للاخرين. بُنيت رواية عليّ للكاتب حسين ياسين على الأرضية أعلاه إن كانت لي دقة هذا الاستنتاج. هذا من جهة، ومن جهة ثانية لست ناقداً ولا اديبا. لكن ما دفعني لمجازفة دخول هذا العالم الذي لا باع لي فيه أمران: الأول، موضوع الرواية الذي يعالج مسألة إشكالية في الواقع والتاريخ والأدب ايضا، اي الشيوعية. والثاني، ان حسين ياسين، كما فعل اصدقاء آخرون دفعني لقراءة الرواية في إجازة عن هَمِّيَ الأساس وهو متابعة سحر الاقتصاد السياسي الذي يداهمني كل يوم بالعديد من الإبداعات والنظريات والتحديات، فلكلٍّ منا ساعته،التي لا تزيد عن مدى اية ساعة لأي إنسان آخر. فيما يخص زمن الرواية، هو زمن قصير طويل معاً، قصير بمعنى أنه بضع سنوات في حياة مقاتل شيوعي، وطويل بمعنى أنه سبعة عقود من التجربة الشيوعية العالمية قيد التطبيق، وواسع المدى لأن هدف الرواية أخذ الشيوعية إلى مداها الإنساني الأممي، أو بالأصح نقد فشل التجربة الجميلة للشيوعية في وصول مداها الذي إليه تطمح، وأخيراً، منطوق الكاتب عن كيف يرى الشيوعية سواء في النظرية بأجمعها أو في وضعيتها في فلسطين المحتلة وخاصة التناقض الذي لم يكن ليحصل وهو تصنيع حزب شيوعي من مستوطنين واصلانيين. يمكنك القول بأن الكاتب تمكن من نقل خطاه بسهولة وخفة نادرتين بين النضال والحب والعشق والإنسانية والاستشهاد ضمن صور هادئة وعميقة عن أحداث حادة وساخنة دون ان تشعر بانه نقلك قسرا مما يسمح لك بالعودة من مستوى إلى آخر. مركز الرواية/موضوع الرواية؟ هذه الرواية في السياسة والفكر ومن ثم اشكال النضال الذي اتخذتهما تجاه الصراع العربي الصهيوني وحصرا في فلسطين. موضوع واسع فكريا وإن كان قد تم حصره جغرافيا. موضوع لا يختلف الحوار فيه شدة وحدَّة عن حوار الحراب، حوار بدأ ولم ينتهي بعد، ذهب الاتحاد السوفييتي، واستشهد بطل الرواية ودق فرانكوا سنجته في كتف ثور الثورة الإسبانية لتسقط مضرجة بدماء أممية. أما الحوار بل الجدل الصعب والقتالي حول وضع الشعب الأصلاني والمستوطنين في حزب واحد، في قِدر ضغط معاً، فلم ينتهي ولن تنضج الوجبة بل لا مجال سوى تفجر القِدْر حتى لو من فولاذ لا فخار. هل اختار الكاتب القول بل الإيحاء بأن شيوعي فلسطيني يمكن أن يتآخى أممياً مع شيوعي من اية قومية ولا فرق لديه إن كان شيوعيا من اصل ديني يهودي، تآخي في أية بقعة جغرافية ونضال مشترك باستثناء التآخي مع هذا الشيوعي اليهودي في فلسطين لأنه هنا صهيوني بلا مواربة، أو لماذا أتى، وإن حصل أن أُتِيَ بها لماذا استقر، وإن استقر، لماذا لم يناضل لهدم هذا الكيان! ولكي أوضح تصوري، فإن اي شيوعي في الكيان مطالب بموقفين: العمل على تحرير فلسطين والإقرار بأن الكيان الصهيوني الذي يتاجر بالمحرقة المشتدة يمارس ضد الشعب العربي الفلسطيني محرقة ممتدة. اسمياً يهودي في أي مكان نضالي ما عدا في فلسطين؟ نقصد من أي قومية لأن يهود الكيان هم قطع غيار من مئة أمة/قومية أو أكثر تم تجميعها لتكوين عربة ما كان لها ان تسير ، محال أن تسير، لكنها سارت وحتى بسرعات تقارب الخيال! لعلها أعجوبة، بل أحجية لا يمكنك تصورها إن لم تتمكن من التقاط مسالة مضاجعة الآلهة كلها لهذه الغانية واشتراكها أي اغتصاب فلسطين الفلاحة العربية أي تلاقي/إجماع: دعم الكتلة الاشتراكية للاستيطان اليهودي في فلسطين وخاصة الاتحاد السوفييتي بعد لينين ودعم الإمبريالية ودعم تيار الاشتراكية الدولية ودعم أنظمة سايكس-بيكو العربية والتي يجمعها بالكيان الصهيوني حبل سُرِّيْ، وهذا اليوم واضح فاقع. وأيضا، اعتراف معظم الحركة الشيوعية العربية بهذا الكيان. ما يصعب تقبُّله، لأنه الأشد تناقضاً في ذاته، هو موقف الشيوعية الدولية والعربية من الكيان وفي هذا يكمن أغلب الجدل الذي يُعطي الرواية سخونتها. وإذا كانت بوتقة النضال الأممي ممكنة لعلي بطل الرواية خارج فلسطين، فربما هذا ما دفعه لقبول الإبعاد إلى اسبانيا، هذا ما أراد الكاتب قوله بمعنى : دعنا نبحث عن ميدان نضال لا يكون أحدنا سيدا على الآخر طالما كلانا أممياً، لنبحث عن جغرافيا كلانا فيها متطوعاً. ربما أذكر هنا عام 2000 حيث دُعيت إلى مدريد لمؤتمر عشر سنوات على مؤتمر مدريد، وفي زيارة للأندلس دُعيت لحديث للحزب الشيوعي الأندلسي، ولا أنسى أنني شعرت حينها بتحقيق متعة أممية. فليس بالأمر العابر أن تشعر بانك في جغرافيا أخرى ولكن في وعي متطابق. ناهيك عن ما يرويه علي بأن قتالونيين كرروا على مسامعه أنهم بدم عربي، وهذا ما سمعته أنا نفسي في الأندلس من كثيرين/ات. ربما لأن هؤلاء يرون العرب في الأندلس بعثة تنمية وتنوير وإعمار لا استعمار. ليست صدفة إذن ان يقرر الكاتب حل الصراع النفسي الداخلي لبطل الرواية بان يذهب إلى إسبانيا 1936، حتى وربما قصدا في فترة الإضراب الطويل الفلسطيني 1936 واشتداد الكفاح المسلح، لأنها تحقق له النضال الأممي مما يبرر له مغادرة وطنه الذي يجبره حزبه وقيادة الأممية على ان “يناضل” مع شيوعييين مستوطنين يخدمون إقامة دولة رأسمالية بيضاء على أرض وطنه. طريف ان نلاحظ التضافر غير المكتوب في خداع الشعب الفلسطيني ، تضافر الشيوعية المتناقضة ذاتياً مع الحكام العرب في تقويض ثورة 1936 الفلسطينية! هل كان الهروب سيد الموقف؟ الهرب لرجل يعتقد بالشيوعية، ولم يحتمل ان يطعن وطنيته، إن لم نقل قوميته حين يجد نفسه في موقع وموقف به دفء الأممية نظرياً ولكن يمحوه جليد عذابات شعبه الذي يُمحى بمشاركة أو تواطؤ الأممين انفسهم! شخصية علي المتمردة والقومية والفلاحية التي تبرتلت والمتمرسة، لا تشي بأنه هرب من قسوة النضال والسجن في فلسطين على يد الإمبريالية العدوة بريطانيا، بمعنى ان رحيله كان نتيجة الصراع النفسي الداخلي: فكر عميق، نظرية إنسانية حقيقية وممتلئة، وحزب هش التركيب، مختل الموقف، منفلق في داخله. حزب لم يتمكن بتشويه النظرية رغم بلاغة مشايخ التسويه، من إقناع علي. سياق الرواية لم يكن محايداً، قام المؤلف بتأسيس بطل الرواية عبر طفولة فلسطينية بالتمام والكمال، لتكون هذه الحرز الذي حال دون تحوله إلى أداة للحزب والنظرية بطبعتها المشوهة.ربما قصد الكاتب القول: إن بدأت وطنياً تبقى وطنياً، هذا طريق النضال الحقيقي والدائم. حتى لو حلًم المرء، فلا يصبح بطلاً لمجرد أنه مارس الحلم أو الرغبة في الصحو. بل يصبح بطلا عبر دوره العملي، حدود انخراطه في ما يحيط به، هذا هو الحدث الذي خلق من علي بطلا. بطل عادي من قاعدة شعبية عادية كسرت هالة ابطال من النخبة المتعلمة أو الثرية. ربما وصل علي إلى ما وصل إليه ذات زمن المؤرخ التقدمي الأمريكي الأبيض هاوارد زِن مبلوراً ذك في كتابة : “لا يسعك أن تكون محايداً في قطار متحرك”.You can’t be Neutral in a Moving Train. لعل مشكلة علي أنه حل إشكالية عدم الحياد، ولكنه دخل معضلة لم يحلها سوى بمغادرة جغرافيا فلسطين، اي مشكلة أن يناضل في حزب مزدوج بدأ ولا يزال متناقض من داخله، يجمع النقيضين، وفي حزب واحد!. إنها القفزة في الهواء عن مرحلة تاريخية لم تنتهي ضرورتها هي القومية. والقومية في هذا المستوى هي حق شعب في وطنه. إشكالية الشيوعية في فلسطين خاصة أنها بدأت من النهاية!!! ودون أدوات البداية!!! بدأت بفرض نضال موحد بل حتى واحدا لبناء الاشتراكية في بلد بلا عمال بالمعنى النسبي الملامس للمطلق، وحتى من كانوا عمالا مأجورين كان الكثير منهم يعمل في مؤسسات المستوطنين. المهم بلا بروليتاريا، وبحالة تم تجريد الفلاحين من الأرض دون برتلتهم بالمعنى المألوف. ورغم هذا التناقض كان على الشيوعي الفلسطيني أن يعتقد بانه بالنضال المشترك مع الشيوعي المستوطن بانهما سوف يبنيان الاشتراكية بمجرد طرد الاستعمار. ولكن اي استعمار؟ إنه استعمار لأرض فلسطين، لا أرض “إسرائيل” وهو الذي جلب المستوطنين في تحالف تاريخي بينهما! اي استعمار كلاسيكي ولَّد استعمارا استيطانيا إقتلاعياً. لذا، كان من قبيل الكذب على التاريخ مزاعم شيوعي يهودي مستوطن وصهيوني أنه يناضل ل “تحرير” “أرض إسرائيل” من الإنجليز. هذا تلفيق معيب، ومع ذلك يكرر حتى اليوم! الفالق واسع، والممارسة خطيرة وواضحة، فالشيوعي اليهودي كان يبني دولة استيطانية راسمالية بيضاء على أرض الشيوعي الفلسطيني الذي كان يرى بأم العين تذويب فلاحي ارض وطنه! شيوعي ياكل شيوعي آخر او يطعمه لرأس المال المستوطن، وعلى المأكول أن يشعر بأنه مناضل أممي وبأنه يمهد او يضع لبنات مجتمع اشتراكي.أليس هذا عجيباً. ماذا نتج؟ اقتلاع بل مواصلة مطاردة الأصلاني حتى اليوم. لكن أحفاد علي لا يزالون يمارسون تناقر الدِيّكة ضد القومية! موعظة قيادة الأممية حينها وقيادة الحزب في فلسطين أن طرد الاستعمار الإنجليزي سوف يقود لفلسطين الاشتراكية، بينما حتى الموتى كانوا يرون بأنه لولا المستعمِر الإنجليزي ونظرائه لم يكن للمستوطن الأحمر أن يقيم كيانه في فلسطين! يبدو ان الكاتب كان شدبد الاهتمام بتوضيح هذا التناقض الهائل حتى لو كلفه موقف ضده. إن التحليل السوفييتي لحالة الاستيطان الصهيوني في فلسطين هو في افضل أحواله إسقاط إيديولوجي، إيلاج إيديولوجي إغتصابي. أما ما هو أساس هذا الإسقاط/السقوط، فهو: اساساً أن من المفاجىء حد الدهشة أن الاتحاد السوفييتي الذي كان النقيض للراسمالية قد سقط في تحليل يتوقع أن مستوطنين خلقتهم الإمبريالية سوف يبنون نظاما اشتراكياً. وهنا كان السقوط ايضاً في مراكزانية أوروبية حمراء بل عنصرية، وهي التضحية بوطن شعب وبالشعب حلماً بخلق بقعة “اشتراكية” على حساب شعب، وهم حلم فاشل اقرب إلى الاستحلام. وهذا يفتح على سؤال طبقي بل إنساني: هل الشيوعية هي التي تقبل بأن يُطرد شعب من وطنه لأن قيادته من الإقطاعيين او شبه اقطاعيين ومن البرجوازيين ….. الخ. أما الإشارة إلى التمييز ضد اليهود العرب فتفتح على إحراج أكبر. وفي نقده، أي الكاتب، لموقف الشيوعيين من قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية فيقترب من موقف ماو تسي تونغ من كون هؤلاء الإقطاعيين والتقليديين مخلصين في عدائهم للاستعمار. ربما لم يذكر ماو لأنه لم يتخلص من التثقيف التحريفي الخروتشيفي ضد صين ماو. إن هذا الموقف هو قصور نظري في تحليل الاقتصاد السياسي للرأسمالية. فلا يمكن لشيوعي أن يبني تحليلا علميا يعتقد بأن الاستعمار الاستيطاني يمكن أن يبني اشتراكية، حتى لو بمعزل عن دعم الإمبريالية. إن هذه حالة جفاف او تجفيف النظرية سواء عمق ماركس، أو تجربة لينين. وربما كان هناك اختراق صهيوني وامبريالي في بنية السلطة السوفييتية. وهنا لا يعود الأمر إلى أخطاء ستالين وحده او بمفرده، وهو بالطبع لا يُعفى، بل هي مشكلة نظام اساساً. علي من القاعدة الشعبية الفلسطينية، اي من الطبقات الشعبية. وعلى هذه الأساس كان غضبه من موقف الحزبيين اليهود ضد العمال العرب. لعله أمر مضحك، فكيف يتفذلك هؤلاء عن دولة اشتراكية بينما يقفون مع راس المال اليهودي ضد العمال العرب! قصة “أخوَّة” الطبقة العاملة العربية اليهودية أكذوبة كلما تكررت بانت وقاحة من يكررها واستهانته بوعي الناس بل حتى بعقولهم. فالأمر هو إلحاق العمال العرب بالعمال اليهود، اي ان يقبل العمال العرب استعمار طبقي من داخل الطبقة، اي استعمار بروليتاري يهودي عليهم ويبتهجوا. لعل هذا يذكرنا بأطروحة بولنتزاس عن تناقضات داخل الطبقة الواحدة، لكنه هنا أشنع. وهذا في الحقيقة لا يقتصر على ما كان في فترة او زمن الرواية، بل امتد حتى اليوم في الحزب الشيوعي الإسرائيلي راكاح كحزب مشترك. فالحزب نفسه اليوم شريك في برلمان دولة اليهود وينادي بدولة لجميع مواطنيها. اي غابت المطالبة بدولة اشتراكية!! وصار المطلوب مساواة في دولة رأسمالية استيطانية بيضاء، وأنت اسمر!!! وحقيقة الأمر نحن امام دولة في كل فلسطين، لكن لكل مستوطنيها. وهذا يفتح على التطبيع وعرب التطبيع ومثقفي الطابور السادس الثقافي الفلسطيني وكذلك العربي الذي يدعو شيوعيي التطبيع كابطال إلى بيروت ويُكابِر!!!مدهشون أنتم والله. في عام 1986 عرضت اطروحتى للماجستير على دار نشر هي Zed Books في لندن. والرسالة هي محوطة الضفة الغربية للكيان الصهيوني. جائني الرد من دار النشر أن الأطروحة قابلة للطباعة ككتاب بشرط أن أغير نقدي لطبيعة العلاقة بين العمال العرب واليهود على أنها نضال مشترك! اي شطب الفصل الخامس الذي يبين ان العلاقة بين الطبقتين هي كولونيالية. فوجئت بالطلب ورفضته لأكتشف أن مالكي دار النشر صهاينة يهود يساريون! ما لم يعالجه الكاتب بشكل حَدَّب ومباشر هو: لماذا لم يغادر علي ذلك الحزب؟ لماذا ذهب إلى إسبانيا ضمن أهزوجة أممية، للتغطية على تخاذله في رفض الحزب لأن دواعي ذلك هائلة. ربما لأن مقتضيات الكتابة الأدبية لا قوى على حمل حمولة سياسية شديدة. لم يخفِ علي وضوح الصورة في ذهنه بأن الاستعمار يبني دولة المستوطنين ويسحق العرب، وهذا يعني ان موقف كلا الطرفين من العدو الإنجليزي لا يمكن أن بنسجم حتى بوجودهما في حزب واحد. هل ادركها علي بالفطرة فقط؟ كلا بل ايضا بالتجربة بالواقع بالأحداث وبالسياسة. ما يدفع للسخرية حقا، هو الضغط المتواصل من الكومنترن لتعريب قيادة الحزب الشيوعي، وكأن المشكلة في من يقود وليست في مواقف الحزب؟ إن هذا حتى لو حصل، فهو ليس سوى توريط الشيوعيين العرب في تمرير المشروع الاستيطاني اليهودي اي خيانة بالمليان بمعنى قبول الدولة الاستيطانية من حزب يقوده عرباً. هذا موقف فوقي وباوامر فوقية وبتحليل سطحي. يشير الكاتب إلى هزال ترجمة الأدبيات الشيوعية إلى العربية بمثال ترجمة مصطلح “كوميونيزم” إلى إباحية. وفي تلك الفترة ربما كان لهذا اثره في تشويش الوعي، لاسيما في مجتمع تقليدي ما قبل رأسمالي يؤمن بالغيبيات جماعياً مما ينعكس سلباً على موقف الجماهير من الشيوعية. لكن خلل الترجمة لا يخفي حقيقة أهم وهو الوجود الاستيطاني على أرض هؤلاء البسطاء. وعلى أية حال، هذه التهمة لا تزال تُستخدم من قوى الدين السياسي. وأعتقد أن المترجم حينها كأن مأخوذا يتنظيرات الاتجاه الشيوعي “الأناركي”. حدثني الراحل بشير البرغوثي، حينما اعتقلت سلطات الأردن الشيوعيين في الخمسينات كان بينهم أرمني يعرف الروسية ويترجم للحزب، وحين اعتقلوه قال والجنود يزجونه في عربة بها رفاقه قال” “طيب بكره بطلع شمس حرية”، فعلق أحد المعتقلين: “إذا كانت ترجمتك هكذا، أكلنا…”. لست متاكداً من نجاح الكاتب في نقد السلطوية الفكرية في فترة ستالين بالمثال الذي أورده، بأن اللجنة الأكاديمية قضت على مستقبل طالبة دكتوراة لأن أطروحتها تخالف موقف الدولة. كأن الكاتب ذهب بعيدا في هذا الموضوع مما يقترب من ما قام ويقوم به الإعلام البرجوازي الغربي (للتحديد ص ص 162-64). لقد تذكرت رواية د. جيفاكو. في نقده للطبقة العاملة اليهودية يرى الكاتب أن الشيوعيين اليهود يعتقدون بأن الصهيونية حركة برجوازية يهودية وينقد ذلك الموقف حيث رأى اي الكاتب ان الاستغلال المادي للطاقة البشرية من العمال المهاجرين حولت الصهيوني من “إيديولوجية برجوازية” إلى إيديولوجية كولونيالية”. وهذا صحيح، ولكنه قائم على وجود كولونيالي استيطاني لجميع المستوطنين وليس من يسميهم مهاجرين. هذا ناهيك عن ما يسمى “العمل العبري” الذي هو أحد مرتكزات طرد الفلسطينيين عبر إغراقهم في البطالة تمهيدا للطرد. يردني هذا الأمر إلى ما كتبه د. عزمي بشارة بأن الصهيونية ترى في نفسها حركة تحرر وطني! أي انه كفلسطيني بدأ من حيث بدأ الصهاينة اليهود أنفسهم بأن الأرض لهم وهم “يحررونها” من الاستعمار البريطاني ثم من “الاستيطان” الفلسطيني. حضور المرأة في الرواية يعادل أو يفوق حضور بطلها، لا أقول البطل الآخر بل البطل الشريك. وهو حضور من الأم الفلاحة على سجيتها إلى العاشقة الريفية الحميمية دون بوح إلى الرفيقة الحزبية، إلى العشق في لحظات النضال إلى التضحية في النضال الأممي. وقد تكون رفيقات علي هاتيك هن الرد على ما وصلت إليه حال المرأة عالميا منذ الربع الأخير من القرن العشرين حيث تساقطت النسويات ليبتعلهن النظام الراسمالي رغم أزمته البنيوية. اي أن العكس ما كان يجب ان يحصل لا سيما بعد تفكك السوفييت حيث كانت للمرأة مكانة اعلى قد يقصد الكاتب من تعدد رفيقات علي بأن الزواج واحد لبنما الحب متعدداً. في نقد تجربة الكيبوتسات كمؤسسات ملحقة بالسوق الراسمالية وأفخاخ تم استخدامها لإغواء كثير من اليسار العالمي المتحمس ليلعب دوراً ما خارج بلده يحقق به حلمه بالثورة والاشتراكية، اي في مكان يراه ساخنا وثورياً ويحقق له ممارسة حلم ما، يدخل الكاتب في نقد غير مباشر لمسألة إشكالية جدا وهي هل هناك قومية إسرائيلية؟ في حالة القول بقومية إسرائيليلة نكون أمام شكل متجدد للحزب الشيوعي الإسرائيلي، اي حزب من العرب واليهود رغم التناقض في مختلف الأمور الأساسية. ” فالقومية” الإسرائييلة تعني أن العرب واليهود أصبحوا قومية واحدة! ذلك لأن الفارق كبير بين الجنسية الدولانية وبين القومية كهوية وانتماء وجامع معاً. وهذا لم ولن يتحقق في مشروع استعماري استيطاني اقتلاعي. هذا ناهيك عن حقيقة أن المستوطنين آتون من عشرات القوميات. والذين حتى لو تم صهرهم في قومية إسرا/هودية، وهو ما ليس مبلورا كما نعتقد، يبقى العرب خارج ذلك تماماً.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
يشكّل بدو منطقة العفولة أول المهجّرين الفلسطينيين، فقد هجّرتهم الوكالة اليهودية عام 1924،" تركتورات بأرض الزرع، تقلب الزرع... لمّوا الرجال والعجيان...أخذوهم ع المخفر. حبسوهم... كملوا ع هدم بيوت الناس. بيت الشعر... حوش الحلال خرّبوه والطرش خاف وشرد. حتى الحلال خاف وشرد. ما خلوا حجر على حجر". أول التهجير وبوابة ضياع الوطن. هكذا كتب الروائي حسين ياسين في روايته " عَليّ قصة رجل مستقيم" (صدرت الرواية عن دار الرعاة للنشر والدراسات في رام الله وعمان ودار جسور ثقافية للنشر والتوزيع وهي تقع في 320 صفحة من الحجم الوسط. يتصدر الرواية، في الغلاف، لوحة "نغم حزين" للفنان الفلسطيني سليمان منصور وقد جاء الاختيار موفّقًا حيث جمعت اللوحة بين الهمّ والإبداع والألم والحلم، فنفخ الشبابة يبثّ الهدوء والطمأنينة... سقى الله ع أيام زمان!. أصدر حسين ياسين عام 2006 رواية مصابيح الدُجى لعرابة البطّوف، وبعدها في عام 2012 رواية ضُحى للقدس). عليّ، بطل الرواية، ابن قرية "الجيب" الفلسطينية التي تقع بين رام الله والقدس، وُلِدَ يتيمًا من الأب الذي قُتل على يد "تحصيل دار" التركي على البيدر. تزوجت أمه من "غريب" وهو لا يزال في "اللفة"، وأُجبرَت بالتخلّي عن حضانته ... وهُجِّرَت من بلدتها إلى الأبد. انتقل إلى القدس لينضم في صفوف الحزب الشيوعي الفلسطيني ليصبح عضوًا في اللجنة المركزية، درس في المدرسة الحزبية في موسكو، سُجِن عدة مرات ليتطوّع في الحرب الإسبانية بين أعوام 1936-1939 ... وقُتِل هناك. شخصيّة عليّ هي شخصيّة حقيقيّة، كما كشف لنا في بداية الكتاب،(وكذلك ص. 56) إمتطاها الكاتب وبنى عليها نصّه الإبداعي المُتخيّل، فالرواية مزدحمة بالأماكن والأشخاص وتندرج تحت الأدب الواقعي. صوّر ياسين حياة قرية باب الثنايا المعيشية، ببساطتها وعاداتها، عش العصافير وقن الدجاج، لوزها ومشمشها، حواكيرها مع دجاجها وكلابها وقططها، وبيادرها، ومضافة البلد، وأهلها يتكافلون حين يسقط شهيد أو ينفق ثور. يتناول ياسين في روايته معاناة الشعب الفلسطينيّ، تحت نير الاستعمار البريطاني، استبداده القهري، قمعه للحريات، ممارسته لسياسة التّضييق وتدمير البيوت ونهب البلاد. يصوّر بدايات الاستيطان اليهودي في فلسطين وحياة الشعب الفلسطيني ومعاناته اليومية ونضاله المستمرّ والسيزيفي من أجل العيش بكرامة وحريّة كما جاء على لسان وفيقة: "ومين بحبش الحرية! يا ما أحلاها عيشة الحريّة. أنا مع الحرية. إلي ولأولادي ولجوزي وكل أصحابي. الحرية لكل الناس" (ص 74)، وأبطاله يحاربون من أجل الحرية المنشودة والمشتهاة "باريس تنوّع واختلاف، انسجام ومفارقات. شعب هانئ بحريته أطلق خياله فأبدع. الشعوب المقهورة عاجزة عن الإبداع. تفكر، فقط في كسر غلالها". (ص. 244) فالإنجليزي يقتُل الفلسطيني بدم بارد في وضح النهار ، يحبس، يشلّح الأراضي ويعطيها للخواجات اللي أجوا من وراء البحار و"منكّد عيشتنا ومرمر حياتنا". للمرأة دور مركزي في الرواية لحمل الهم الوطني عبر بطلاته وردة ووفيقة ونبيلة، فهي شريكة في العمل والكدّ وخدمة القضيّة... والوطن. نبيلة المثقفة مناضلة تُسجَن وتُقاوم جلادّها رغم التعذيب لتصبح قدوة، ووفيقة تُهيّج وتُفعّل النساء وتُحرّضهن على النضال وتؤكّد على أهميّة مساندة الزّوجة لزوجها في النّضال والصّبر على غيابه: "آه لازم النسوان تصبر على غياب الحبايب. شو إحنا ملناش حصة بها الوطن! لازم إحنا كمان نساهم ونصبر." (ص 74-75 ) فتتحوّل إلى ناشطة سياسيّة وقائدة للمظاهرات وتُسجن، أما وردة، حب الطفولة النّقيّ، ابنة الشّهيد يوسف الذي قتله الإنجليز، فهي الطّهارة والحضن الدافئ لعليّ بعد كلّ مظاهرة وجنازة لتداوي "جراحه" وتمثّل الوطن! وكذلك نرى دور "سمحا" اليهوديّة ، ناشطة سياسيّة مقدسيّة وميسّرة عليّ إلى الحزب الشيوعي الذي يهدف إلى طرد المستعمر الإنجليزي من البلاد وتحرير الوطن وبناء المجتمع الاشتراكي وساعدت في بلورة فكره الطبقي والسّياسيّ وكشفت له ماهيّة الاستعمار، الطبقيَة، الرأسماليّة، الماركسيّة اللنينيّة، فكانت دليلته ومرشدته وشريكته في مهمّته الحزبيّة الأولى ثمّ عاشا تجربة المنفى سويّة ... في حيفا، وبمساعدتها تحرّر من "جذوره" ليفكّر بعقلانيّة ومنطق بعيدًا عن العواطف والمسلّمات، وساعدته في اكتشاف جسده وتحدي الثالوث المحرّم : الجنس، الدّين والسّياسة، معها تحرّرت روحه، أطرافه وارتعاشاته، تعرّف لأول مرة في حياته على جسد الأنثى وودّع، إلى غير رجعة، تربيته الطهرانية، رأى عليّ الأشجار ولم يرَ الغابة فعشق سمحا اليهوديّة رغم أنّ أبناء شعبها صادروا أرضه واغتصبوا وطنه. لميس تُصر على اختيار زوجها قائلة :"الاعتدال نعمة والتطرف في الأمور نقمة، والثبات على حالة واحدة جمود" (ص.112)، والجدّة تتمرّد على سلطة زوجها الجد وتوافق لميس الرأي "رايحة أحنّي لميس وأمشط جدولتها. وأرقص وأزغرد بعرسها – طرقت الباب وخرجت.(ص.114) وأولغا- مرافقته الروسيّة. صوّر ياسين العادات والتقاليد ودلالاتها، الصغيرة والكبيرة، وإيحاءاتها. "في بلادي : اعتزاز الرجل حين يميل عُقالَه على رأسه، وغي المرأة حين تميل جرتها على رأسها!" (ص.28) وزواج ابو الياس (نصري) مع لميس أغضب الجد ولم تباركه الكنيسة لأنها كانت منذوره لابن عمها طارق.. فلجؤا إلى حيفا. وقضية طرد أمه من بلدتها لزواجها من غريب بعد مقتل زوجها وحرمانها، وابنها، من الميراث. تناول ياسين قضية البعثات الحزبيّة للاتحاد السوفيتي، وتعلّم أبناء العالم الثالث في دول العالم الاشتراكي آنذاك وأثرها، ووصف بصدق ودقّة تلك الفترة التي عاشها بطله هناك، وكان مُنصِفا. الكاتب ذو حسّ طبقي فهو يتناول وضع الفلاحين الفقراء، الشغيلة الغلابى المساكين، واستغلال ثروات المواطنين من قبل المستعمر الانكليزي وسياسة التجويع، ورغم ذلك يعي ازدواجية المعايير لدى رفاقه اليهود. "إنّكم تشمّون ماركس وتلحسون هرتسل". وكذلك موقف النقابات اليهوديّة من مسألة تبديل العمّال العرب بعمّال يهود. ويبرز حسّه الوطني كذلك : "يا ولدي! ديّة الشهيد، والصلح على دمه، "وطن حر" الانكليز بعدهم قاعدين على نافوخنا وبحضنهم اليهود" (ص. 33) وبطله كرس حياته باحثًا عن العدالة، فإن لم تكن للضحية حقوق على جلّادها، فلن يكون هناك عدل ولا إنسانية، وتكون العدالة حزينة والإنسانية مشوّهة فيصير الانتقام العدل فعلًا إنسانيًا. يمقت بيع الأراضي لليهود وسماسرتها. يمقت سياسة "فرّق تسد" التي أشعلت نار الفرقة بين المسلم والمسيحي، بين القرية والمدينة، بين المتديّن والعلماني. تناول ياسين قصة عرب العفولة المهمّشة عن كتب التاريخ وتهجير أهلها وشرعنة الاستيلاء على أراضيها لإستيعاب مهاجرين جدد من اليهود وتنظيف الأرض من أهلها ، فهم أول المهجّرين الفلسطينيين، أول التهجير وبوابة ضياع الوطن، هجّرتهم الوكالة اليهودية التي تطمح بالبلاد خالية من سكانها الأصليين عام 1924! (ص. 100 + 176) حين تحالفت مع الإقطاعي العربي بحماية سلطة الحاكم البريطاني، راعي مشروعها الكولونيالي، لتحقيق المشروع الصهيوني وقضيّة غرباء جاءوا يمارسون اقتلاعًا ثم تهجيرًا يليه احتلال...تلك هي الملهاة الفلسطينية!! كما ويلقي الضوء على التوليفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، في تلك الفترة من النضال الوطني ودور الشيوعيين والصراع الطبقي والفكري بين العرب واليهود. يعشق الأرض وطبيعتها وثمرها، سرّيسها وريحانها، ميرميّتها وسنديانها ولا يتنازل عنها "نحن لا نكره أشجارنا لأن الغرباء علقوا عليها أراجيحهم"! سجن الانكليز عليّ يافعًا فغيّره السجن "ما كان، في حياتي، قبل السجن لا يشبه ما بعده. حياتي تغيّرت كلّيا". (ص.44) فأصبح ثائرًا بالفطرة، والثورة تجري في عروقه وتتلوّن بلون دمه، وسُجِن عقب نشاطه السياسي والحزبي ومناهضة الانكليز و"إحداث فوضى وتخريب في البلاد" ، ولكنه كان يعتبر نفسه "سجين رأي" فأعلن إضرابا عن الطعام ورفض لباس السجين العادي. يقول: "ينتصر السجان إذا هزم السجين"، سُجِن في زنزانة سجن عكا سيئ السمعة، ذاق الأمرّين، من عُزلة وجوع وبرد وبق وعري! أضرب عن الطعام وقضى تسعة عشر يوما متربّعا على المصطبة ... وانتصر على سجّانه وهو يستعرض في مخيلته محنة الوطن، إعدام المناضلين "الثلاثة" وجنازتهم وفاجعة الشيخ المعمّم ورفاقه البررة. في أحد أيام الإضراب دخل عليه مدير السجن، فهاله ما رأى. رأى شبحًا من العظمة والوقار، تقلّص الجسد وتجعد الوجه وأزرقَّ كثيرًا وغارت العيون في محاجرها. قال له: "ما هذا العذاب؟ كم من الزمن ستنتظر الموت، يا علي؟" أجابه من بين شفتين تتحرّكا بصعوبة : "أنا لا أنتظر الموت، إنما أنتظر الحياة الحرّة السعيدة...وُلِدنا للحرية".(ص.233) رجال المخابرات البريطانية جالوا على المعتقلين الشيوعيين في السجون وحثّوهم على السفر إلى إسبانيا، حتى أنهم عرضوا مساعدتهم وتسهيل أمور رحيلهم. زوّدوهم بجوازات سفر وكل الأوراق الثبوتية. أرادوا التخلص منهم. خمسة فلسطينيين شرفاء تحرّروا من سجون "عكا" و"القشلة" و"المسكوبية" إلى ساحة الحرب ضد الفاشية في صفوف الكتيبة الأممية. كانت إسبانيا ساحة النّضال ضد الظلم. وكأنّي أسمع تشي جيفارا يخطب أمامهم صارخًا :"أينما وُجِد الظلم فذاك وطني"!، فمفهوم النضال لا يتجزّأ. يقول عليّ : "أنا أتطوّع للحرب الأممية في إسبانيا، فلا يظنّن أحد أنّني أفعل ذلك هروبا من النضال القاسي الذي يخوضه الآن شعبي" (ص.236). "إنني متطوع عربي جئت لأدافع عن الحرية في مدريد.. وعن دمشق في وادي الحجارة.. وعن القدس في قرطبة.. وعن بغداد في طليطلة.. وعن القاهرة في قادس.. وعن تطوان في بورغوس!" (ص.270). جئنا إلى هنا لنحارب الفاشية وننتصر عليها. لأن الفاشية عدوّة الشعوب، تمنع منها السلام والسعادة والهدوء. بعد أن ننتصر، وسننتصر، نعود إلى الوطن. هناك العدو الأجنبي. حارب عليّ ببسالة في صفوف الثوّار، وفي السابع عشر من آذار 1938 شقّت رصاصة حنجرته واستقرّت في العنق، وبعد يومين لفظ أنفاسه في المستشفى، ومات موت الأبطال.(للتاريخ، شهادة الوفاة التي حُصِل عليها مؤخرًا تُثبت أن عليّ عبد الخالق توفيّ يوم 01.04.1938 وقبره في مقبرة مدينة البسيط "Albacete" الأندلسيّة). يستخدم حسين ياسين تقنيّاته الفنيّة ببراعة، فنجد الإرهاص، أي الإشارة التي لا يكتمل معناها إلَّا لاحقًا في النصّ، كما يقول رولان بارت "روح كلّ وظيفة قصصيّة هي بذرتها، هي العنصر الذي يبذره السّرد لينضج فيما بعد" وهذا ما نراه في ذكره لإسبانيا (ص 9)، اغتيال الخندرا (ص.16)، "الخندرا عادت إلى وطنها الأم. عادت إلى إسبانيا في تابوت خشبي، عادت إلى طليطلة"(ص. 83) وراقص الماتادور الإسباني (ص. 152) وخوليتا الإسبانية في حفلة رأس السنة (ص. 155) وكذلك يبرع في استعماله لتقنيّة الاستباق، حين يتجاوز حاضر الحكاية وذكر حدثٍ لم يحنْ وقتُه بعد، ويتقن فن الاسترجاع في مونولوجاته حين يعيدنا الراوي إلى أحداث سابقة وذكريات وتخبّطات لتسليط الضوء على ما فات وحدث في الماضي، عن طريق التخييل دون التفريط بالوقائع والحقيقة. لغة الكاتب شاعريّة انسيابية جميلة تعج بالحنين لأيام خوالي مع حيفا وكرملها الأشم :"حيفا خجولة مغناج تتيه بحمالها ورونقها. جمال ولهان" (ص.11)، ويضيف : "أمامي بيوت حيفا، لؤلؤ منثور على الشاطئ. أسمع قرع النواقيس وصوت الأذان" (ص. 33 )، ويافا، كلُ الكُلِ! "يافا تزداد مني بعدًا وأنا أزداد إليها حرقة. يافا تتلاشى في غيمة المساء ويرتحل الوطن في تباعد المسافات. أفق تلتهمه عتمة والكلّ في عماء. فتنسكب في النّفس كآبة الفراق" (ص 126). والقدس القديمة "كل ما فيها يحرّك الألغاز ويخيف المخيّلة، ويحرّكها فوق أماكن تملؤها أعظم ذكريات التاريخ، فيكتسب الوهم ما للحقيقة من صرامة.."(ص.241). لغته عشقيّة رومانسية وأعجبني المونولوج بين عليّ ووردة : "- وردة، ليش أنت حلوة هلقد؟ منين هاي الحلاوة جايبتيها؟ ابن عمي أنت الحلاوة، ويمكن ع عيونك غباشة، بتشوف كل شيئ حلو. ع عيوني غباشي. وأنت النغاشة. وين أروح بهالقلب يا ربي!" (ص. 55) وقوله "لا تغرق في الحياة بحثا عن أنثى. أغرق في الأنثى بحثا عن حياة"! جاءت لغة الرواية "شعبية" جميلة وسلسة، متبّلة باللهجة الفلسطينيّة واستعماله للأمثال الشعبية كان موفّقًا بامتياز "الولد المشوم بجيب لأهله المسبّة"، "قاضي الأولاد شنق حاله"، "العين بصيره واليد قصيرة"، "الزلمة جنّا والمرأة بنّا"، "الولد ولد ولو صار قاضي بلد"، كبروها يا ناس بتكبر، صغروها بتصغر. الشر من شرارة"، "أصبح بشم تحت إبطه"، "رجعت الميّ صافية في مجاريها"، "اللي بوكل حمير العرب، بنزل تحت القرب"، "الذبان الأزرق ما بعرف وين دمها"، "اليد التي لا تستطع عضها، بوسها وادعي عليها بالكسر"، "الخيول تفهم فارسها، كما تفهم المرأة رجالها"، "ما ظلّ بالخم ريش، غير أنت يا ممعوط الذنب"، "البهدلة للكبير مش لايقة"، "خيرها بغيرها والجايات أكثر من الرايحات"، "المقروص بخاف من جرّة الجبل"، " عملت عمايلها وأرحت سوالفها"، "هذا الشبل من ذاك الأسد"، " مش كل مرّة بتسلم الجرّة"، "الطبيخ بدون الملح بكون مايع ودالع"، "الشمس ما بتتغطى بالعباءة"، "البارود بنحطش جنب النار"،" اللي بتحبل بالتبان بتخلف ع ظهور الحيطان"، "عرضهم بايح وأرضهم طايح". وكذلك الحال مع استعماله المُوفّق للكلمات العاميّة : لقلاقة، حلول، المستورة، السنجري، أنكجية، كلبة مجعلة، شخبلي، عفش، شوشرة، دشعت، اندسّت، بطشطش، البلاد المحلومة، نطيحها، تْعَلّكْ، مصلخات، صلج، تشقرق، زراب. تظهير الكتاب يشكّل ملخص الرواية وهو متين ينفض غبار المعركة : "كانوا خمسة! خمسة رجال، أحلامهم كبيرة وأمانيهم عظيمة وطموحات سقفها سماء. خمس زنابق فواحة باسقة اشرأبت من ضفاف سواقي الوهن والضياع وانكماش الغدير..... امتشقوا بنادقهم يقاتلون من أجل سلامة البيت وعدم تمزقه من قبل صيارفة جاءوا من الغرب، يتداولوا مصير البلاد... مطاردين، مشردين من البيت، من المحراث والحقل ومن أحضان خلانهم. على باب الردى يقفون، منتصبي القامة يقفون. إن شاهدتهم! أبصرت حزمًا أبكمًا يتعمم بكوفية مرقطة. فوق الكتف بندقية وفي الوسط حزام الطلقات. خمسة مستقيمين، من خيرة أبناء الإنسانية المناضلة. قادتهم مبادئهم إلى ساحة الشرف، إلى اسبانيا المناضلة ضد الفاشية والنازية وكل موبوقات الرأسمالية" . ياسين وعليّ يعشقان البلدة... والوطن. "آه يا بلادي... ما أجملك!" ويتداعيان مع المفكر إدوارد سعيد ...لن نعرف الوطن إلا إذا غادرناه! ملاحظة لا بدّ منها – تابعت الرواية، قبل وبعد صدورها، وشاركت عدّة أمسيات حولها (أُشهِرَت الرواية يوم 13.07.2017 في نادي حيفا الثقافي) وتركيز القراء والنقّاد على الجزء الاسباني يظلم عليّ وحسين ياسين... والرواية!!! وأخيرًا، صدقت يا حسين : "النور يحارب الظلام وأنا أتحزب للإنسان، إنسان أنا!!!"