تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب إلياس
📱 كتاب إلكتروني

إلياس

3.9(٤ تقييم)٩ قارئ
عدد الصفحات
٢٠٥
سنة النشر
2014
ISBN
0
المطالعات
٩٥٩

عن الكتاب

تقدم "إلياس"، الرواية الرابعة لأحمد عبد اللطيف، رؤية جديدة للتاريخ، يلعب فيها الروائي على التوازي بين الحضارات والأديان، يتخير سنوات توتر في تاريخ القاهرة وغرناطة، ويشرع في قص حكاياته الصغيرة عن إلياس مبتعداً عن الحبكة التقليدية، مستخدماً تقنيات زمانية ومكانية جديدة لإنسان مطلق له طبيعة خاصة. تطرح الرواية سؤالاً حول الهوية، أو بمعنى أدق: ضياع الهوية ورحلة البحث عن الجذور، من خلال لغة تفيض وتلهو، تنسج دوالها ثم تفكك ما شيدته، تقوم على تباديل الجمل وتوافقاتها وكأنه يخلق أسطورتها الخاصة غير المعتادة، بل ويقدم للغة وفنياتها "فقه جديد" يتسق مع البطل متعدد المستويات، الباحث عن جذوره في تراجيديا شديدة التعقيد، راسماً صورة لأزمة الإنسان المنسحق المهزوم الذي استمرأ تبعيته في مدن حمراء ذات سلطة ظالمة، أسقفها خرسانية، لا تتيح مساحات من الحرية. أعمال سابقة للمؤلف 1) صانع المفاتيح 2) عالم المندل 3) كتاب النحات

عن المؤلف

أحمد عبد اللطيف
أحمد عبد اللطيف

روائي ومترجم مصري من مواليد القاهرة عام 1978، وباحث في "جامعة أوتونوما دي مدريد" بإسبانيا. صدرت له قرابة عشرين كتاباً مترجًماً من الإسبانية؛ من بينها: "الذكريات الصغيرة" (2006)، و"البصيرة" (2008)، و"ث

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

غلاف مسيرة الفيل

مسيرة الفيل

جوزيه ساراماغو

غلاف الذكريات الصغيرة

الذكريات الصغيرة

جوزيه ساراماغو

غلاف لاورا وخوليو

لاورا وخوليو

خوان خوسيه مياس

غلاف كتاب الرسم والخط

كتاب الرسم والخط

جوزيه ساراماغو

غلاف ثورة الأرض

ثورة الأرض

جوزيه ساراماغو

غلاف صانع المفاتيح

صانع المفاتيح

أحمد عبد اللطيف

غلاف كتاب النحات

كتاب النحات

أحمد عبد اللطيف

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٢‏/٨‏/٢٠١٥
(1) في رواية أحمد عبد اللطيف الأحدث "إلياس"، (دار العين، القاهرة)، نحن أمام ما يشبه الحكاية، مروية على لسان ما يشبه الفرد. مايشبه الحكاية وما يشبه الفرد: إنهما طرفان يؤكد كل منهما على نقصان الآخر. سيبدو تلخيص روايةٍ كهذه ضرباً من العبث. فالحكاية الكبرى مفتتة إلى عدد هائل من المحكيات الصغيرة، وبالمقابل ينشطر الفرد منتج المحكيات، أو بطلها، إلى ذوات لا يمكن بمنطق السرد الاعتيادي أن تندرج جميعها تحت اسم شخص واحد. إنه نقض آخر لصورة النبي كتجسيد لكلية المقولة. الشخصية هنا آخذة في تقويض نفسها، بلا حاجة لعنصر خارجي ينهض لدحرها.إنه اشتغال أقرب للشعري فيما يخص البنية الشمولية للنص، فلا حكاية خطية تتنقل مفاصلها تعاقبياً من نقطة لتاليتها في الزمن. بالتالي فالرواية تنهض رأسياً بأكثر مما تتوسع أفقياً عبر حبكة تقليدية. "النهوض" بالعالم عوضاً عن "تمديده" هو ما يبدو شاغل هذا النص، وبحيث تجري خلخلة الزمن بعنف، مؤسسةً لقطيعة تامة بين الزمن الكرونولوجي التعاقبي والزمن النصي الذي لا يعترف سوى بقانونه الخاص. لذا، فنحن أمام رواية "استباق" بالقوة نفسها التي نجد نفسنا بها أمام رواية "استرجاع"، أو "استرجاعات" إن شئنا الدقة حيث لا تتوقف الرواية عند نقطة سالفة بعينها بل تتنقل بين "أنماط" من الماضي تستدعي معها لحظات ذات دلالة، من 641م في الفسطاط، لـ 1610م في غرناطة، ومن قاهرة يونيو 1967 لقاهرة أكتوبر 1973، وصولاً لسنوات التسعينيات والألفية. بالقوة نفسها ثمة استباق يصل للعام 2052. مَن إلياس؟ ربما "جميع الشخصيات التي يؤديها.. ولا أحد"، بتعبير ستانسلاف ستانسلافسكي عن "الممثل". لكن إلياس بدوره ممثل، لأدوار ثانوية، مثلما هو قاتل، وكاتب قصص قصيرة مجهض، ونبي مغترب في عصره، وجثة متحركة بساق مبتورة، وفي الأخير، خالد، حسب تصوره الخاص عن نفسه. لن تألو الرواية جهداً في التفتيش بين "هوياته"، هويات تتراوح حتى أنها يستحيل أن تجتمع في ذات مفردة إلا بقدر لا يُصدق من التسامح.. يناقض بعضها بعضاً وينقضه، فلا يتبقى منها سوى الاسم. الوجود يسبق الماهية، لكن التشكيك هنا يجري على المستويين، أي وجود يمكن التحدث عنه وأي ماهية؟ (2) يبدأ ابن كثير الرواية وينهيها، كسارد. إنه يتحول هنا إلى راوٍ لحكاية إطارية وليس فحسب اسماً مُتضَمناً في "تصدير". "أربعة أنبياء أحياء، اثنان في الأرض: إلياس والخضر، واثنان في السماء: إدريس وعيسى". هذا هو مفتتح الرواية وليس تصديرها، كونه يُعرّف مباشرةً بـ"ماهية" بطلها ويبسط سماته الجوهرية أمام قارئها: نبي حي عائش على الأرض، والحياة هنا تتضمن كونه حياً وسيظل. يلتقط إلياس نفسه طرف التعريف من راوي المدخل السردي الإطاري، ليبدأ على الفور تعريفه الخاص لنفسه، واضعاً نفسه "كسارد حي"، محل "السارد الميت": "أنا إلياس. اسمي إلياس. أو هكذا سمّوني بإلياس. أو هكذا يدّعون أنهم سمُّوني بإلياس. أو هكذا يظنون ـأن اسمي إلياس. إلياس هو الاسم وأنا أردد الاسم بيني وبين نفسي". سيختفي السارد الأول (المتحدث بالضمير الثالث)، وقد أرسى التعريف الأول لسارد يتحدث بالضمير الأول، وتركه يقبض على ناصية سرده. لكن السارد الإطاري نفسه، "ابن كثير"، سيظهر مجدداً ليغلق الحكاية (أو مجمل الحكايات) مثلما بدأها، بمشهد أخير يلتئم مع الأول ويؤكد عمدية الحكاية الإطارية. المشهد الأخير تحصَّل عليه السارد عبر أحد عشر راوياً: "كنا مع رسول الله في سفر، فنزلنا منزلاً، فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة المغفورة المُتاب لها، قال: فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فقال لي من أنت؟ فقلت: أنس بن مالك خادم رسول الله، قال: فأين هو؟ قلت هو ذا يسمع كلامك، قال: فأته فأقرئه مني السلام، وقل له أخوك إلياس يقرئك السلام. قال: فأتيت النبي فأخبرته، فجاء حتى لقيه وعانقه وسلم، ثم قعدا يتحادثان فقال له: يا رسول الله إني ما آكل في السنة إلا يوماً، وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت. قال: فنزلت عليهما مائدة من السماء، عليها خبز وحوت وكرفس، فأكلا وأطعماني وصلينا العصر، ثم ودعه ورأيت مرّه في السحاب نحو السماء". كأننا أمام حكاية إلياس التي تبدأ بتوصيفه وتنتهي بانتقاله العجائبي للسماء. بين القوسين الكبيرين، القادمين من سارد عاش ومات في القرن الثامن الهجري، تتحقق محكية عابرة للزمن والمكان، بالضمير الأول، حيث "إلياس" نفسه هو السارد. النبي في التصدير والنبي في الخاتمة، وفي الاثنتين هناك الراوي الذي أقام الحقيقة من الفعل الشفاهي، لكن بينهما، هناك الكتابة، وهناك الراوي المتكئ على الكتابة في تقديمه لنفسه، بما يتجاوز فكرة النبي نفسها، مكرساً لخلوده، وكأنه ارتقى الدرجات اللازمة التي على النبي أن يقطعها ليصبح إلهاً. ليس "إلياس" بناقل لرسالة، لكنه خالقها، لذا فرسالته هي "إلياسيته"، وأتباعه، جميعهم "إلياس". لا يرغب إلياس _كالأنبياء_ في محاكاة، إنه يطمح في تطابق رعيته معه. لذلك، لا يملك إلياس في هذا النص أتباعاً، بل أشباه. إنه تعميق لتصور، يغدو فيه الفرد وعالمه الشيء نفسه. الهوية المغلقة تتحول في النص إلى هوية مفتوحة، تتسع للعالم وتستوعبه وفق اقترابه من "إلياس" العابر للأمكنة والأزمنة، ويغدو العالم، العالم كله، "أرشيفاً" يحيا السارد بين أوراقه. (3) المكان في إلياس إذن هو "العالم". لكن، ما العالم؟ إنه الأرشيف اللانهائي الذي يحيا إلياس بين قصاصاته. العالم إذن هو "التدوين" ولا شئ آخر. كل ما لم يدون، لا يعول عليه، ليس لأنه لا يصدقه، لكن، لأنه ببساطة، لم يقع. نص إلياس الذي بين يدينا هوكتابة على كتابة، كتابة تتأمل كتابة سابقة (ولاحقة)، كأن العالم. نص إلياس نفسه الذي بين يدينا هو مكتوب يجادل مكتوباً، لينتج في النهاية "ميتا رواية". يجافي "الأرشيف" فكرة "الاستخلاص"، لصالح التراكم الكمي والدقة "التسجيلية". الأرشيف هو "الكلية" التي تفتقر للدلالة كونها تعمد إلى التجميع عوضاً عن "الانتقاء". هذه هي الرواية الأولى، (هي في الحقيقة ما ينهض كصورة للواقع التراكمي) اللانهائية، مكتوبة أيضاً بواسطة إلياس أو موجهة إليه. أما الرواية الثانية فهي رواية "الانتقاء"، رواية التخليص والتلخيص، التي تمثل نص إلياس "الدال"، وبالتالي صوته المهيمن. منذ اللحظة الأولى، نحن أمام "صوت" بأكثر مما نحن أمام "شخصية". لا يكف إلياس عن تعريف نفسه، ولا يكف عن نقض التعريف. هذه "مونودراما" روائية، أو هكذا تبدت لي: ممثل وحيد على خشبة مسرح يسرد مونولوجه الطويل الذي يتجاوز المائتي صفحة في قطع "كِتابه". صوت إلياس هو نصه، صوته المرتبك، الذي تترجمه عبارات قصيرة مبتورة، تجافي الفواصل، وتنتصر للنقطة التي يتكسر على شاطئها كل سطر. يوحي إلياس لقارئه بأنه يكتب شهادة نهائية تلخص مزق حياته، المكتوبة بالفعل في قصاصات متباعدة يضمها أرشيف ضخم. يكتب كتابة "لاحقة" على أنقاض "كتابة سالفة". يبرر ذلك هذه الرغبة المحمومة في تقريب اللغة المكتوبة من تقنية خاصة في "التلفظ" تخص صاحبها. التلفظ وقد صار موضوعاً للتدوين، إنها التقنية التي تقرب العالم الروائي من أحد أشد أسئلته إلحاحاً: العالم كسلسلة من النقل الشفاهي، وهو يطمح في تحوله إلى كتاب نهائي لا يقبل "التحريف". يعرف إلياس نفسه من اللحظة الأولى، كأن متلقيه يجلسون قبالته. إنه وعي أولي بفكرة "العرض". "العرض" يتسق ومهن "تخون الواقع" سواء بالاتكاء على وهمه الممثل في الفن (إلياس كاتب القصص القصيرة/ إلياس ممثل الأدوار الثانوية)، أو تخونه أخلاقياً، بالقتل (إلياس القاتل). متى تصبح الشخصية الروائية بطلاً لعرض؟ عندما تدرك أنها بصدد نصها لا واقعها. نعم، واقع إلياس هو نصه، هو صوته العميق وقد تحول لكتابة، وهو وعيه الخاص باللغة وقد حلت محل العالم عوضاً عن أن تعمل كمحض جسر بين الدوال ومداليلها الاتفاقية في الوعي الجمعي. يتبنى إلياس بنية خاصة للعبارة، بنية تكرارية تتكاثر فيها الدلالات بقدر ما يشح محصول المفردات. إنه تصور للزمن أيضاً، لا وجود فيه لفاصلة. وحيث لا جملة مكتملة إلا بإكمال تاليتها لقدر من الدلالات المرجأة. النقطة التي تجعل من كل عبارة نهاية، في مواجهة الفاصلة التي تعد بالاستمرارية. إنه وعي يلائم المتكلم الذي "قد" تنتهي حياته قبل أن يكمل عبارته، حتى مع يقينه بخلوده. حسب ذلك التصور، تنتفي الفروق بين الماضي والمستقبل. وتبعاً لذلك، يسرد إلياس ببساطة ما وقع في مستقبل بعيد، كمن يتذكره. (4) نحن أمام سارد يتجاوز، حتى، فكرة أنه "البطل"، حيث أنه هنا يغدو "الحكاية" نفسها. النص بأكمله سيتحقق إذن كمونولوج داخلي طويل: إنها تقنية تطمح، إذا ما استعرنا مفهوم روبرت همفري، "لتقديم المحتوى النفسي للشخصية والعمليات النفسية لديها في اللحظة التي توجد فيها هذه العمليات في المستويات المختلفة للوعي قبل أن تتشكل للتعبير عنها بالكلام على نحو مقصود". قصدية الكلام هنا تتقاطع مع ملاحقة الوعي في آنيته، فينتج خطاب إلياس على النحو الذي يبسطه النص: كتابة تجتهد لكي تكون على الدوام صورة من الحاضر. بهذه الطريقة فقط يمكن أن يكتسب الزمن سيولته النصية كما تحققت روائياً. من هنا أيضاً يمكن ملاحظة هيمنة الفعل المضارع على الخطاب، سواء كان ذاهباً إلى الماضي أو مستبقاً نحو المستقبل. إنه، بتعبير جيرار جينت "خطاب فوري يضع القارئ داخل ذهن الشخصية ليشهد حدوث عملية تفكيرها". القارئ داخل ذهن الشخصية: إنه طموح آخر توفر هذه الرواية إمكانات تحققه، بحيث يغدو الفعل الإنتاجي مقسماً بالعدل على السارد والمتلقي معاً. ليست لغة السارد هنا إذن محض ولع شكلاني بتغريب اللغة السياقية المتعارفة، لكنه محاولة دائبة لمحاكاة عملية التفكير تجعل اللغة أقرب ما تكون للوعي. نحن فعلياً نكاد نكون "شهوداً" على عملية التفكير نفسها، وكأننا أمام نص قائم فعلياً في المضارع. ربما لذلك يكاد النص يكون "عرضاً" لوعي الصوت المركزي المتحدث بضمير المتكلم. لا وسيط هنا بين السارد وخطابه، وهكذا يصير الخطاب، في حالة إلياس، هو نفسه السارد. تبقى المغامرة في "إلياس"، فادحة بقوة التخييل الذي يقودها باتجاه عالم مشيد على غير مثال، تنتفي فيه المسافة بين الإله والنبي والفرد، بقدر ما تذوب بين الأزمنة التي ظنناها غير قابلة للتجاور.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٢٢‏/٨‏/٢٠١٥
لا يتمكن الكاتب من اللعب بالسرد ومعه من دون أن يكون قد امتلك أدواته وتمكن منها، عندها فقط يمكن أن يكسر القواعد، يخرج عن المألوف - حتى كتابة اللامألوف تتضمن مساحة من المألوف - يصول ويجول من غير الأخذ في الاعتبار الحدود والمخاوف التي تحكم العلاقة بين النص وقارئه. وهي مخاوف مشروعة لا تتعلق بفعل الكتابة والانتشار فقط، بل تمتد لتشمل أطراف العملية الكتابية كافة: هناك نقاد وقراء ومترجمون، وهناك تاريخ أدبي يسعي الكاتب إلى حفر مكان لسرده فيه. بعد أن نجح أحمد عبداللطيف - الروائي المصري - أن يوجد لسرده مكاناً في هذا التاريخ الذي بدأ فصلاً جديداً معتمداً على الغرائبية والفانتازيا اللتين تقاومان واقعاً لم يعد يهمه ارتداء أي قناع تجميل، أقول بعد هذه الخطوة قرر عبداللطيف أن يطيح كل قواعد اللعبة السردية في أحدث عمل صدر له هذا العام في عنوان «إلياس» (دار العين، 2014). وهو العمل الذي سبقه «صانع المفاتيح» (2010)، «عالم المندل» (2012)، «كتاب النحات» (2014). قرار كهذا ليس إلا أحد أشكال ممارسة الجنون في منتهى الوعي. وإذا كانت الكتابة تغرز قدماً في التخييل السردي، فإن القدم الأخرى تنغرز بالتأكيد في التجريب الذي يتحول إلى هاجس يسيطر على عالم الكاتب - الكتابة عبر خوض مناطق غير مأهولة، ودروب لم يسر فيها أحد من قبل، من دون أن تتعلق أنظار الكاتب أو آماله بأي مردود مباشر. وهذه النقطة الأخيرة في ذاتها مثيرة للجدل: ألا يقدم الكاتب نصه لقارئ ما في مكان ما، أم إنه يمارس حيلة الاستغناء الزائف؟ وما هو النص بلا قارئ إذاً؟ لكننا نعود ونتذكر ما قاله إدوارد سعيد عن كون الكتابة فعلاً يقع في العالم. هكذا، قرر أحمد عبداللطيف أن يخوض المغامرة وينشر كتاباً في عنوان «إلياس». وأثناء فعل القراءة يختلط الأمر عليك، فلا تعرف أيهما أكثر جنوناً: الكاتب أم إلياس؟ وبعد أن تختلف التواريخ التي تنتهي بها الكثير من فصول النص (641، 711، 1610، 1936، 1954، 1967، 1973، 1991، 2011، 2013، 2052) وهي تواريخ تستدعي لا شعورياً صورة ما وإحساساً مصاحباً في مزاج القارئ، من دون أن تتغير نبرة هذا الـ «إلياس» المتشككة، المستسلمة أحياناً، اللامبالية، العدوانية، الرافضة، العدمية، المباشرة، الغرائبية، تدرك (أو لا تدرك) مقصد الكاتب وتتأكد من قدرته اللامحدودة على المغامرة حتى النهاية.   مكونات حياة «كأن حروف اسم إلياس مكونات لحياتي. مكونات لتاريخي. مكونات لهويتي. هويتي التائهة. هويتي وأنا لا أعرف هويتي. كأن الاسم في نهاية المطاف هو أنا. أنا وأنا لا أعرف من أنا. ربما أكون كل «إلياسات» العالم من دون أن أدري. وربما أكون جزءاً من «إلياسية» كبيرة ولا يمكن السيطرة على الإلياسية» (11). أسهل الحلول لتأطير النص عند قراءة هذا المقطع هو القول إن إلياس يسعي إلى حل أزمة الهوية، وهكذا حتى نصل إلى هوية الإنسان العربي وواقعه المأزوم دائماً. لكنّ استنتاجاً كهذا يعيد النص فوراً إلى رؤية نمطية للرواية العربية، تلك الرؤية التي تنكر على النص قدرته على استكشاف مناطق أخرى مغايرة لمسألة الهوية وأزماتها في فهمها لذاتها وتفاعلها مع الآخر. ولكن، في كل الأحوال لا ينكر النص وجود قارئ من حقه أن يقرأ أزمة الهوية، إلا أن هناك قارئاً آخر لا بد من أن يدرك طبقات أعمق للنص. فإلياس يكتب عن إلياس المتكرر عبر التاريخ بزمكانيته بالمقدار نفسه الذي يكتب به فرديته. يتكرر إلياس منذ عام 641، وهو زمن الفتح الإسلامي لمصر، ثم يتكرر عند سقوط الأندلس، ويعاود الظهور كنموذج لقاتل الشاعر لوركا، ويتكرر في تاريخ مصر الحديث عند تلك النقاط المفصلية. يتكرر إلياس في اللغات والأزمنة وهو دائماً الغريب، المهمش، المتفرج، الكتوم، اللئيم، الساذج. يسير مع القطيع ويحب الجماعة لكنه على وعي دائم بغيريته ويرفض الجماعة، لا يجادل حتي عندما منح لساناً غريباً عام 1954 في مصر: «لسان الغريب التزم الصمت. لسان الغريب يقول كلاماً ولا أفهم معنى الكلام» (51).   نموذج أولي يتكرر إلياس ويراقب نفسه بعين ويكتب الآخر الإلياسي بالعين الأخرى. بهذا التكرار الذي يؤشــر إلى الكل ويحتفظ بالأنا الفردية في الجملة الواحدة يدرك إلياس في النهاية (وإن كان إدراك القارئ يأتي مبكراً عن ذلك) أنه خالد: «أنا إلياس. وأنا خالد. أعرف أني خالد. لا أقول خالد لكني أعرف أني خالد (189). إذا كان إلياس متكرراً وكائناً منذ لحظة ما غير محددة، وكأنه يتوالد من ذاته، يتكاثر بلا مجهود، ليتحول إلى نموذج أولي، لا يتلاشى، وموته لا يعني اختفاءه، فما الذي يحفظ له فرديته، ومن أين تنبع خصوصية الشخصية والروائية والإلياسية التي تتوالد داخل النص كدوائر صنعتها حصاة صغيرة ألقيت في البركة؟ من اللغة، تلك اللغة التي تم تجريدها من علامات الترقيم وضمائر الملكية وضمائر المفعول وعلامات التنوين والفضلات. جرد إلياس الجملة من كل ما هو متعارف عليه من أدوات تحول الكلام إلى لغة. فجاءت الجملة تتوالد من الجملة، أو من الكلمة الأخيرة في الجملة التي تسبقها. في تركيب الجملة بهذا الشكل يحاكي إلياس العجز عن الفعل. في الاضطرار وعدم الإمكان تتبلور شخصية إلياس لتعلن عن نفسها باللغة. لكن العجز عن الفعل الذي يتخذ من اللغة مرآة له داخل النص ليس العجز المباشر، وإن كان إلياس قد تهيأ له في لحظة أن لديه ساقاً عرجاء، بل هو العجز الفلسفي. بمعنى آخر يعود إلياس باللغة إلى شكلها المجرد من كل ما اعتراها من محسنات وعلامات ترقيم ليحاكي قوة العالم في عزوفه عن التغير من ناحية، ويحاكي واقعاً تجرد من كل محسناته من ناحية أخرى. تتحول اللغة في نص «إلياس» إلى التقنية الرئيسية الحاملة للرؤية. فيصبح النص مستقلاً كمعمل فني لكنه متخذ من الواقع الإمبريقي المادة الخام التي يعيد إليها الصفات الني أنكرناها عليها في الواقع، وهي فلسفة تيودور أدورنو عن ماهية العمل الفني. فالعمل مستقل من ناحية منحه لما يصوره هوية جمالية تختلف عن هوية المادة نفسها خارج العمل، وبهذا ينهل نص أحمد عبداللطيف من الواقع لكنه يستقل عنه عبر الهوية اللغوية. كأن سمات نص «إلياس» تطل على العالم فتمنحه بعض المعنى الضائع. أي مغامرة هذه؟
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٧‏/٨‏/٢٠١٥
إذن أنت "إلياس" بكل رؤيتك وخيالاتك بوضوحك وعتمتك ويأسك وأملك.. فقط عليك أن تملك القدرة على الكتابة وأن تصوغ إحساسك سواء بالضياع أو التحقق فى شكل كتابى يليق بك. رواية إلياس للروائى والمترجم أحمد عبد اللطيف الصادرة عن دار العين تجعلك تتساءل، ما الذى يكمن خلف شخصية إلياس وما الرمز الذى يسعى إلى أن يثبته وما التحدى الذى قصد إليه أحمد عبد اللطيف بهذه الشخصية الممتدة عبر الزمن؟. لا يمكن القول بأن إلياس شخص واحد ولا حتى مجموعة من الشخصيات تكتب معا حكاية طويلة وحكايات متفرقة، إنما المقصود هو الإنسان "المجرد"، الشاهد على كل كوارث الزمن والذى يفقد أجزاء جسده لإحساسه المسبق بالعجز الذى يسيطر على عالمه، ولأنه يدفع ضريبة وجوده فى هذا العالم، كما أنه ممتلئ بالذكريات التى تبدو فى هيئة أرشيف له، وربما "الأرشيف" فكرة تقريبية لما يريد أن يحكيه من وعن الألم، هو يراه أرشيفا لكنه فى الحقيقة سجل معرفى لتاريخه الذى هو تاريخ الوجود البشرى، يحكى ثم يعيد إنتاج حكاياته فى شكل صوت ثان وثالث ورابع غير محددين لكنك تشعر بهم، ربما يشك فيما سيقوله فيعيد صياغة الجملة، لكنها فى شكل قصص قصيرة، وذلك لأن إلياس كاتب قصص قصيرة، لكنه ليس فاشلا كما ادعى، ويعيد تمثيل العالم، لأنه ممثل بارع وليس فاشلا كما ظن، كلما أدى دورا فى فيلم اكتشف أنه يؤدى جزءا من حياته الحقيقية، فالحياة هى الفيلم الذى قام فيه بدور "إلياس". فى لحظة ما فى الرواية ستشعر بأنك أنت إلياس، بأن جزءا منك هو إلياس، أنك أنت هو فى أحد الوجوه التى قدمها، وفى أى زمن يناسبك من الأزمنة التى خاضها مكرها، المهم أنه زمن صالح لارتكاب الآثام وقتل كل الشعراء اللوركيين وقتل كل الغرباء الذين يظهرون فى الحياة وهجر كل الرفيقات شريطة ألا تحب ضمير المفعول، وحسب استعدادك لفقد جزء منك حتى تطهر روحك دائما بهذا الفقد وتستطيع أن تواصل الحياة. أحمد عبد اللطيف كتب نصا "تجريبيا" بامتياز لم يسبقه فى كتابته أحد، نص جديد على الرواية العربية، رفع سقف التجريب فى صالح النص وأسقط تقريبا القارئ من المعادلة، لكن ذلك يطرح قضية كبرى ما المقصود بالقارئ، هل هو الذى يتصفح رواية فى وسائل المواصلات من باب التسلية، وهذا يذهب بنا إلى بيان التحدى الذى قصده أحمد عبد اللطيف فى الرواية، فكثير من الكتاب فى سبيل "البست سيلر" ومغازلة طبقة ما من القراء المحدثين، سعوا إلى التنازل عن سمات مميزة كانت تحيط بنصوصهم منها اللغة المشبعة بالدلالات والصورة المركبة بعض الشيء واختاروا مغازلة قارئ النت والمواصلات العامة بالتبسط فى الكتابة فى اللغة والتراكيب والتقنيات والتكنيك وبالتالى تراجع التجريب تماما وأفسح مكانا للحكاية اللطيفة الممتلئة بالمغريات الحسية واللغوية السهلة والتركيبات الجاهزة القادمة من مواقع التواصل الاجتماعى، فى ظل هذا الطوفان، فعل أحمد عبد اللطيف عكس هذا الاتجاه، فقد كتب رواية فى اتجاه القارئ النخبوى الذى يملك رؤية للعالم عادة ما تكون مأزومة ويبحث عن دليل فيما يكتبه الآخرون، لذا ستقدم الرواية له وجهة نظر فى هذا العالم الذى يأكل نفسه، فالقارئ الجاد مع إلياس يفكران فى خطة بديلة للمشاركة فى فهم تفسير ظواهر العالم المغلقة التى ربما تعود بهما للعلة الأولى للأشياء، إذن إلياس ليس مجرد شخصية روائية، إنما هو أنت، فقط راجع تصرفاته وأفكاره وخوفه وأمله ورعبه ومحنته وأفراحه القليلة ستجد أنه أنت بصورة ما، ولو لم تجد نفسك فى الرواية لن تستطيع أن تكمل هذه الرواية التى تمتحنك وتعكس مدى قدرتك على القراءة، هى ليست رواية صعبة لكنها حقيقية وهذا هو الفارق، وليست رواية "متاهة" لا تعرف لها أول من آخر لكنها تقيس مفاهيمك عن الكتابة والإبداع. فى الرواية لا يهم الزمن، إنها تنويعات على وجيعة واحدة بأشكال مختلفة، ربما تفاجأ بتحديد الزمن فى نهاية الفصول المسلسلة وهو ترتيب لا يملك منطقا يقفز للمستقبل أو يعود للماضى، ليست هذه عشوائية أو عملية إرباكية للقارئ، هى فقط ما تتذكره الذات الإلياسية التى توهمنا أنها تقرأ ما يتراءى لها من الأرشيف، الذى يملأ عليها حياتها، حتى وفاته يتخيلها أمامه لكنها تأتى بلا تاريخ محدد على شاهد قبره. إلياس هو سيزيف يحمل أفكاره ومخاوفه طوال الوقت كى ينتحر تقريبا فى نهاية كل فكرة ثم يعود مرة أخرى للحياة كى يعذب بالأفكار والتواريخ. وحال قراءتى للرواية كان لدى إحساس بأن الكاتب يعرف أكثر من اللازم لكنه لم يشأ أن يؤلمنا أكثر، هو فقط طلب منا نحن الإلياسات أن نضع صورنا على صفحاتنا على الفيس بوك، حتى لو اكتشفنا أنها صورة واحدة لنا جميعا، وطلب منا أيضا أن ننهى القطيعة مع ذواتنا وأن نضع مرآه صغيرة فى غرفنا المغلقة. إذن يكمن جمال هذه الرواية فى أن أحمد عبد اللطيف لا يكتب وحده هذه الرواية فهناك إلياس، إلياسان، إلياسات كثيرون يكتبون هذا النص، هناك "نحن" العالم الممتلئ بالإلياسات الذين يعيشون جميعا فى ثلاجات طوال الوقت، وهم مستعدون لقراءة سيرتهم الذاتية التى كتبها أحمد عبد اللطيف فى هذا النص المبدع.