تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب بيت حدد
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

بيت حدد

3.7(٤ تقييم)١١ قارئ
عدد الصفحات
٤٦٣
سنة النشر
2017
ISBN
9789953895512
المطالعات
١٬٢٤٧

عن الكتاب

بداية أحداث 2011 في سوريا. تنشأ قصَّة حبٍّ ممنوع بين المُخرج فيديل والطبيبة "ليل" المتزوِّجة. وقصَّة حبٍّ أخرى بين "سامية" و"أنيس"، دكتور القلب الذي عاد من المهجر ليبيع "بيت حُدُد"، الإرثَ الذي تركه له خاله. رحلة مشوِّقة داخل مصائر أبطال وُجدوا في لحظة من لحظات الرعب الأكبر، تكشف هشاشة العالم وعنفه. فالحبّ ضربٌ من الحرب.

عن المؤلف

فادي عزام
فادي عزام

ولد فادي عزام بالسويداء٬ جنوب سوريا٬ عام 1983. تخرج من كلية الآداب في جامعة دمشق سنة 1998 ونشر في الصحف العربية مقالات ونصوصا والعديد من القصص في مجلات عربية. صدر كتابه بعنوان "تحتانيات" عن دار ميريت

اقتباسات من الكتاب

إذا قُدِّر للعالم يوماً أن يرى حقيقة ما يجري فقط داخل هذا الفرع المخيف، لاستحى من الكلام على الهمجية والإرهاب.

1 / 10

يقرأ أيضاً

المراجعات (٤)

ح
حسين قاطرجي
١‏/٣‏/٢٠٢٣
إنّ الكتابة عن هذه الرواية يشكّل أزمةً مستفحلة، وينبغي على كاتب المراجعة الحذر الحذر عند عرضها أو تناول أحداثها لأنّ ذلك أشبه بالسير في حقل ألغام، وعليه لأجل مراجعتها الخوض في الدهاليز، واستخدام التورية، والاتكال على ذكاء القارئ ونباهته؛ ومردّ ذلك أنّ الرواية تتناول ثيمة ما يُشاع بتسميته “الربيع العربي” حيث يتناول الروائي فادي عزام الثورة والانتفاضة الشعبية في بلدٍ عربيٍ نعرفه كلّنا، ومعروفٌ أنّ الأنظمة العربية جميعها بلا استثناء تعاني من فرط الحساسية تجاه هذا الربيع، وطالما أنّ المراجعة ستكون على المستوى الرمزي فهذا كافٍ لنعرف سقف الحرية المتاح للكاتب والقارئ والناقد على السواء. في الرواية: يرث الدكتور أنيس المقيم في لندن بيتاً أثرياً في بلدٍ عربيّ تشتعل فيه ثورة الربيع، ويساوي هذا البيت (واسمه بيت حُدُد) أزيد من 6 ملايين دولار، وقيمةً أثرية لاتقدّر بثمن، ولأنه رفض عرض الشراء المقدّم له بأدنى من ربع هذا المبلغ تبدأ رحلة العذاب وكأنه يعيش كابوساً راسخاً لايريم. فيديل/فضل أحد أبرز شخصيات الرواية ولاعبيها الكبار، سامية الثائرة والتي تحاول جعل بيت حُدد متحفاً يؤرخ تاريخ البلد وحضارته، عادل وليل الناشطان الثوريان، وهاني وعباس المواليان وكلهم أصدقاء الدكتور أنيس ولايسكنهم إلا حبُّ البلد والتضحية لأجله ويؤمنون جميعاً بالأرض، وعشق الحرية ورفض القهر والقمع والخنوع، والتمسّك بالحياة وتمجيد الإنسان، لكنّهم مختلفون في التأسيس لهذه المفاهيم وطريقة العمل بها. أعجبني كيف يحاول الكاتب أن يجد توازناً بين الضرورة الفنيّة للعمل الروائي والتفسير السياسي والتاريخي للأحداث، واهتماماً ووعياً بهذا التفسير ثم الوقوف عنده على حياد (ما أمكنه ذلك).. كما يُسجّل لصالح الروائي فادي عزام استخدامه لغةً عفويةً، ولهجةً بيضاء في الحوارات تولّد انطباعاً مُريحاً عند القارئ. بنية الرواية السرديّة تقليديّة تعتمد على المواقف، وبديهي أنّ هذه الصبغة الفنية تنتج عنها عادةً حبكة قوية. ومن أعجب ما رأيت في هذه الرواية مهارة الكاتب في توصف ليلةٍ شبقيّةٍ بمفرداتٍ صوفيّةٍ سامية؛ إنّ من يقدر على هذا التوصيف الراقي البديع لحالةٍ يستغلها أغلب الكتّاب لتمرير مفرداتٍ فاجرة هو بالفعل كاتبٌ يملك ناصية اللغة ويتحكّم بها لاتتحكم به. سيجد القارئ في الرواية حديثاً طويلاً عن معنى الوطن والوفاء له، والسجن والمعتقلات والأحكام التعسّفية، سيجد حديثاً صريحاً عن الحكّام الظلمة الذين يسرقون الوطن لايهمُّهم إن أدّى ذلك لتعرية السّهوب الخضراء من كلٍّ دوحٍ وأيك، بل أبعد من ذلك، يتمنّون لو استطاعوا أن يسرقوا الخضاب من دم ضحاياهم المتدفقة من الشرايين. وسنقرأ في الرواية أيضاً حديث الغربة والهجرة، ومكابدة المهجّرين طوعاً أو قسراً، وسيعرض الكاتب تجارة الآثار والنفائس والغاليات عند من يُفترض أنّهم حصن الوطن وحُماته. وغيرها الكثير من المواضيع التي تمسّ ما أسميناه “الربيع العربي” في منظومةٍ سرديةٍ لا تعنو من أيّ انفكاكٍ أو ارتخاء. صدرت الرواية عن دار الآداب عام 2017، وتقع في 463 صفحة من القطع المتوسط، وقد انضمت إلى القائمة الطويلة لجائز البوكر عام 2018، وحسبي أن أقول لكم أنّي سوّدت ثلج خمس صفحاتٍ أثناء قراءتي الرواية على سبيل المراجعة، لكنّي آثرت أن أكتفيَ بما سبق لأمرٍ تعرفه عين اللبيب البصيرة بحال هذه البلدان وسقف حريتها، وأستغني عن إضافة المزيد لأقول فقط هي بحق رواية يجدر بألا تفوتكم.
رانيا منير
رانيا منير
٨‏/٢‏/٢٠١٨
أقرأ الروايات عادة لأبتعد عن الواقع، لأنسى أو أتناسى ما حدث وما زال يحدث، لكن الروائيين السوريين اليوم يصرون على إبقاء الجرح مفتوحاً.. لم يترك الكاتب مكاناً للقهر والتعذيب في سوريا إلا أخذنا اليه، بدأت رحلة التعذيب من مشفى المجانين: "إذا أردت أن تعرف حقيقة أي بلد، زر مستشفى مجانينه. هناك فقط تكمن كل علله وأسبابها ومسبباتها أيضاً".، إلى معتقلات وسجون النظام إلى أقبية تجار بيع الأعضاء البشرية، إلى المقابر الجماعية ومجازر الكيماوي واستديوهات داعش الهوليودية.. أيعقل أننا مررنا بكل هذا في أربع أو خمس سنوات فقط؟! أنهيت الرواية بأسرع ما أمكنني، سهرت ساعات إضافية، ذهبت صباحاً إلى عملي برأس مصدوع وعينين محمرتين من السهر والقراءة والبكاء.. كلما قرأت أكثر كلما تمنيت لو يكون مجرد خيال روائي، رغم يقيني بأن ما حدث في الواقع يفوق خيال أبعد الروائيين خيالاً.. أربع شخصيات رئيسية تجتمع في دمشق بداية الأحداث في سوريا سنة 2011 لتنشأ قصتي حب، بين فيدل وليل، أنيس وسامية.. وتمتد لأربع سنوات من عمر الحب والحرب.. الدكتور أنيس طبيب جراح ناجح يعمل في مشفي تشلسي الملكي بلندن، لديه زوجة وابن ويعيش حياة عملية دقيقة ومنظمة حتى بينه وبين زوجته، تصله رسالة تخبره بأن خاله السوري ترك له منزلاً أثرياً قديماً يطلق عليه اسم "بيت حدد" ويقدر بمليون دولار وماعليه سوى السفر لأسابيع قليلة ينهي فيها إجراءات البيع ويعود لحياته الطبيعية.. لم تكن لديه أي مشاعر وطنية تجاه بلده، كان ينوي ألا يطيل المكوث وأن ينهي ما جاء من أجله بأقصى سرعة ويعود إلى مكانه الطبيعي، فدمشق باتت مدينة غريبة عنه، يسترجع الماضي يلتقي بأصدقائه القدامى يحاول التعرف على البلد من جديد ويطلب مساعدة المحامية والناشطة سامية سعيد في إنهاء إجراءات البيع بأقصى سرعة.. ولكن يحدث ما يقلب كل حياته ومخططاته عندما يقع في حبها، يصف أول لقاء بها فيقول: "دخلت زوبعة على قدمين من غيم، في صوتها ريح". تحاول سامية إقناعه بعدم بيع البيت: " شرحت له أن قيمة البيت لا تقدر بثمن، وأنهم يريدون تحويله إلى فندق أو مطعم. يريدون بيعه لسادة دمشق الجدد، والذين لا يكنون للمدينة سوى الاحتقار. وهي تحاول مع مجموعة من الناشطين، أن تسجل البيت لدى منظمة اليونسكو في لائحة التراث العالمي لتحويله إلى متحف للذاكرة السورية التي شارفت على الاختفاء". تخبره أن كل زاوية من البيت قطعة أثرية وأن سعره يقدر بملايين الدولارات عدا قيمته الأثرية: "هذا الحائط من بقايا معبد آداد، أي عمره 3000 سنة قبل الميلاد وتحت غرفة المونة نقوش آرامية يونانية تقول: من ملك الشام ساد العالمين. هاد البيت كان الفضاء الوحيد للحرية والقول في البلد من خمسين سنة. المكان الوحيد بكل معنى الكلمة. من دخله فهو آمن. حتى حافظ الأسد نفسه إلي كتم على أنفاس الناس، كان يسمح إنو ينحكى هون بالسياسة. هالبيت حفظ ذاكرة السوريين وذاكرة دمشق. كل حجرة فيه إلها حكاية. كل غرفة فيه إلها تاريخ. كل منمنة فيه إلها دلالة. وحضرتك جاي تبيعو، لا بتعرف لمين، ولا بتعرف شو هو؟" يبدأ تعلق أنيس بالبيت بعد بحثه في مكتبة خاله وقراءته مذكراته، فيقرر إطالة إقامته، يترك الفندق وينتقل لبيت حدد وهكذا تبدأ قصة الحب بين سامية وأنيس: "وعلى رشفات القهوة الشامية الطيبة ودخان سجائر سامية التي لا تنطفئ، طار الحديث بلا هدى. تحدّثا في كل شيء: حياتهما، دمشق، لندن، القادم الغامض، حامض الخوف، مرارة العيش، طلاق سامية ونشاطها، اعتقالها وإصرارها على أن دمشق يجب أن تتغير. تحدثا في السياسة قليلاً، وفي الحياة كثيراً. شيء من الائتلاف المضمر ينعقد بين روحي رجل وامرأة أنضجتهما الحياة باكراً، ومنحتهما فرصة ليطلا معاً على سطحها وليريا نفسيهما في صورة أخرى. لم أكن أحلم يوماً بأن أنعم بكل هذا الدفء وأنا أعود إلى الصقيع. سأتذكر دائماً هذا البيت العظيم وقدرته على منحي الأمان في هذه المدينة السجينة. هذا البيت الذي تريد أن تبيعه هو المكان الوحيد الآمن في دمشق المحتلة. إن أنجزت بيع البيت رجاء لا تكلمني. لا أريد أن أكرهك". أما قصة الحب الثانية فهي بين فيديل/فضل عبد الله المخرج الشاب من مواليد 1974 ، الشخصية المعقدة المزدوجة، زير النساء والشيخ التقي، الداعر والملاك، المادي والمثقف، البريطاني والسوري، الثوري والحيادي، السادي والمستعد للمخاطرة بحياته لأجل ليل أو أنيس، أعقد شخصية رجولية يمكن لامرأة أن تقع في حبها، يعيش في دبي وينظم حملات إعلانية للمؤسسات والمشافي. وليل الطبيبة المتزوجة والتي تعمل في مشفى خاص في دمشق يلتقي بها فيديل بعد أن يُطلب منه تنظيم حملة إعلانية لمشفى خاص سيقام في دمشق بهدف السياحة العلاجية. اسمه فيديل كما أراد والده الشيوعي أن يسميه تيمنا بفيدل كاسترو، واسمه الآخر فضل كما كانت أمه المتدينة تناديه وأرادت له أن يصبح داعية وشيخ كأخواله، يحكي قصة تحوله إلى كائنين فيقول: "وبين رغبة أبي في أن أكون محامياً مثل كاسترو، وتمنيات أمي بأن أكون داعية وشيخاً مثل أخوالي، نشأت باسمين. ولما بلغت العاشرة، كان خالي يجاهد كي يحفظّني القرآن الكريم، ويلهب أبي مخيلتي بقصص غيفارا وكاسترو وثوار العالم وأناشيد الحرية. وبموجة غضب ووعيد بالحرق في نار جهنم من خالي، مع كمية من اللعنات على الشيوعية والمحدين المتجبرين بأن يريهم الله عجائب قدرته". بدأ بدراسة الحقوق كما رغب والده، لكن بعد اعتقال صديقته الفتاة اليسارية، اضطر للهرب إلى بيروت ومنها إلى لندن ليبدأ هناك حياة متفاوتة بين التزام فضل واستهتار فيديل. وهكذا عاش بشخصيتين طيلة حياته وفي كل مرحلة منها كان أحد الجانبين هو المسيطر والمتحكم إما فضل أو فيديل ولم يتصالحا إلا في لحظة النهاية.. "التقارير المكتوبة عنك من السفارة السورية في بريطانيا مثيرة للحيرة بين إنك إسلامي متطرف أو مجرد طموح انتهازي كحولي نسونجي!". هكذا يقلب هذا النسونجي حياة ليل، الطبيبة المتزنة التي شارفت على الأربعين ولديها ولدين وزوج مثالي وحياة مستقرة ظاهرياً إلى أن وقع الزلزال السوري الذي هدم كل الزيف والادعاء والكذب الذي كنا نمارسه على أنفسنا وحياتنا.. "نحن بارعين بإهدار أعمارنا بالانتظار أو تبرير الخيبة. الحب هو الصفعة يلي بتكشف كل الحقائق دفعة واحدة". ولأن "الحب ضرب من الحرب" فلا يوجد زمن كزمن كالحرب ما يجعل الحب أقوى، وربما لولا الحرب لما تجرأت ليل على التخلي عن كل شيء والركض وراء نداء قلبها: الغَمْر الفريد الذي وجدا نفسيهما يلوذان به، مردّه إلى الحب في زمن الحرب. تتدخل الطبيعة بعنف مضاد للعنف، تريد إكثار البشر حين يُقتلون. تعمل الهورمونات بطاقتها القصوى. تخصّب النطاق الأرحام. يتزايد عدد المواليد، وتستعر الرغبات. لا شيء يعادل حباً وسط الحرب، يُطلق شراسة العاطفة يوقف عمل المنطق، يدمر الخوف على الصورة، يفتت رأي الناس فيك. أجمل ما حدث للنفس البشرية وانفجاراتها وإبداعها كان في زمن الحرب. في الرواية لمحات نسوية أحببتها من كل قلبي.، كيف استطاع الكاتب أن يصف مشاعر الأنثى بهذه الدقة ، وينحاز للمرأة بهذا الشكل فيجعل شخصية ليل الإنسانية بمواجهة شخصيتين ذكوريتين كزوجها وخطيبها السابق.. جميع الشخصيات النسائية في الرواية محببة، ليل، سامية، صديقة ليل العراقية، حتى الشخصيات الثانوية لم يظهرهن بشكل مسيء، على عكس الشخصيات الذكورية الدنيئة التي تطفح بها الرواية.. (طبعاً ماعدا أنيس وعيسى وفيديل ) من هذه اللمحات: "كان أنيس شاهداً على انكسار قلبها قبل أعوام عديدة يوم سافر خطيبها سميح وتركها مخذولة. سار معها وهي شبه منهارة في أزقة باب توما، وأدخلها محل الصاغة، وقال لها: بيعي الخاتم الآن. سحبته من بنصرها كمن يخرج قلبه من بين أصابعه، أعطته للصائع وهي ترتجف، ثم أجبرها على أن تشتري حذاء بقيمة الخاتم، وقال لها: الآن صار في استطاعتك أن تمشي إلى الأمام". "كلما خاب عشق السيدات المتزوجات ينكصن إلى أولادهن، كأنهن يتذكرنهم فجأة. رد فعل طبيعي لمقاومة تأنيب الضمير. فالخيانة الزوجية عادة يتبعها تمجيد لفكرة عالية، وليس هناك أفضل من ممارسة الأمومة لتساعد على استعادة التوازن". .. شكراً فادي عزام، أتمنى لك البوكر
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
تبدو رواية «بيت حُدُد» (دار الآداب) للكاتب السوري فادي عزام وكأنها مجموعة قصصية تضم حكايات تدور في أزمنة وأمكنة واحدة، نظراً لما يعتريها من تفكك في الرابط الدرامي لقصص أبطالها، فيغدو الخط البياني للرواية متعرجاً في الغالب. بيد أنّ ما تحويه هذه الرواية بين دفتيها من حقائق ومعلومات تاريخية يجعل منها بمثابة مرجع لمرحلة تُعتبَر مفصلية في تاريخ سوريا المعاصر. ويبقى ما يميّز هذا العمل هو عمق دراية الكاتب بما هي عليه الحال في الشارع السوري، فتراه يعطى كل ذي حق حقه. لم يستسلم مثلاً للرومنطيقية الثورية، ومع أنه ينحاز بوضوح لثورة الشعب المحقة، ساق الكاتب نوعاً من النقد الذاتي للمرحلة وطرح تساؤلات بحجم جدوى بعض ما قامت به هذه الثورة بشجاعة يُشهَد لها. بيت حُدُد هو صرح من الصروح الأثرية النادرة. فدمشق وتاريخها الغني بكل ما هو نفيس ونادر هي التي تحتضن هذا البيت الذي تعرَّض، بعدما غاب أصحابه، للكثير من المؤامرات بغية طمس معالمه وأصوله. فالوريث الوحيد له- وهو الدكتور أنيس الذي يعيش في بريطانيا والغارق في تفاصيل عمله كجراح قلب مشهور- يعرف القليل القليل عن هذا الإرث العريق الذي تركه له خاله. في «بيت حُدُد» حائط من بقايا معبد آداد يعود إلى 3000 سنة قبل الميلاد ونقوش آرامية يونانية تدلّ على عراقة المكان. هذا فضلاً عن غرفة المكتبة والمخطوطات التي تشغل غرفتين كاملتين بجدرانهما المتعالية من الكتب المجلَّدة بعناية والتي يبلغ عددها، بحسب الفهرس، 170 ألف كتاب و12 ألف مخطوطة بالعربية. وقد تبيّن لأنيس في ما بعد أن العدد الموجود حالياً في البيت أقل بكثير مما أورده الفهرس، وفي ذلك إشارة إلى أن الكثير من الكتب قد تعرّض للنهب. وهنا لا بدّ من التوقّف عند ما قاله الكاتب عن خال أنيس بأنه «كان من الرجال الذين صنعوا سياسة هذا البلد بعد الاستقلال (ص26)، فـ «بيت حُدُد» العابق برائحة أيام طويلة مرت يعجّ بالصور التي تخلّد ذكرى رؤساء تعاقبوا على الحكم، عدا حافظ الأسد ونجله. وبعدما قرر الدكتور أنيس المجيء إلى دمشق لبيع هذا الإرث الذي قيل له أنه يساوي مليون دولار، عرّفه صديقه القديم عيسى على المحامية سامية ففتحت عينيه على حقيقة هذا البيت والقيمة المادية والمعنوية له التي لا تُقدَّر. «هاد البيت كان الفضاء الوحيد للحرية في البلد من خمسين سنة. المكان الوحيد بكل معنى الكلمة (...) هالبيت حفظ ذاكرة السوريين وذاكرة دمشق. كل حجرة فيه إلها حكاية. كل غرفة فيه إلها تاريخ. كل منمنمة فيه إلها دلالة» (ص61). سامية الثائرة والناشطة الحقوقية، وبعد مواجهات حادة بينها وبين أنيس، الذي كان همه الوحيد أن يبيع البيت ويعود أدراجه إلى لندن، تمكّنت أن تقنعه في أن يعدل عن الفكرة، بخاصة بعدما عرف بما حصل لها من ركل وسحل وضرب أثناء وقفة تضامنية سلمية، مع استيائه من محاولات أصدقائه القدامى، ممن هم حاليًا في السلطة، الضغط عليه للبيع، وأوّلهم الدكتور سعد الدين ورجل الأمن الرفيع المستوى عباس. وهنا تعلّقت قدما أنيس أكثر فأكثر بتراب دمشق حتى كاد ينسى أنّه من المفروض أن يعود إلى لندن. وبدأت علاقة حب تتأجج بين سامية وأنيس، الذي كان يعاني من مشاكل متراكمة مع زوجته حنّة بعد خيانتها له حين كانت في الولايات المتحدة. وحتى ابنه سامي الذي كان يلومه في البداية على استرساله، أتى إلى دمشق لينضمّ إليه في «بيت حُدُد» الذي تحوّل إلى خلية نحل وكأنّه عصب الثورة. وبينما يحاول القارئ التقاط أنفاسه في خضمّ كل تلك الوقائع، بحيث يقحم الكاتب أيضًا قصة فيديل التي تجعل من هذه الرواية روايتين تسيران توازيًا، يعجز عن مواكبة هذا الركب السريع والمكثّف من الأحداث التي تشتّت تركيزه أحيانا. ففي الصفحات الأولى من الرواية تطالعك قصة فضل – فيديل الذي عاش تناقضًا بارزًا بين انتماء أبيه الشيوعي وأخواله من رجال الدين وأمه المتدينة التي راحت تناديه بـ «فضل»، فيما سمّاه والده فيديل تيمنًا بـ «فيديل كاسترو». إلا أن شخصية فضل قد طغت عليه مع دخول أبيه السجن لسنوات وتولي والدته وأخواله تربيته تربيةً دينيةً جعلت من أبيه يرى فيه شيخًا صغيرًا عندما خرج من السجن. وفيديل الذي هرب إلى لندن حيث تابع دراسته وتزوج من امرأة أرملة زواجًا صوريًا ليحصل على الجنسية البريطانية، عاد ليستقر في دبي حيث كان يعمل مخرجاً في مجال الإعلانات، ورجع بعد أعوام إلى دمشق بمساعدة رجل الأعمال عمران الذي كانت تربطه بالسلطة علاقة جيّدة. وفي دمشق، تعرّف إلى ليل المتزوجة وعاشا قصة حب غريبة تعرّضت معها ليل للكثير من المضايقات بعدما التقط رجال السلطة صورًا لهما معًا، على رغم أنها لم تتورّط في أكثر من قبلة في بداية الأمر. ومع أن الكاتب يشيّد بنيانه الروائي على أسس واضحة حول مساوئ هذا النظام التي لا تُعدّ ولا تُحصى وإخفاقات الثورة التي تتصرّف برومنطيقية أحياناً، يخفق في هندسة هذا البناء بحيث يحوّله إلى طبقات مستقلة بعضها عن بعض، لا يجمعها سوى أنّها تتحدّث عن الأشخاص عينهم، إذ لا ينجح أحيانًا في ربط الأحداث في ما بينها ولا في صهر مجرياتها. هكذا تتحوّل إلى يوميات مستقلّة يعتريها الكثير من الاستطراد، كمثل يوميات ليل وفيديل في دمشق ومن ثم في دبي. إن هذه الرواية المسهبة حدّ الإطالة، تفاجئنا بالكثير من المعلومات التي تطرح باستسهال، على رغم أهميتها في سير الأحداث. فلا يقدم الكاتب لقارئه المعطيات المطلوبة والمؤشرات الضرورية لمثل هذه الأحداث، كاعتراف فيديل لليل الذي يأتي عرضيًا بأنه تعامل مع النظام ورشا صحافيين كبار لتغيير صورة ما يحدث. ولعل ما يدعو للاستغراب هنا هو أن ليل لا تتوقف بجدية عند ما قاله فيديل، وينتقل الكاتب من هذا الاعتراف إلى سرد عادي للحظة حميمة بين الاثنين. والمفارقة الكبيرة التي تتكشف إبّان قراءتنا هذه الرواية هي حين ينتهي الأمر بالدكتور أنيس مرغماً على إجراء عمليات استئصال الأعضاء للتجارة بها مما يضطره إلى بيع «بيت حُدُد» صوريًا وتسليمه فعليًا لأتباع النظام بغية تحرير محبوبته سامية من أيدي داعش والتخلص من الجحيم الذي يعيش فيه ولو كان ذلك ثمنه حياته وبأن يسلّم نفسه الى داعش. وكأني بالكاتب يتقصّد هنا- كما في أحداث أخرى متعددة- أن يظهر مدى التنسيق بين النظام وداعش الذي يتحدث عنه تكراراً وعلانيةً. تتآكلنا الحيرة بعد عودة فيديل إلى دمشق من جديد لينتج فيلماً يكفّر فيه عن ذنوبه ليظهر حقيقة ما يحدث في الشام، إلا أننا لا ندري كيف ينتهي به الأمر مخرجاً لدى داعش فلا نعرف حق المعرفة ما المقصود من التعامل معها ولا المعلومات التي استحصل عليها وخزّنها في بريده الإلكتروني الذي سلّم كلمة سرّه إلى ليل قبل أن يُساق إلى الموت.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٠‏/١‏/٢٠١٨
كتب فادي عزام روايته الثانية "بيت حدد" (دار الآداب، 2017)، وهي رواية من القطع المتوسط 464 صفحة، رواية تجذب القارئ لينهيها في جلسة واحدة بالرغم من طولها النسبي بالنسبة لروايات المرحلة. رواية "بيت حدد" في الغالب الأعم تتخذ من سوريا مسرحًا لأحداثها، باستثناء بعض الومضات التي تقودنا إلى دبي ولندن، لكن مكان الحدث الأساس هو سوريا، من دمشق لريفها إلى الشمال، وختامًا الجزيرة التي استوطنها تنظيم الدولة الإسلامية، وتبقى الإمارات وبريطانيا أمكنة لتحضير الشخصيات للفعل، ووقت للراحة من مآسي سوريا. يرسم فادي عزام في "بيت حدد" بسلاسة روائية مدهشة شخوصه، ويجعلنا نعيش معهم تاريخهم وماضيهم وسنوات الصراع المريرة في سوريا، فيديل أو فاضل يعاني من الازدواجية التي رافقته، بين والده الشيوعي الذي أصر على تسمية "فيديل" تيمنًا بكاسترو، ورغب له أن يصبح محاميًا، وبين أخوال متدينين اهتموا بتربيته كـ"فاضل" على علوم الدين وعلى فكر إسلامي، مستغلين فترة سجن الأب. ترمي الظروف فاضل إلى علاقة مع الأنثى الأولى، علاقة مشوهة يشوبها التعقيد بصبية تنتمي لفكر يناقض ما هو عليه، فهي من "رابطة العمل الشيوعي"، وتشارك في تحرير الراية الحمراء بينما هو يتأرجح بين الإيمان والتدين الشديد، عند اعتقالها تبدأ رحلة هروبه لخشيته من أن يناله الاعتقال. رحلة البحث عن الذات في ثنائية متناقضة مكونة من فيديل ومن فاضل. في لندن يتزوج من أرملة إنجليزية ويبدأ حياة استكشاف ذاته. يسرد لنا الكاتب فادي عزام تفاصيل دقيقة في "بيت حدد"، وذلك من حياته تارة فنعيش لحظات لندن بتفاصيلها الغنية، وتارة يقص لنا بسرعة كبيرة قصة زيجته الثانية وسنوات السياحة حول العالم التي ينفق بها ما ورثه من زوجته الأولى، لينتهي بنا الأمر بفيديل ليعيش حياة بوهيمية في بذخها في المدينة المتصالحة مع نفسها ومع طبقاتها؛ الماخور الكبير المسمى دبي، حيث يعمل فيديل كمخرج للإعلانات. وعزام في نصه الروائي لا يدين المدينة بل يعتبرها مدينة متصالحة مع ذاتها ويعمل على توصيف مجتمعاتها الثلاثة. الشخصية الثانية في رواية "بيت حدد" هي شخصية أنيس، جراح القلب البريطاني من أصل سوري، الطبيب الغارق في روتين يومه ونجاحاته، يرث أنيس دار خاله "بيت حدد" فيقرر النزول إلى دمشق لبيعه وتحويل المال إلى بريطانيا، لكنه يصطدم بتاريخ البيت وتاريخ مدينته دمشق المرتبط بهذا البيت، وبخشية شخصيات تشكل معارضة أزلية للنظام القائم من أن يتملك هذا التاريخ أناس يحقدون عليه ويريدون تحويله إلى شيء آخر، يتم إقناع أنيس بالتريث قبل إتمام عملية البيع. عملية الاستيلاء على البيت تتم لاحقًا بينما الطبيب أنيس معتقل، حيث يتم بيع البيت صوريًا بتاريخ قديم، في صفقة يحضرها سفاح تابع للنظام ومحام مرتزق يخدم النظام لمشتر إيراني. للشخصيتين المحوريتين شخوص تدور في أفلاكهما، حسب المرحلة والتوقيت. الأنثى التي ترافق الطبيب المتردّد هي المحامية سامية التي تجسّد الحراك، والتي تقوم لاحقًا بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في ريف دمشق، حيث يقبض عليها من قبل التنظيمات الإسلامية وتبقى للنهاية حبيستهم، حتى يفتديها أنيس بحياته في صفقة يبادل فيها النظام الطبيب البريطاني بالمعارضة والناشطة الإعلامية لسبب لا يبدو واضحًا، حيث إن النظام لا يعتقل سامية بل يتركها طليقة. السبب المنطقي الوحيد هو أن النظام يرغب بالتخلص من الطبيب البريطاني بعد أن استغله لسنوات في مافيات لبيع الأعضاء البشرية واستئصال القلوب والكلى والقرنيات، ويعلم حتمية إعدامه على يد التنظيم. أنيس صار يشكل خطرًا على النظام، خصوصًا بعد عمله في منشأة يديرها السفاح الذي يدعوه المؤلف بالشيف، والتي يقوم فيها النظام بإجراء عمليات تصفية للبشر بشكل علني، مقابل بطاقات دخول يصل سعر الواحدة منها لربع مليون دولار للمتفرج ونصف مليون للمشارك. عمليات قتل همجية وسرقة أعضاء، تنتهي غالبًا بأنيس الطبيب يتناول وجبة من لحم آدمي على طريقة هانيبال ليكتر. من جهة أخرى تكون الطبيبة ليل، زوجة الطبيب عادل، هي الشخصية التي ترافق سيرورة فيديل الروائية. المرأة التي تقع في حب فيديل الساحر، المغوي، الهوائي، الجنتلمان، الذكر، الفاتح، السادي.. والذي يربح السبق في المقارنة مع زوجها سريع القذف، الذي يتحول، بطريقة غير مبررة، ليصبح تجسيدًا للحقارة عندما يقبل بأن تعاشر زوجته شريك المستقبل الذي سيؤسس المشفى الخاص مع ليل وزوجها. الشريك الطبيب سعد الدين، تجسيد حي لرجل الأعمال القذر، والأطباء أصدقاء الدراسة السابقين للدكتور أنيس جراح القلب، والمحامي راجح، يمثلون الأيدي القذرة للنظام، من ضابط الأمن لرجل الأعمال للطبيب الشاعر الذي يتحول لضابط مخابرات مهم. تمر لحظات من السرد الروائي ببطء شديد لتوصيف مشهد مؤلم، مشهد من الحرب السورية... لتوصيف مشهد جنس سادي يمارس فيه فيديل عنفه على المرأة التي استسلمت له وتركت حياتها خلفها. المرأة التي تركها لينقذها من نفسه، فهرب للأتون ولكنها لحقت به إلى سوريا الحرب... تركت ليل دولة الإمارات وفرصة البداية من جديد في فرنسا لتلحق به إلى إمارة في الدولة الإسلامية حيث يعمل في النهاية كمخرج لفظاعات التنظيم. مقابل الزمن البطيء هذا هناك زمن يمر بسرعة كزمن أنيس الذي يتعود القتل في المسلخ البشري الذي يديره النظام لسرقة وبيع الأعضاء البشرية لمدة سنتين، أو زمن سامية التي قضت سنتين في المعتقلات الإسلامية عند الفصائل. فادي عزام مبدع في رسم شخوصه، يشد القارئ لكل منها بحبال غير مرئية، يستفز حاسة التخيل لدى من عاش دمشق ومجتمع ثورتها وطبقتها المخملية وحراكها، ليحاول اكتشاف أي منزل هو بيت حدد، ومن هم الشخوص الذين يطيفون حول الرباعي الأهم، فيسأل القارئ نفسه عن شخصية الدكتور سعد الدين، وعن الطبيب عباس الذي صار رجل أمن كبير، يتساءل عن المناضل المقهور عيسى وعن غيرهم. بعض الشخصيات التي تبدأ في الحدث تلعب دورها في التقديم للشخصيات، ثم تختفي لتظهر في النهاية، كالمحامي الذي يتصل بأنيس في بريطانيا، ويهدده في دمشق ببيع البيت لأن المشترين لا يقبلون أن يقال لهم لا، ثم يظهر في المسلخ البشري في النهاية مرة ليتم عقد البيع بمفعول رجعي ومرة كجثة يقوم أنيس بتشفيتها من الأعضاء الهامة. وعند ثنائي ليل وفيديل يظهر سميح عشيق ليل الذي هجرها بعد أن أجهضت حملها غير الشرعي منه وفر خارج البلاد. الشيوعي الرافض للنظام والله وسلطة الأسد، يظهر لها بعد عقدين من الزمن بصورة أبي البراء، أمير جماعة إسلامية على خلاف مع تنظيم الدولة، لكنه يساعدها للوصول لفيديل الذي هو الشيخ فاضل المسؤول الأهم عن تصوير الأعمال الدعائية التي تمجد تنظيم الدولة وتوثق فظاعاته، ولا يكون أميرها أبو حفص إلا شيخ المسجد الفلسطيني البريطاني غسان الذي سهل لفيديل/ فاضل بداية إقامته ومعيشته في بريطانيا، عندما تم رفض طلب لجوئه، وقبل أن يتعرف على زوجته الأولى الأرملة الثرية. روائيًا ربط الكاتب بسلاسة بين هذه الشخصيات الثانوية التي شكلت خلفية للتعرف على أبطال العمل الأربعة، وبين دورهم في النهاية وسيرورة الأبطال نحو مصيرهم. العدالة الإلهية التي تنقذ الأنقياء وتنهي من تلوثت أيديهم بالدماء تتولى تصفية المحامي راجح على أيدي الشيف، الذي يلقى القبض عليه لاحقًا كإرهابي، بينما ينتحر رجل النظام عباس ضابط الأمن بمسدسه. بغض النظر على هذه المصائر إلا أن الرواية تحمل في طياتها توصيفًا أكثر توفيقًا مما سبقها لتصوير الثورة/ الحرب السورية. أجمل الفقرات التي يقوم فيها الروائي بسرد تغطية فيديل للثورة من الداخل، وتوثيق اللقاءات مع المقاتلين في الثورة الذين فقدوا الأمل والإيمان بالله، بالمجتمع الدولي وبتعريص مناضلي الفيسبوك. أبو حدو يخبرنا عن تعريص الفيسبوك حيث كتب أحد الثوار الافتراضيين على الفيس بوك: "استشهد مستو وهو يحلم باليوم الذي تعود فيه سوريا للسوريين"، فيرد عليه أبو حدو كافرًا بهذا النفاق: "مستو يا بخش القلب مات وهو عم يحلم يدوق البيتزا اللي بعمرو ما داقها". هذه اللقاءات التي يصورها الروائي فادي عزام بعفوية وصدق، تشرح الكثير عن أسباب انتماء البعض للثورة وعن سبب حملهم للسلاح. أعتبر شخصيًا أن فادي عزام أبدع في رواية "بيت حدد" في وصف علاقة فيديل/ فاضل بزوجته البريطانية الأولى، وبتوصيف العلاقة معها، وعلاقتها مع زوجها المتوفي، بسرد جميل مهد لنا تفهم الازدواجية التي يعيشها، وسهّل على القارئ فهم تناقضاته. لم يكن فادي عزام موفقًا، في رأيي، في الشق التاريخي الذي حاول فيه ربط بيت حدد بدمشق بالسيف الدمشقي، وبتاريخ هذا البيت التخيلي الذي يعود إلى آلاف السنين، وبتصوير النفوذ الإيراني "الأخطبوط" الذي يريد شراء هذا البيت لسرقة تاريخ دمشق، حيث دمج قصة البيت العثماني الذي تحول إلى مطعم ودار أزياء في منطقة الجسر الأبيض، ببيوت دمشق القديمة، بقصر الخضراء، بمعبد حدد الذي صار المسجد الأموي. كما لم يوفق في المقطع الذي ربط فيه ترقية عباس بالانتماء والتربية الدينية في الطائفة. لكن المصيبة الأكبر في رواية "بيت حدد" هي قضية بيع الأعضاء البشرية وتجارة الموت، فطريقة تصوير الكاتب لها تجعلها تبدو أكثر حقيقية من الثورة ذاتها، التوصيف للمسلخ والعمليات... قد تزيد في نزع الصفة الإنسانية عن النظام وأعوانه، وتحول أنيس، لا منتمي سوريا، الذي وبالصدفة اندمج في الحراك بدون وعي وتحول لمعتقل لا يعلم لماذا، تجعله يقبل وبسبب من رغبته في البقاء على قيد الحياة أن يتحول لقاتل ولص أعضاء، بل وآكل لحوم آدمية. رغم ادعاء البعض صحة المقولات للزيادة في شيطنة النظام، وحتى لو افترضنا أن الروائي فاجي عزام قد قرر أن يسردها كخيال إلا أنها تسيء لمصداقية العمل ككل. تأثُر الكاتب بـ"العطر" لسوسكيند، وبفيلم "العراب"، بل وحتى بهانيبال ليكتر؛ ساهم في خلق صور إبداعية جميلة، أغنت الشخصيات رغم الاعتراض السابق على قصة ليكتر. الثورة السورية، الأزمة، الكارثة، المقتلة، الحرب الأهلية فليسمها كل منا حسب توجهه وحسب موقفه من الحراك؛ هي مقتلة الفن، رغم اعتقاد كافة من يتعاطى في قضايا الأدب اليوم بأنهم يسطرون ملاحم ستحوز على نوبل على الأقل، وأنهم يوثقون لمرحلة تاريخية، إلا أنهم كجزء من المعمعة الدائرة أكثر تورطًا من أن يسموا فوق الموت والقهر اليومي لينتجوا قيمة قادرة على الحياة بعد انتهاء المقتلة. ربما يتوجب على الأديب اليوم أن ينتظر نهاية الموت ليكتب عنه، على الأقل أن ينتظر انقشاع الغبار لتكون الرؤية أوضح. أدلجة العمل الروائي ومحاولة إثبات صك براءة من النظام أو تأييد للثورة مقبول في مقال، لكنه في عمل روائي يتحوّل ليصبح دعاية، تخلط التوثيقي بالمتخيل، ويضيع ما هو حقيقي مع التهم المتبادلة بين الأطراف، فتفقد الرواية إمكانية الكشف والبوح التي يجب أن تحملها في طياتها وتصبح أداة للدعاية والديماغوجية. الواقعية الاشتراكية التي سممت "دار رادوغا" بها عقولنا الناشئة في الستينيات والسبعينيات خلقت أجيالًا من الأدباء يعتبرون "هكذا سقينا الفولاذ أدبًا". تشيخوف وغوغول نجوا من تأثير الواقعية الاشتراكية فكتبوا أدبًا عالميًا، الخصوصية الروسية تضفي جمالية على نصوصهم، لكن أدب ما بعد الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفييتي، خلق أبواقًا دعائية لم ترق لتكون أدبًا، ولم تتجرد لتكون توثيقًا. كم كنت أتمنى أن يشطب المؤلف فادي عزام بعض الفقرات التي يحاول بها إثبات ولاء للثورة، ليتحوّل نصه إلى ولاء مطلق للأدب، ولتصبح شخوصه أمثلة حية على من تاهوا في الأحداث، فمات منهم من مات ونجا من نجا. كم أتمنى أن يسمو الأديب والشاعر عن محاولة ربط التاريخ بالثورة بالحب بالجنس، وإن فعل، أن يقوم بهذا دون أن يتخذ موقفًا يمكن أن نسمعه في نشرة إخبارية مؤيدة أو معارضة. إلا أنه وباختصار يمكن أن نصف رواية "بيت حدد" بأنها عمل يستحق القراءة.