
مجاني
آخر الأراضي
تأليف أنطوان الدويهي
0.0(٠ تقييم)
عن الكتاب
كانت وفاة سلمى فرح المفاجئة، ذات مساء، هي المرة الأولى التي يعاين فيها الراوي الموت. ولن تبقى حياته بعدها، كما كانت عليه قبلها. لكن مأساته بدأت قبل تلك الليلة بعامين، حين اختفت حبيبته كلارا نهائيا، وهي في طريقها من "المعهد الملكي" إلى صالة شاي، تبعد عنه مئات الأمتار فقط، حيث كان ينتظرها. كان اختفاؤها لغزا محيرا يستحيل فهمه، إذ لم يكن قسريا قط، كما أكدت كل التحقيقات، بل هو اختفاء طوعي تعذّر تماما إدراك أسبابه. منذ ذلك الوقت، بات لحياته غاية واحدة: البحث عنها، بلا توقف ولا هوادة.
عن المؤلف

أنطوان الدويهي
أنطوان الدويهي روائي وشاعر ومفكر لبناني٬ من مواليد 1948. أكمل دراساته العليا في باريس حيث حاز دكتوراه في الأنتروبولوجيا من جامعة السربون عام 1979 وبقي في باريس حتى أواسط التسعينات. يعمل حاليا كأستاذ ج
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (٣)
المراجع الصحفي
٢٠/١/٢٠١٨
«يصل بي الأمر إلى رغبة حيازة بيت أو ثلاثة بيوت أو أربعة في ثلاثة أو أربعة أمكنة، جدّ متباعدة، أحبها على نحو خاص، تكون هي أمكنة إقامتي. بيت على كتف وادي قزحيا وشقة صغيرة مطلة على نهر السين، وبيت في بلدة الميناء القديمة تمكن منه رؤية البحر عند شاطئ النخلتين، وآخر في سان مالو داخل الأسوار قبالة المحيط، وأنا أعرف تماماً مواقع هذه البيوت. يكون تنقّلي بينها بخفة لا توصف، تشبه خفة الأرواح، أو أتواجد فيها في آن معاً، إذ تكون لي نعمة الإقامة في عدة أمكنة في وقت واحد».
هكذا يتصور راوي «آخر الأراضي» حياة ما بعد موته، ذاهباً إلى إقامات متعددة ومؤتلفة استجابة لتكوينه الإنساني وتبلور ثقافته واتساعها، وتجاوزاً للحنين إلى المكان الأول الذي نجد تعبيراته في شعر كثير وفي سرد روائي يقوم على حيرة الروح بين الأمكنة. هذا لا يمنع الراوي من سرد قبسات من تراجيديا الهجرة اللبنانية تعبّر عنها حكايات أقارب وأصدقاء.
ولا تذهب الرواية إلى التبشير بكوسموليتية ولا إلى التقليل من شأن الانتماء إلى الأرض الأم، ففيها انسيابات شعرية تمجّد هذا الانتماء وتضعه في خلفية وجدان الراوي أينما توجّه، كما أن الرواية لا تنفي عوامل الافتراق بين الشرق والغرب، لكنها في شبكة الحكايات التي تكوّنها تعبّر عن القلق في مرحلة نعيشها ونتجاوز فيها خيمة المكان الواحد التي تحجب سماء البشر وأفق البعيد المؤدي إلى اكتشاف الآخر، ومعه اكتشاف الذات في صيغتها الجديدة والمتجدّدة.
بل إن روح الراوي لا تكتفي ببيوت ثلاثة أو أربعة متباعدة، فتلك مطلب الجسد المعجزة بحضوره المتعدّد وهناءته المستجيبة لعشق التنوع، إنها تطلب ملجأ يقيها التجارب المفتوحة على احتمالات الشر والدنس، ويقترح الراوي ملاجئ مختلفة ككاتدرائية قديمة في مدينة صناعية أو صومعة مهجورة أو بيت حجري منسي، أو محترف رسام أو متحف لآثار نادرة.
«آخر الأراضي» رواية السفر، جسداً ووجداناً، وهي أيضاً رواية سفر الروح في الهاجس الذي يحكمها، أعني الموت بأشكاله وتحولاته. ويكون السفر طلباً لاكتشاف الذات أو اكتمالها، ما يجعله مقترناً بالحب الدافع إلى رحلة الراوي في القطار وفي غير القطار، بحثاً عن أخت روحه كلارا التي يجدها أخيراً في آخر الأراضي وفي صيغة الموت- الاختفاء. لقد تعبت كلارا ليس من مرضها إنما من جهدها لإخفائه، ويمكن أن نخاطبها بالقول: تبكين في السرّ. بعد منتصف الليل. تمرضين داخل جدران أربعة. وعند الإعلان تعلنين نهضة الجسد. والأجراس تسمعينها أجراس عيد.
كلٌّ يبحث عمّن أضاعه ليكتمل. لا يستطيع الإنسان العيش وحيداً. ويعرض علينا الراوي أن الإنسان لن يستطيع العيش في مكان واحد. في خيمة. لذلك يذهب إلى اكتماله في الحب والسفر.
«آخر الأراضي» رواية الطريق والمشّاء اللذين يتمظهران في الكتابة. وهي حفر في الإنسان الفرد فلا ملائكة على الأرض، إذ يكتشف أحد العابرين في الرواية أنه ينطوي على شرّ. يخاف من نفسه ويذهب إلى عزلة وإلى ما يشبه انتحاراً. ليس من مطهر أو أن هاجس النقاء أعماه عن رؤية مطهر ما لينقذ نفسه الأصلية.
هي رواية السفر في أمكنة الجمال شرقاً وغرباً، الطبيعة والعمارة، وقلما نرى حشوداً في تلك الأمكنة، كأنّ ضوءاً كاشفاً يركز على الراوي وعلى أفراد معدودين يَذْكُرُهم وما سوى ذلك ظلمة حالكة. ولكن، يكفي منظر جميل واحد ليختصر جمال العالم، ويكفي إنسان واحد لنعرف من خلاله أحوال البشر. أين أنت يا أبا العلاء قائلاً: «أتزعم أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ؟».
أمكنة وأزمنة تحضر وتغيب على مساحة السّرد. وليس من خطية في السياق. إنها شبكة حكايات تجد خطّها أخيراً في وجدان القارئ. رواية تشبه نفسها، كلاسيكية في مناخاتها لا في بنائها الذي أراده الكاتب مفتوحاً على الذات القلقة ولكن المنطلقة بلا حدود.
رواية السفر في الحياة وملامسة الموت في كل حركة، وهي تعرض إنسان عالمنا الجديد الذي يتخوّف من مصيره فيستعين بالحب والذكريات والتركيز على أشياء الجمال.
ولأننا هذه الأيام في لبنان لا بد من الاستدراك:
نرى يومياً عاديّةَ الموت في المجازر العبثية، غياب الإنسان بما هو إنسان، الموت وهو يتهيأ ثم يتحقق. ونسأل: هل بقيت دول أوروبا، ومعها لبنان الذي يقاربها في التعدُّدية، أمكنة إشعاع وجذب، أم أن الخوف يدعوها إلى الانكفاء ورفض الآخر لأنه آخر؟ هل بقي الشرق طامحاً إلى إشعاع الروح بعيداً من مستنقعات الخرافة، وهل بقي مصرّاً على نهضاته يستعيدها بعد كل فشل وخراب؟ أم أن الشرق سائر إلى عدوانية مطلقة ينقطع عن العالم من حيث يكرهه ويعتبره عدواً؟
أسئلة خشنة نقحمها في مقام الرواية المتعالي.
المراجع الصحفي
٢٠/١/٢٠١٨
في كتابه "كائنات من نسج الخيال"، يحدّثنا خورخي لويس بورخيس عن طائر أسطوري لدى الشعوب الأرومية في أميركا اللاتينية، مزيّته أنه يبني عشه عكس سائر الطيور، ويطير ناظراً إلى الوراء، كأنّه لا يكترث إلى أين هو ذاهب، بل من أين جاء.
أنطوان الدويهي، عندي، هو هذا الطائر، المحلّق دوماً، ناظراً إلى الوراء، مسافراً إلى الداخل، إلى الأعماق الأثيرة لديه، إلى الأماكن الأخّاذة، والمهدّدة في جمالها وجوهرها، في البلد الذي لم يعد للجمال فيه مناخ ولا مواسم. كتاباته ليست سوى ذريعة لهذا السفر. يتساقط فيه على نفسه كأزاميل النحّاتين. كمن يحاول الاغتسال من إثم لم يقترفه، أو التطهّر من خطيئة لم يرتكبها.
ولا أظن أن اختياره سكبَ هذا الحوار حول روايته، في عالم الترحال والسفر، بعد أن سبق له أن اختار الموسيقى والرسم إطاراً لحوار آخر، إلا ترسيخاً لمعتقد مفاده أن الهدف من الكتابة - الهدف الأسمى - كما الموسيقى والرسم، والسفر، ليس الوصول إلى مكان معين، بل هو نظرة جديدة إلى الناس، والأشياء، والعالم. لا أعتقد أن ثمة فعلاً يشبه فعل الكتابة، لا بل يتماهى معها، مثل السفر.
"
تجري الكتابة في نهر اللغة والعالم مثل سفينة تعانق اللجة
"
السفر ليس من أجل الوصول، بل من أجل السفر. من أجل أن نصل متأخرين. أو من أجل أن لا نصل أبداً. هذا التقاطع الرهيف بين الكلمات والطرقات، نشتهي أن لا ينتهي. نخاف أن ينتهي هذا الذي يسمّيه أنطوان الدويهي "العالم الداخلي.. العالم الحقيقي الوحيد"، ويقول إن "الحياة الداخلية هي الكون برمّته، وعندما تنطفئ الحياة الداخلية، ينطفئ الكون".
والسفر إلى الداخل، حيث المطارح تبقى ماثلة بعمق في فسحة الذات، هو أقرب ما يكون من كتابات الدويهي، التي تكشف لنا عن حقول فسيحة في أعماقنا، لم نكن نعرفها. وإذ ندخل إليها، نكتشف مزيداً من مجهولاتنا وتتعدّل دروبنا - هذا على الأقل ما يحصل معي - ونزداد فهماً لهذا المنفى المتحرِّك، الغامض والفسيح الذي نعيش فيه، والذي نظلّ، نحن، فضاءه أنّى توجّهنا.
آنذاك تتكشّف لنا أسئلة، أعمق ما فيها أنها تبقى بلا أجوبة. ونكتشف أن هناك غموضاً يتعذّر جلاؤه، وسوف تكون الحياة نفسها متعذّرة إذا جلوناها بشكل كامل. ثم نكتشف أن الغموض نفسه سفرٌ، وأنه هواءٌ آخر نتنشّق، لكي تصبح إقامتنا على هذه الأرض أكثر متعة، وأكثر جاذبية.
منذ أن ألِفتُ كتابات أنطوان الدويهي، وأتيح لي أن أطلّ على بعض دخائله الكثيفة الصافية، صرت أقارب أدبه تماماً كرحلة موعودة: أبدأ القراءة بلهفة وقلق، وأنتهي بحسرة وكآبة لذيذة، وتوق إلى العودة مع صديق، مع حبيب، مع كل الناس. كالمسافر أنطوان عندما يكتب، يقيم في كل الأمكنة، ولا يقيم في أي مكان.
المكان عنده أصلٌ مسكونٌ بهاجس الترحّل، كالجذر المسكون بالفرع. إنه انشقاقٌ يحمله الإنسان في ذاته: بين كينونته وصيرورته. كأن الترحّل أفق الأصل، كأنه، لذلك، ماهيته.
ونحن، حين نلغي الترحّل، نلغي غنى العالم، أي أسراره ومجهولاته التي ليس أقدر من الكتابة على كشفها، واختزانها. هكذا نترحّل لكي نكتشف العالم، مقامنا فيه، إقامتنا.
والكتابة مكانٌ لهذا الترحّل، لهذا الكشف المعرفي. إنها السفر الذي يكتشف السرّ فيما يبقيه طي الخفاء. إنها الجسد مترحّلاً، طبيعة ثانية، أو كأنها الطبيعة وقد تحوّلت أبجدية. الطبيعة التي يشعر أنطوان بعذاباتها وآلامها، كما يشعر بعذابات الناس وآلامهم. ولا يملك غير الكلمة ضمادةً لهذه العذابات والآلام.
من أجمل ومضات فيديريكو غارثيا لوركا، وأشدّها كثافة، ما يقوله عند التهيّب للكتابة، كما لو أنه على سفر أخّاذ وعسير: "سوف لن نصل. لكننا ذاهبون!".
السفر، الكتابة، لكي نعيش الحياة اليومية للآخرين كما لو كانت حدثاً استثنائيّاً، يشبهنا ولا يشبهنا، نتذرّع به، ونتقمّص عالماً آخر، نحلم له، ننشده ونتوق إلى العيش فيه، عن إدراك أو غير إدراك.
وها هو أنطوان الدويهي يتساءل في "آخر الأراضي" (2017): "كيف عندما ينوجد الإنسان في مكان آخر، ناءٍ، يمكن أن يصبح إنساناً آخر، يبدأ حياة أخرى، لا علاقة لها بحياته؟". هكذا تجري الكتابة في نهر اللغة والعالم، كمثل سفينة تعانق اللجة فيما تحتضن الضفاف. كأنها المكان مهاجراً داخل المكان.
المراجع الصحفي
٢٠/١/٢٠١٨
وجدتني، وأنا أقرأ رواية "آخر الأراضي"، أدخل عالماً، جد خاص، ألفته عند الدويهي. أنه عالم الغوص في أعماق النفس البشرية، عبر دخائل الذات. وإذا كان من تسمية تطلَق على هذه الأعمال، فهي، أكثر من أي شيء، "أدب الأعماق". ومع أني لم أقرأ بعد أعماله الكاملة، بل رواياته الثلاث الأخيرة، فسوف أشير في هذا اللقاء، على نحوٍ موجز، الى بعض ما لمسته في عالم الدويهي الأدبي، لا سيما الى نقطتين أساسيتين، وهما غيضٌ من فيض، من عالمٍ بالغ الثراء والتشعّب، تصعب تماماً الإحاطة بكل أبعاده.
النقطة الأولى أتطرّق إليها ربما، بسبب إحساسي الخاص بوجودي الشخصي، الجغرافي والتاريخي والنفسي، بين المشرق العربي وبلاد السلاف الأوروبية. لذا ربما تفاعلتُ بقوة مع أدب الدويهي، في جمعه، في بوتقةٍ واحدة، تجربةَ العالمين، في مدى أدبي كبير، يمتدّ من مُطلات جبل لبنان شرقاً، على حدّ تعبيره، إلى تخوم بلاد النورمان والبروتون والفلامان، على شواطئ المحيط الأطلسي غرباً. الجدير ذكرُه أن ما يجمع بين العالمين، في هذه المساحة الأدبية الشاسعة، هو أقوى بكثير مما يُفرِّق، وهي خصوصية جد مهمّة في أدب الدويهي، سنتوقف عند بعضِ دلالاتها.
بينما تغرق مجمل الأعمالِ الأدبية، المستندة إلى تجربة العالمين، في متاهات صراع الحضارات والثقافات، وما تتّسم به من حدّة، ومرارة، وتفضيل، وانحياز، لا نجد اثراً لأيٍّ من ذلك في أدب الدويهي، الذي يعلو فوقها، وهي ميزة فريدة لديه. هذا لا يعني ان الروائي لا يعي الاختلاف. هو يعيه تماماً. فكيف لمن يكتب في "غريقة بحيرة موريه"، بتلك المعرفة والإحساس والدقة، عن الأزمة الوجودية الأوروبية، عبر ما يسمّيه "المرض الباريسي"، كيف له أن لا يكون مدركاً الاختلاف؟ وكيف لا يدركه وهو يتساءل في رواية "آخر الأراضي": "أليس اختفاء كلارا أمراً محتوماً، لا سبيل لردّه؟"، لافتاً إلى صعوبة التلاقي بين فسحة ذاته، "المزدحمة بأجساد مئات القتلى، المثقوبي الصدور، الحانية عليهم أمهاتهم في ليالي الفراق الرهيب، السائرة في جنازاتهم كل تلك الحشود"، وفسحة ذات كلارا، التي لا تعرف من صور الموت إلا غياب خالها الشاب، المتعلّقة كثيراً بذكراه، المتوفي قبل ولادتها بسنين طويلة على ضفة نهر الشيرز المتجمّد؟
يدرك الراوي الاختلاف، لكنه يتخطاه إلى ما هو أعلى وأسمى. فكل هذه والأمكنة، والأشخاص، والأحداث، التي لا تحصى، شرقاً وغرباً، الواردة في رواياته، إنما تبدو، على اختلافها، موحّدة في تعبيرها عن المأساة البشرية، وعن المصير البشري الواحد، وعن الطبيعة البشرية الواحدة. وما يجمع بينها في مواجهة المأساة هو أهم وأعمق بكثير ممّا يفرِّق. فالدويهي يشبك العوالم المتعددة في بناءٍ واحد: الشرق والغرب، شخصيات المجتمع التقليدي مع شخصيات المجتمع الصناعي، الأمكنة المحلية مع الأمكنة الأوروبية... يشبكها ويؤنسنها ويُدخِل بعضها ببعض. والدويهي يعي تماماً ذلك. فهو يتحدّث في نصّ له بالفرنسية، منشور قبل سنوات في "لوريان ليتيرير"، عن جغرافيته الأدبية، الممتدة من جبل سيدة الحصن شرقاً، إلى مرتفع مون سان ميشال البعيد غرباً، كأنّه هو ايضاً "آخر الأراضي". والبحر المتوسط، في أدبه، لا يفصل بين هذين العالمين بقدر ما يوحِّد بينهما. وما يوحّد بينهما خصوصاً، في نظره، أمران: الجمالية والرأفة. الإحساس الجمالي، والرأفة بالمصير البشري.
أما النقطة الثانية التي سأتناولها، فهي جدلية الفن والموت في هذه الرواية، إذ يحتلان حيّزاً كبيراً بين الهواجس الطاغية على الكتاب. يُفرد الراوي فصلاً كاملاً لعرض رؤيتِه الأدبية، ونظرتِه إلى الإبداع الكتابي، في لقائه طلاب "المعهد الملكي"، تحت عنوان "زائرٌ من الشرق" (الفصل التاسع). وهو يُفرد أيضاً فصلين كاملين لوصفٍ دقيق، حيٍّ، ملموس، لكيفية ظهور ما يسمّيه " اللحظة المتوهّجة"، أو "اللحظة المُضاءة" – التي يعتبرها جوهر إبداعه الأدبي-، عبر سردِهِ تلك الرحلة إلى هولندا (الفصل الحادي عشر)، وسردِهِ ساعة انتظار في إحدى القنصليات، في بيروت على الأرجح (الفصل الثاني عشر). من المدهش حقاً كيف تنساب هذه الفصول الثلاثة بشكلٍ طبيعي في السياق الروائي، مندمجة عميقاً فيه، مندرجة في حركة البحث المضني عن كلارا، التي تشدّ القارئ بقوة إلى هذه الرواية حتى الرمق الأخير، فلا يستطيع تركها لحظةً، كما حدث لي.
أما هواجسُ الموت وصورُهُ فكثيرة هي أيضاً، عبر أحداثٍ عديدة تجتاز الرواية من بدايتها. وهو موتٌ مرفوض، غير مقبول، يُذكِّر بما أشار إليه المؤلِّف، مرّة، في حوار له في جريدة "السفير"، قائلاً: "أنا منحازٌ إلى الإنسان في وجه الآلهة"، من ضمن الرأفة بالمصير البشري. من هنا تطالعُنا في "آخر الأراضي" عبارات مثل "هذه الفضيحة الكونية التي هي الموت"، او "هذه الفضيحة الكونية التي هي هشاشة الجسد البشري"، التي يتوقف الراوي بصورة مؤثِرة عندها، في حديثه عن موت صديقه الشاعر سميح العارف (الفصل السادس عشر). لكن اللافت في هذه الرواية، هو الذهاب بمشاعر الموت إلى حدِّها الأقصى، ممّا هو غير معهود. ويأتي ذلك في سياق طبيعي غريب، يندهِشُ القارئ كيف لم يستغربه وهو يقرأه. كأن يصل الراوي، في البوح، إلى ان يقول لكلارا، في ما يُشبهُ الإنخطاف: "إن إحدى مهام حياتي الكبرى هي كشف سرّ الموت. هذه هي المهمّة الحقيقية، الخفية، التي هي مهمتي". ثم يضيف أنه يشعر بـ"أن كشفَ السر ليس بالأمر المستحيل. وبأن بابَهُ مخفيٌّ في مكانٍ ما في داخلي، أو في مشاهداتي، لا أدري. أحسُّ بوجوده المؤكَّد، وبأن مسافةً ما، غير قصيّة، تفصلني عنه".
لكن ثمّة علاقة عميقة بين الموت والفن في هذه الرواية. إنها جدلية الفن والموت لدى أنطوان الدويهي. يقول الراوي في لقاء "المعهد الملكي": "أكتب لأن دعوة الكتابة هي دعوتي (...) أكتب أيضاً لأن الكتابة هي ردّي على الموت، هي ردّي الوحيد على الموت". ثم يذهب الراوي أبعد بكثير، حين يذكر أن التجربة الجمالية هي طريق الإهتداء إلى سرّ الموت، فيقول لكلارا، وعيناه في عينيها المدهوشتين: "اعتقد، عبر التجربة الحيّة، أن ثمّةَ تلاقياً اكيداً، لا يعتريه شك، بين الإحساس الجمالي وهذا السرّ. وأنّ التجربة الجمالية القصوى هي طريق الإهتداء إليه. وأنه في عمق الشعور الجمالي الهائل، الطاغي، المالِئ الذات من أقصاها إلى أقصاها، يمثُلُ الباب المصون المُفضي إليه".
تبقى الإشارة إلى أن الروائي ينحاز في نهاية المطاف إلى الحياة، إذ يقول: "على الرغم من مأسوية العلاقة مع الزمن، وهذا الشيء الرهيب الذي هو وعي الموت، وهشاشة الجسد البشري التي لا تحتمل، والعجز المضنى عن ضبط الاحتمالات، أرى أن الحياة مفضلة على العدم".
يبقى القول بأن أجمل ما في روايات أنطوان الدويهي هو أنك، عند كل إعادة قراءة لها، تزداد عندك الأسئلة وتشتد غموضاً وسحراً. في كل ملمحٍ منها، ثمّة مُعينٌ متجدِّد من الأحاسيس والإشارات، لا ينضب. ويقيني أن هذا لا يزيد كتاباتَهُ إلا جمالا.








