
شهرزاد
تأليف هاروكي موراكامي
ترجمة أماني لازار
عن الكتاب
مجموعة قصصية لهاروكي موراكامي ونخبة من الكتّاب الآخرون
عن المؤلف

هاروكي موراكامي (باليابانية: 村上春樹 موراكامي هاروكي) (مواليد 12 يناير 1949) هو كاتب ياباني من مدينة كيوتو. لاقت أعماله نجاح باهرًا حيث تصدرت قوائم أفضل الكتب مبيعًا سواء على الصعيد المحلي أو العالمي وتر
اقتباسات من الكتاب
كانت بعد كل مرة يمارسان فيها الجنس، تروي لهابارا قصة غريبة مشوقة. مثلها مثل الملكة شهرزاد في “ألف ليلة وليلة”. ولو أن هابارا بخلاف الملك بالطبع، لم يكن ينوي قطع رأسها في صباح اليوم التالي. (هي لم تبق معه أبداً حتى الصباح بأية حال.) حكت لهابارا القصص لأنها كانت ترغب بذلك، لأنها كما خمن، تستمتع بالاسترخاء في السرير والتحدث إلى رجل أثناء تلك اللحظات الحميمة الواهنة، بعد ممارسة الحب. وأيضاً ربما لأنها تمنت أن تروح عن هابارا الذي كان عليه أن يمضي الأيام حبيس البيت. لهذا السبب، أطلق هابارا على المرأة لقب شهرزاد. هو لم يستعمل الاسم مطلقاً في حضورها، لكنه كان يشير به إليها في مذكرات صغيرة احتفظ بها. “جاءت شهرزاد اليوم،” دوّن بقلم حبر جاف. ومن ثم سجل خلاصة قصة ذلك اليوم بتعابير بسيطة وخفية ليكون على ثقة من إرباك أي شخص قد يقرأ اليوميات لاحقاً. لا يعلم هابارا فيما إذا كانت قصصها حقيقية، مبتدعة، أو حقيقية في جزء منها ومبتدعة في آخر. لم تكن لديه وسيلة لمعرفة ذلك. بدا أن كل من الواقع والافتراض، الملاحظة والخيال الصرف مختلطون معاً في رواياتها. وبناء عليه استمتع هابارا بها كما قد يحصل لطفل، بدون الكثير من التشكيك. ما الذي يمكن للاختلاف الجائز أن يصنع له، في آخر الأمر، إذا ما كانت حقيقة أم أكاذيباً أو مزيجاً معقداً من الاثنين. على كل حال، كان لشهرزاد موهبة رواية القصص المؤثرة. ومهما كان نوع القصة، فقد جعلت منها قصة مميزة. صوتها، توقيتها، سرعتها، كانت كلها بلا شائبة. لقد استولت على انتباه مستمعها، مستثيرة إياه، تقوده إلى التفكير والتخمين، ومن ثم في النهاية تقدم له تماماً ما كان ينشده. مسحوراً، كان هابارا قادراً على نسيان الواقع المحيط به حتى ولو للحظة. مثل سبورة سوداء ممسوحة بقماشة مبللة، لقد أزيلت عنه المخاوف، من الذكريات السيئة. من يمكنه أن يطلب أكثر؟ في تلك اللحظة من حياته، كان هذا النوع من النسيان ما يتمناه هابارا أكثر من أي شيء آخر. كانت شهرزاد في الخامسة والثلاثين من عمرها، تكبر هابارا بأربع سنوات، ربة منزل متفرغة ولها طفلان في المدرسة الابتدائية (ومع ذلك كانت أيضاً ممرضة مرخصة، وعلى ما يبدو كانت تستدعى للعمل بين الحين والآخر). كان زوجها ممثلاً نموذجياً لشركة. كان بيتهما على بعد عشرين دقيقة من بيت هابارا. هذه كانت كل المعلومات الشخصية التي قدمتها تقريباً. لم يكن لهابارا وسيلة للتأكد من أي منها، لكنه لم يتمكن من التفكير بأي مبرر للشك بها. هي لم تكشف عن اسمها أبداً. ” ليس لك حاجة بمعرفته، أليس كذلك؟ “سألت شهرزاد. وهي أيضاً لم تدعو هابارا باسمه أبداً، ولو أنها بالطبع تعرفه، لكنها تجنبت الاسم بحكمة واضحة، كما لو أنه سيجلب بطريقة ما النحس أو سيكون من غير المناسب أن تنبس به شفتاها. ظاهرياً، على الأقل، لم يكن لشهرزاد هذه شيئا مشتركاً مع الملكة الجميلة في “ألف ليلة وليلة.” كانت في طريقها إلى خريف العمر، وبالفعل كان لغداها وخطوط النسيج المحيط بزوايا عينيها آخذين بالتهدل. لم تكن تسريحة شعرها، زينتها، وطريقتها في اللباس تخلو من العناية تماماً، ولا كان من المحتمل أن تلقى أي إطراء أيضاً. لم تفتقر سماتها إلى الجاذبية لكن وجهها كان ينقصه الاهتمام، ولهذا كان الانطباع الذي تتركه مبهماً. وبالنتيجة، ربما لفتت انتباه هؤلاء الذين ساروا بمحاذاتها في الشارع، أو شاركوها المصعد نفسه قليلاً. ربما كانت قبل عشر سنوات امرأة شابة جذابة وحيوية، ربما تكون أيضاً قد جذبت انتباه بعض الأشخاص. في مرحلة ما بأية حال، أسدلت الستائر على ذلك الجزء من حياتها وبدا من غير المرجح أن ترفع ثانية. كانت شهرزاد تأتي لرؤية هابارا مرتين أسبوعياً. لم تكن أيامها ثابتة، لكنها لم تأت أبداً في نهاية الأسبوع. لا شك أنها أمضت ذلك الوقت مع عائلتها. كانت تتصل دائماً قبل قدومها بساعة. تشتري الخضار من متجر محلي وتجلبها له بسيارتها، مازدا صغيرة زرقاء هاتشباك[1]. موديل قديم، كان فيها انبعاج في المصدّ الخلفي وعجلاتها كانت مسوَّدة بالسخام. تركنها في المساحة المخصصة للمنزل، ستحمل الحقائب إلى الباب الأمامي وترن الجرس. بعد النظر من ثقب الباب سوف يفتح هابارا القفل، ويحل السلسلة، ويدعوها للدخول. في المطبخ سوف تفرز الخضار وترتبها في الثلاجة. ومن ثم تضع قائمة بالأشياء التي يتوجب عليها شراؤها في الزيارة المقبلة. كانت تنجز هذه المهمات بمهارة، بالحد الأدنى من الحركات المهدرة، بالقليل من الكلام أثناء ذلك. عندما تنتهي، سينتقلان معاً إلى غرفة النوم بصمت، كما لو أنهما محمولان إلى هناك على تيار غير مرئي. تخلع شهرزاد سريعاً ملابسها وتظل صامتة، منضمة إلى هابارا في السرير. هي بالكاد تتكلم في أثناء ممارستهما الحب، وأيضاً تؤدي كل فعل كما لو أنها تكمل مهمة. عندما كانت حائضة، استعملت يدها للوصول إلى النهاية نفسها. رشاقتها، بالأحرى أسلوبها العملي ذكر هابارا بأنها كانت ممرضة مرخصة. بعد الجنس، يستلقيان في السرير ويتحدثان. بتعبير أكثر دقة، هي تتكلم وهو يصغي، مضيفاً كلمة مناسبة هنا، ويطرح سؤالاً عرضياً هناك. عندما تدق الساعة الرابعة والنصف تقطع قصتها لسبب ما، يبدو دوماً أنها قد وصلت للذروة)، تقفز من السرير، تلملم ثيابها، وتجهز نفسها للمغادرة. عليها الذهاب إلى البيت، تقول، لتحضير العشاء. سيرافقها هابارا إلى الباب، ويعيد السلسلة إلى مكانها، ويراقب من خلال الستائر السيارة الصغيرة الزرقاء المكسوة بالسخام وهي تبتعد. عند الساعة السادسة، يصنع عشاءً بسيطاً ويتناوله بمفرده. لقد عمل مرة طاهٍ، لذا فتحضير الوجبات لم يكن بتلك الصعوبة. يشرب مياه معدنية فوارة مع عشائه (هو لم يقرب الكحول أبداً) ويتبعه بكوب من القهوة، الذي يرتشفه أثناء مشاهدته فيلماً على قرص مضغوط DVD أو وهو يقرأ. لقد أحب الكتب الطويلة، ولا سيما تلك التي كان عليه أن يقرأها عدة مرات كي يفهمها. لم يكن هناك الكثير ليفعله. لم يكن لديه أحد يتحدث إليه. لا أحد ليتصل به. وليس عنده كمبيوتر، لم يكن لديه طريقة للوصول إلى الانترنت. ما من صحيفة تصله، ولم يشاهد التلفزيون أبداً. (لقد كان هناك سبباً وجيهاً لذلك.) وغني عن القول بأنه لم يكن بإمكانه الخروج. إذا ما كان على زيارات شهرزاد أن تتوقف لسبب ما فسيكون متروكاً وحيداً تماماً. لم يكن هابارا شديد الانشغال بهذا الاحتمال، إذا ما حدث ذلك، فكر، سيكون صعباً، لكني سأتجاوزه. أنا لست متروكاً على جزيرة معزولة. لا، فكر، أنا جزيرة معزولة. كان كثيراً ما يرتاح في كونه وحيداً. ومع ذلك فقد كان التفكير في ألا يكون قادراً على التحدث في السرير مع شهرزاد هو ما يزعجه. أو بشكل أكثر دقة، تفويت الحلقة التالية من قصتها. ” لقد كنت ثعبان بحر في حياة سابقة،” قالت شهرزاد ذات مرة، وهما يضطجعان في السرير معاً. كان تعليقاً بسيطاً ومباشراً، مرتجلاً كما لو أنها قد أعلنت بأن القطب الشمالي كان في أقصى الشمال. لم يكن لدى هابارا أدنى فكرة عن أي نوع من المخلوقات كان ثعبان البحر، ناهيك عن شكل الواحد منها. ومن هنا لم يكن لديه رأي خاص في الموضوع. هل تعرف كيف يأكل ثعبان البحر السلمون؟ سألت. هو لا يعرف. في الواقع، لقد كانت المرة الأولى التي يسمع بها بأن ثعبان البحر يأكل السلمون. ثعابين البحر ليس لها مخالب. هذا ما يميزها عن أنواع الحنكليس الأخرى. ها؟ هل للحنكليس مخالب؟ ألم تلق بنظرة إلى واحد منها أبداً؟ قالت متفاجئة. أنا آكل الحنكليس بين الحين والآخر لكن لم تتح لي الفرصة أبداً لأرى فيما إذا كان لديها مخالب. حسناً عليك أن تتفحصها في وقت ما. اذهب إلى حوض الأسماك أو مكان ما من هذا القبيل. الحنكليس العادي له مخالب وأسنان. لكن ثعبان البحر ليس لديه سوى ممصات، التي تستعمل للالتصاق بالصخور عند قاع النهر أو البحيرة. ومن ثم يعوم هناك فقط، متموجاً جيئة وذهاباً مثل الأعشاب. تخيل هابارا مجموعة من ثعابين البحر مثل الأعشاب في قاع البحيرة. بدا المشهد بطريقة ما منفصلاً عن الواقع، وبالرغم من أن الواقع الذي عرفه يمكن له أحياناً أن يكون غير واقعي بشكل فظيع. تعيش ثعابين البحر بهذه الطريقة، مختفية بين الأعشاب. مستلقية في حالة انتظار. ومن ثم عندما يمر السلمون فوقها تنطلق مسرعة نحوه بممصاتها. في داخل ممصاتها هناك تلك الأشياء التي تشبه اللسان مع أسنان، التي تحتك جيئة وذهاباً على بطن السلمون إلى أن تفتح ثغرة فيه وبعدها يمكنها البدء بأكل اللحم شيئاً فشيئاً. أنا لا أحب أن أكون سلموناً، قال هابارا. في العصور الرومانية قاموا بتربية ثعابين البحر في برك، وتم رمي العبيد المتعجرفين فيها، لتتغذى عليها ثعابين البحر وهم أحياء. فكر هابارا بأنه لن يستمتع في كونه عبداً رومانياً أيضاً. كانت المرة الأولى التي رأيت فيها ثعبان بحر في المدرسة الابتدائية، في رحلة صف إلى حوض الأسماك، قالت شهرزاد. اللحظة التي قرأت فيها وصفاً لطريقة حياتهم، علمت بأني كنت واحدة في حياة سابقة. أقصد يمكنني حقيقة أن أتذكر-كوني مشدودة إلى صخرة، أتأرجح بشكل غير مرئي بين الأعشاب، أحدق بالسلمون السمين سابحاً من فوقي. هل يمكنك تذكر أكلك لهم؟ لا، لا يمكنني. هذا مريح، قال هابارا. لكن هل ذلك كل ما تتذكرينه من حياتك كثعبان بحر-تتأرجحين جيئة وذهاباً عند قاع النهر؟ لا يمكن استدعاء الحياة السابقة بتلك الطريقة تماماً، قالت. إذا كنت محظوظاً فإنك تحظى بومضة عما كانت عليه. إنها كالتقاط لمحة من ثقب صغير في الجدار. هل يمكنك تذكر أي من حيواتك السابقة؟ لا، ولا أي منها، قال هابارا. والحق يقال، هو لم يشعر أبداً بالرغبة في إعادة النظر في حياة سابقة. كان مشغولاً بالحياة الحالية. ومع ذلك، فالحال يبدو أنيقاً جداً في قاع البحيرة، رأساً على عقب وفمي ملتصق بصخرة، أراقب السمك يعبر من فوق رأسي. رأيت حقيقة سلحفاة كبيرة تعض مرة، أيضاً، شكلاً أسود هائلاً يعبر مثل السفينة الفضائية الشريرة في حرب النجوم. وطيوراً كبيرة بيضاء بمناقير طويلة وحادة، من أسفل بدت مثل غيوم بيضاء تعوم عبر السماء. وأنت بإمكانك رؤية كل هذه الأشياء الآن؟ واضحة وضوح النهار، قالت شهرزاد. الضوء، جذب التيار، كل شيء. أحياناً يمكنني أيضاً أن أعود إلى هناك في بالي. فيم كنت تفكرين في ذلك الحين؟ نعم؟ بماذا يفكر ثعابين البحر؟ ثعابين البحر تفكر أفكاراً مشابهه لثعبان البحر. حول موضوعات شبيهة بالثعبان في سياق شديد الشبه بالثعبان. ليس هناك كلمات تشرح هذه الأفكار. إنها تنتمي لعالم الماء. إنها تشبه عندما كنا في الرحم. كنا نفكر بأشياء هناك، لكن لا يمكننا التعبير عن تلك الأفكار باللغة التي نستعملها هنا. صح؟ انتظري ثانية! يمكنك تذكر ما كان الحال عليه في الرحم؟ بالتأكيد، قالت شهرزاد رافعة رأسها لترى فوق صدره. ألا يمكنك ذلك؟ لا، قال. ليس بإمكانه. إذن سأخبرك في وقت ما عن الحياة في الرحم. “شهرزاد، ثعبان بحر، حيوات سابقة” هذه ما سجله هابارا في يومياته ذلك اليوم. كان يشك بأن أحداً بإمكانه أن يخمن ما كانت تعنيه الكلمات إذا ما وقعت في يده. التقى هابارا بشهرزاد أول مرة منذ أربعة أشهر. كان قد تم نقله إلى هذا المنزل في مدينة ريفية شمال طوكيو، وقد تم تعيينها له باعتبارها “علاقة داعمة”، طالما أنه لا يمكنه الخروج، كان دورها شراء المواد الغذائية وغيرها من المواد المطلوبة وجلبها إلى المنزل. هي أيضاً كانت تتبع أية كتب أو مجلات أعرب عن رغبته في قراءتها، وأية أقراص مدمجة أراد أن يستمع إليها. بالإضافة إلى ذلك فقد اختارت تشكيلة من أقراص الفيديو الرقمية-ولو أنه قد مر بوقت عصيب في قبول معاييرها في الاختيار على هذا الصعيد. بعد وصوله بأسبوع، كما لو أنها كانت الخطوة التالية البديهية، أخذته شهرزاد إلى السرير. كان هناك واقيات ذكرية على الطاولة الجانبية لدى وصوله. هابارا خمن أن الجنس كان واحداً من الواجبات الموكلة إليها-أو ربما “نشاطات داعمة”، بحسب التعبير الذي استعملوه. أياً كان المصطلح، وأياً كانت دوافعها، فهو سيسير مع التيار فقبل عرضها من دون تردد. لم تكن ممارستهما للجنس إلزامية تماماً، ولكن أيضاً لا يمكن القول بأن قلوبهما كانت كلياً فيها. هي بدت أنها على أهبة الاستعداد خشية أن يزداد حماسهما-تماماً مثل معلم القيادة الذي لا يرغب لطلابه أن يكونوا متحمسين كثيراً بشأن قيادتهم. وأيضاً في حين لم تكن ممارسة الحب ما قد تسميه شغفاً، لم تكن بالكامل شبيهة بالعمل، أيضاً. ربما بدأت كواحدة من واجباتها (أو على الأقل كشيء ما كان مشجعاً بشكل قوي) لكن عند حد معين بدت، وإن فقط بشكل صغير، أنها وجدت نوعاً من المتعة فيها. تمكن هابارا من معرفة ذلك عبر عدة طرق محددة دقيقة كان جسدها يستجيب من خلالها، التجاوب الذي أبهجه أيضاً. في النهاية هو لم يكن حيواناً برياً مزروباً في قفص، لكن انساناً مزوداً بحصته من العواطف. والجنس لغرض التفريغ الجسدي لوحده، كان بالكاد يؤديه. كذلك إلى أي حد رأت شهرزاد علاقتهما الجنسية كواحدة من واجباتها وكم تنتمي فعلتها إلى دائرة حياتها الشخصية؟ لم يستطع أن يعرف. هذا كان ينطبق على الأشياء الأخرى أيضاً. كثيراً ما وجد هابارا صعوبة في تفسير شعور شهرزاد ومقاصدها. على سبيل المثال، كانت تلبس سراويل تحتية من القطن العادي معظم الوقت، النوع من السراويل الذي تخيل أن ربات البيوت كن يرتدينه في ثلاثينياتهن دوماً، ولو أن هذا كان تخميناً صرفاً حيث لم يكن لديه معرفة بربات بيوت من ذلك العمر. بعد عدة أيام بأية حال، تحولت إلى السراويل التحتية الملونة وتلك التي من الحرير المزركش، لماذا بدلت بين الاثنين لم يكن لديه فكرة. كان الأمر الآخر الذي أربكه، واقعة أن ممارستهما للحب وروايتها للقصص كانتا مرتبطتين بشكل وثيق. ما جعل من الصعب معرفة أين تنتهي الواحدة وأين تبدأ الأخرى. هو لم يجرب أبداً أي شيء من هذا قبلاً: وبالرغم من أنه لم يحبها والجنس كان بين بين، هو كان مرتبطاً بدنياً بها بشدة، كان كل شيء محيراً بعض الشيء. كنت مراهقة عندما بدأت اقتحام البيوت الفارغة، قالت في أحد الأيام وهما مستلقيان في السرير. هابارا-كما كان حاله غالباً عندما تروى له القصص-وجد نفسه تعوزه الكلمات. هل اقتحمت أبداً بيت شخص ما؟ سألت. لا أظن ذلك، أجاب بصوت جاف. افعلها مرة ولسوف تدمن. لكنه عمل غير قانوني. أنت على حق إنه خطر، لكنك تظل مدمناً مع ذلك. انتظر هابارا بهدوء حتى تكمل. أروع شيء في كونك في منزل شخص آخر عندما لا يكون هناك أحد، قالت شهرزاد، إنه كما ينبغي للصمت أن يكون. ما من صوت. مثل أكثر الأمكنة هدوءاً في العالم. هذا ما شعرت به بأية حال، عندما جلست على الأرض وبقيت ساكنة تماماً، حياتي كثعبان بحر عادت إلي. أخبرتك عن كوني ثعبان بحر في حياة سابقة، صح؟ نعم لقد فعلت. لقد كانت تماماً مثل ذلك. ممصاتي التصقت بالصخرة تحت الماء وجسدي كان يتموج جيئة وذهاباً مثل الأعشاب من حولي. كل شيء هادئ تماماً. ولو أن ذلك قد كان لأنني لا أملك أذنين. في أيام مشمسة، سقط ضوء من السطح كالسهم. انجرفت أسماك من كل الألوان والأشكال من الأعلى. وكان عقلي فارغاً من الأفكار. أقصد، بطريقة أخرى أفكار ثعبان البحر. كان غائماً ولكن صافياً جداً. كان ليكون مكاناً رائعاً. كانت أول مرة اقتحمت فيها شهرزاد منزلاً، تلميذة مستجدة في المدرسة الثانوية، كما أوضحت، وكانت مفتونة افتتاناً جدياً بزميل لها في الصف. ولو أنه لم يكن من النوع الذي بإمكانك أن تسميه وسيماً، كان طويلاً وواضح الملامح، كان طالباً مجتهداً يلعب في فريق كرة القدم، وكانت منجذبة إليه بقوة. لكنه على ما يبدو كان معجباً بفتاة أخرى في صفهما ولم يمنح شهرزاد أي اهتمام. في الواقع، من الممكن أنه كان غافلاً عن وجودها. وبرغم ذلك، لم تستطع أن تتوقف عن التفكير به. كانت مجرد رؤيتها له تبهرها، شعرت أحياناً أنها على وشك أن تتقيأ. إذا لم تفعل شيئاً إزاء ذلك، فكرت. فأنها قد تصاب بالجنون. لكن الاعتراف بحبها كان أمراً مستبعداً. في أحد الأيام، هربت شهرزاد من المدرسة وراحت إلى منزل الفتى. كان على بعد حوالي خمسة عشرة دقيقة سيراً على الأقدام من المكان الذي كانت تسكنه. كانت قد بحثت في حالة عائلته مسبقاً. أمه تدرس اللغة اليابانية في مدرسة في بلدة مجاورة. والده، الذي كان يعمل في شركة إسمنت، قتل في حادث سيارة منذ عدة سنوات. كانت أخته طالبة مستجدة في المرحلة الإعدادية. هذا يعنى أن المنزل لا بد أن يكون فارغاً خلال النهار. من غير المستغرب أن الباب الأمامي كان مقفلاً. تفقدت شهرزاد تحت البساط بحثاً عن المفتاح. كما هو متوقع كان هناك واحداً. المجتمعات السكنية الهادئة في المدن الريفية مثل مدينتهم قلت فيها الجريمة، وكان كثيراً ما يترك مفتاح احتياطي تحت حصيرة أو تحت أصيص للنبات. لتكون في مأمن، رنت شهرزاد الجرس، منتظرة لتتأكد من أنه ما من رد، تفحصت الشارع فيما لو كانت مراقبة، فتحت الباب، ودخلت. أغلقت الباب ثانية من الداخل. خالعة حذاءها، وضعته في كيس بلاستيكي وحشرته في حقيبة ظهرها. ومن ثم صعدت الدرج برفق نحو الطابق الثاني. كانت غرفة نومه هناك، كما تصورت. كان سريره مرتباً بإتقان. كان هناك على رف الكتب مسجلة صغيرة، مع بضعة أقراص مدمجة. على الجدار، كان هناك روزنامة عليها صورة لفريق برشلونة لكرة القدم، وبالقرب منها ما بدا أنه يشبه علماً لفريق، ولا شيء آخر. ما من ملصقات، لا صور، فقط جدار ملون بلون قشدي. ستارة بيضاء معلقة أعلى النافذة. كانت الغرفة مرتبة، كل شيء في مكانه. ما من كتب مبعثرة، ما من ثياب على الأرض. تشهد الغرفة على شخصية ساكنها شديدة التدقيق. أو أيضاً على أم حافظت على منزل مثالي. أو على كليهما. مما جعل شهرزاد متوترة. إذ لديها غرفة مهملة، ما من أحد يمكن أن يلحظ الفوضى القليلة التي قد تصنعها. ولكن في نفس الوقت نظافة الغرفة الشديدة وبساطتها، ترتيبها المثالي، جعلتها سعيدة. لقد كانت تشبهه كثيراً. أنزلت شهرزاد نفسها في كرسي المكتب وجلست هناك لفترة. هذا هو المكان الذي يدرس فيه كل ليلة، فكرت، خفق قلبها. التقطت الأدوات على المكتب واحداً بعد الآخر، جمعتهم بين أصابعها، اشتمتهم، قربتهم من شفتيها. أقلامه، مقصاته، مسطرته، دباسته-الأشياء الأكثر دنيوية أصبحت بطريقة ما مشعة لأنها كانت له. فتحت أدراج المكتب وتفحصت بحذر محتوياتها. كان الدرج الأعلى مقسماً إلى أقسام، كل منها احتوى على أشياء متناثرة وتذكارات. الدرج الثاني كان جاروراً صغيراً يكاد يكون ممتلئاً بدفاتر الملاحظات للدروس التي كان يأخذها في الوقت الحالي، في حين الدرج الذي في الأسفل (الدرج الأكثر عمقاً) كان ممتلئاً بمجموعة متنوعة من الصحف القديمة، الدفاتر، والامتحانات. تقريباً كل شيء كان متعلقاً بالمدرسة أو بكرة القدم. كانت قد تمنت أن تعثر على شيء ما شخصي-يوميات، ربما، أو رسائل-لكن المكتب لم يكن عليه شيء من هذا القبيل. ولا حتى صورة. هذا صدم شهرزاد قليلاً باعتباره غير طبيعي إلى حد ما. ألم يكن لديه حياة بعيداً عن المدرسة وكرة القدم؟ أو أنه أخفى بحذر كل شيء من طبيعة خاصة، حيث لا يمكن لأحد العثور عليه؟ ومع ذلك، مجرد الجلوس إلى مكتبه وتمرير عينيها على كتابات بخط يده أثر بشهرزاد بما يعجز الوصف عنه. من أجل أن تهدئ من روعها، نهضت من على الكرسي وجلست على الأرض. نظرت إلى الأعلى نحو السقف. الهدوء المحيط بها كان مطلقاً. بهذه الطريقة عادت إلى عالم ثعابين البحر. إذن كل ما فعلته، سأل هابارا، كان الدخول إلى غرفته، والمرور بأشيائه، والجلوس على الأرض؟ لا، قالت شهرزاد. كان هناك المزيد. رغبت في أخذ شيء ما أشيائه معي إلى البيت. شيء ما يستعمله كل يوم أو شيء ما قريب من جسده. لكن لم يكن ممكناً أن يكون شيئاً مهماً قد يفتقده. لذا فقد سرقت واحداً من أقلامه. قلم واحد؟ نعم. القلم الذي كان يستعمله. لكن السرقة لم تكن كافية. كان من شأن ذلك أن يجعل منها حالة سطو واضحة. واقعة أنني قمت بذلك ستكون خاسرة. لقد كنت لص حب في آخر الأمر. لص حب؟ لقد بدا لهابارا كعنوان لفيلم صامت. لذا فقد قررت أن أترك شيئاً ما خلفي في بيته، علامة من نوع ما. كدليل على أني كنت هناك. توضيح أن هذا كان تبادلاً، وليست مجرد سرقة. لكن ما ذا ينبغي أن يكون؟ لم يخطر في بالي شيء. بحثت في حقيبة ظهري وجيوبي لكني لم أتمكن من ايجاد أي شيء مناسب. ضربت نفسي لأني لم أفكر بجلب شيء ما مناسب. أخيراً، قررت أن أترك سدادة قطنية[2]. واحدة غير مستعملة، بالطبع، لا تزال في غلافها البلاستيكي. كانت دورتي الشهرية تقترب لذا فقد كنت أحملها معي لأكون في مأمن. أخفيتها في آخر الدرج السفلي، حيث سيكون من الصعب إيجادها. هذا حقيقة أثر بي. حقيقة أن السدادة كانت مكنوزة في درج مكتبه. ربما لأني كنت مستثارة ما جعل دورتي تبدأ تقريباً بعد ذلك حالاً. سدادة مقابل قلم، فكر هابارا. ربما ذلك كان ما عليه تدوينه في يومياته ذلك اليوم: ” لص حب، قلم، سدادة قطنية.” سيود أن يرى ماذا سيفعلون بذلك! لقد كنت هناك في بيته نحو ما يقارب خمسة عشر دقيقة. لم أستطع البقاء مدة أطول من ذلك: قد كانت تجربتي الأولى في التسلل إلى منزل، وكنت خائفة من دخول أي شخص أثناء وجودي هناك. تفحصت الطريق لأتأكد من أن المنحدر كان فارغاً، انزلقت من الباب، أقفلته وأعدت المفتاح إلى مكانه تحت البساط. ومن ثم ذهبت إلى المدرسة. وأنا أحمل قلمه الثمين. صمتت شهرزاد. وعلى ما يبدو، أنها عادت في الزمن وكانت تتصور أشياء عديدة حصلت فيما بعد، واحدة فأخرى. ذلك الأسبوع كان الأسعد في حياتي، قالت بعد توقف طويل. خربشت أشياء عشوائية في دفتري بقلمه. شممته، قبلته، مسحت خدي به، دحرجته بين أصابعي. حتى أني وضعته في فمي أحياناً وقمت بمص رأسه. بالطبع، آلمني أني كلما كتبت به أكثر سيصبح أقصر، لكني لم أستطع منع نفسي. إذا ما صار قصيراً، فكرت، يمكنني دائماً العودة والحصول على آخر. كان هناك مجموعة كاملة من أقلام مستعملة في حاملة الأقلام على مكتبه. هو لن يكون لديه فكرة عن فقدان أحدها. وهو ربما لم يجد بعد السدادة القطنية المحشورة في درجه. تلك الفكرة أثارتني بلا حدود-لقد منحتني إحساساً غريباً قلقاً. لم يعد يؤرقني بعد الآن أنه في العالم الحقيقي لم ينظر إليَّ أبداً أو لم يظهر ما ينبي بأنه كان حتى مدركاً لوجودي. لأني أنا سراً أمتلك شيئاً منه-جزءً منه، كما كان. بعد عشرة أيام، هربت شهرزاد من المدرسة مجدداً وقامت بزيارة ثانية إلى منزل الفتى. كانت الساعة الحادية عشرة صباحاً. كما من قبل، التقطت المفتاح من تحت البساط وفتحت الباب. ثانية، كانت غرفته في ترتيب لا تشوبه شائبة. بادئ ذي بدء، اختارت قلماً مستعملاً كثيراً مهملاً، وبحذر وضعته في حقيبة أقلامها. ومن ثم استلقت بحذر شديد على سريره، يداها مشبوكتان على صدرها، ونظرت إلى السقف. هذا كان السرير الذي ينام عليه كل ليلة. زادت الأفكار من خفقان قلبها، ووجدت من الصعب أن تتنفس بشكل طبيعي. لم تكن رئتاها تمتلئان بالهواء وحنجرتها كانت جافة كعظم، جاعلة من كل نفس مؤلماً. نهضت شهرزاد من على السرير، رتبت الأغطية، وجلست على الأرض، كما فعلت في زيارتها الأولى. نظرت مجدداً إلى السقف. أنا لست مستعدة تماماً لسريره، قالت لنفسها. هذا لا يزال أكثر من اللازم للقيام به. في هذه المرة، أمضت شهرزاد نصف ساعة في المنزل. سحبت دفاتر ملاحظاته من الدرج ونظرت فيها. وجدت تقريراً عن كتاب وقرأته. كان عن رواية “كوكورو” لسوزكي ناتسومي، وظيفة القراءة لذلك الصيف. كان خط يده جميلاً، كما هو متوقع من طالب متفوق، ليس هناك خطأ أو سهو في أي مكان. كانت الدرجة عليه ممتاز. ماذا يمكن أن تكون غير ذلك؟ أي معلم سيقابل بفن الخط بذلك الكمال سوف يمنحه تلقائياً درجة ممتاز، سواء أزعج نفسه بقراءة سطر واحد أم لم يفعل. انتقلت شهرزاد إلى خزانة الأدراج، متفحصة محتوياتها بالترتيب. ثيابه الداخلية، وجواربه. قمصانه وبناطليه. لباسه الخاص بكرة القدم. كانت كلها مطوية بإتقان. لا شيء ملطخ أو مهترئ. هل هو من قام بطيها؟ أو ربما على الأرجح ، أن أمه قد قامت بذلك من أجله؟ شعرت بوخز من الغيرة تجاه أمه، التي يمكنها أن تقوم بتلك الأشياء من أجله كل يوم. انحنت شهرزاد واشتمت الثياب في الأدراج. كانت كلها لها رائحة الغسيل المنعشة وعبق الشمس. أخرجت قميصاً ذي لون رمادي خالص، فردته وضغطته على وجهها. ألا يمكن أن تكون نفحة من عرقه بقيت تحت الذراعين؟ لكن لم يكن هناك شيئاً. ومع ذلك، أبقته هناك لبعض الوقت، تستنشقه بأنفها. لقد أرادت أن تبقي القميص لنفسها. لكن ذلك سيكون مخاطرة كبيرة. كانت ثيابه مرتبه ومثبتة بدقة كبيرة. ربما يعرف هو (أو أمه) العدد الدقيق لقمصانه في الدرج. إذا ما فقد أحدها، قد تثار ضجة كبيرة. أعادت شهرزاد بحذر طي القميص ووضعته في مكانه الصحيح. بدلاً منه، أخذت شارة صغيرة شكلها يشبه كرة القدم وجدت في درج من أدراج المكتب. بدا أنها تعود لفريق من سنوات مدرسته الابتدائية، شكت أنه سيفتقدها. أو على أقل تقدير، سيمر وقت قبل أن يلحظ غيابها، وبينما كانت عنده، تفحصت الدرج السفلي للمكتب بحثاً عن السدادة القطنية. كانت لا تزال هناك. حاولت أن تتخيل ما قد يحصل إذا ما اكتشفت والدته السدادة. ماذا ستفكر؟ هل ستطلب منه شرحاً عما تفعله السدادة في مكتبه؟ أو أنها ستحفظ سر اكتشافها مدورهً شكوكها المظلمة في رأسها مراراً وتكراراً، لم يكن لدى شهرزاد أي فكرة. لكنها قررت أن تدع السدادة حيث كانت، ففي النهاية لقد كانت فعلتها الأولى. لتحيي ذكرى زيارتها الثانية، تركت شهرزاد خلفها ثلاث ضفائر من شعرها. كانت قد انتزعتها في الليلة السابقة، ولفتها في ورقة بلاستيكية، ووضعتها في مغلف صغير. الآن أخذت المغلف من حقيبة ظهرها، زلقته في واحد من دفاتر الرياضيات القديمة في درجه. كانت الشعرات الثلاث مستقيمة وسوداء متوسطة الطول. ما من أحد سيعرف لمن تعود بدون إجراء فحص الحمض النووي، ولو أنه كان واضحاً أنها تعود لفتاة. غادرت منزله وتوجهت مباشرة إلى المدرسة، لتصل في الوقت المناسب إلى صفها الأول ذلك الأصيل. مرة ثانية، كانت مسرورة لمدة ما يقارب عشرة أيام. شعرت بأنه أصبح يخصها بشكل أكبر. لكن كما قد تتوقع، هذه السلسلة من الأحداث لن تنتهي بدون حادث طارئ لأنه كما قالت شهرزاد، التسلل إلى بيوت الآخرين يسبب الإدمان بشكل كبير. عند هذه المرحلة في القصة شهرزاد ألقت بنظرة على الساعة التي بجانب السرير ورأت أنها كانت الساعة 4:32 من بعد الظهر. عليَّ الذهاب، قالت. كما لو أنها تحدث نفسها. قفزت من السرير وارتدت سروالها الداخلي الأبيض، علقت حمالة صدرها، وانزلقت في بنطالها الجينز، وجذبت قميصها النيلي اللون من ماركة NIKE من رأسها، ومن ثم غسلت يديها في الحمام، سرحت شعرها بفرشاة، وانطلقت بسيارتها المازدا الزرقاء. متروكاً بلا شيء لفعله على وجه الخصوص، استلقى هابارا في السرير وأنعم النظر في القصة التي أخبرته إياها لتوها، مستمتعاً بها شيئاً فشيئاً، مثل بقرة تجتر طعامها. أين كانت متجهة؟ تساءل. كما مع كل قصصها، لم يكن لديه فكرة. وجد أنه من الصعب تصور شهرزاد طالبة في المدرسة الثانوية. هل كانت نحيلة حينها، خالية من التهدلات التي تحملها اليوم؟ لباس مدرسي، جوارب بيضاء، شعرها مجدول؟ لم يكن يشعر بعد بالجوع، لذا فقد أجل تحضير الطعام وعاد إلى الكتاب الذي كان يقرأه، لكن ليجد أنه لا يستطيع التركيز. صورة شهرزاد تتسلل إلى غرفة زميلها في الصف وتدفن وجهها في قميصه كانت طازجة جداً في عقله. كان متشوقاً إلى سماع بقية القصة. كانت زيارة شهرزاد التالية إلى المنزل بعد ثلاثة أيام، بعد أن انقضت عطلة نهاية الأسبوع. كما دوماً، أتت تحمل أكياساً كبيرة ورقية متخمة بالمؤن. راحت خلل الأغذية في الثلاجة، معيدة كل المنتهية الصلاحية، وتفحصت السلع المعلبة والزجاجات في الخزانة، ومتفحصة المؤونة من البهارات والتوابل، لترى ما الذي على وشك النفاذ، وكتبت قائمة التسوق. وضعت بعض زجاجات مياه معدنية في الثلاجة لتبرد. أخيراً، كومت بعض الكتب الجديدة وأقراص الفيديو التي جلبتها معها على الطاولة. هل هناك شيء آخر تحتاجه أو تريده؟ لا يمكنني التفكير بأي شيء، أجاب هابارا. ثم كما في كل مرة، ذهب الاثنان إلى السرير ومارسا الجنس. بعد قدر مناسب من المداعبات، زلق واقيه الذكري، وولجها، وبعد قدر مناسب من الوقت، قذف. بعد الإلقاء بنظرة محترفة على محتويات واقيه، بدأت شهرزاد بالدفعة الأخيرة من قصتها. كما من قبل، شعرت بسعادة وامتلاء لمدة عشرة أيام بعد تسللها الثاني. أخفت شارة كرة القدم بعيداً في حقيبة أقلامها ومن وقت لآخر كانت تتحسسها أثناء الدرس. قضمت القلم الذي أخذته ولحست رأسه. طوال الوقت كانت تفكر بغرفته. فكرت بمكتبه، السرير حيث ينام، خزانة الأدراج المحشوة بثيابه، سراويله القصيرة الناصعة البياض، والسدادة والثلاث ضفائر التي أخفتها في درجه. لقد فقدت كل اهتمام بوظائفها المدرسية. في الصف، أيضاً عبثت بالشارة وبالقلم وانغمست في أحلام اليقظة. عندما تعود إلى البيت، لم تكن في حالة ذهنية مناسبة لحل وظائفها. لم تكن علامات شهرزاد المدرسية تعاني من مشكلة أبداً. لم تكن طالبة متفوقة لكنها كانت فتاة جدية تنجز مهامها دوماً. لذا فعندما نادى عليها معلمها في الصف لم تكن قادرة على تقديم جواب ملائم، كان مشوشاً أكثر مما هو غاضب. أخيراً، دعاها إلى غرفة المعلمين أثناء استراحة الغداء. ماهي المشكلة. سألها. هل هناك ما يزعجك؟ استطاعت فقط أن تهمهم بشيء مبهم عن شعورها بأنها ليست على ما يرام. سرها كان ثقيلاً جداً ومظلماً بحيث لن تتمكن من كشفه إلى أي كان-كان عليها أن تحمله وحدها. عليَّ أن أواصل التسلل إلى منزله، قالت شهرزاد. كنت مضطرة إلى ذلك. كما يمكنك أن تتخيل، لقد كان خطراً جداً. حتى أنا يمكنني رؤية ذلك. عاجلاً أم آجلاً، شخص ما سيجدني هناك وسيتم استدعاء الشرطة، الفكرة أخافتني حتى الموت لكن ما أن بدأت الكرة بالتدحرج لم يكن هناك من طريقة لإيقافها. بعد مرور عشرة أيام من زيارتي الثانية، رحت إلى هناك مجدداً لم يكن لدي خيار. شعرت بأني إذا لم أفعل سأنتهي نهاية قاتمة. إذا عدنا الى الوراء، أظن حقيقة أنني كنت مجنونة بعض الشيء. ألم يتسبب لك هذا بمشاكل في المدرسة، الهرب من الصف غالباً؟ سأل هابارا. كان لوالدي عملهما، لذا فقد كانا منشغلين جداً عن منحي كبير اهتمام. لم أتسبب أبداً بأية مشكلة من قبل، لم أتحدَّ سلطتهما مطلقاً. فبالتالي حسبا أن نهج عدم التدخل كان أفضل. تزييف الملاحظات إلى المدرسة كان جزءاً من المهمة. لقد شرحت لمعلمي أن لدي مشكلة صحية تتطلب مني قضاء نصف اليوم في المستشفى من وقت لآخر. طالما أن المعلمين كانوا يجهدون فكرهم فيما عليهم فعله تجاه الأولاد الذين يتغيبون عن المدرسة لوقت طويل فلم يكونوا منشغلين كثيراً بقضائي نصف يوم من حين لآخر. رمت شهرزاد بنظرة سريعة على الساعة بجانب السرير قبل أن تكمل. أخذت المفتاح من تحت البساط ودخلت المنزل للمرة الثالثة. لقد كان هادئاً كما من قبل-لا، حتى أكثر هدوءً لسبب ما. لقد أُثرتُ عندما دارت الثلاجة-لقد بدت مثل وحش كبير يتنهد. رن الهاتف عندما كنت هناك. كان صوت الرنين عالياً جداً ومزعجاً حتى فكرت أن قلبي سيتوقف. كنت مكسوة بالعرق. ما من أحد رد بالطبع، وتوقف بعد حوالي عشر رنات، وصار المنزل أكثر هدوءً بعدئذ. أمضت شهرزاد وقتاً طويلاً ممددة على سريره ذلك اليوم. لم يخفق قلبها هذه المرة بعنف شديد، وكانت قادرة على التنفس بشكل طبيعي. استطاعت أن تتخيله نائماً في سلام بجانبها، وتشعر أيضاً كما لو أنها كانت ترقبه وهو نائم. لقد شعرت بذلك، إذا ما مدت يدها فبإمكانها أن تلمس ذراعه المفتول. هو لم يكن هناك بالقرب منها، بالطبع. كانت مستغرقة فقط في غشاوة أحلام اليقظة. لقد شعرت بتوق لا يقاوم في أن تشمه. نهضت من السرير ومشت نحو خزانة الأدراج، فتحت واحداً، وتفحصت القمصان في الداخل. كانت كلها مغسولة ومطوية بعناية. كانت نقية وخالية من الرائحة تماماً مثلما كانت سابقاً. ومن ثم أعجبتها الفكرة. ركضت تهبط الدرج إلى الطابق الأول. هناك في الغرفة بجانب الحمام، وجدت سلة الغسيل وأزالت الغطاء، كانت الثياب المتسخة مختلطة معاً لأفراد العائلة الثلاثة، الأم، الابنة، والابن. مظهرها يوحي أنه مضى عليها يوم واحد. أخرجت شهرزاد قطعة ثياب رجالية. قميصاً أبيض بياقة بحار. تنشقته. رائحة الشاب واضحة. نفس العفونة التي اشتمتها من قبل عندما كان رفيقها بالقرب منها. ليس العطر المتألق بالتأكيد. لكن حقيقة أن هذه الرائحة كانت له جعلت شهرزاد في فرح لا حد له. عندما وضعت أنفها بالقرب من الابطين واشتمت، شعرت كما لو أنها كانت في حضنه، ذراعاه تلفانها بشدة. القميص في يدها، صعدت شهرزاد الدرج إلى الطابق الثاني واستلقت على سريره مرة ثانية. دفنت وجهها في قميصه وتنشقته بطمع. أمكنها في ذلك الوقت أن تشعر بإحساس خائر في الجزء السفلي من جسدها. كانت حلمتاها تتصلبان أيضاً. هل يمكن أن دورتها الشهرية في الطريق؟ لا، لقد كان الوقت مبكراً جداً. هل كانت هذه رغبة جنسية؟ إذا كانت كذلك إذن ماذا بإمكانها أن تفعل حيالها؟ لم يكن لديها فكرة. كان أمراً واحداً بالتأكيد، مع ذلك-لم يكن بالإمكان فعل شيء في ظل هذه الظروف. ليس هنا في غرفته على سريره. في النهاية، قررت شهرزاد أن تأخذ القميص معها. كانت مخاطرة، بالتأكيد. كان من المحتمل أن تكتشف أمه اختفاء القميص. حتى لو لم تدرك أنه مسروق، ستظل تتساءل عن غيابه. أي أم تحافظ على نظافة منزلها بهذا الشكل، كان لا بد أن تكون موسوسه من الدرجة الأولى بالأناقة. عندما يفقد شيء، ستبحث في المنزل من الأعلى إلى الأسفل، مثل كلب الشرطة، حتى تجده. بلا شك ستكتشف آثار شهرزاد في غرفة ابنها الغالي. لكن حتى ومع فهم شهرزاد لذلك، لم ترغب أن تنفصل عن القميص. عقلها كان عاجزاً عن إقناع قلبها. وبدلاً من ذلك، بدأت بالتفكير بما عليها أن تترك خلفها. بدا سروالها الداخلي الخيار الأفضل. كان من نوع عادي، بسيطاً، جديد نسبياً، ونضراً في صباح ذلك اليوم. كان باستطاعتها أن تخفيه في الخلف جداً من خزانته. هل من الممكن أن يكون هناك أي شيء أكثر ملائمة لتركه كبديل؟ لكن عندما خلعته كان المنشعب رطباً. أظن أن هذا بسبب الرغبة، أيضاً، فكرت. سيكون من الصعب ترك شيء ما ملوث برغبتها في غرفته. لن تهين سوى نفسها. لبسته مجدداً وبدأت بالتفكير بشيء آخر تتركه. قطعت شهرزاد قصتها. لوقت طويل لم تقل كلمة. استلقت هناك تتنفس بهدوء وعيناها مغمضتان. إلى جانبها هابارا، اقتدى بها منتظراً منها أن تتابع. أخيرا فتحت عينيها وتكلمت. هيه سيد هابارا، قالت. لقد كانت المرة الأولى التي تخاطبه فيها باسمه. نظر هابارا إليها. هل تفكر أنه باستطاعتنا أن نفعلها مرة ثانية؟ أظن أنه بإمكاني تدبر ذلك، قال. لذا فقد مارسا الحب ثانية. ولو أنه هذه المرة كان مختلفاً جداً عن المرة السابقة. عنيفاً، شغوفا ومطولاً. كانت نشوتها في النهاية لا لبس فيها. سلسلة من تشنجات قوية تركتها ترتجف. حتى وجهها كان مقلوباً. بالنسبة لهابارا كان مثل التقاط لمحة موجزة عن شهرزاد في شبابها: كانت المرأة بين ذراعيه الآن فتاة مشوشة بعمر سبعة عشر عاماً، من أصبحت بطريقة ما واقعة في فخ الجسد الذي لربة بيت بعمر الخامسة والثلاثين. استطاع هابارا أن يشعر بها هناك، عيناها مغمضتان، جسدها يرتعد، تستنشق عطر قميص الفتى المبتل بالعرق ببراءة. هذه المرة، لم ترو له شهرزاد قصة بعد الجنس. ولم تتفحص محتوى الواقي الذكري. استلقيا هناك بهدوء جنباً إلى جنب. كانت عيناها مفتوحتين باتساع، وكانت تحدق إلى السقف مثل ثعبان البحر الذي يحدق إلى أعلى نحو السطح البراق للماء. كم سيكون رائعاً، فكر هابارا، إذا ما استطاع هو أيضاً أن يسكن زماناً ومكاناً آخرين. تاركاً هذا الكائن الوحيد، المحدد بوضوح، المسمى نوبوتاكا هابارا خلفه، ويصبح ثعبان بحر بلا اسم. تصور نفسه وشهرزاد جنباً إلى جنب، ممصاتهما ملتصقة بالصخرة، أجسادهما تتموج في التيار، محدقين بالسطح وهما ينتظران مرور السلمون السمين وهو يسبح معتداً بنفسه. إذن فما الذي تركته بدلاً عن القميص، هابارا كسر الصمت. لم تجب في الحال. لا شيء، قالت أخيراً. لا شيء آخذه معي يمكن أن يضاهي ذلك القميص برائحته. لذا فقد أخذته فقط وتسللت خارجة. وفي هذا الوقت صرت لصة، نقية وبسيطة. عندما عادت شهرزاد بعد أحد عشر يوماً إلى منزل الفتى للمرة الرابعة، كان هناك قفلاً جديداً على الباب الأمامي، بلون ذهبي يلتمع في شمس الظهيرة كما لو أنه يتباهى بثباته العظيم. ولم يكن هناك مفتاح تحت البساط. من الواضح أن شكوك أمه قد استثيرت بفقدان القميص، هي لا بد أنها بحثت في كل مكان، مصادفة إشارات أخرى تخبر عن شيء ما غريب يجري في منزلها. غرائزها كانت سديدة، رد فعلها سريع. كانت شهرزاد بالطبع مخيبة بهذا التطور، لكن في الوقت نفسه شعرت بأنها مرتاحة. لقد كان كما لو أن شخصاً وقف خلفها ومحا ثقلاً كبيراً عن كاهليها. هذا يعني أنه ليس عليَّ اقتحام هذا المنزل، فكرت. لم يكن هناك شك بأنه لو لم يتم تغيير القفل، فإن اجتياحاتها ستتواصل بلا حدود. ولا كان هناك أي شك بأن تصرفاتها ستتصعد مع كل زيارة. أخيراً، سيظهر عضو من العائلة وهي في الطابق الثاني. وسوف لن يكون هناك وسيلة للهرب، ما من طريقة لتخرج نفسها من ورطتها، هذا كان المستقبل الذي ينتظرها عاجلاً أم آجلاً، بالنتيجة ستكون مدمرة. الآن استطاعت تفاديه، ربما عليها أن تشكر أمه -ولو أنها لم تلتق المرأة أبداً-لأن لها عينين كعيني الصقر. كانت شهرزاد تتنشق شذا قميصه في كل ليلة قبل أن تأوي إلى السرير. تنام وهو بالقرب منها. تغطيه بورقة وتخفيه قبل أن تغادر إلى المدرسة في الصباح. ومن ثم بعد العشاء، تجذبه لتلامسه وتتنشقه. لقد قلقت من أن رائحته قد تتلاشى مع مرور الأيام، لكن هذا لم يحصل، رائحة عرقه تخللت القميص جيداً. الآن والمزيد من الاقتحامات لم تعد واردة، بدأت حالة شهرزاد العقلية بالعودة ببطء إلى طبيعتها. وصارت تحلم أحلام اليقظة في الصف بشكل أقل، وبدأت بتدوين كلمات معلمها. مع أن تركيز ها الرئيسي لم يكن على صوت معلمها، لكن على سلوك زميلها. أبقت عينها مدربة بتحفظ عليه، محاولة تتبع التغيير، أي إشارة على الإطلاق قد تبدو عصبية نحو شيء ما. لكن كل شيء كان كما عهدته، يرمي برأسه إلى الخلف ويضحك ببساطة كما كان دائماً، ويجيب فوراً عندما يستدعى، يصيح بصوت عال في تمرين كرة القدم ويتعرق. لم تستطع أن تقتفي أثر أي شيء غير عادي-ليس سوى شاب مستقيم يعيش حياة صافية كما يظهر. ومع ذلك عرفت شهرزاد ظلاً واحداً كان يهدده. أو شيئاً ما قريباً من ذلك. لم يعرفه أحد آخر على الأرجح. فقط هي (ولنفكر فيه، ربما أمه). صادفت في ثالث تسلل لها عدداً من المجلات الإباحية مخفية ببراعة في أقصى مكان في خزانته. كانت ملأى بصور لنساء عاريات، يفردن سيقانهن ويوفرن مشاهداً سخية لأعضائهن. بعض الصور مثلت العملية الجنسية: رجال يدخلون قضبانهم الطويلة في أجساد الإناث في أكثر الوضعيات غرابة. لم تقع عينا شهرزاد أبداً على صور مثل هذه من قبل. جلست إلى مكتبه وقلبت ببطء صفحات المجلات متفحصة كل صورة باهتمام كبير. خمنت أنه كان يستمني أثناء رؤيته لها، لكن الفكرة لم تصدمها باعتبارها غريبة بشكل خاص، لقد تقبلت الاستمناء بوصفه نشاطاً عادياً تماماً، لا بد لكل ذلك المني أن يذهب إلى مكان ما، تماماً مثل الفتيات اللاتي لديهن الدورة الشهرية، بتعبير آخر، لقد كان مراهقاً نموذجياً، ليس بطلاً ولا قديساً. وجدت شيئاً ما مريحاً في معرفة ذلك. عندما توقفت عن التسلل، بدأ شغفي به يبرد لقد كان تدريجياً مثل المد الذي ينحسر عن شاطئ طويل منحدر. وجدت نفسي أشم قميصه بقدر أقل، وأمضي وقتاً أقل في الاهتمام بقلمه، وشارته. كانت الحرارة تمضي. ما كنت أضيق به لم يكن شيئاً مثل مرض، لكن أمر حقيقي. طالما بقي لم أستطع التفكير بشكل سليم. ربما مر كل شخص بفترة مجنونة مثل تلك مرة، أو ربما أنه كان أمراً حدث لي أنا فقط. ماذا عنك هل عشت شيئاً مثل ذلك في حياتك؟ حاول هابارا التذكر، لكنه لم يستطع. لا، لا شيء بهذه الشدة، لا أظن، قال. بدت شهرزاد محبطة برده نوعاً ما. بأية حال نسيت أمره بالكامل حالما تخرجت. بسرعة كبيرة وبسهولة، لقد كان غريباً. ما الذي كان من أمره لأقع بعمر السابعة عشرة بتلك الشدة؟ أحاول قدر استطاعتي، لا أستطيع التذكر. الحياة غريبة، أليست كذلك؟ يمكن لك أن تكون مفتوناً كلياً بشيء ما في دقيقة، تكون راغباً بالتضحية بكل شيء لتجعله ملكاً لك، لكن بعد أن يمر وقت قليل، أو تتغير وجهة نظرك قليلاً، حتى تصاب بالصدمة من تلاشي هذا الوهج بشكل مفاجئ كلياً. ما الذي كنت أنظر اليه؟ تتساءل. إذن فهذه هي قصتي عن فترة ” الاقتحام والدخول”. لقد جعلت من ذلك يبدو مثل فترة بيكاسو الزرقاء، فكر هابارا. لكنه فهم ما كانت تحاول إيصاله. نظرت إلى الساعة المجاورة للسرير، لقد كان قد حل تقريباً وقت مغادرتها. لأقل الحقيقة، قالت أخيراً. القصة لم تنته هناك، بعد عدة سنوات عندما كنت في سنتي الثانية في مدرسة التمريض، ضربة غريبة من القدر جمعتنا مجدداً، لعبت أمه دوراً كبيراَ في ذلك، في الواقع كان هناك شيئاً غريباً يلف الأمر برمته. لقد كان كواحدة من قصص الأشباح القديمة تلك، أخذت الأحداث منحىً لا يصدق. هل تود سماعها؟ أحب ذلك، قال هابارا. من الأفضل أن أنتظر حتى زيارتي المقبلة، قالت شهرزاد. الوقت يداهمني، عليَّ التوجه إلى البيت وإعداد العشاء. نهضت من السرير وارتدت ملابسها، السروال، الجوارب، قميصها الداخلي، أخيراً تنورتها وقميصها الخارجي. راقب هابارا حركاتها كيفما اتفق، من السرير. لقد أعجبته الطريقة التي تلبس بها المرأة ملابسها، والتي يمكن أن تكون أكثر إثارة للاهتمام من الطريقة التي تخلعها بها. هل من كتب بعينها تود مني أن آتيك بها، سألت وهي تخرج من الباب. لا، لا يمكنني التفكير بشيء، أجاب. ما رغب به حقيقة، فكر. كان أن تخبره ببقية القصة. لكن لن يفصح عن ذلك، فهذا الفعل قد يجعل حظوظه في سماعها في خطر. أوى هابارا إلى السرير تلك الليلة، وفكر بشهرزاد. ربما لن يراها ثانية أبداً، هذا ما شغله. كان الاحتمال جد حقيقي. لا شيء ذو طبيعة شخصية-لا تعهد، لا تفاهم ضمني-يجمعهما معاً. كانت علاقتهما علاقة بالمصادفة صنعها شخص آخر، وقد يتم إنهاؤها وفقاً لرغبة ذلك الشخص بمعنى آخر كانا مربوطين بخيط واهٍ، لقد كان من المحتمل، لا، من المؤكد-أن ذلك الخيط سينقطع في النهاية، وكل المرويات الغريبة والغير مألوفة التي يجب أن تقال، ستكون مفقودة بالنسبة إليه، السؤال الوحيد كان متى. لقد كان من الممكن أيضاً أنه قد يحرم في مرحلة ما من كامل حريته، في هذه الحالة ليست شهرزاد فقط، لكن كل النساء ستختفين من حياته، ولن يكون بمقدوره أبداً ولوج رطوبة أجسادهن الدافئة. لن يكون باستطاعته مجدداً أبداً أن يشعر بقشعريرتهن بالمقابل، ربما كان الاحتمال الأكثر بؤساً لهابارا من انقطاع النشاط الجنسي، بأية حال، خسارة اللحظات الحميمة المشتركة. كان ما قدمه له الوقت الذي قضاه مع نساء، هو إمكانية أن تكون محتضناً من قبل الواقع، من ناحية، في حين تنكره كلياً، من ناحية أخرى. ذلك كان شيئاً ما قدمته شهرزاد بوفرة حقاً، كانت موهبتها لا تنضب، توقع الفقد جعله أكثر حزناً. أغلق هابارا عينيه وتوقف عن التفكير بشهرزاد، وبدلاً من ذلك فكر بثعابين البحر. بالمخالب التي تلصقها ثعابين البحر على الصخرة، مختفية بين أعشاب الماء، تتأرجح جيئةً وذهاباً في التيار. تخيل أنه كان واحداً منها ينتظر ظهور السلمون. لكن لم يمر أي س
يقرأ أيضاً
المراجعات
💬
لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!







