تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب ستونر
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

ستونر

3.0(٠ تقييم)١ قارئ
عدد الصفحات
٣٠٤
ISBN
9789938880397
المطالعات
١٬٦٥٧

عن الكتاب

كان ثمة نعومة تحيط به. وسرى في أطرافه خدر. انتابه فجأة شعور قوي بهويته، لمس طاقته. كان نفسه، وكان يعرف ما هو عليه. أدار رأسه. على الطاولة المجاورة لفراشه أكداس من كتب لم يلمسها منذ وقت طويل. ترك يده تلعب عليها لوقت، تعجب من نحول الأصابع، من الأداء المعقد للمفاصل وهو يثنيها. شعر بالقوة بداخلها وتركها تسحب كتاباً من الكتب المرصوصة على طاولة الفراش. كان كتابه، وحين حملته اليد ابتسم للغلاف الأحمر المألوف الذي أبلاه الزمن.

عن المؤلف

جون ويليامز
جون ويليامز

ولد جون ويليامز الكاتب عام ١٩٢٢ وتوفي عام ١٩٩٤، كتب روايتين هما ستونر واغسطس، ترجمت ستونر للعربية عن دار أثر للمترجمة ايمان حزر الله.

اقتباسات من الكتاب

رأى وليم ستونر في أوج شبابه الحبَ حالةً من الوجود المطلق لا يبلغها إلا كل محظوظ، وفي سنين نضجه رأى الحبَ فردوسَ دين زائف على المرء أن يحدق إليه بجحود لاهٍ وازدراء مألوف برفق وحنين مُحرَج. أما الآن في خريف عمره فقد بدأ يدرك أن الحب ليس نعمة ولا وهماً، بل فعلَ صيرورة إنساني وشرطاً مختلقاً ومعدلاً لحظة فلحظة ويوماً بعد آخر بالتصميم والنهى والقلب. أمضى الساعات في مكتبه يحدق من النافذة إلى المنظر المتألق والخاوي إزاء نظرته الفارغة برفقة كاثرين. كان يذهب في الصباح الباكر إلى مكتبه ويجلس ضجراً مدة لا تزيد عن عشر دقائق أو ربع ساعة، ثم غير قادر على إحراز الراحة، يطوف خارجاً من مبنى جيسي هول ويعبر الحرم الجامعي نحو المكتبة حيث يتصفح الأكداس عشر دقائق أو ربع ساعة أخرى. وأخيراً، كأنها لعبة لعبها مع نفسه، يخلص نفسه من حالة الانتظار المفروضة ذاتياً، يخرج من باب المكتبة الجانبي سالكاً طريقه نحو المنزل الذي تعيش فيه كاثرين. كثيراً ما كانت تعمل حتى وقت متأخر في الليل، وفي بعض الأصباح عندما يأتي إلى شقتها كان يجدها مستيقظة لتوها وقد منحها النوم دفئاً وشهوانية، عارية تحت الروب الأزرق الداكن الذي ألقته عليها لتفتح الباب. في مثل هذه الأصباح غالباً ما كانا يمارسان الحب قبل أن يتحدثا، يذهبان إلى السرير الضيق الذي لا يزال مشعثاً وحاراً من نوم كاثرين. كان جسدها طويلاً ناعماً وعاتياً برفق، انبعثت الحياة في يده الخرقاء عندما مست ذلك اللحم. بدا له جسدها مراراً مثل كنز دفين أؤتمن عليه، حرك أصابعه الغليظة على بشرة الفخذين والبطن الوردية الباهتة الندية وعجب من الرهافة البسيطة لنهديها الصغيرين الصلبين. خطر له أنه لم يعرف قطّ من قبل جسد الآخر، وأدرك أن هذا هو السبب الذي فصل ذات الآخر عن الجسد الذي حمل تلك النفس. وخطر له أخيراً بحتمية المعرفة أنه لم يعرف قطّ إنساناً بحميمية أو بثقة أو بدفء الالتزام الإنساني. تحدثا كثيراً عن نفسيهما كما يفعل العشاق وكأنهما أرادا بذلك فهم العالم الذي أجازهما. قالت كاثرين مرة:” يا إلهي! كم كنت أشتهيك! كنت أراك واقفاً أمام الطلاب في القاعة عظيماً جداً ومحبوباً ومربكاً، وكنت أشتهيك بعنف إلى حد ما. لم تعرف أبداً، هل فعلت؟” قال وليم: “لا، ظننتك سيدة شابة وقورة جداً.” ضحكت مغتبطة ” وقورة حقاً!” رصنت قليلاً وابتسمت للذكرى المستعادة” أظن أنني فكرت أني كذلك أيضاً. أوه، كم نبدو لأنفسنا وقورين عندما لا يكون هناك سبب لنكون غير ذلك! عليك أن تحب لتتعرف إلى نفسك. أحياناً أشعر معك بأنني مومس العالم، مومس تواقة مخلصة للعالم. هل يبدو لك هذا وقاراً؟” “لا” قال وليم مبتسماً، ومد يده إليها.” تعالي إلى هنا.” علم وليم أنها كانت في آخر سنواتها الجامعية على علاقة انتهت نهاية سيئة بالدموع والمهاترات والخيانات. ” انتهت أغلب العلاقات نهاية سيئة” قالت، وشملتهما لحظة كآبة. صُدم وليم لعلمه بعلاقتها العاطفية السابقة، أدرك أنهما لم يوجدا حقيقة قبل أن يلتقيا معاً. قالت:” لقد كان فتى خجولاً، مثلك نوعاً ما كما أظن، غير أنه كان لاذعاً وخائفاً ولم يتسن لي قطّ أن أعرف سبب خوفه. كان ينتظرني في نهاية ممر بيت الطلبة تحت شجرة كبيرة؛ لأن خجله الشديد كان يمنعه من التقدم بين الحشود. كان يقطع أميالاً في الريف إلى حيث لا يرانا أحد، لكننا لم نكن معاً بالفعل، حتى عندما كنا نمارس الحب.” كاد ستونر أن يرى هذه الصورة المبهمة التي لم يكن يعرف لها وجهاً أو اسماً، تحول شعوره بالصدمة إلى حزن، وشعر بشفقة سخية على فتى مجهول أبعد عنه بمرارة غامضة ضائعة ما يملكه ستونر الآن. كان يتمدد بين الحين والآخر_ في التكاسل الناعس عقب مضاجعتهما_ وهو يشعر بجريان لطيف ومتئد لشعور وفكر وئيدين، لم يعرف في ذلك الإحساس إن كان قد تكلم بصوت مرتفع أو أدرك الكلمات التي انتهى إليها كلّ من الإحساس والفكر. حلم بالكمال وبعوالم يمكنهما فيها أن يكونا معاً دوماً، وآمن إلى حد ما بإمكانية تحقق حلمه. قال:” ماذا؟ قد يكون إذا..” وراح يؤسس إمكانية ليست أكثر جاذبية من الحالة التي وُجدا بها إلا بصعوبة. كان لدى كل منهما معرفة غير مفصح عنها بالإمكانيات التي تخيلاها وتوسعا بها، كانت لمحات من الحب والاحتفاء بالحياة التي يعيشانها معاً الآن. لم يتخيل أي منهما الحياة التي عاشاها معاً حقيقةً. انتقلا من العاطفة إلى الشبق إلى شهوانيةٍ عميقةٍ تتجدد من لحظة إلى أخرى. قالت كاثرين مرة:” شبق وتعلُّم، هذا حقيقة كل ما في الأمر، أليس صحيحاً؟” بدا ذلك لستونر عين الحقيقة وأنه من الأمور التي تعلمها. لأن حياتهما معاً في ذلك الصيف لم تكن كلها مضاجعة ومحادثة؛ تعلما أن يكونا معاً بصمت واعتادا الرقاد، جلب ستونر كتباً إلى شقة كاثرين وتركها إلى أن كان لزاماً عليهما أخيراً تركيب مكتبة إضافية لها. في الأيام التي أمضياها معاً وجد ستونر نفسه يعود إلى الدراسات التي هجرها، وواصلت كاثرين العمل على الكتاب الذي سيشكل أطروحتها. كانت تجلس ساعات دون انقطاع إلى المكتب الصغير قبالة الجدار، تحني رأسها بتركيز شديد على كتب وأوراق، يتقوس عنقها الشاحب النحيل وينساب من روب أزرق داكن ترتديه عادةً في حين يتمدد ستونر في الكرسي أو يضطجع على السرير في تركيز مشابه. كانا يرفعان بصريهما أحياناً عن دراستهما، يتبادلان الابتسام ويعودان إلى القراءة، أحياناً قد يرفع ستونر بصره عن كتابه ويحدق إلى انحناءة ظهر كاثرين الرشيقة وإلى العنق النحيل حيث خصلة ملولبة من الشعر تسقط دوماً، ثم تعتريه رغبة بطيئة هينة كمهدئ، وقد ينهض ليقف خلفها ويلقي ذراعيه بخفة على كتفيها، فتستقيم وتعيد رأسها إلى الخلف على صدره، وتتقدم يداه نحو الروب الفضفاض وتمس برفق نهديها، ثم يمارسان الحب ويضطجعان لحظات بهدوء، ويعودان إلى دراستهما، كأن حبهما وتعلمهما يشكّلان عملية واحدة. كان ذلك واحداً من الأمور الغريبة _سمياها “أحكاماً جاهزة”_ التي تعلماها ذلك الصيف. نشأا على تقليد مفاده-بشكل أو بآخر-أن كلاً من حياة العقل وحياة الحواس منفصلتان ومتعاديتان حقاً، آمنا دون أن يفكرا حقيقة بذلك أبداً أن واحدة مختارة على حساب الأخرى ولم يخطر لهما أن بوسع الواحدة أن تقوي الأخرى. وبما أن التجسد جاء قبل إدراك الحقيقة، بدا اكتشافاً يخصهما وحدهما. بدأا بتجميع هذه الأمور الغريبة عن “الأحكام الجاهزة” وكنزاها مثل ثروات كانت عوناً في عزلهما عن العالم الذي قد يقدم لهما هذه الآراء، وشدتهما بعضاً إلى بعض قليلاً لكن على نحو مؤثر، غير أن ستونر أدرك أمراً غريباً آخر لم يفاتح كاثرين به كان بشأن علاقته بزوجته وابنته. كانت العلاقة وفقاً “للأحكام الجاهزة” لابد أن تسوء باطراد فيما قد يصفه “الحكم الجاهز” استمرار “علاقته الغرامية”، لكن هذا لم يحدث، بل على العكس بدا أنها تتحسن بثبات؛ فغيابه المطول بعيداً عما لا يزال يسميه “بيتاً” جعله أكثر قرباً من إديث وجريس مما كان خلال سنوات. بدأ يشعر تجاه إديث بحميمية غريبة تكاد تكون حباً وتبادلا الأحاديث بين الحين والآخر عن أمور عامة. خلال ذلك الصيف نظفت الشرفة المزججة وأصلحت الضرر الذي أحدثه سوء الطقس ووضعت فيها سريراً نهارياً، فلم يعد مضطراً إلى النوم في غرفة الجلوس. وأحياناً كانت تجري اتصالاتها مع الجيران في نهاية الأسبوع وتدع جريس برفقة أبيها فقط. كانت إديث تطيل غيابها عن البيت أحياناً فيصحب ابنته في نزهات في الريف بعيداً عن البيت، خفّ تحفظ جريس الشديد الحذر، وابتسمت بين آن وآخر بهدوء وسحر. كبرت بسرعة في السنة الأخيرة وكانت شديدة النحول. لم يستطع تذكير نفسه بخداعه لإديث إلا بجهد إرادي. كان جزءا حياته منفصلين كما تكون الأجزاء المنفصلة ومع أنه كان مدركاً ضعف قدراته في التفكر الذاتي وقدرته على خداع الذات فلم يتمكن من حمل نفسه على الاعتقاد أنه كان يؤذي شخصاً يشعر تجاهه بالمسؤولية. لم يكن يتقن المواربة ولم تنتابه رغبة في إخفاء علاقته بكاثرين دريسكول أو في كشفها في العلن. لم يبد ممكناً له أن أي شخص قد يدرك علاقتهما أو حتى يكون مهتماً بها. وبناء على ذلك شعر بصدمة مبهمة عميقة عندما اكتشف في نهاية الصيف أن إديث تعرف أمر العلاقة منذ البداية تقريباً. ذات صباح تحدثت عنها دون اكتراث وهو جالس يرتشف قهوته الصباحية ويثرثر مع جريس. تحدثت إديث بشيء من الحدة قائلة لجريس أن تكف عن تضييع الوقت وتنهي تناول فطورها؛ لأن عليها أن تتمرن ساعة على البيانو قبل أن تتمكن من تبديد الوقت. راقب وليم هيئة ابنته النحيلة المتصلبة وهي تخرج من غرفة الطعام وانتظر بذهول إلى أن سمع أولى النغمات الطنانة تصدر عن البيانو القديم. قالت إديث بشيء من الحدة في صوتها: “حسناً، تأخرت قليلاً هذا الصباح، أليس كذلك؟” التفت وليم نحوها متسائلاً، ظل التعبير الساهي مرتسماً على وجهه. قالت إديث:” ألن تغضب زميلتك الصغيرة إذا تركتها تنتظر؟” شعر بخدر في شفتيه، سأل:” ماذا؟ ما ذلك؟” ” أوه، ويلي” قالت إديث وضحكت بخفة.” هل تظن أنني لا أعرف نزوتك الصغيرة؟ لماذا؟ أعرف كل شيء. ما اسمها؟ سمعته لكني نسيته.” في صدمته وتشوشه لم يلتقط عقله إلا كلمة واحدة، وعندما تحدث بدا له صوته منزعجاً بعصبية:” أنت لا تفهمين، ليس هناك نزوة، كما دعوتها. إنها..” ” أوه، ويلي” قالت وضحكت مجدداً” تبدو شديد الإرباك. أوه، أعرف كل شيء عن هذه الأمور. رجل في مثل عمرك وكل شيء. هذا طبيعي، كما أظن. على الأقل قالوا إنه كذلك.” صمت لحظة ثم قال على مضض:” إديث، إذا كنت تريدين التحدث عن هذا..” “لا!” قالت وبعض الخوف في صوتها.” لاشيء للتحدث عنه. لاشيء على الإطلاق.” ولم يتحدثا عنه لا في حينه ولا بعدئذٍ. تمسكت إديث أغلب الوقت بفكرة أن عمله هو ما يبعده عن البيت، لكنها أحياناً كانت تتحدث ذاهلة تقريباً بالمعرفة التي كانت دوماً في مكان ما في أعماقها. وفي أحيان أخرى تتحدث مثل امرأة لعوب، بشيء من الغيظ، وتارة تتحدث دون شعور قطّ، كأنها أكثر المواضيع التي تخيلتها تفاهة في المحادثة، ومن حين إلى آخر كانت تتحدث بوقاحة كأن أمراً تافهاً قد أزعجها. قالت:” أوه، أعرف، عندما يبلغ الرجل أربعينياته. لكن حقيقة ويلي، أنت في عمر يؤهلك لتكون أباً لها، أليس كذلك؟” لم يخطر له كيف يبدو بالنسبة إلى شخص دخيل وإلى العالم. رأى نفسه لحظة كما ينبغي له أن يبدو هكذا، وكان ما قالته إديث جانباً مما رآه. لمح هيئة قد تضاءلت في طرف غرفة للمدخنين وفي صفحات أدب رخيص-شخصاً جديراً بالشفقة يمضي إلى كهولته، غير متفهم من قبل زوجته، يسعى إلى تجديد شبابه، متحدثاً إلى فتاة تصغره بسنوات، يحاول بخراقة مثل القرد بلوغ الشباب الذي لم يستطع نيله، سخيفاً مهرجاً مبهرجاً يضحك العالم منه ضحك عدم الارتياح والشفقة والاحتقار. نظر إلى هيئته عن كثب لكنه كلما أطال النظر أصبح أقل ألفة، لم يكن نفسه الذي رآه فعرف فجأة أنه لا أحد. لكنه كان يعلم أن العالم يتقدم زاحفاً إليه وإلى كاثرين والمشكاة الصغيرة التي ظنا أنها ملكاً لهما، راقب الدنو بحزن لم يستطع الإفصاح عنه حتى إلى كاثرين. بدأ الفصل الدراسي الخريفي في أيلول في صيف غني بالألوان بعد صقيع مبكر. عاد ستونر إلى محاضراته بتوق لم يشعر به منذ وقت طويل، حتى احتمال مواجهة وجوه مئات الطلاب الجدد لم يقلل من عزيمته. لم تتغير حياته مع كاثرين إلا فيما يخص شعوره بضرورة أخذ الحيطة مع عودته إلى الطلاب والعديد من المدرسين. في الصيف هُجر المنزل القديم الذي تعيش فيه كاثرين، وهكذا كان بوسعهما أن يكونا معاً في عزلة تامة إلى حد بعيد دون خوف من أن يلاحظهما أحد. الآن كان على وليم أن يأخذ حذره عندما يأتي إلى مسكنها بعد الظهر، وجد نفسه يذرع الشارع ناظراً حوله قبل أن يدنو من المنزل ويهبط الدرج خلسة إلى المنور الصغير المؤدي إلى شقتها. فكرا بالبوادر وتحدثا عن التمرد، قالا لبعضهما إنهما مغرران بفعل أمر مشين والقيام باستعراض، لكنهما لم يفعلا ولم يكن لديهما رغبة حقيقية في ذلك. أرادا فقط أن يُتركا وحيدين وأن يكونا نفسيهما، وبهذه الإرادة عرفا أنهما لن يتركا وشأنهما وتوقعا أنهما لن يتمكنا من أن يكونا نفسيهما. تخيلا أنهما يدركان وبالكاد خطر لهما أن علاقتهما سيكون مشتبه بها. اتفقا ألا يلتقيا في الجامعة، وعندما لا يكون في وسعهما تفادي اللقاء في العلن يحيّ واحدهما الآخر بتكلف ولا يظن أن سخريته بينة. لكن بعد أن بدأ الفصل الخريفي كانت العلاقة منتشرة انتشاراً سريعاً جداً؛ ربما يعود سبب اكتشافها إلى حدة إدراك الناس المميزة لمثل هذه المسائل؛ لأن أياً منهما لم يشر قطّ إلى حياتهما الخاصة، أو ربما نقل شخص ما تخمينه العبثي إلى شخص آخر وجده معقولا مما استرعى اهتماماً أكبر بكليهما وهذا الاهتمام بدوره… كانوا يعرفون أن تأملاتهم بلا جدوى لكنهم استمروا فيها. ثمة بوادر عرفا من خلالها أنهما كُشفا؛ ذات مرة وهو سائر خلف طالبين من طلاب الدراسات العليا، سمع ستونر أحدهما يقول بشيء من الإعجاب والازدراء:” ستونر الكبير. قسماً بالله من يستطيع أن يصدق؟”ورآهما يهزان رأسيهما في سخرية وحيرة من الشرط الإنساني. أشار معارف كاثرين بأسلوب ملتوٍ إلى ستونر وأسروا إليها بأسرار حياتهما العاطفية دون طلب منها. ما فاجأ كليهما أن الأمر لم يبد مهماً؛ فلم يرفض أحد الكلام إليهما، لم ينظر أحد إليهما نظرات عابسة، لم يعانيا من العالم الذي خشيا منه. بدأا يؤمنان أنهما يمكن أن يعيشا في المكان الذي ظنا أنه مؤذياً لحبهما، وعاشا هناك ببعض المهابة والسهولة. في عطلة عيد الميلاد قررت إديث أن تأخذ جريس لزيارة أمها في سانت لويس، وللمرة الوحيدة خلال حياتهما معاً كان بوسع وليم وكاثرين أن يجتمعا مدة طويلة. كل على حدة ودون اكتراث نشرا خبراً مفاده أنهما سيغادران الجامعة في عطلة عيد الميلاد، ستزور كاثرين أقرباءها في الشرق، وسيعمل وليم في مركز بيبليوغرافي ومتحف في مدينة كنساس. استقلا حافلتين مختلفتين في أوقات مختلفة والتقيا في بحيرة أوزارك، منتجع في جبال نائية من سلسلة جبال أوزارك العظيمة. كانا الضيفين الوحيدين في السكن الوحيد في القرية الذي ظل مفتوحاً طوال السنة وكانا معاً طوال عشرة أيام. كان قد تساقط ثلج ثقيل طوال ثلاثة أيام قبل وصولهما وأثلجت السماء ثانية في أثناء إقامتهما؛ فظلت التلال المتدحرجة بلطف بيضاء طوال الوقت الذي أمضياه هناك. حصلا على مقصورة مكونة من غرفة نوم وغرفة جلوس ومطبخ صغير، كانت بعيدة عن باقي المقصورات وتطل على بحيرة تظل متجمدة شتاءً. كانا ينهضان في الصباح متعانقين، جسداهما دافئان ومترفان تحت الأغطية الثقيلة. يخرجان رأسيهما من الأغطية ويراقبان تنفسهما يتكاثف في غيوم كبيرة في الهواء البارد، يضحكان مثل طفلين ويسحبان الأغطية عن رأسيهما ويتقاربان أكثر. أحياناً كانا يمارسان الحب ويظلان في السرير طوال الفترة الصباحية ويتحدثان حتى تدخل الشمس من النافذة الشرقية، كان ستونر يقفز أحياناً من السرير حالما يستيقظان ويسحب الأغطية عن جسد كاثرين العاري ويضحك على صرخاتها وهو يشعل النار في الموقد الكبير. ثم يجتمعان معاً أمام الموقد يلفهما غطاء واحد، وينتظران حتى تبعث النار المتعاظمة الدفء فيهما إضافة إلى حرارة جسديهما الطبيعية. رغم برودة الطقس تنزها يومياً في الغابات. بدت أشجار الصنوبر العظيمة السوداء الضاربة إلى الخضرة أمام الثلج ضخمةً منتصبةً نحو السماء الصافية الزرقاء الشاحبة، بين الحين والآخر يصدر صوت سقوط وانزلاق كتلة من الثلج عن بعض الأغصان مما جعل الصمت المحيط بهما أشد كثافة، كما كثف تغريد طائر وحيد العزلة التي مشيا بها. شاهدا مرة غزالاً ينزل من الجبال العالية بحثاً عن الطعام. كان ظبياً مسفوعاً باللون الأصفر يتألق أمام قسوة الصنوبر القاتم والثلج الأبيض، يرفع قدمه بلطف عن الثلج ويعيدها بدقة محدثاً صوت قرقشة صغير. ذهبا بعد الظهر إلى مكتب السكن الرئيس الذي هو أيضاً متجر القرية العام ومطعمها، شربا القهوة وتحدثا إلى العابرين واشتريا بعض الأشياء لوجبتهما المسائية التي يتناولانها في حجرتهما. أحياناً في المساء كانا يشعلان القنديل ويقرأان لكن في أحيان أكثر كانا يجلسان على الأغطية المنبسطة أمام الموقد يتحدثان ويصمتان ويراقبان اللهب يتلاعب متشابكاً على الخشب ويراقبان عزف النار على وجه كل منهما. ذات مساء مع اقتراب نهاية المدة معاً قالت كاثرين بهدوء وبذهن شارد: ” إذا لم يكن لدينا شيئاً آخر فسيكون لدينا هذا الأسبوع ألا يبدو طائشاً هذا القول؟” ” لا يهم” قال ستونر. أومأ.” هذا صحيح.” قالت كاثرين:” إذن سأقوله، سيكون لدينا هذا الأسبوع.” في صباحهما الأخير رتبت كاثرين الأثاث ونظفت المكان بعناية متروية. نزعت خاتم الزواج وحشرته في شق بين الجدار والموقد. ابتسمت قائلة:” أردت أن أترك شيئاً يخصنا هنا، شيء ما أعرف أنه سيظل هنا طالما بقي هذا المكان. ربما هي حماقة.” لم يستطع ستونر إجابتها. أمسك بذراعها وخرجا من المقصورة وسارا بجهد في الثلج نحو مكتب السكن حيث سيستقلان الحافلة التي ستعيدهما إلى كولومبيا. في وقت متأخر من أصيل شباطي، بعد أيام من بدء الفصل الثاني تلقى ستونر اتصالاً من مكتب جوردون فينش، أخبرته السكرتيرة أن العميد يود التحدث معه ويطلب منه أن يمر في الأصيل أو في صباح اليوم التالي. قال ستونر لها إنه سيفعل، جلس بضع دقائق ويده على الهاتف بعد إغلاقه ثم تنهد وأومأ ونزل إلى مكتب فينش. كان جوردون فينش يرتدي قميصاً دون سترة، ربطةُ عنقه رخوة وينحني إلى الخلف في كرسيه الدوار ويداه معقودتان خلف رأسه. عندما دخل ستونر الغرفة أومأ بلطف وأشار إلى الكرسي الخفيض المكسو بالجلد بجانب مكتبه. ” تخفف من حملك يا رجل، كيف حالك؟” أومأ ستونر.” لا بأس.” ” هل المحاضرات تشغلك؟” قال ستونر بجفاف:” إلى حد ما. عندي جدول كامل..” ” أعلم” قال فينش وهز رأسه.” لا يمكنني التدخل في هذا، كما تعلم، لكن إنه عار لعين.” ” لا بأس” قال ستونر متبرماً بعض الشيء. ” حسناً.” استقام فينش في كرسيه وشبك يديه على المكتب أمامه. ” لاشيء رسمياً بشأن هذه الزيارة يا رجل، أردت فقط أن أتحدث معك هنيهة.” ساد صمت طويل. قال ستونر بلطف:” ما الأمر جوردون؟” تنهد فينش ثم قال فجأة:” حسناً. أنا أتحدث معك الآن بوصفي صديقاً. ثمة حديث لا ينبغي لي أن ألقي اهتماماً له كوني عميداً لكن حسناً أحياناً قد أفعل، وفكرت أن علي أن أتحدث إليك صديقاً قبل حدوث أية تطورات جدية.” أومأ ستونر.” حديث من أي نوع؟” “أوه، اللعنة يا رجل! أنت والفتاة دريسكول كما تعلم.” قال ستونر: “نعم، أعلم، أردت فقط أن أعلم إلى أي حد وصلت الأمور.” ” ليس بعيداً بعد. تلميحات وتعليقات وأشياء من هذا القبيل.” قال ستونر:” أفهم، لا أعرف ماذا يمكنني فعله بهذا الشأن.” جعد فينش ورقة بعناية.” هل الأمر جدي؟” أومأ ستونر ونظر إلى النافذة.” أخشى ذلك.” ” ما الذي ستفعله؟” “لا أعلم.” بعنف مفاجئ جعد فينش الورقة التي طواها بحذر شديد ورماها في سلة المهملات وقال: ” حياتك ملك لك نظرياً. نظرياً، يجب أن تكون حراً في الارتباط بأي شخص وأن تفعل أي شيء ترغب فيه، ولا ينبغي أن يشكل هذا مشكلة طالما أنه لا يتعارض مع عملك. لكن اللعنة، حياتك ليست ملكك إنها.. أوه، يا للجحيم! هل تعلم ما أعنيه؟” ابتسم ستونر.” أخشى ذلك.” ” إنه أمر سيء، ماذا عن إديث؟” ” في الظاهر، تتعامل مع الأمر برمته بجدية أقل من سواها. وإنه لأمر طريف يا جوردون، أنا لا أخال أننا تعاملنا مع بعضنا تعاملاً أفضل مما فعلنا هذه السنة الأخيرة.” ضحك فينش بإيجاز.” لا يمكنك أن تعرف، هل تستطيع؟ لكن ما أعنيه هل ستحصل على الطلاق؟ هل هناك شيء من هذا القبيل؟” “لا أعرف، ربما، لكن إديث قد تجابه هذا. سيكون ورطة.” ” ماذا عن جريس؟” غص ستونر بألم مفاجئ في حلقه وعلم أن الألم باد عليه.” هذا أمر آخر، لا أعرف جوردون.” قال فينش ببرود كأنهما يتكلمان عن شخص آخر:” ربما تحصل على الطلاق إذا لم يكن هناك الكثير من الجلبة. سيكون صعباً لكنك ربما ستحصل عليه. وإذا لم يكن هذا الأمر مع دريسكول جدياً، إذا كنتما فقط تتسليان، حسناً يمكن معالجته أيضاً. لكنك تخاطر، أنت تسعى لذلك.” ” أظن ذلك” قال ستونر. ساد صمت، قال فينش مغتماً:” أظن أحياناً أنني لست الرجل المناسب لهذا العمل.” ابتسم ستونر.” قال ديف ماسترز يوماً أنك لست ابن زانية كبير بما يكفي لتكون ناجحاً بحق.” قال فينش:” ربما كان محقاً، لكني أشعر غالباً بأنني شخص واف.” ” لا تقلق جوردون، أنا أتفهم منصبك. وإذا استطعت تسهيل الأمر بالنسبة إليك..” توقف وهز رأسه بحدة وتابع:” لكن لا يمكنني القيام بشيء الآن علي أن أنتظر. بطريقة ما…” أومأ فينش ولم ينظر إلى ستونر، حدق إلى سطح مكتبه كما لو أن قدراً يدنو منه بحتمية بطيئة. انتظر ستونر بضع لحظات وعندما لم يتكلم فينش نهض بهدوء وذهب إلى مكتبه. تأخر ستونر ذلك الأصيل في العودة إلى شقة كاثرين بسبب حديثه مع جوردون فينش. سار في الشارع دون أن يزعج نفسه بالنظر حوله، دخل. كانت كاثرين تنتظره، لم تغير ملابسها، وانتظرت جالسة بانتصاب وتيقظ على الأريكة بوضعية رسمية تقريباً. قالت بفتور:” تأخرت” ” آسف، لقد عوقت.” أشعلت كاثرين سيجارة بيد مرتجفة قليلاً. عاينت عود الثقاب لحظة ونفخت عليه نفثة من دخان. قالت:” أشارت إحدى زميلاتي المدرسات أن العميد فينش دعاك هذا الأصيل.” ” نعم، هذا ما أخرني.” ” هل كان بشأننا؟” أومأ ستونر.” سمع بعض الأمور.” ” ظننت أن هذا هو السبب، بدت صديقتي تعرف شيئاً لم ترغب في قوله لي. أوه، يا مسيح!” ” ليس هذا على الإطلاق، جوردون صديق قديم، أظن حقيقة أنه أراد حمايتنا، أؤمن أنه سيفعل لو كان بوسعه.” صمتت كاثرين حيناً. خلعت حذاءها واستلقت على الأريكة محدقة إلى السقف. قالت بهدوء:” الآن إنه يبدأ. أظن أنه كان أكثر مما ينبغي، أملنا أنهم سيتركوننا بحالنا. أخال أننا لم نفكر مطلقاً بجدية بأنهم سيفعلون.” قال ستونر: “إذا ساء الأمر كثيراً يمكننا الرحيل، يمكننا أن نفعل شيئاً.” “أوه !” ضحكت كاثرين قليلاً بصوت مبحوح ورقيق. جلست على الأريكة.” أنت محبوبي الأغلى الأغلى، أغلى مما يخال الجميع. ولن أدعهم يزعجوننا. لن أدعهم!.” عاشا على مدى الأسابيع القليلة التالية_ كما في السابق_ بإستراتيجية مفادها أنه لن يكون في وسعهما تدبر الأمر كما فعلا في السنة السابقة بقوة لم يعلما أنهما يملكانها، تعلما المراوغة والانكفاء ناشرين قدراتهما مثل جنرالات مهرة لابد أن ينجوا بقواتهم الضئيلة. صارا حذرين ومحترسين ببراعة، منحتهما المناورة متعة ضارية. لم يأت ستونر إلى شقتها إلا في جنح الظلام، عندما لا يمكن أن يراه أحد وهو يدخل، في النهار، بين المحاضرات، ظهرت كاثرين في المقاصف مع مدرسين شبان، وكانت الساعات التي أمضياها معاً تتكثف بمصيرهما المشترك. قالا لنفسيهما إنهما كانا أكثر قرباً من أي وقت سابق، ولمفاجأتهما أدركا صحة ذلك، كانت الكلمات التي تبادلاها ليريحا نفسيهما أكثر من معزية، مجيزة الألفة وحتمية الالتزام. عاشا في عالم نصف مظلم وقدما له أفضل ما لديهما، وهكذا بعد مدة بدا لهما العالم الخارجي حيث يتحدث الناس ويسيرون زائفاً وغير حقيقي، حيث هناك حركة مستمرة ومتغيرة وكانت حياتهما منقسمة بحدة بين عالمين وبدا لهما طبيعياً هذا الانقسام. عاشا بين فصلي الشتاء الربيع في سكون لم يحظيا به من قبل، عندما أغلق العالم الخارجي عليهما أصبحا أقل إدراكاً لحضوره ولم يكونا في حاجة إلى الحديث عن سعادتهما أو للتفكير بها في شقة كاثرين الصغيرة المعتمة المخفية مثل كهف تحت منزل ضخم كبير، وجدا نفسيهما يتحركان خارج الزمن في عالم أزلي من اكتشافهما. بعدئذ، ذات يوم من أواخر شهر نيسان، استدعى جوردون فينش ستونر ثانية إلى مكتبه، ذهب ستونر إليه بخدر ناجم من معرفة لم يعترف بها، ما حدث كان مبسطاً تقليدياً، شيء ما لا بد أن يتنبأ ستونر به ولو أنه لم يفعل. قال فينش:” إنه لوماكس، بطريقة ما عرف اللعين بالأمر ولن يسكت عنه.” أومأ ستونر.” كان عليَّ أن أفكر بذلك، كان عليَّ أن أتوقعه. هل تظن أن حديثي إليه سيحدث فرقاً؟” هز فينش رأسه، مشى في المكتب ووقف أمام النافذة. مرت شمس ما بعد الظهيرة على وجهه الملتمع بالعرق. قال متعباً:” أنت لا تفهم، لا يلعب لوماكس بتلك الطريقة، لم يأت على ذكرك؛ إنه يخطط من خلال الفتاة دريسكول.” ” هو ماذا؟” سأل ستونر بدهشة. قال فينش: “لابد أن تعجب به إلى حد ما، عرف جيداً أني على علم بالأمر. فجاء البارحة ارتجالاً، كما تعلم، وقال لي إنه سيضطر إلى طرد الفتاة دريسكول وحذرني من أن سمعتها ستسوء.” “لا” قال ستونر. آلمته يداه حيث أمسكتا بذراعي الكرسي الجلدي المنخفض. تابع فينش:” على حد قول لوماكس، تقدم بعض الطلاب وبعض أهل المنطقة بشكاوى. يبدو أن الرجال شاهدوك وأنت تخرج وتدخل إلى شقتها في كل حين، سوء تصرف فظيع هذا النوع من الأمور، أوه، لقد فعل هذا على وجه جميل، ليس لديه اعتراض شخصي، بل إنه يعجب بالفتاة في واقع الأمر، لكن عليه التفكير بسمعة القسم والجامعة. أشفقنا على ضرورات الانحناء لما تمليه أخلاقيات الطبقة الوسطى، موافقاً أن مجتمع الطلاب ينبغي أن يكون ملجأ للثورة على النظم الأخلاقية البروتستانتية، وتوصلنا في نهاية ذلك الحديث العملي أننا عاجزون. قال إنه يأمل مع نهاية الفصل الدراسي أن يتمكن من تجاوز الأمر لكنه لم يكن واثقاً من قدرته على ذلك. وطوال الوقت كان ذلك اللعين يعلم أننا نفهم بعضنا فهماً تاماً.” جعلت غصة في حلق ستونر الكلام بالنسبة إليه مستحيلاً. ازدرد ريقه مرتين وجرب صوته، كان ثابتاً وخفيضاً:” ما يريده واضح تماماً بالتأكيد.” ” أخشى أنه كذلك” قال فينش. قال ستونر دون تركيز:” عرفت أنه يكرهني، لكني لم أدرك قطّ…لم أتخيل قطّ أنه قد..” ” ولا أنا أيضاً” قال فينش، عاد إلى مكتبه وجلس متثاقلاً.” ولا يمكنني فعل شيء يا رجل، أنا عاجز. إذا رغب لوماكس في مشتكين فسيظهرون وإذا احتاج إلى شهود فسيظهرون؛ لديه أتباع كما تعلم. وإذا ما وصلت كلمة إلى الرئيس….” هز رأسه. ” ما الذي تتخيل أنه قد يحصل لو رفضت الاستسلام؟ لو رفضنا أن نكون خائفين؟” قال فينش بصراحة تامة:” سيضحي بالفتاة، سوف تُجر إلى هذا وكأنه مصادفة. الأمر منظم بإحكام.” قال ستونر:” إذاً يبدو أنه ما من شيء يمكن فعله.” ” يا رجل” قال فينش، ثم حل صمت. أراح رأسه على قبضتيه المغلقتين. قال دون حماس:” هناك فرصة. فرصة واحدة. أظن أنه يمكنني أن أردعه إذا أنت…إذا الفتاة دريسكول سـ….” قال ستونر: “لا، لا أظن أن بمقدوري فعل ذلك. حرفياً، لا أظن أنه يمكنني فعل ذلك.” ” اللعنة!” كان صوت فينش معذباً.” إنه يعتمد على ذلك! فكر قليلاً. ما ستفعل؟ نحن في نيسان ونقترب من أيار، أي عمل يمكنك الحصول عليه في هذا الوقت من السنة إذا ما قيض لك أن تحظى بواحد؟” ” لا أعرف، شيء..” ” وماذا بشأن إديث؟ هل تظن أنها ستستلم وتمنحك الطلاق صاغرة؟ وجريس؟ ما الذي قد يحل بها في هذه البلدة إذا ما انسلخت عنها؟ وكاثرين؟ أي حياة قد تعيش؟ ما الذي سيحل بكما؟” لم يتحدث ستونر. كان الخواء ينشأ في مكان ما بداخله، شعر بوهن وتقوض. قال أخيراً:” هل لك أن تمنحني أسبوعاً؟ …عليَّ أن أفكر. أسبوع؟” أومأ فينش.” يمكنني أن أؤخره هذه الفترة على الأقل. لكن ليس أكثر. أنا آسف، أنت تعرف ذلك.” “نعم” نهض عن الكرسي وتريث قليلاً يمتحن خدر ساقيه الثقيل.” سأعلمك. سأعلمك عندما أستطيع.” خرج من المكتب إلى ظلمة الممر الطويل ومشى بتثاقل في ضوء الشمس نحو العالم المفتوح الذي كان كالسجن أينما ولى وجهه. سيلتفت بعد سنين في لحظات غريبة إلى تلك الأيام التي تلت حديثه مع جوردون فينش وسيكون عاجزاً عن استحضارها بوضوح. وكأنه كان ميتاً لا يحركه شيء سوى ديدن إرادة صعبة المراس، ولكنه كان يعي بغرابةٍ نفسه والأماكن والأشخاص والأحداث التي حدثت أمامه في تلك الأيام القليلة، وعلم أنه أبدى للعامة مظهراً مناقضاً لحالته. درس محاضراته وحيا زملاءه وحضر الاجتماعات الواجب عليه حضورها، ولم يعلم أحد من الناس الذين التقى بهم يومياً وجودَ أي خطب. لكنه كان يعرف بمجرد خروجه من مكتب جوردون فينش_ في الخدر الذي تنامى من مركز وجوده الصغير _أن فصلاً من حياته قد انتهى وأن جزءاً منه كان يدنو كثيراً من الموت واستطاع أن يرى اقترابه بهدوء تقريباً. كان مدركاً بغموض أنه عبر الحرم في الحر المتوهج المنعش لما بعد ظهيرة ربيعية، كانت أشجار القرانيا الممتدة على طول الأرصفة وفي الباحات الأمامية مزهرة ترتعش مثل غيوم هشة، شفافة ورقيقة، وتجاه نظرته بلل الهواءَ العطرُ الشذي لأزهار الليلك الملونة. عند وصوله إلى شقة كاثرين كان مبتهجاً ابتهاجاً محموماً وشديداً. تجاهل أسئلتها عن لقائه الأخير مع العميد، أرغمها على الضحك، وراقب بحزن لا متناه جهدهما الأخير في الابتهاج مثل رقصة ترقصها الحياة أمام جسد الموت. أدرك أخيراً أن لا مفر من الحديث، ولو أن الكلمات التي قالاها كانت تشبه تنفيذ شيء تمرنا عليه مراراً وتكراراً في خلوة وعيهما. باحا بتلك المعرفة باستعمال نحوي: تقدما من الكمال..” كنا سعداء، ألم نكن؟” بالنسبة إلى الماضي..” كنا سعداء…أسعد من الجميع، كما أظن..” وأخيراً وصلا إلى ضرورة الحديث. بعد بضعة أيام من المحادثة مع فينش، في لحظة هدوء اعترضت البهجة الشبه هستيرية التي اختاراها كعرف أكثر ملائمة ليساعدهما على تخطي أيامهما الأخيرة معاً، قالت كاثرين:” ليس أمامنا الكثير من الوقت، أليس كذلك؟” “نعم” قال ستونر بهدوء. ” كم؟” سألت كاثرين. ” بضعة أيام، يومان أو ثلاثة.” أومأت كاثرين.” لطالما فكرت أنني لن أكون قادرة على احتماله، لكنني خدرة تماماً، لا أشعر بشيء.” ” أعلم” قال ستونر. صمتا لحظة، قال:” أنت تعلمين لو كان بمقدوري فعل أي شيء، كنت..” قالت:” لا تكمل، أعلم بالتأكيد.” استند إلى الوراء على الأريكة ونظر إلى السقف الخفيض المعتم الذي كان بمثابة السماء لعالمهما. قال بهدوء:” لو نبذت كل شيء…إذا ما تخليت عن كل شيء وانسحبت فستذهبين معي أليس كذلك؟” “بلى” ” لكنك تعلمين أنني لن أفعل ذلك أليس صحيحاً؟” “بلى، أعلم.” شرح ستونر لنفسه:” لأنه حينئذٍ سيكون كله بلا معنى ..أي شيء فعلناه، أي شيء كناه. أنا على ثقة تقريباً أنه لن يكون بمقدورنا أن ندرس، وأنت أنت قد تصبحين شيئاً آخر. نحن الاثنان سنصبح شيئاً آخر، شيئاً مختلفاً عن حقيقتنا. قد نكون..لا شيء.” “لاشيء” قالت. ” وعلينا أن ننجو من هذا على الأقل بأنفسنا. نعرف أننا..ما نحن عليه.” “نعم” قالت كاثرين. ” لأنه على المدى الطويل، ليست إديث أو حتى جريس أو قطعية خسارة جريس التي تبقيني هنا، ليس الفضيحة أو الأذى الذي قد يصيبك أو يصيبني، ليست المشقة التي قد نعانيها أو حتى خسارة الحب التي يمكن أن نواجهها. إنه ببساطة هلاكنا، مما نفعله.” ” أعلم” قالت كاثرين. ” ونحن من هذا العالم في النهاية، لابد أن نعرف ذلك. نحن نعلم، كما أعتقد، لكن كان علينا أن ننسحب قليلاً، نتظاهر قليلاً، بحيث أمكننا..” قالت كاثرين: ” أعلم، عرفت كل شيء، كما أظن. حتى فيما يتعلق بالتظاهر، علمت ذلك في وقت ما، قد.. علمت.” توقفت ونظرت إليه بثبات. برقت عيناها فجأة بالدمع.” لكن اللعنة على كل شيء يا رجل، اللعنة على كل شيء!” اكتفيا بما قالاه وتعانقا فلا يتلاقى وجهيهما، ومارسا الحب كي لا يضطرا إلى الكلام. اقترنا بالشهوة القديمة العطوفة لمعرفتهما الجيدة وبلهفة الفقد الجديدة الكثيفة. بعدئذٍ تمددا بصمت في ليل الغرفة الصغيرة الأسود، يتلامس جسداهما بخفة. بعد لحظات طويلة هدأ تنفس كاثرين كأنها غفت. نهض ستونر بهدوء، ارتدى ثيابه في الظلمة وخرج من الغرفة دون أن يوقظها. مشى في شوارع كولومبيا الهادئة الخالية حتى بدأ أول خيط رمادي من الضوء يبزغ في الشرق، ثم توجه إلى حرم الجامعة. جلس على الدرجات الحجرية أمام جيسي هول وراقب الضوء يزحف من الشرق على الأعمدة الحجرية الضخمة وسط الساحة. فكر بالنار التي دمرت قبل أن يولد وخربت البناء القديم، واغتم لرؤية ما بقي منها من كثب. عندما طلع الفجر دخل المبنى وذهب إلى مكتبه حيث انتظر موعد أولى المحاضرات. لم ير كاثرين دريسكول بعد ذلك. نهضت ليلاً بعد مغادرته، حزمت أمتعتها جميعها ووضعت الكتب في صناديق وأعطت للقيِّم على المنزل العنوان الذي تود إرسالها إليه. أرسلت بالبريد إلى مكتب اللغة الإنجليزية علاماتها وإرشاداتها لصرف النظر عن صفوفها طوال مدة الأسبوع ونصف الأسبوع المتبقية على نهاية الفصل الدراسي، كما أرسلت استقالتها. وفي الساعة الثانية من بعد الظهر كانت على متن القطار في طريقها لمغادرة كولومبيا. أدرك ستونر أنها كانت قد قررت الرحيل سابقاً منذ بعض الوقت، شعر بالامتنان لعدم معرفته؛ ولأنها غادرته دون أن تترك له ملحوظة أخيرة تقول فيها ما لا يمكن قوله.

يقرأ أيضاً

غلاف ستونر

ستونر

جون ويليامز

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

غلاف الخيميائي

الخيميائي

باولو كويلو

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٢‏/٦‏/٢٠١٦
في السبعينات الميلادية نشر الروائي الأمريكي كورت فونيجت عمله الأشهر: المسلخ الخامس. هذا العمل الأدبي بمثابة هجائية هزلية ضد الحروب والقتل، وتحديداً في أشد لحظات الحرب العالمية الثانية عبثية، المتمثلة بقصف مدينة درسدن الألمانية. إنه لأمر مثير للاهتمام أن تقوم بعمل هجائي ضد الحرب والقتل وسفك الدماء، خصوصاً لو كان الروائي شاهداً على ما يريد الكتابة عنه، بأن يكون ضمن الجيش في هذه المدينة أو مراسل صحفي يغطي الأخبار في المناطق الساخنة. لكن المفارقة هنا بأن هذه الهجائية الهزلية تحمل طابع كوميدي ساخر للغاية في محيط مكاني وزماني لا يعرف طعم السخرية أو الكوميديا. وكيف تقوم بالتعليق على قصف عنيف ودموي عبر حوارات ساخرة، وانتقال للزمن، كأن ينتقل البطل من الحرب العالمية الثانية إلى ما قبل الحرب، ثم يقذف بعيداً بعد سنوات طويلة من الحرب، وبين هذا التقلب والانتقال الزمني يعيش بطل العمل الأدبي تكرار للأحداث، تكرار للموت، تكرار للقصف. وفوق هذا التكرار يغادر خارج النطاق الكوني مسافراً خارج الكرة الأرضية ليقابل كائنات فضائية، تسخر وتستغرب من هذا الإنسان الذي يشعل الحروب في هذه الكرة الأرضية.الأدب لا يحمل ثيمة واحدة، ليس جامداً. لا يسير على قوانين رياضية منطقية. وهذا ما يجعل الأدب على مر العصور مرآة معبرة للإنسان. إنه متغير، يتكيف في هذه البيئة ويعبر عنها، وينقله إلى الخارج. يتلقاه القريب والبعيد. وقد يحدث التفاعل وقد لا يحدث. المهم هو أن هناك شيء قد ظهر؛ قد يحمل فلسفات أو أفكار جمالية أو سياسية، أو حتى دعوة عبثية أو فوضوية. إنه مكتوب من روح تحمل خصائص خاصة، تريد المشاركة، أو الحوار، أو حتى الحرب والكره والسخرية. حركة دائمة ليس لها ثبات.إذا لم يكن بالإمكان مهاجمة الحرب بقوة بحيث تظهر بشاعتها للعالم أجمع وتجعل الجميع يتوقفون عن هذه الأعمال البشعة، إذا كانت الحروب ستستمر للأبد، متى ما كان هناك بشر وتنافس، سوف تأتي الحروب ولن تتوقف للأبد. إذا كانت مثل هذه الأمور قائمة ولم يستطع لا أدب أو فكر إيقافها، لماذا لا نحول هذه الحروب إلى مساحة للضحك؟ الحياة بأكملها تصبح مسرحية هزلية كبرى، يتنافس عليها الساخرون. الضحك كحل أخير ونهائي في مواجهة كل عبث في هذه الحياة. المسلخ الخامس لكورت فونيجت وأعمال أدبية أخرى لعدة روائيين أمريكيين أصبحت مرآة للضحك تجاه هذا العبث. وسيسير الأدب في طريق الضحك والكوميديا الساخرة في محاولة لتحطيم هذا الرعب عبر الضحك. يقول فونيجت بأن الضحك ينبع من الخوف: لقد رأيتُ تدميرَ مدينة درسدن، رأيتُ هذه المدينة قبل الغارات الجوية وبعدها، وبالتأكيد كانت ردة فعلي هي الضحك؛ الله وحده يعلم سببها، كان ضحكًا للروح الناجية من الموت.رواية كورت فونيجت رائعة لكنها تعصف بالذهن، لكثرة تنقلاتها الزمنية والسرد الذي يتقافز من زمن لآخر بلمح البصر. إذا كان الأدب المسيطر في تلك الفترة هو الأدب الساخر والهجائي، قد يحدث أن تنشر أعمال روائية أدبية تنتمي للحقبة الكلاسيكية من القرن الماضي، أدب واقعي مباشر، لا مجال فيه لعدم المركزية أو عدم الوضوح. لكن ماذا سيكون مصيرها أمام هذا الكم الهائل من الموجه الساخرة؟ ثم أن نشر عمل ينتمي للحقبة الكلاسيكية قد لا يثير أي رد فعل جماهيري إذ أن الساحة الآن ملك مطلق لعدة تيارات أدبية من جيل الضياع إلى جيل الساخرين والمتشائمين والحداثة وما بعد الحداثة وغيرهم.في منتصف الستينات من القرن الماضي نشر الروائي الأمريكي جون ويليامز رواية ستونر. مرت الرواية بسلام، دون أي أثر واضح. تم بيع عدة نسخ منها، وفازت بجائزة مناصفة مع كاتب آخر. ثم رحل كاتب ستونر بعد عدة سنوات تاركاً وراءه ستونر ورواية أغسطس وتقاطع بوتشر، وعدة كتب قليلة. بعد سنوات من رحيله، وفي هذه الفترة من القرن الواحد والعشرين ارتفعت أعمال جون ويليامز مرة أخرى حتى أصبحت رواية ستونر من أكثر الأعمال الروائية مبيعاً في أمريكا. ما الذي بعث ستونر مرة أخرى ليظهر على أرفف المكتبات بعد غياب يقارب الأربعين؟هل مل القراء من التيار الساخر السوداوي ويريدون العودة إلى ما يمكن بوصفه بالجذور الروائية؟ قد يكون ذلك بالفعل هو أحد الأسباب، لكنه ليس السبب الرئيس. وبعيداً عن أسباب عودة ستونر إلى ساحة الأدب، فهو أمر رائع وجميل أن يُبعث عمل أدبي من الموت إلى الحياة، وأن يكون هذا العمل من تأليف الروائي الأمريكي جون ويليامز. تجربتي مع ويليامز كانت مميزة عبر رواية أغسطس. وكنت متحمساً لقراءة ستونر لثقتي بصناعة ويليامز الأدبية. كان ويليامز على قدر الثقة التي أعطيتها إياه، لكنها ثقة امتزجت بالمرارة. إنها لمفارقة؛ أن يكون النص الأدبي مكتوب بمثل هذه اللغة النثرية الجميلة المصاغة بعناية ودقة وبارعة للغاية، وأن يحمل معه هذا الكم الهائل من المرارة.جون ويليامز يركز في نصه الأدبي على شخصياته وحياتهم وحياة المقربين من هذه الشخصية. الأحداث الخارجية الكبيرة المؤثرة في حياة الناس تسير مع تاريخ هؤلاء الأبطال كضرورة فنية للزمن الروائي، ولا تغير شيئاً فيهم. ويليامز لا يُحمّل شخصياته أفكار تحمل مساحات هائلة من الأسئلة. لا يتجه إلى مصير الكائن البشري أو قلقه أو عذاباته. إنه يبحث في شخصياته ومسيرة حياتهم فقط.تتناول الرواية قصة الشاب القروي المزارع وليم ستونر، في بدايات القرن العشرين، والذي يبعثه والده للدراسة في جامعة ميسوري، لعله إذا تعلم يعود إلى المزرعة ويستخدم ما تعلمه في سبيل تنمية المزرعة ومساعدة والده ووالدته في قضاء أمور حياتهم الزراعية. والدا ستونر في منتصف أعمارهم، لكن الأعمال اليومية جعلتهم في نظر الابن ستونر مسنين: الأب محنياً ظهره من التعب، يحدق بيأس في رقعة الأرض التي تعيل الأسرة من سنة لأخرى، والأم تنظر إلى حياتها بصبر وكأنها لحظة هائلة يجب عليها تحملها: كان وليم ستونر الطفل الوحيد لعائلة وحيدة، وكانوا ملزمين جميعهم بضرورة الكدح فيها. يجلسون ثلاثتهم مساء في المطبخ الصغير المضاء بمصباح الكيروسين اليتيم، يحدقون في اللهب الأصفر قرابة ساعة من الزمن بين موعد العشاء وموعد النوم، كان الصوت الوحيد الذي يمكن سماعه غالباً هو صوت حركة الجسد الضجرة في الكرسي وصرير الخشب الخافت الذي يصدر أحياناً بسبب قدم المنزل.وليم ستونر ابن بيئته، لم يغادر مزرعته ومنزله قط. وحين يُطلب منه أن يذهب للدراسة تحدث له ربكة واهتزاز: كان هدف الأب الأساسي من ارسال الابن هو في الفائدة التي سيتم جنيها حين يعود الابن وهو مسلح بأمور الزراعة والتربة، من واقع أكاديمي وعلمي وليس من ناحية عملية-وهي خاصية يعرفها ستونر جيداً. ولكن كيف يتم تبرير ذلك للابن لكي يوافق ويذهب للدراسة هناك؟ يذكر السادر الروائي ردة فعل ستونر وهو يستمع لكلام أبيه، يقول: كان أطوال خطاب سمعه من أبيه على الاطلاق. وحين نقرأ للنص نجدها كلمات بسيطة لا ترقى إلى وصف الخطاب، لكنها ببساطتها أقوى من أي خطاب، خصوصاً أن الحديث من الأب لابنه. يقول النص: عدّل والده جلسته على الكرسي ونظر إلى أصابعه السميكة المتصلبة ذات شقوق مليئة بتراب يصعب إزالته. عقد أصابعه ووضعها على الطاولة، كما لو أنه يصلي، قال وهو ينظر إلى يديه: “لم أحظَ بأي تعليم يُذكر، أنهيت المرحلة الابتدائية وبدأت العمل مزارعاً ولم أذهب إلى مدرسة في شبابي. لكن الآن يبدو أن الأرض تجف والعمل يزداد صعوبة سنة بعد سنة، لم تعد الأرض خصبة كما كانت عندما كنت فتياً. يقول وكيل المقاطعة إنهم في الجامعة يعلّمون أفكاراً وطرقاً جديدة للقيام بالأشياء، ربما هو على حق. أحياناً عندما أعمل في الحقل أفكر.” توقف، شُدت أصابعه على بعضها ورست يداه المشبوكتان على الطاولة، وتابع:” أفكر—” تجهم وهو ينظر إلى يديه وهز رأسه قائلاً: ” اذهبْ إلى الجامعة في الخريف القادم، أنا وأمك سنتدبر الأمر.” في هذه الحديث من الأب للابن يظهر للقارئ جمالية نثر ويليامز إذ بدأ الأب حديثه بالإشارة إلى نفسه بأنه لم ينال أي تعليم يذكر، إذ اضطرته ظروف الحياة إلى الاكتفاء بالمرحلة الابتدائية والتوجه للعمل. ثم اتجه إلى الأرض التي تعيلهم، بدأت تتغير وتجف ومع مرور السنوات يصبح العمل أصعب. الإشارة المهمة هنا هي في الحديث غير المكتمل، حين يقول: عندما أعمل في الحقل أفكر. يفكر بماذا؟ إنه لا يملك المقدرة للكشف عما يفكر فيه، ليست له استطاعة. الصمت يفرض حضوره هنا. ثم يكرر جملته لعله يقولها: أفكر بـ. ثم يصمت وينهي الخطاب. حين قال ستونر بأن خطاب أبيه هذا هو أطول خطاب، لا يشير هنا إلى الكلمات الواردة في الخطاب، وإنما في الصمت العميق الناتج من عدم استطاعة الأب للكشف لابنه عما في روحه.ستونر القروي الذي يعرف كيف يزرع ويحصد ويستيقظ باكراً لتغذية حيوانات المزرعة يتعرض لنوع من الصدمة حين يذهب للدراسة في الجامعة. فهو يأخذ دروس متعددة: من دراسات التربة والزراعة إلى الأدب وشكسبير. يتعرض لموقف من أحد أساتذة الأدب الإنجليزي، موقف جعل ستونر بكل ما فيه، القروي الذي لا يعرف من شكسبير إلا اسمه الخالد، مغرماً بالآداب الإنجليزية والإغريقية.عندما يشير المؤلف إلى جامعة ميسوري فهو يرسم مساحة كاملة للعمل الروائي، إذ أنها ستصبح ميدان لحياة ستونر بشكل كامل. وحين يريد أن يرمز للجامعة يأخذ منها الرمز التاريخي الأشهر: الأعمدة الخمسة أمام مبنى جيسي هول. علم أن هذه الأعمدة هي ما بقي من البناء الأساسي الأصلي للجامعة الذي دمر منذ سنين خلت إثر حريق نشب فيه. بدت بلونها الفضي الضارب إلى الرمادي في ضوء القمر حاسرة ونقية وكأنها ترمز إلى طريقة الحياة التي تبناها كما يرمز المعبد لإله. لم يكن لديه أصدقاء وللمرة الأولى في حياته أدرك معنى الوحدة. أحياناً في عليته ليلاً يتوقف عن القراءة ويحدق في الزوايا المظلمة لغرفته حيث يومض ضوء المصباح أمام الظلال. إذا ما حدق طويلاً وبانتباه، تحتشد الظلمة في نور ويأخذ الشكل الوهمي لما كان يقرأه ويشعر أنه خارج الزمن، كما شعر ذلك اليوم في قاعة الدرس عندما تحدث إليه آرتشر سلوني. تجمع الماضي خارجاً من الظلمة حيث جلس، وبعث الموتى أنفسهم أحياء أمامه، وطاف الماضي والموتى في الحاضر بين الأحياء، هكذا كان لديه في لحظة عارمة رؤية للكثافة التي كان مضغوطاً فيها والتي لم يتمكن من الهرب منها، ولم يكن يتمنى الهرب. مشى تريستان، وإيزولت الجميلة أمامه، باولو وفرنسيسكا دوَّما في الظلمة المتقدة، هيلين وباريس المتألق على وجهيهما مرارة العاقبة، انبثقا من العتمة. وكان معهم بطريقة لن يستطيع أبداً أن يكون عليها مع زملائه وليم ستونر ذهب للجامعة لدراسة علوم الزراعة، واتجه من هذا العلم إلى الآداب الإنجليزية، متخصصاً فيه ودارساً وباحثاً حتى وجد نفسه أستاذاً جامعياً لا يستطيع بأن يبدل الجامعة أي مكان آخر. حتى المزرعة والأرض التي تربى وعمل فيها، لم تعد ما تشغل ذهنه. الأدب، واللغة، والجامعة، هذه حياة ورواية ستونر. ما هي الجامعة عند ستونر؟ ما هي طبيعتها أو ماذا تمثل؟ هي كما يقول أحد شخصيات الرواية محاولاً تفسير وجهة نظر ستونر عن الجامعة بأنها مكتبة أو مكان يأتي إليه الرجال بإرادتهم الحرة واختيارهم لأنها ستحقق كمالهم، يعملون جميعهم كنحلات. قيم الحق والخير والجمال في متناول اليد تماماً. في الوراق التالي، في الكتاب التالي. إن لم يجدها قد يجدها يوم غد. المهم أنه سيجدها.الرواية تمر بعدة أحداث تاريخية شهيرة مثل الحرب العالمية الأولى، والكساد الاقتصادي الكبير الذي عصف بالاقتصاد الأمريكي وتسبب بموجة هائلة من البطالة والتضخم. في الوقت الذي يتجه في غالبية الشبان تحت الشعور القومي للحرب، يبقى ستونر في الجامعة. لم يذهب للحرب، ولم يجد في نفسه كراهية للألمان. إن كان هناك من استياء تولد فيه فهو استياء من التمزق الذي وجده في الجامعة بسبب الحرب. كان ينظر إلى الموت بوصفه حدث أدبي، نزف هادئ للزمن تجاه اللحم القاصر عن الكمال. لم يفكر بأن الموت قد يكون اندلاع للعنف في ساحة معركة أو تدفق للدم من حنجرة ذبيحة.الكثير من القراء يعتقدون بأن ستونر إنسان بائس، كائن بشري تعيس. ولعلها مصادفة كذلك بأن شخصيتين من عملين لجون ويليامز، وهما أغسطس وستونر حققا إنجازات ضخمة في حياتهم العملية، لكن عند النظر إلى الطريق الذي تم من خلاله تحقيق هذه النجاحات، وماذا خسروا مقابل ما كسبوا، قد تظهر النتيجة مختلفة إذ أن هناك خسارة هائلة.جون ويليامز لا يعتقد بأن بطله كائن تعيس. قال في حوار صحفي قبل وفاته عن ستونر: أعتقد بأنه بطل حقيقي. الكثير من قراء الرواية يعتقدون بأنه عاش حياة حزينة وتعيسة. أعتقد بأنه عاش حياة جيدة جداً، لقد فعل ما كان يريد بأن يفعله في هذه الحياة، كان لديه إحساس بالمسئولية وهو يقوم بعمله. كان شاهداً على القيمة الحقيقية للعمل، حيث أن هذا العمل أعطاه نوع من الهوية ليصح كما هو.إن كنت سأعيد قراءة أعمال جون ويليامز فهي قراءة من أجل جمالية نثر ستونر، وتتبع تلك السيرة الغريبة في هدوءها من المزرعة حتى الجامعة والزواج وعلاقة الحب والموت. وقراءة ذلك الفصل العظيم الذي يتحاور فيه المعلم مع طلابه ومناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه. لو تطلعنا إلى حياة ستونر من الخارج لقلنا بأن ستونر وصل إلى النجاح، إلى أقصى درجة ممكنة. عاش حياة جميلة ورائعة وممتلئة بالتفاصيل والنجاح الأدبي والأكاديمي. لكن الواقع والحقيقي والشعور الداخلي هو الحقيقة. وصل وليم ستونر إلى ما يطمح إليه أي أستاذ جامعي، لكنه صعود محبط، صعود ونجاح خلف وراءه علاقة غير مستقرة، وتحزبات أفسدت الجامعة ونظامها وإدارتها. ونهاية لوحت بها يد الأستاذ الجامعي الحزين: وليم ستونر.قبل أن أنهي هذا المقال يجب أن أشير إلى نقطة أساسية: تعرفت على المؤلف من قراءة مباشرة لرواية أغسطس، وهي رواية لم تترجم للعربية بعد. وقرأت رواية ستونر مرتين في فترات متباعدة. المرة الأولى بترجمة عربية للأستاذة المترجمة أماني لازار، والقراءة الثانية مباشرة للنص الأصلي. وإني لمدين بكم هائل من المتعة والجمال لما قدمته الأستاذة أماني في ترجمتها لرائعة جون ويليامز هذه، على أمل أن تطبع وتُنشر للقراء، حتى يتمكن القراء العرب من قراءة واحدة من روائع الأدب الأمريكي بترجمة عربية جميلة تليق بنثر الروائي الأمريكي جون ويليامز.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٢‏/٦‏/٢٠١٦
هذه المرة سأبدأ الحديث عن هذه الرواية باقتباس منها عن ذلك الشعور الذي يتعذر علينا وصفه او تعليله عند قراءة الادب حيث يكتب جون ويليامز «أمام سحر الأدب وقوته التي لا توصف، ليس بأيدينا إلا أن نستكشف منبع ذلك السحر وتلك القوة ومع ذلك ففي نهاية المطاف ما جدوى ذلك؟ إن العمل الأدبي يلقي أمامنا حجاباً ثقيلاً لا يمكننا سبر غوره، ولسنا سوى مؤيدين قليلي الحيلة تحت سطوته، من ذا الذي يجرؤ على كشف ذلك الحجاب ليستكشف ما لا يمكن استكشافه، ليصل الى ما لا يمكن الوصول إليه؟ إن اقوانا ليسوا سوى ضعاف تافهين، ليسوا سوى رنين صناج وقعقعة نحاس في مواجهة الغموض الأزلي»، نعم كيف يمكنني اذن ان أشرح الاسباب التي جعلتني أحب هذه الراوية بل وأن أجد حياتي فيها وأن أهم فوراً لاستشراف المستقبل القادم الي لا محالة، كيف اقول لك صديقي القارى ان هذه الرواية التي كتبت عام ١٩٦٥ للكاتب الأمريكي جون ويليامز غيرتني عندما بدأ التفت بملاحظة أكثف من ذي قبل لحياتي، مثلما حصل لبطلها ستونر عندما غيرته سوناتة لشكسبير، ها هي ذي ستونر تغيرني بدورها، انها قوة الادب.على الرغم من أن كاتب الرواية جون ويليامز يخبرنا في بداية الرواية من أن شخصيته الرئيسية في هذه القصة ليست رومانسية على الإطلاق، لأنها لا تمتلك مقومات خارقة، حتى أن الكثيرين نسوا «ستونر» البطل بعد وفاته وتذكره قلة، إلا انني وجدت نفسي ألهث بينما اقرأ، حتى وصلت الى نهايتها، فهذه الرواية لا تقدم لنا احداثاً غير متوقعة، ان إيقاعها بطيء وخافت، نتابع فيها حياة طبيعية لويليامز ستونر بطل هذه الرواية، الذي انتقل من مزرعة والده في الريف ليدرس الزراعة في جامعة ميسوري بعد اقتراح من عمدة القرية التي يسكن فيها، ليتمكن ستونر من مساعدة والده على حراثة الحقل الذي كبر ستونر فيه ولم يعرف الحياة في مكان آخر سواه. ولأن ستونر من عائلة فقيرة، اضطر إلى أن يعمل مع اقربائه الذين سكنوا بجانب الجامعة وهذا ما حصل في السنوات الأولى من دراسته الجامعية، وفي أحد مقررات الادب التي وجد ستونر نفسه مضطراً لأخذها لاستكمال جدوله الدراسي يحدث التحول الاول في حياته، عندما يقرر أن يكمل دراسته في الادب وأن يتنازل عن مواصلة الدراسة في كلية الزراعة». فيما كان ينشغل ذهنه بمادته، وتتوثق صلته بالأدب الذي يدرسه ويحاول فهم طبيعته، كان يعي بحدوث تغيير مستمر بداخله، وفيما يعي هذا، كان يخرج من نفسه إلى عالم الادب، فعرف ان قصيدة لميلتون او مقالة لبيكون او مسرحية لبن جونسون قد غيرت العالم الذي كان مادتها، وقد غيرته لأنه يعتمد عليها» اننا في هذه الرواية ندخل إلى عوالم الحياة الأكاديمية لستونر وفي علاقته بالجامعة منذ أن كان طالباً فيها وحتى صار احد المدرسين فيها.ما يجعل هذه الرواية رائعة بالنسبة لي هي انها مألوفة جداً بالنسبة لأي انسان، وهي تقدم بأسلوب نثري غنائي لم يبالغ فيه الكاتب، لقد حاول أن يقص لنا الحكاية دون ان يفسر شيئاً، حتى في علاقة ستونر بزوجته وأصدقائه وحبيبته التي احبها وهو في منتصف العمر، نجد ان الامور تسير فحسب كما لو انها في طريق حياة أي واحد منا. وحول مواقف ستونر من الكثير من الافكار في الحياة مثل الموت يقول الراوي: «حين كان يفكر في الموت من قبل كان يعده اما حدثا ادبيا او انه الإنهاك البطيء الهادئ الذي يفعله الزمن في الجسد الفاني. لم يفكر فيه كانفجار عنيف في معركة أو تدفق دم مفاجئ من رقبة.» وعن الحب «في شبابه ظن ستونر أن الحب حالة وجودية صرفة قد يدركها المرء إن كان محظوظا وفي سنين نضجه قرر أن الحب هو نعيم خادع يجب ان يحدق فيه المرء بكفر مرح وعصيان مألوف وطيب وحنين مرتبك. والآن بدأ يدرك وهو في منتصف العمر أن الحب لا هو بحالة إجلال ولا هو بوهم، بل تحرك إنساني نحو الصيرورة، ظرف يتم اختلاقه وتعديله يوما بعد يوم ودقيقة تلو الاخرى بالإرادة والعقل والقلب.»، تمر أحداث الرواية بظروف تاريخية مختلفة منها الحرب العالمية الأولى إلا اننا لا نحس بهذا إلا في خلفية القصة كما لو ان لستونر «أمريكا الخاصة» به. هذا ما كتب عن الرواية في مقابلات اجراها موقع ithup عن الرواية وأترجم منها «تظهر هذه الرواية كيف أن أمريكا كانت معزولة عن الحياة، كانت أسطورية بقدر ماهي تاريخية، أمريكا ستونر». كان ستونر قد رفض المشاركة في الحرب وهنا عدا هذا السرد البارع لجون ويليامز يعود بنا الأمر للكثير منا، الذين لا يدركون علاقتهم المباشرة بالوطن او اي محيط خارج انفسهم لا لأنهم يقررون الانتماء من عدمه، بل لأن الأمور تسير على هذا النحو ببساطة، يستغرق المرء منا في عالمه الخاص بعيداً عن هذه الأفكار. كانت حياة ستونر في الجامعة وحدها.وعوضاً عن هذا كله، لا يمكن أن اغفل الحديث عن علاقة ستونر بالقراءة، ومرور اصابعه الصلبة على مجلدات الكتب في الجامعة وتلك الرعشة التي اصابته كثيراً وهو يمررها هناك، يقول الراوي عن ستونر» لم يكن لديه أصدقاء ولأول مرة في حياته شعر بالوحدة، كان احيانا وهو في عليته في الليل، يتوقف عن القراءة ويتطلع لاركان غرفته المظلمة حيث يتراقص لهب المصباح في الظلام، ان حدق طويلاً بتركيز تتجمع الظلمة في كتلة ضوء تتخذ الشكل اللامادي لما كان يقرأه، ويشعر بأنه خرج من الزمن كما حدث ذاك اليوم في قاعة الدرس حين وجه اليه ارشر سلوان حديثه، يتجمع الماضي ويخرج من الظلام، حيث ظل قابعاً، ويعود الموتى إلى الحياة يقفون أمامه، ويسير الماضي والموتي في الحاضر بين الأحياء وفي لحظة زاخرة تأتيه رؤية كثيفة فينمدج فيها دون أن يستطيع الخروج منها، ودون أن يرغب في الخروج منها» حتى في الاوقات التي شعر فيها ستونر بأنه خارج جسده، لا يقوى على التركيز، يراقب الأشياء من بعيد، تجلى هذا في علاقته بالقراءة فهو يمسك بالكتاب وعلى الرغم من انه يحدق طويلاً في الصفحة إلا أن الحروف تطير الى مكان آخر غير فؤاده. لم يعد قادراً على ان يقرأ. كم يتقاطع هذا مع تجربتي الخاصة ؟مع كل هذه السلاسة التي ندخل بها إلى عالم ستونر، والانثيال العاطفي الآسر وغير المضجر، غير الصبياني ايضاً، بقي ان اقول ان هذه الرواية تم تجاهلها منذ ان كتبت حتى عام ٢٠٠٥، كتب عنها الناقد الأمريكي موريس ديكستين وهو ناقد مهم في صحيفة نيويورك تايمز « هذا الكتاب نادر جداً، وهذه الندرة لم تجعل الكتاب عظيماً فقط بل انه مثالي «. ولد جون ويليامز الكاتب عام ١٩٢٢ وتوفي عام ١٩٩٤، كتب روايتين هما ستونر واغسطس، ترجمت ستونر للعربية عن دار أثر للمترجمة ايمان حزر الله.أخيراً عندما قرأت هذه الرواية التي تعد من اهم الاعمال الكلاسيسكية، شعرت كما لو أنني بجانب نفسي، وانتباني حزن لا تفسير له، ربما لأنني رأيتني فيها بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، لا اعلم كم يلزم من الوقت لأتجاوز نصاً ادبياً كهذا، ربما لن افعل ابداً، صديقي القارئ ابحث عن اي منفذ قريب لشرائها وقرائتها في اقرب فرصة، اما ان كنت تبحث عن رواية مليئة بالتحولات الخارقة فهي لن تهمك في شيء، إنني اوصي بها جداً.