تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب دستويفسيكي في مذكرات زوجته
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

دستويفسيكي في مذكرات زوجته

4.0(٢ تقييم)٤ قارئ
عدد الصفحات
٣٤٤
سنة النشر
1889
ISBN
0
المطالعات
١٬٢٦٦

عن الكتاب

دستوفيسكي في مذكرات زوجتة آنا دستويفسكايا ، تكشف لنا آنا غريغوريفينا حياة الكاتب الكبير دستوفيسكي العادية والإبداعية على مدى عقد ونصف من الزمن ، هذه الفترة الغنية بالعطاء ، وقد كانت آنا غريغوريفينا أكثر الماماً من غيرها بحياة دستوفيسكي حيث كانت تشاطره حياته خلال المدة التى عاشت معه فيها وبالتالى فهى الأقدر على أن تكتب تلك المذكرات ، في هذه المذكرات نكتشف دستويفيسكي هذا الكاتب والزوج المحب والأب والمقامر ، المصاب بالصرع ، نمر بهذه اللحظات جميعاً ونعيشها من خلال هذا الكتاب " دستوفيسكي في مذكرات زوجته آنا غريغوريفينا .

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٣‏/٦‏/٢٠١٥
إنها أتعس اللحظات وأقدس اللحظات. أتعس اللحظات لأن الروائي الذي ضرب على نفسه حصاراً خانقاً أساسه عدم الثقة بالآخرين، مجبر رغم أنفه على كتابة عمل روائي كامل في مدة شهر واحد فقط وتسليمه للناشر الذي قام بشراء ديونه. وإن لم ينجح في ذلك، كل عمل نشر سابقاً وكل عمل سيكتب لاحقاً سيكون ملكاً حصرياً للناشر. وهي أقدس اللحظات. لأن هناك كائن بشري واحد لا ينظر إليه بتلك النظرة المستحقرة لعقليته، ولا يستغله للكذب عليه وتسجيل ديون إضافية، ولم يطلب منه أي شيء آخر. ذلك الكائن، امرأة، وهبت نفسها له بكل ما فيها. أحبته إعجاباً به: بأدبه وشهرته. وحين تكشف لها أن خلف هذا الأدب وهذه الشهرة معاناة هائلة، قد لا تقوى هي الفتاة الشابة على تحملها، ألقت بكل ما فيها على هذه المعاناة، بكل ما فيها من فقر ومطاردة وتشرد وفقد ومرض. ومع ذلك، كانت حياتها معه سعيدة وعظيمة. سعادة قائمة على ذلك الاجتياز الجريء والشجاع لكل الضربات المتوالية. إن أعظم روايات الأديب الروسي فيدور دوستويفسكي لم تكتب بخط يده، وهذه مفارقة هائلة. حياته كلها كانت رواية تنافس في قوتها أعظم أعماله. وأقدس عمل لديه، حين وثق بتلك الفتاة التي تساعده في كتابة رواية المقامر، آنا غريغوريفنا, أفصح عن نفسه مباشرة بأشد لحظاته ألماً. الإفصاح عن ذكريات خاصة جداً ومؤلمة تتطلب الثقة المطلقة. وها قد أعطاها إياها مباشرة. لم يتحدث عن أيامه السعيدة لأنه لا يعرف طعم هذه السعادة وشكلها. هو ح%pQ7لم، يحلم ببدء حياة جديدة وهو في الأربعين من عمره. حينئذ قص عليها أعظم أعماله: فنان، لم يعد شاباً، طفولته كانت قاسية حيث ولد في مستشفى للفقراء، مصاب بمرض لا شفاء منه، أجبره على الانفصال عن فنه وحياته التي كان يحلم بها على مدى عشر سنوات. يعود الفنان إلى حياته بعد فقد أعز ما لديه: والدته، والده، أخيه الأكبر، أخته، زوجته. حالة البطل الروحية، وحدته وخيبة أمله، عطشه للحياة الجديدة، حاجته إلى الحب والرغبة الجامحة في العثور على السعادة، قادته إلى فتاة أحبها. وهو المثقل بكل هذا التاريخ الذي لا يرحم: هل تقبل به هذه الفتاة؟ هي قبلت به معلنة عشقها وحبها له. لم يتقدم إليها مباشرة عارضاً عليها الزواج. قص سيرة حياته بشكل غير مباشر، كي لا يكون هناك صدمة إذا رفضت. وها هي قد قبلت به. تيقن حينها أن الله أرسل إليه هذه الفتاة ليجد سعادته، وليكفر عن ذنوبه الهائلة. سيرة زوجة الروائي فيدور دوستويفسكي الثانية آنا غريغوريفنا ليست صورة من تلك الصور الخاصة بسير الروائيين الذين يرصدون ما يدور في أروقة عقول الأدباء ومساجلاتهم وذكرياتهم معه. هي سيرة حياة صعبة جداً ولم أتخيل أن تكون هناك فتاة مثلها تفضل إلقاء نفسها في تاريخ جحيمي لا يرحم، لا تعرف إن كانت ستخرج منه أم لا. حين قبلت به، كانت عاشقة مولهة بحب هذا الأديب. غير أن هذا الحب انتقل من حالة العشق والوله إلى حالة الشفقة. كأنها أم وليست زوجة له. اكتشفت أن طيبته الزائدة أوقعته في مهالك لا سبيل إلى الخروج منها. الديون التي عانى منها طوال حياته لم يكن له دخل فيها. النسبة الكبرى من هذه الديون ورثها من أخيه الأكبر. والأرباح- إن كان هناك أرباح من أعماله، تذهب للصرف على عائلة أخيه وابن زوجته وشقيقته وعائلتها. إن كان هناك من لا يقف مع زوجها في الماضي، فهي ستقف من هذه اللحظة بكل ما تحمل من إصرار وعناد. ولذلك فضلت أن تضحي بكل ما تملك في سبيله. حين لاح في الأفق أن زواجها منه معدوم لكثرة الديون التي يغرق فيها الروائي، قامت بالتخلي عن كل ورثها ومهرها في تسديد الديون والهجرة معه إلى الخارج. وهناك لاح لها في الأفق وظهر بكل شدته معاناة هذا الروائي. إن الكتابة الأدبية تحتاج لتفرغ يسمح للأديب بالتحرك. يستطيع التخطيط والتفكير ويأخذ وقته في الكتابة. إذا اجتمعت الموهبة مع المعاناة، يستمد الكاتب من معاناته معيناً في تدعيم وجهة نظره لأنه يعرف جيداً حقيقة هذه المعاناة. غير أن هناك ألماً بوجود هذه المعاناة مرافقة للموهبة. ألم يظهر في التسرع، في فقدان القدرة على التركيز. يسقط في مشاغل الحياة الصعبة ثم يعود ليجد الأفكار مختلفة من جديد. إن تورغنييف وتولستوي كانوا يتقاضون مبالغ عالية في نشر أعمالهم. أما هو، فيحصل على أقل من النصف، بل هو أقل أديب يحصل على أجر لقاء أعماله:” إنني على ثقة من أن أياً من أدبائنا السابقين والحاليين، لم يكتب في مثل هذه الظروف التي أكتب فيها دائماً. فتورغنييف كان من شأنه أن يموت من مجرد التفكير في ذلك” من هو دوستويفسكي؟ أي عمل من أعماله لم يفصح بصورة واضحة وشديدة التفاصيل عنه مثل تلك التي ذكرتها زوجته آنا في مذكراتها. وتحديداً في العشرين من فبراير 1868م. كان دوستويفسكي مصاباً بنوبة صرع عنيفة استنزفت قواه لدرجة لم يعد يستطع الوقوف على قدميه. نامت الزوجة بقرب زوجها غير أن الألم انطلق من الزوجة هذه المرة: آلام الولادة. لامست كتفه لتخبره بمعاناتها، ولم تجد منه إلا ابتسامة ساذجة تعزيها في هذا الألم ثم أسلم نفسه للرقاد. لم يكن على وعيه ولا يستطيع كما تقول آنا أن يتصرف. بعد أربع ساعات استيقظ وهو في كامل عافيته. هاله هذا المنظر! زوجة تعاني من آلام الولادة وهو نائم لا يعرف عنها أي شيء. ذكر الزوج تلك التفاصيل بتمامها في مشهد الولادة العظيم في رائعته الشياطين. تذكر القابلة أنه كان يصلي خارج الغرفة، راكعاً على ركبتيه، مستسلماً لتفكير عميق، وتارة يغطي وجهه بيديه. ما إن سمع صوت الطفل حتى أدرك أن طفله الأول قد ظهر للوجود: ” لفرط سعادته قفز من ركوعه، اقتحم الباب المغلق، وركع على ركبتيه إلى جانبي وراح يقبل يدي. كنت في منتهى السعادة لأن عذابي انتهى، كنا متأثرين لدرجة أننا لم نعرف بمن رزقنا: صبي أم فتاة. وعرفنا أنها كانت فتاة: صوفيا.” لم تكن هناك سعادة عظيمة في حياته مثل تلك اللحظة، حين ظهر للوجود كائن من لحمه ودمه. كانت سعادة صافية كاملة. غير أن تلك السعادة ستلحقها نازلة هي أشد عليه من كل ما سبقها. خرج للحديقة مع زوجته وطفلته. مع تقلب الجو أصيبت الطفلة ذات الثلاثة أشهر بنزلة برد كانت نتيجتها ما تذكره آنا غريغورريفنا في مذكراتها، وهي تصف تاريخ دوستويفسكي بالكامل:     “توفيت صوفيا الغالية، وأنا عاجزة عن تصوير ذلك الحزن الذي تملكنا إذ رأينا طفلتنا الحبيبة على فراش الموت. وكنت وقد هزني موتها بعمق، أشعر بخوف كبير على زوجي المسكين: كان يأسه عاصفاً، كان يبكي وينتحب كما المرأة، وهو يقف إزاء جسد محبوبته المسجى، ويغطي وجهها الأصفر ويديها بقبلاته الحارة. لم يحدث أن رأيت مثل هذا اليأس العاصف فيما بعد. كان يخيل إلينا أننا لن نستطيع تحمل هذه المصيبة. أمضينا معاً يومين كاملين، نطوف على المؤسسات للحصول على السماح بدفن فلذة كبدنا، واشتركنا في تجهيز كل ما يلزم لدفنها، وفي إلباسها الثوب الأبيض، ووضعها في النعش. كان منظر فيدور مخيفاً، بسبب ما أحدثه فيه هذا الأسبوع من مرض صوفيا من نحول وضعف. ذهبنا للكنيسة الروسية للصلاة عليها، ومن هناك إلى المقبرة القريبة حيث دفناها في جزء مخصص للصغار. زرعنا بعد أيام حول قبرها أشجار السرو. كل يوم نزور قبرها، نحمل الأزهار ونذرف الدمع. كنا نشعر بصعوبة بالغة في فراقها. أحببناها وتعلقنا بها، واقترنت بوجودها الكثير من آمالنا وأحلامنا. لا أنسى ذلك اليوم حين قررنا مغادرة جنيف للأبد، أرسلنا حاجياتنا على ظهر الباخرة، وذهبنا لوداع قبر طفلتنا الصغيرة الغالية للمرة الأخيرة ووضع إكليل الوداع عليه. جلسنا ساعة كاملة عند أقدام الضريح، نبكي ونتذكرها، ثم غادرنا ونحن ولا نكف نتلفت لإلقاء نظرة على ملاذها الأخير. تحت تأثير وداع طفلتنا الراحلة، كان فيدور متأثراً جداً ومضطرباً، ولأول مرة في حياتي سمعته يشكو ويتذمر من حظه العاثر في الحياة. عاد إلى ذكرياته، وراح يحدثني عن فتوته الحزينة، حيث أمضاها وحيداً بعد وفاة والدته المحبوبة، وتذكر الاستهزاء الذي تلقاه من زملاءه الأدباء وتهكمهم، وقد اعترفوا بموهبته الأدبية في البداية، ثم لم يلبثوا أن تنكروا له وأظهروا له ظهر المجن. وتذكر حكم الإعدام والعفو والأشغال الشاقة، وكم عانى وتعذب على مدى أربع سنوات في سيبيريا. وتحدث عن الآمال التي راودته في العثور على السعادة العائلية المنشودة من زواجه الأول لماريا. ولكن ذلك للأسف لم يحدث: لم يرزق بأولاد، وكان طبعها الغريب وكثرة الارتياب ومرضها السبب في عدم عثوره على السعادة معها. والآن، حينما زارته هذه السعادة البشرية الوحيدة- أن يكون لديه طفل من لحمه ودمه-، وأصبح قادراً على وعي هذه السعادة وتقديرها، لم يرحمه القدر, وانتزع منه هذا الكائن العزيز جداً. ولم يصدف أن تحدث، لا قبل ولا بعد، بمثل هذه التفاصيل الجزئية، والبالغة التأثير أحياناً، عن تلك الكؤوس المرة، التي اضطر لشربها في حياته على يد الناس المقربين منه والغالين عليه. كان قلبه مفعماً بالحزن وكان بحاجة للتخفيف عنه ولو بالشكوى من القدر. وجدته يكتب رسالة إلى صديقه مايكوف يقول فيها: .. كلما مر الوقت ازدادت الذكرى ألماً، وبد لي وجه صوفيا المرحومة بشكل أكثر تألقاً. هناك دقائق يستحيل تحملها. لقد كانت تعرفني، ففي يوم وفاتها، وحينما خرجت من البيت لمطالعة الصحف، دون أن أدرك أنها ستتوفى بعد ساعتين، ودعتني بعينيها الصغيرتين، ولاحقتني بنظراتها لدرجة أني ما زلت حتى الآن أتصور هذا بشكل جلي أكثر فأكثر. لن أنسى أبداً، ولن يتوقف عذابي. إن ما احتاج إليه هو صوفيا. لست بقادر على فهم أنها غير موجودة وأنني لن أراها” أهمية اعترف دوستويفسكي أنها كشف كامل لمعالم نفسه. تماماً كما قال بطل روايته المفضلة البؤساء، للروائي الفرنسي فيكتور هيجو، حين وقف في الشارع وصرخ ملئ قلبه: أنا إنسان بائس يا الله. اعترف ببؤسه، وسيسقط مرة أخرى في بحر أمراضه: الصرع والقمار والديون واضطراب الأفكار. لو كان لوحده، قد تحدث كارثة. ولكن معه الآن زوجته. ولن تتخلى عنه. بشجاعة نادرة، ممتلئة بالشفقة، قبلت بكل تضحية تسهم في إعادة زوجها إلى طريق يجد من خلاله الخلاص. حالة الفقر والديون التي طاردتهم وهم في الخارج استمرت بشكل أكبر، حين سقط دوستويفسكي مرة أخرى وبصورة أشد في المقامرة. فها هو يغيب لأسبوع وأسبوعين مقامراً بكل ما يملك، مبرراً بأن سينجح هذه المرة في الفوز. ولم يجد ذلك النجاح الذي قدم له مبررات غير معقولة. لم تقف آنا في وجه زوجها إذا أراد المقامرة. ولم تشجعه. تركته على حالته تلك، وإذا أراد المزيد ستعطيه كل ما تملك. وفعلت ذلك. لكن تريد شيئاً واحداً سوف يحقق لها شفاء زوجها من خلالها: أن يعود بعد جولة عنيفة من المقامرة، خاسراً كل ما يملك وما تملك هي، ويجد زوجته لا تستطيع شراء الحليب لطفلهم الثاني الوليد. وهذا ما حدث بتمامه. وقرر على إثرها أن يترك القمار نهائياً. تركه ليس لأنه لم يسقط لوحده، بل جر أعز ما لديه في هذا الوحل. تعاملت آنا مع حالة زوجها هذه كمرض، حالة مرضية لا بد لها من علاج. قد يكلفها العلاج كثيراً. أن تبقى جائعة عدة أيام مع طفلتها الثانية. وكأنها تقول: هذه هي النتيجة، ولك كل الاختيار في تحكيم ضميرك. نجحت في هذا، وانتقلت لحالة أصعب: كيف تخلص زوجها من الديون؟ غالبية الدائنين لم يأخذ الروائي منهم أي أموال، بل ورثها من أخيه الأكبر. والبعض منها سجلها هو – الروائي – على حسن نية دون إيصالات مثبتة بوجود هذا الدين. لا يستطيع أن يتعامل مع الدائنين لعدم مقدرته على تحمل هذا العبء. أمسكت الزوجة آنا بزوجها وأخذت مسألة الديون كاملة على عاتقها بحيث هي من تقوم بالتسديد عن طريق الأرباح التي سيحصلون عليها من توزيع أعمال زوجها. فوق هذا العبء كذلك، قامت بتأسيس مؤسسة لتوزيع أعمال زوجها بعيداً عن الصحف الذين لا يعطونه الكثير من الأرباح مقارنة بالأدباء الآخرين. وإذا أرادت أي مؤسسة أن تتفاوض على نشر عمل من أعماله، كان عليهم أن يأخذوا الموافقة منها هي قبل زوجها. للشاعر الروسي الكبير نيكراسوف قول مشهور وهو يرى آنا تقود أعمال زوجها بكل مهارة. قال هازئاً لدوستويفسكي: لم يكن يخطر لي أبداً أنك تحت حذاء زوجتك! قد يبدو مهيناً هذا الكلام، وهو كذلك بلا شك. لكن نيكراسوف تناسى أن تلك الزوجة هي من انتشلت زوجها من أعماق الجحيم وأعادته للحياة من جديد. في الوقت الذي تخلى فيه الصندوق الأدبي والمجتمع الأدبي والصحافة التي يعمل فيها الروائي عن دوستويفسكي ولم يلقوا له بالاً، ولم يجد أحد يساعده على الوقوف، كانت هي من وقفت معه حتى ينهض ويجد سعادة يحلم بها، مفضلة التضحية بالكثير مما تملك في سبيل حياة، تصفها آنا بأنها عظيمة وسعيدة: عظيمة لأن هناك مصاعب جمة وقفت في طريقهم محطمة كل أمل في النهوض, استطاعوا تخطيها بجسارة، وسعيدة لأن أربعة عشر سنة عاشتها بحلوها ومرها مع الروائي الذي تعشق: فيدور دوستويفسكي. أنا مدين لبعض الكتب بالكثير. إن كان هناك من كتاب قام بتغيير مساري في القراءة واقتحامي للأدب الروسي وفتح مسارات كبيرة ومتعددة فهو بفضل مذكرات آنا غريغورريفنا دوستويفسكي. قبل ست سنوات اكتشفت مذكرات مختصرة لها منشورة في أحد المواقع. لم أعرف دوستويفسكي حينها ولم أقرأ له أي عمل ولم اقرأ حينها في الآداب الروسية. ذهلت لكمية التفاصيل العظيمة في تلك المذكرات المختصرة ذات الأربعين صفحة. وأحببت مؤلفات المؤلف قبل القراءة له، لأن غالبية تفاصيل حياته مذكورة عرضاً في مؤلفاته. ورغبة مني في نشر تلك المذكرات على نطاق أوسع، أعدت نشرها في أحد المنتديات، مع إضافة صور توضيحية وفهرس بالأعلام وبعض الملاحظات. وحتى لا تبقى تلك المذكرات سجينة في المنتدى، قمت بعمل نسخة الكترونية منها. ولم أصدق أن تنتشر تلك المذكرات ذلك الانتشار وتجد لها مكاناً في القودريدز. وها أنا أعيد قراءة تلك المذكرات مترجمة للعربية في 330 صفحة من إصدار دار طلاس السورية. هذه قائمة ببعض الكتب التي كتبت عن دوستويفسكي: سير أدبية ودراسات وأعمال نقدية لأعماله. البعض منها مترجم للعربية والبعض باللغة الانجليزية. 1 – أكبر المؤلفات عن دوستويفسكي كانت من الأستاذ الجامعي جوزيف فرانك. قاده الشغف طوال ٥٠ سنة ليصبح أكبر قارئ لدوستويفسكي، ويصدر أكبر و أكمل عمل قد صدر عنه على الإطلاق. دعي لإلقاء محاضرة عن الوجودية في الخمسينات، وكان من المخطط أن يتحدث عن الوجودية ممثلة بألبير كامو وجان بول سارتر. وهو في تحضيراته تلك قرأ مؤلف ملاحظات من القبو “في قبوي”. تحت تأثير هذا النص- وهو أحد أعظم النصوص الأدبية الوجودية- وجد نفسه يتعلم الروسية حتى يعرف دوستويفسكي عن قرب. أمضى جوزيف فرانك عقدين في دراسة دوستويفسكي. نتج عن ذلك خمسة مجلدات تتناول سيرة دوستويفسكي وأدبه وفكره وعصره، صدرت في الفترة ما بين ١٩٧٦ إلى عام ٢٠٠٢م. يقول فرانك: لم أخطط لكتابة سيرة ضخمة. عزمت على نشر سيرة دوستويفسكي في كتاب واحد، ثم أيقنت أنه من الصعب التعبير عن ما أريد في كتاب واحد! أردت كتابة سيرته بشكل مختلف، معتمداً على الثقافة الروسية والأفكار والصراعات الأيديولوجية في ذلك الوقت. مجلدات جوزيف فرانك عن دوستويفسكي: بذور التمرد، سنوات المحنة، اهتياج التحرير، ثم أتبعها بجزء رابع ليختمها بكتابه الخامس: سنوات المعجزة. لجوزيف فرانك كتاب يعتبر بشكل ما مختصر عن هذه المجلدات، من ١٠٠٠ صفحة من القطع الكبير: Dostoevsky: A Writer in His Time 2 – دوستويفسكي: حياته وأعماله للروائي والناقد الفرنسي هنري ترويا. من أفضل الكتب المترجمة للعربية حالياً. دار علاء الدين 3 – دوستويفسكي لليونيد جروسمان. دار علاء الدين. الكتاب مميز إلا أن يعاني من مشكلة رئيسية: الترجمة العربية تحوي أغلاط نحوية كثيرة تصعب من مهمة القراءة. 4 – شعرية دوستويفسكي للناقد السيميائي ميخائيل باختين. دراسة فكرية مميزة لفنية الروائي من خلال تعدد الأصوات الروائية. دار توبقال المغربية. 5 – تولستوي ودوستويفسكي لجون شتاينر. دراسة مقارنة بين أهم قطبين في الأدب الروسي. من إصدار المجلس المصري الأعلى للثقافة، في كتابين. 6 – دوستويفسكي للروائي الفرنسي الحائز على نوبل أندريه جيد. محاضرات ومقالات من خلال رسائل دوستويفسكي. دار عويدات.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٣‏/٦‏/٢٠١٥
لم أفكر يوما في كتابة المذكرات، فأنا أفتقر الى الموهبة الأدبية. وكنت عمري مشغولة بإصدار مؤلفات الراحل زوجي، فلا وقت عندي لأمور أخرى. إلا أن صحتي تدهورت في عام 1910 فعهدت الى آخرين بمتابعة طبع مؤلفاته، وانزويت بعيدا عن العاصمة بطرسبورغ أعيش في وحدة مطبقة. وكان لابد أن أملأ فراغ أوقاتي، والا فلن يطول بي العمر. أعدت قراءة يوميات زوجي ويومياتي فوجدت فيها تفاصيل هامة تستحق أن يطلع عليها الناس. ثم أمضيت خمس سنوات 1911 -1916 في إعداد هذه المذكرات (المخطوطة في 792 صفحة من القطع الكبير). أنا لا أتعهد للقاريء أن يجد متعة في مذكراتي، لكني أؤكد على صدقيتها ووثائقيتها. وأعترف صراحة بأنها تعاني من هنات أدبية كثيرة، كالإسهاب وحوشي الكلام وعدم تناسق الفصول، وعذري، في صعوبة ما أقامت عليه، وأنا في السبعين، تحدوني رغبة صادقة في تزويد القراء بصورة واقعية عن فيودور مخيائيلوفيتش دوستويفسكي، ما له وما عليه، كما كان في حياته العائلية والشخصية (في أكثر مراحل ابداعه خصبا وعطاء 1866 – 1881). 1- نظرة كلها ألغاز لكنيسة القديس ألكسندر نيفسكي في بطرسبورخ منزلة خاصة في نفسي. إذ ان مقبرتها تحنو على رفات المرحوم زوجي فيودور دوستويفسكي، واذا جاء أجلي فعسى أن ادفن جنبه. ثم اني ولدت (في الثلاثين من آب 1846) في عيد القديس نيفسكي بشقتنا الفخمة ( 11 حجرة) المطلة على ساحة كنيسته. كان المنزل يعج بالضيوف يتفرجون مبتهجين، من الطابق الثاني، على موكب الصلبان ومراسم العيد في الساحة. وكانت أمي الجميلة للغاية، كما علمت بعد سنين، تقوم على خدمتهم فرحة مستبشرة. وفجأة جاءها المخاض. وبعد ساعة رأيت النور. استقبل الضيوف نبأ ميلادي بالتهليل وقرع الكؤوس، وتنبذوا لي بمستقبل باهر سعيد. فالقليلون من البشر يولدون في مناسبات سارة كهذه. وبالفعل ورغم الصعاب والآلام التي عانيتها فيما بعد، أعتبر نفسي سعيدة للغاية، ولا أرى حياة أفضل مما عشت. أمضيت طفولتي مع أخي وأختي في حياة هادئة متمتعين بحنان أمنا السويدية الأصل وأبينا الروسي (الأوكراني المنشأ). وأنهيت الدراسة الابتدائية في مدرسة كل دروسها، ما عدا الدين، تلقي بالألمانية، وأفادتني هذه اللغة كثيرا حينما أمضيت مع زوجي عدة سنين في الخارج. التحقت بمعهد التربية لكني لم أكمل الدراسة فيه. وفي عام 1866 دخلت دورة الاختزال بإصرار من والدي الذي ربما كان عرافا يقرأ الغيب ويدري أني سألقى سعادتي بفضل هذه المهنة. فقد أبلغني أستاذي في الدورة أن الكاتب دوستويفسكي يبحث عن شخص يجيد الاختزال ليملي عليه روايته الجديدة "المقامر" بحوالي مائتي صفحة وبأجر قدره خمسون روبلا. ورشحني الأستاذ لهذه المهمة. خفق قلبي فرحا. كنت، شأن جميع فتيات الستينات، أنشد الاستقلال وأبحث عن عمل يجعلني أعتمد على نفسي، لاسيما وان تلك فرصة نادرة للتعرف على كاتب من أحب الكتاب الى والدي، وأنا شخصيا معجبة به للغاية، وكنت أبكي عندما أقرأ روايته "مذكرات من بيت الأموات". تصورته شيخا بعمر والدي، عبوسا كئيبا كما يتصوره الكثيرون، وجئت الى الموعد المحدد. كان يقيم في شقة متواضعة بعمارة ضخمة يسكنها تجار وباعة وحرفيون. وذكرتني في الحال بالعمارة التي يقيم فيها راسكولنكوف بطل "الجريمة والعقاب". مكتبه واسع بنافذتين مضيئتين أيام الصحو، لكن جوه فيما عدا ذلك حالك ساكن يثقل على النفس. وعندما رأيته لأول مرة خيل الي أنه عجوز بالفعل، ولكن ما إن تحدث معي حتى تضاءلت سنه وبدا لي في الخامسة والثلاثين. كان متوسط البنية معتدل القامة، شعره كستنائي فاتح أقرب الى الأشقر، مدهون ومصفوف بأناقة. وجهه شاحب كوجوه المرضى. يرتدي سترة من الجوخ الأزرق تكاد تكون بالية، إلا أن قميصه ناصع البياض بياقة منشأة ورد نين بارزين. ولكن ما أدهشني فيه هو عيناه، لا ختلافهما الواضح. احداهما بنية، وفي الأخرى بؤبؤ متسع يحتل فضاء العين ويأتي على معظم القزحية، مما يجعل نظراته لغزا من الألغاز. (في نوبة مبكرة من الصرع سقط دوستويفسكي وأدمى عينه اليمنى فوصف له الطبيب علاجا بالأتروبين أدى الافراط في استخدامه الى توسع البؤبؤ لهذا الحد). 2. عودة الروح في أول لقاء عمل معه حدثني، وهو يدخن السيجارة تلو السيجارة، عن حكم الإعدام الذي صدر بحقه مع جماعة بتراشيفسكى بتهمة التآمر على النظام فى 22 كانون الأول 1849:  – كنت واقفا فى الساحة أراقب بفزع ترتيبات الاعدام الذي كان سينفذ بعد خمس دقائق. كلنا في قمصان الموت موزعين على وجبات من ثلاثة محكومين. وكنت الثامن فى التعداد، ضمن الوجبة الثالثة. أوثقو الثلاثة الى الأعمدة. وبعد دقيقتين يطلق الرصاص على الوجبتين الأوليين ويأتي دوري. يا إلهي، ما أشد رغبتي في الحياة. تذكرت كل ماضي الذي هدرته وأسات استخدامه، فرغبت فى الحياة من جديد وفى تحقيق الكثير مما كنت أنوي تحقيقه لأعيش عمرا طويلا… وفى اللحظة الأخيرة أعلن وقف التنفيذ. حلوا وثاق رفاقي وقرأوا حكما جديدا على كل منا. وكانت من نصيبي هذه المرة الأشغال الشاقة أربع سنين. فما أعظم سعادتي. أمضيت باقي الأيام قبيل الرحيل إلى المنفى أغني و أترنم فى الثكنة تلك يوم. ما أشد فرحتي بحياة وهبت إلى من جديد… اقشعر بدني من حديثه. وأدهشني بصراحته. فهذا الرجل الذي تبدو عليه مظاهر الإنطوائية القاتمة يتحدث عن تفاصيل حياته بصدق وإخلاص مع فتاة غريرة يراها لأول مرة. ولم تتبدد حيرتي من هذا التناقص إلا بعد أن اطلعت على أوضاعه العائلية وأدركت سبب بحثه عن أناس يضع ثقته فيهم ويفضي إليهم بما يعتمل في نفسه. كان يشعر بوحدة قاتلة بعد وفاة زوجته الأولى ماريا عيسايفا وشقيقه الأكبر ميخائيل ويعيش محاصرا من قبل الخصوم والحساد والدائنين. كانت انطباعات اليوم الأول مرهقة للغاية. عدت إلى منزلي فى ساعة متأخرة من الليل وأنا في أقصى درجات الإعياء بحد أن أملى على فيودور دوستويفسكي أولى صفحات "المقامر". و لأول مرة فى حياتي أرى إنسانا ذكيا وطيب القلب الى هذا الحد، لكنه تعيس بنفس القدر وكان الجميع أشاحوا بوجوههم عنه. فتألمت وشعرت بالإشفاق عليه. 3. الناشر الماكر تأخرت عليه قليلا في اليوم التالي. فوجدته قلقا للغاية. قال لي إنه ملزم بإنهاء الرواية فى غضون شهر، فإن دائني مجلة "الوقت" التى كان يصدرها شقيقه ميخائيل وتعهد هو بتسديد ديونها بعد وفاته هددونه بمصادرة ممتلكاته وزجه في السجن. كانت الى ديون المستحقة حسب الكمبيالات ثلاثة آلاف روبل. وبهذا المبلغ باع دوستويفسكي الى ناشر اسمه ستيلوفسكي حقوق طبع مؤلفاته بثلاثة مجلدات والتزم فضلا عن ذلك بتأليف رواية جديدة يدخل ريعها ضمن المبلغ المذكور. وكان ستيلوفسكى أقدم على خطوة غادرة، حيث اشترى قبل ذلك بأبخس الأثمان كمبيالات ديون ميخائيل. فعاد اليه المبلغ الذي دفعه الى دوستويفسكي. وها هو، فوق ذلك، يشترط تسليم الرواية الجديدة فى مدة غير معقولة، وإلا ستعود اليه، حسب العقد الموقع مع دوستويفسكى، حقوق نشر مؤلفاته لأجل غير مسمى. وكان يأمل بالطبع أن يعجز الكاتب المريض عن الإيفاء بتعهده، لاسيما وأنه كان فى عام 1866 ذاته على وشك إنهاء "الجريمة والعقاب". صرت أتردد عليه يوميا في الثانية عشرة، فيملى على فصول "المقامر" حتى الرابعة، على ثلاث وجبات بنصف ساعة أو أكثر. وفيما بين ذلك نتحدث في شتى الأمور. وبالتدريج تحسن مزاجه وتعود على الإملاء، فهو يمارسه لأول مرة. وكان يسره بخاصة الرد الى تساؤلاتي عن الأدباء الروس. فهو، مثلا، يعتبر نيكولاي نكراسوف صديق الطفولة ويقدر موهبته الشعرية كثيرا. كما يقدر أبولون مايكوف كشاعر موهوب وإنسان ذكى ومثال للطيبة. ويرى أن ايفان تورغينيف روائى من الدرجة الأولى، لكنه يأسف لأن هذا الأخير أمضى وقتا طويلا فى الخارج ولم يعد يتفهم طبيعة روسيا والروس كما ينبغي لكاتب كبير مثله (كانت العلاقة بين دوستويفسكي، تورغينيف معقدة يغلب عليها الجفاء والقطيعة). 04 القدس أم المرأة؟ و على ذكر الخارج أبلغني ذات مرة، وكان فى حالة من اليأس و القنوط، أنه مقدم على اختيار أحد طرق ثلاثة، فإما الرحيل الى القدس ليقيم مع الطائفة الأرثوذكسية الروسية هناك ربما لاخر العمر، وإما الهجرة الى أوروبا ليغرق في القمار الذي أولع به، و إما الزواج للمرة الثانية لعله يجد السعادة والفرحة في أحضان العائلة. وكانت كفة القدس هى الراجحة من حيث جدية نوايا دوستويفسكي، فقد عثرت بين أوراقه فيما بعد على رسالة مؤرخة في 3/6/1863 من رئيس اتحاد الأدباء الروس آنذاك الى القنصل الروسي فى القسطنطينية لتسهيل أمر رحيله. وسألني رأيي في هذا الخيار الذي كان سيغير مجرى حياته الفاشلة تغييرا جذريا. تحيرت فى الجواب. بدت لى نيته فى الرحيل الى القدس العثمانية أو الى كازينوهات أوروبا غامضة و خيالية. ولعلمي بوجود عوائل سعيدة بين معارفي وأقربائي نصحته أن يبحث عن أمنيته المنشودة فى الأسرة. فعلق قائلا: – وهل تتصورين بان امرأة ستقبلني زوجا؟ و أية امرأة أختار؟ راجحة العقل أم طيبة القلب؟ – راجحه العقل طبعا، كي تناسبك. – كلا، أفضل امرأة طيبة القلب تشفق على وتحبني. 5. رواية فى 26 يوما واصلنا العمل فى " المقامر" حتى غدا واضحا في آخر الأسبوع الثالث أننا سنتمكن من تسليم الرواية في الموعد. وصرنا كلانا نشاطر أبطالها حياتهم. فكان لى بينهم، كما لدوستويفسكي، شخوص أحبهم وآخرون أنفر منهم. أشفقت على الجدة التى خسرت أموالها وعلى مستر استلي، لكنى امتعضت من بولينا ألكسندروفنا ومن البطل الرئيسي أليكسى ايفانوفيتش، فيما التزم دوستويفسكى جانب هذا الأخير وأكد أنه شخصيا جرب الكثير من مشاعر البطل و انطباعاته. أنجز دوستويفسكى روايته فى 26 يوما وسلمها الى الشرطة، مقابل ايصال، ليتفادى غدر الناشر الماكر. و قبضت أجرتي، لكن علاقتي بالكاتب لم تنقطع. فقد أبدى رغبة فى زيارة عائلتي. ودعوته الى بيتي بعد أيام. أعجبت به أمي كل الإعجاب بعد أن كانت فى البداية متهيبة مرتبكة لزيارة الكاتب "الشهير" و هو، والحق يقال، جذاب للغاية يسحر، كما لاحظت فيما بعد، حتى خصومه الذين لا يرتاحون إليه عادة. عرض علي أن نواصل العمل فى الجزء الأخير من "الجريمة و العقاب" هذه المرة. وكنت مترددة بعض الشيء، لكنى وافقت عندما رأيته مصرا. 06 الجوهرة و الأحلام بعد ثلاثة أيام زارنا من جديد دون سابق إنذار. وطلب أن آتى إليه لتدقيق شروط العمل. ولكنى حينما جئته، فى الثامن من تشرين الثاني 1866، فوجئت به يصارحني بحبه ويرجوني أن أقبل به زوجا. … كان منفعلا ومبتهجا حتى بدا لى فى سن الشباب. سألته عن سبب ابتهاجه فأجاب أنه رأى حلما فى المنام. فقهقهت، لكنه أوقفنى قائلا: "لا تسخري منى. أنا أؤمن بالأحلام. و أحلامي تتحقق دوما. حينما أرى المرحوم شقيقى ميخائيل أو يحضرني طيف والدي في المنام لا بد ان تحل بى مصيبة. لكنى هذه المرة رأيت جوهرة براقة بين مخطوطاتى فى هذا الصندوق، ثم توالت أحلام أخرى ولا أدري أين اختفت الجوهرة ". فقلت له: " الأحلام تفسر عادة بالمقلوب"، وأسفت لما قلت. فقد أمتقع وجهه وسال: " تعتقدين أنني لن ألقى السعادة و أن ذلك مجرد أمل واه؟ ". وأجبته: " والله لا أدري. ثم اننى لا أصدق الأحلام ". واختفى كل أثر للإبتهاج. ودهشت لسرعة تبدل مزاجه. ثم انتقل بالحديث الى رواية يخطط لكتابتها، فتحسن حاله رأسا و أخبرنى أنه لم يتوصل بعد إلى خاتمة جيدة. ففى الرواية فتاة، وهو غير ملم بارتعاشات نفوس الفتيات. ورجانى أن أساعده. عرض علي بالخطوط العامة حبكة الرواية، فادركت أنه يقص علي مشاهد من حياته تلقي الأضواء على طفولته القاسية وعلاقته بالمرحومة زوجته وأقربائه والملابسات الأليمة التى شغلت الفنان عن عمله المحبب عدة سنين. وكان المفروض أن تنتهى الرواية بعودة الفنان الى الحياة من خلال حب يشفيه وينقذه من وحدته وشيخوخته المبكرة. ولم يخطر ببالى ساعتها أنني كنت المقصودة ببطلة الرواية المزعومة. لكنه باغتني مرتبكا: – ما رأيك؟ هل تستطيع فتاة شابة أن تحب فنانا عجوزا مريضا مثقلا بالديون؟.. لنفترض أن الفنان هو أنا، البطلة أنت، فما ر أيك؟ – لو كان الأمر كذلك فعلا لأجبتك: أحبك وسأظل على حبى مدى العمر. وبعد ساعة أخذ فيودر دوستويفسكى يخطط لمستقبلنا ويسألنى رأيي في التفاصيل. وكنت عاجزة عن الخوض فيها من فرط السعادة. اتفقنا على كتمان سر الخطبة مؤقتا إلى أن تنجلى الملابسات. و عندما ودعنى هتف مبتهجا: وجدت الجوهرة أخيرا. و أجبته: عسى ألا تكون حجرا. 7. لم يعد السر سرا لا أظن أن أمي فرحت لنبأ خطبتي. فهي تدرك بالطبع أني سأعاني الكثير فيما لو تزوجت من رجل مصاب بداء عضال ويفتقر الى المال. لكنها لم تعمد الى إقناعى بالعدول عن الزواج، كما فعل آخرون بعدها. وللحقيقة أقول أن دوستويفسكى أبدى طوال 14 عاما من حياتنا الزوجية منتهى الطيبة في معاملة والدتي. وبعد أسبوع افتضح سر الخطبة على غير المتوقع. أفضى به دوستويفسكي نفسه الى حوذيه في لحظة ابتهاج. فابلغ هذا الأخير خادمة نقلت الخبر في الحال الى بافل، ابن دوستويفسكى المتبنئ. غضب هذا على " أبيه العجوز"، فكيف يجوز له ان يبدأ الحياة من جديد دون أن يستشير " ابنه "؟. وانسحب غضب الفتى علي طبعا، إلا أن موقفه مني غدا أكثر ليونة بمرور الزمن. رغبت فى معرفة كل شئ عن دوستويفسكي. وما كانت أسئلتي المتلاحقة لتضايقه. حدثنى عن حبه لأمه و أخيه المرحوم ميخائيل واخته الكبرى فاريا، لكنه لم يبد حماسا فى الكلام عن اخوته وأخواته الأصغر. واستغربت من غياب كل ما يشير الى غرامه بامرأة ما في شبابه. وأعتقد أن السبب هو تفرغه المبكر للكتابة. فالنشاط الثقافى أزاح حياته الشخصية الى المرتبة الثانية، ثم أنه تورط فى عمل سياسي دفع ثمنه غاليا وصرفه عن الإهتمام باموره الخاصة. لم يكن يميل الى تذكر المرحومة زوجته، لكنه يذكر خطيبته الأولى آنا كورفين بكل خير، وياسف على فسخ خطبتهما لإختلاف الطباع والاراء – كما يقول. وظل حتى النهاية يحتفظ بعلاقات طيبة معها. وتعرفت عليها أنا أيضا بعد ست سنوات من زواجى فربطت بيننا أواصر صداقة 8. فارق السن ربع قرن سألته مرة: لم لم تتقدم إلى بخطبة عادية كما يفعل الجميع، وجئت بمقدمات طويلة عريضة بشكل " رواية " مختلقة؟ وأجاب: – الحقيقة كنت يائسا، وكنت أعتبر الرواج منك تهورا وجنونا. فالتفاوت بيننا رهيب. أنا شيخ عجوز تقريبا وأنت فى عمر الطفولة وفارق السن بيننا ربع قرن. أنا مريض كئيب سريع الإنفعال، وأنت مفعمة بالحيوية والمرح. أنا إنسان مستهلك أكلت عمري وتجرعت المصائب و الأهوال. وأنت تعيشين حياة هانئة والمستقبل كله أمامك. ثم انى فقير ومكبل بالديون. فماذا أنتظر؟ – إنك تبالغ يا عزيزى. فالتفاوت بيننا ليس فيما تقول. التفاوت الحقيقي أنك اخترت فتاة متخلفة لن تقترب شبرا من مستواك الثقافى فى يوم من الأيام. – كنت مترددا متهيبا فى الخطبة. أخشى ما أخشاه أن أغدو مثارا للسخرية فيما لو رفضت. فكيف يحق لرجل كهل قبيح مثلى أن يطلب يد فتاة شابة مثلك؟ كنت أتوقع أن تردي علي بأنك تحبين شخصا اخر. ولو جاء جوابك على هذا النحو لكان ضربة قاسية لى، فانا أعانى من وحدة نفسانية خانقة وكنت أريد أن أحتفظ بصداقتك على الأقل. ولذا أردت أن أستطلع رأيك في البداية، من خلال مخطط رواية وهمية. كان أسهل علي عندئذ أن أتحمل رفضك. إذ سيكون موجها ضد بطل الرواية وليس ضدي شخصيا. وعلى أية حال أرى أن تلك الرواية المختلقة أفضل رواياتى على الإطلاق. فقد عادت علي بالثمار ر أسا. 9. داء بلا دواء تلقى دوستويفسكى رسالة من مجلة " البشير الروسي" الصادرة فى موسكو تطالبه بالجزء الثالث من " الجريمة والعقاب". وكنا نسينا هذه الرواية فيما نحن فيه من أفراح. فعاد دوستويفسكي يملى علي بقية الرواية بهمة ونشاط. تحسن مزاجه، فتحسنت صحته، حتى أن الشهور الثلاثة التى سبقت زفافنا لم تشهد سوى ثلاث أو أربع نوبات من الصرع، مما جعلنى آمل بان هذا الداء اللعين سيخف فيما لو توافرت لزوجي حياة هادئة سعيدة. وهذا ما حدث بالفعل. فالنوبات التى كانت تنتابه كل اسبوع تقريبا لم تعد تتكرر فى السنوات التالية إلا لماما. ولم يكن الشفاء من هذا المرض بالأمر الممكن، لا سيما وان دوستويفسكى تهاون في العلاج، بل وأهمله لاقتناعه بعدم جدواه. إلا أن تقلص النوبات كان بالنسبة إلينا هبة عظيمة خلصته من الرواسب النفسانية الثقيلة بعد كل نوبة، وخلصتنى من الدموع والالأم التي تكوينى عندما يقع فريسة للصرع بحضورى. كانت نياط قلبى تتمزق وأنا أسمعه يزعق بصوت لا يشبه أصوات البشر ثم أراه يتلوى ويخر على الأرض متشنجا. و عندما ألفيته لأول مرة يتضور ألما ويصرخ ويئن ساعات بلسان متلعثم ووجه ملتو وعينين جامدتين ظننته مجنونا مختل العقل. لكنه، والحمد لله، كان يغفو طويلا ويستيقظ بعد ذلك سويا كالآخرين، لولا الكآبة التي تظل تلازمه أكثر من أسبوع وكأنه فقد أعز ما لديه فى الدنيا على حد تعبيره. أول احتكاك عائلى جاءني ذات يوم، في عز الشتاء، يرتجف من البرد بمعطف خريفى، فاسرعت إليه بالشاى الساخن وسألته مستغربة: أين معطف الفرو؟ فاجابني مترددا: قيل لي أن الجو دافئ. ثم أضاف موضحا أن أقرب أقربائه، " ابنه " بافل وأخاه الأصغر نيكولاي وكذلك إميليا زوجة المرحوم ميخائيل، طلبوا منه نقودا لحاجة ماسة وعاجلة. فاضطر أن يرهن معطفه الفرائي. ثارت ثائرتي ورحت أبكى وأزعق: كيف يقول أقرباؤك القساة أن الجو دافئ فهو لا يتناول قهوة الصباح بدون قشدة.، قبيل الظهر يأكل بافل طيرا مشوبا، فتقدم لنا الخادمة على الغداء الطيرين المتبقيين فلا يكفياننا نحن الثلاثة.، يختفى الثقاب احيانا مع ان علبا كثيرة منه كانت في البيت أمس. و كذا يحدث لأقلام الرصاص المبرية. ونثور ثائرة دوستويفسكى عندما يريد التدخين فيصرخ في وجه فيدوسيا. ويهز بافل كتفيه: "أنظر يا بابا، لم تحدث أشياء كهذه عندما كنا لوحدنا" والخادمة المسكينة تخشى غضب دوستويفسكى حتى الموت، والأصح أنها تخشى أن تصيبه نوبة مفزعة بسبب ذلك، كما حدث له مرارا بحضورها. كانت متزوجة من موظف سكير توفي وتركها وأطفالها الثلاثة في فقر مدقع. بلغ خبرها مسامع دوستويفسكى فأخذها خادمة مع صغارها. و حدثتني، و الدموع تترقرق في عينيها، عن طيبته البالغة وكيف كان يدخل على الأطفال ليلا عندما يسمع سعالا أو بكاء فيغطي الواحد منهم ويهدهده، وإذا لم يفلح في ذلك يوقظها لتسهر على المريض. 14. ما أحلاك يا موسكو في الأسبوع الخامس بعد عمد القران بدا شهر العسل فعلا. فالمتاعب والإهانات التي ترضت لها خلال هذه الفترة من أقارب دوستويفسكي حطمت أعصابي لدرجة جعلني أفكر في الطلاق. صارحت زوجي بتلك المتاعب، و ما كان يعرف بالإهانات من جانب " ابنه " خصوصا، فلامني على كسوتي و بدد شكوكي ومخاوفي. وشد العزم على السفر غدا الى موسكو ومن ثم، ربما، الى الخارج، إذا تمكن من إقناع السيد كاتكوف، رئيس تحرير " البشير"، أن يمنحه سلفة جديدة. استقبلني فيرا، شقيقة زوجي، في موسكو خير استقبال. إلا أن أبناءها السبعة عاملوني ببرود. أدهشني موقفهم و أحزنني، حتى علمت سره فيما بعد. كانوا يحبون عمتهم يلينا المتزوجة من رجل شارف الموت ويريدون لها بعد وفاته أن تتزوج من خالهم فيودور دوستويفسكي، ليقيم في موسكو دائما، فهم يحبونه هو الآخر حبا جما. ولكي أخفف من الموقف العدائي الذي قوبلت به في بيت عديلتي أبديت متعمدة بعض الإهتمام بشاب من زوار البيت لأعيد الإعتبار لنفسي. لكن دوستويفسكي لم يفهمني. وتأكد لى أنه يغار على كثيرا، فرأيت ألا أتمادى في الكلام والمرح مع أي غريب بحضوره. فالغيرة تؤذيه، إذ خرج عن طوره ساعتها و انهال علي بتقريع شديد حينما عدنا الى الفندق الذي نزلنا فيه. وفيما بعد تكررت " نوبات " الغيرة حتى في الخارج. ولم أفلح في اجثثات هذه الصفة الذميمة في طباع دوستويفسكى إلا بالتواضع فى المظهر و الملبس والتحفظ الشديد بحضور الرجال، حتى أن رفيقاتي أكدن لي عندما عدنا إلى الوطن أنني "شخت" سريعا في الغربة. ولم يكن ذلك ليسيئني، فزوجي يحبني على ما أنا عليه. أمضينا فى موسكو أياما لا تنسى. كنا كل صباح نتفرج على أبرز معالمها ونتفقد كنائس الكرملين وقصوره. وزرنا قبر المرحومة ماريا والدة زوجي التي كان يقدس ذكراها (ولد فيودور دوستويفسكى في موسكو في الثلاثين من تشرين الأول 1821). وكنا نتناول طعام الغداء كل يوم تقريبا في منزل عديلتي. تحسنت علاقتي مع أبنائها وصرت ألازم زوجي طول الوقت حتى تبدد الشعور بالغربة و النفور الذي كاد يستولي علي تجاهه في الأسابيع الأخيرة من حياتنا فى بطرسبورغ. وعاد إلي مرحي وحبوري. وأكد لي دوستويفسكي أنه استعاد هنا، في موسكو، " زوجته آنا " بعد أن كاد يفقدها مؤخرا في بطرسبورغ وأن "شهر العسل" الحقيقي قد بدأ بالنسبة إليه. 15. في الخارج: شهور أم سنين؟ عدنا من موسكو إلى بطرسبورغ بعد أن وافقت مجلة "البشير" على منح دوستويفسكي سلفة جديدة بألف روبل. أعلن زوجي عن نيتنا في السفر الى الخارج. في فواجه جميع أقربائه هذا النبأ بالإستنكار. وطالبوه أن يترك لهم، فلما لو سافرنا بالفعل، نقودا تكفي لعدة شهور. ويعنى ذلك بالطبع إلغاء الرحلة أصلا. كنا نأمل أن يرتاح دوستويفسكي فى الخارج شهرا ليشرع في كتابة بحثه المطول عن الناقد "بيلينسكى ". لكن إميليا زوجة أخيه أصرت أن يترك لها ولأولادها خمسمائة روبل. و لا في من اعتماد مائتي روبل لإعالة " ابنه"  بافل في فترة غيابنا. لم يفلح دوستويفسكى فى إقناع إميليا بتأجيل الدفع، وما كان بوسعه أن يمتنع عن مساعدة عائلة المرحوم أخيه. فاستقر رأيه، اسفا، على تأجيل السفر. ورأيت أن أنقذ الموقف بالتضحية بجهاز العرس، رغم فظاعة هذه الخطوة. لم تعترض أمي على قراري وقالت: "يؤسفني أن تجري الأمور بهذه الصورة، لكنكما أن لم توثقا أواصر الزواج الان لن تحافظا عليه أبدا ". وكان علي أن أقنع زوجي بضرورة رهن الأثاث و الحلي. وعندما فاتحته بالموضوع، بعد أن صليا معا في كنيسة المعراج، رفض رفضا باتا. رجوته أن ينفذ حبنا ويمنحني شهرين أو ثلاثة من حياة هادئة سعيدة، وإلا سيفسد كل شئ. وانهمرت دموعي فاسقط فى يده ووافق على السفر مكرها. وكانت ثمة إشكالات بخصوص جواز السفر، إذ ان دوستويفسكي محكوم سياسي تحت رقابة الشرطة ولا بد له من الحصول على ترخيص من الحاكم العسكري إضافة إلى الإجراءات الرسمية المعتادة. وساعده في ذلك موظف من المعجبين بأدبه. وارتحلنا لنقضي فى الخارج ثلاثة شهور، لكننا لم نعد إلى روسيا إلا بعد أربع سنين! 16. العذراء أمضينا في برلين يومين في جو مطار غائم، ثم ارتحلنا إلى درزدن. قررنا أن نبقى فيها أكثر من شهر حتى يتمكن دوستويفسكي من إنجاز بحثه المعقد في النقد الأدبي. كان يحب درزدن أساسا بسبب معرضها الشهير وحدائقها الزاهرة. وكان يقف الساعات الطوال متاثرا منفعلا أمام عذراء السيكستينا التى يعتبرها أسمى مظهر لعبقرية الإنسان. (ورد ذكر عذراء رافائيل، على سبيل المقارنة والتشبيه، في العديد من مؤلفات دوستويفسكي، وبخاصة " الجريمة والعقاب"). وفيما بعد، فى فلورنسا، أعجب بلوحة رافائيل "يوحنا المعمدان فى الصحراء "، وفى بازل كانت له وقفة طويلة مؤثرة أمام لوحة هانز هولبين "يسوع ميتا " التي تركت في نفسه شعورا بالإنسحاق الفظيع انعكس في رواية " الأبله". وكان يقيم وزنا للوحات تيتسيان وموريليو ورمبرانت وفان دايك بخاصة. في درزدن انكب دوستويفسكي على قراءة ألكسندر هيرتسن أحد أعمق المفكرين الروس الذين كان لهم تأثير كبير في أدبه. وفى أوقات الفراغ يطلق العنان لبعض عاداته المحببة. فكان يتناول يوميا سمكا مقليا طازجا فى مطعم مطل على نهر إلبا، ويتمشى فى حديقة غروسين غاردن والمسافة إليها من الفندق لا تقل عن سبعة كيلو مرات ذهابا وايابا. ولم يكن يتخلى عن هذه الجولة حتى فى الجو الممطر. فى تلك الحديقة مطعم تعزف جوقته أصنافا من الموسيقى. ولم يكن دوستويفسكي على إلمام كبير في فنونها، لكنه يتمتع بموسيقى موزارت وبتهوفن وروسينى ولا يحب ريتشارد فاغنر (ربما لأن دوستويفسكى تربى على تقاليد الموسيقى الروسية الكلاسيكية وعلى رومانسية غلينكا). 17. الحركة النسوية وكنا فى الأمسيات نتجادل فى مواضيع شتى. وفي الجدال تطفو خلافاتنا الفكرية، حول "المسألة النسوية " خصوصا. فقد كنت، من حيث السن و الميول، من جيل الستينات الذي تميزت نساؤه بالنزعة التحررية و الرفض العدمي. وكان فيودور دوستويفسكي لا يحب الروافض ويشمئز من " رجولتهن" وخشونتهن وعدم اكتراثهن بمظاهر الأنوثة. وكان يؤلمني في نقاشات زوجي معي أنه ينكر على نساء جيلي صلابة العود والمثابرة في بلوغ الهدف المنشود. لكن موقفه من المرأة تبدل تماما فى السبعينات عندما ظهرت على المسرح نساء مثقفات وذكيات فعلا ينظرن إلى الحياة بمنظار حاد. وفي تلك الفترة أكد في مجلته "يوميات كاتب " (1873) أنه يعلق آمالا عريضة على المرأة الروسية التي "أخذت تبدي المزيد من المواظبة والجدية والصدق والعفة والتضحية و البحث عن الحقيقة"، على حد تعبيره. 18. الإمبراطور ألكسندر الثانى أشيع فى درزدن أن امبراطور روسيا تعرض لمحاولة اغتيال أثناء زيارته للمعرض الدولي في باريس و أن إرهابيا من أصل بولوني أصابه بعيارات نارية. كان لهذا النبأ وقع الصاعقة فى نفس دوستويفسكى. فهو من المعجبين بالقيصر ألكسندر الثاني الذي ألغى القنانة وحرر الفلاحين منها وأقدم على الإصلاح. ثم ان دوستويفسكي من المتحمسين للنظام الملكي عموما ويدعو إلى اتحاد الشعب مع " القيصر المحرر" المتنور. زد على ذلك أنه مدين للإمبراطور الحالي باسترجاع حقوقه المدنية كنبيل أبا عن جد، وقد سمع له القيصر، بمناسبة اعتلائه العرش، بالعودة إلى بطرسبورغ بعد الإقامة الجبرية فى سيبيريا. أسرعنا حالا إلى قنصليتنا فى درزدن لتسجيل حضور ولإستنكار هذه الفعلة الشنيعة. اختطف لون دوستويفسكي وكان في اضطراب نفساني شديد، حتى أنه مضى الى القنصلية راكضا تقريبا. وكنت أخشى عليه من نوبة صرع جديدة. وقد أصابته فعلا في تلك الليلة. ومن حسن الحظ أن محاولة الإغتيال كانت فاشلة. إلا أن زوجي ظل حزينا متألما للغاية. فتلك هى المحاولة الثانية لإغتيال القيصر الذي يحترمه ويعزه، مما يدل على أن شباك التآمر عليه ضربت جذورها عميقا. 19. الناقد هدأ روع زوجي فعاد إلى مقالته المطولة عن بيلينسكي بعد أن عذبته كثيرا لتعقيدها حتى كرر صياغتها خمس مرات وجاءت، رغم ذلك، بشكل لا يرضيه. كان يريد أن يفضي بكل ما تراكم في نفسه ويعرض رأيه الصادق فى هذا الناقد الروسي الكبير الذي يقدر موهبته النقدية ويعترف بتأثره وبفضله في تشجيع أدب دوستويفسكى فى شبابه، حتى أكد قائلا: " تبنيت تعاليمه آنذاك بمنتهى الحماس ". لكنه تحول واتخذ موقفا عدائيا إزاء دوستويفسكي في النهاية. وما كان بوسع زوجي أن يسامح بيلينسكى على تهكمه وازدرائه لمعتقداته الدينية، فضلا عن الخلافات الفكرية الاخرى، حول الإشتراكية الإلحادية بخاصة. ولعل الانطباعات الثقيلة التي خلفتها العلاقات بين دوستويفسكي وبيلينسكى تعود أساسا الى همهمات ووشايات "الأصدقاء" الذين أقاموا وزنا لموهبة دوستويفسكى في بادئ الأمر ثم انقلبوا عليه لأسباب غير مفهومة، فتأزمت علاقاته مع نكراسوف وتورغينيف خصوصا. ولقيت تلك المقالة القيمة مصيرا مؤسفا. فقد ضاع أثرها. بعثها دوستويفسكي من درزدن الى موسكو، ولم نعلم بضياعها إلا بعد خمس سنوات. وفي طريقها إلى الضياع وقعت في يد الشاعر مايكوف فكلب الى دولستويفسكي عن صراحتها حيث إنها لا تصلح للنشر إلا ضمن مذكرات ما بعد الموت. 20. المقامر بعد ثلاثة أسابيع من مكوثنا في درزدن فاجأنى زوجى بتلميح صريح الى كازينوهات القمار وقال إنه لو كان هنا لوحده لعرج عليها من كل بد. ثم تطرق إلى هذا الموضوع أكثر من مرة فرأيت ألا أقف حجر عثرة فى طريقه. اقترحت عليه ان يسافر إلى هامبورغ فمانع فى البداية ثم وافق لشد ما كان راغبا أن "يجرب حظه". وما ان مر يومان أو ثلاثة حتى تواردت علي رسائل منه يبلغني فيها بخسائره ويطلب نقودا، فبعثت إليه بها، خسرها من جديد. وتكرر الحال مرارا، حتى عاد إلى درزدن خالي الوفاض، لكنه فرح كثيرا عندما حاولت أن أطيب خاطره كيلا يأسف على ما خسر. وكان ما دفعني إلى ذلك طبعا هو خوفي على صحته. كانت رحلته الفاشلة إلى هامبورغ أثرت في نفسه كثيرا، فنسب أسباب الخسارة إلى الإستعجال و إلى تجريب أساليب متنوعة قادته إلى الفشل، في حين كانت فرصة الإثراء قاب قوسين أو أدنى. وراح يقنعني بأنه سيتبع طريقة جديدة لا بد أن تؤدي إلى الفوز. ورأينا أن نتوقف في بادن لأسبوعين فقط كي يجرب حظه في القمار من جديد. كنا تلقينا حوالة من مجلة " البشير" فغادرنا درزدن بأسف، بهاجس لا يبشر بخير. أمضينا في بادن خمسة أسابيع، في كابوس متواصل قيد زوجي بسلاسل من حديد. كانت حساباته فى الفوز صحيحة فيما لو طبقها رجل إنجليزي أو ألماني بارد الأعصاب وليس دوستويفسكى العصبي الذي تجاوز كل الحدود. بعد أسبوع خسر كل ما نملك من مال. فاضطررنا أن نرهن حاجياتنا في الكازينو وفقدي حتى هدية الزفاف. ذات مرة جاءني بكيس ملئ بالنقود. حالفه الحظ أخيرا، لكنه لم يتوقف، فخسرها من جديد. وأقول صراحة إني تلقيت "ضربات المصير" تلك باعصاب باردة. فقد جلبناها لأنفسنا بمحض اختيارنا. وتأكد لي أن دوستويفسكي لن يكسب شيئا و أن توسلاتي إليه بالكف عن اللعب لا جدوى منها. في البداية استغربت من هذا الرجل الذي تحمل بمنتهى البسالة آلام السجن و الإعدام الوشيك و النفي، الأشغال الشاقة ووفاة أخيه وزوجته، لكنه عاجز عن التوقف و الإمتناع عن المجازفة بآخر فلس. وكنت أعتبر ذلك أمرا لا يليق بمنزلته، ويصعب على أن أعترف بنقطة الضعف المشينة هذه في طباعه. لكنني سرعان ما أدركت أن ذلك ليس مجرد ضعف إرادة، بل هو مرض لا علاج له سو ى الفرار من هذا الجحيم. فقد كان دوستويفسكي عندما يعدم الوسيلة للحصول على المال يقع فراسة لحزن بالغ حتى انه يبكي بأحر الدموع ويركع أمامي طالبا الصفح على ما يسببه لي من آلام. وكنت أسعى إلى تهدئته وألجأ إلى شتى السبل لصرف أنظاره عن الولع بالقمار. عدنا، بسبب الإفلاس هذه المرة، إلى ممارسة رياضة المشي وتجولنا فى قلاع بادن وحصونها القديمة، وكانت كل جولة تستغرق نهارا كاملا. و عندما تصلنا الحوالات المالية تتوقف جولاتنا وتنتهي حياة الدعة والإطمئنان إذ تبدأ كوابيس القمار من جديد. ولم يكن لدينا معارف وأصدقاء في هذه المدينة. ذات مرة التقينا صدفة بالكاتب الروسي الكبير إيفان غونتشاروف، ولم يعجبني مظهره ولهجته. كان أشبه بموظف حكومي عادي.، زار دوسلويفسكي، بدوني، منزل إفان تور غينيف المقيم في بادن آنذاك، وعاد منه في أقصى درجات الإنفعال. و أخيرا هربنا من جحيم بادن إلى نعيم جنيف. استأجرنا شقة متواضعة بعد أن تعودنا على شظف العيش. و عدنا الى حياة النظام: دوستويفسكى يكتب ليلا، ويستيقظ متأخرا، في الحادية عشرة صباحا كما تعود في بطرسبورغ. وبعد الفطور يواصل عمله، فيما أمضي للنزهة كما أوصاني الطبيب (كنت حاملا). وفي الثالثة ظهرا نتغدى فى أحد المطاعم ويرافقني زوجي الى المنزل، ثم يرج على مقهى يصرف فيه ساعتين فى مطالعة جرائد روسية وأجنبية. وحوالى السابعة مساء نتمشى كثيرا كالعادة. وبعد ذلك يملي على دوستويفكسى نتاجا جديدا أو يقرأ كتبا فرنسية. وفى شتاء 1868 قرأ مجددا " بؤساء " فيكتور هيجو وكان معجبا خصوصا ببلزاك وجورج صاند. (ترجحم دوستويفسكي رواية "اوجيلي غرانده" إلى الروسية، وكان لأدب بلزاك صدى في مؤلفاته، فثمة تشابه بين أبطال " الأب غوريو" و "الجريمة العقاب" وكذلك بين أبطال " الحانة الحمر اء" و "الأخوة كارامازوف "، كما ترجم دوستويفسكي عام 1844 قصة جورج صاند "الأخير من سلالة الديني"، وكان لنتاج هذه الكاتبة تأثير كبير عليه في مطلع حياته الأدبية). وفى جنيف أيضا لم يكن عندنا أصدقاء. دوستويفسكي بطبيعته غير ميال إلى البحث عن معارف جدد. ولم يلتق هناك أحدا من المعارف القدامى، ما عدا الشاعر الروسي المعروف نكولاي أو غاريوف الذي أخذ يتردد علينا كثيرا ويزودنا بالكتب والمجلات، حتى أنه صار يقرضنا فى بعض الأحيان مبلغا زهيدا نعيده إليه كلما تحسنت أحوالنا. كان طاعن السن وكنا نرتاح إليه، إلا أنه انقطع عنا بعد ثلاثة أشهر. فقد مرض ونقله أصدقاؤه إلى ايطاليا للعلاج. ولسوء الحظ سرعان ما خابت آمالنا في نعيم جنيف. تردت الأحوال الجوية وأثرت العواصف والأمطار وتقلبات الطقس اليومية في صحة زوجي فتوالت عليه نوبات الصرع. كان آنذاك، في خريف 1867، شرع في تأليف "الأبله"، ولم يكن راضيا عن الفصول الأولى من الرواية، كعادته فى موقفه من كل ما يكتبه. كان يعجب أشد الإعجاب بالفكرة كل رواية، لكنه ما إن يفرغ منها حتى يشعر بالضيق و عدم الرضا. فى جنيف ولدت ابنتنا البكر صوفيا في 22 شباط 1868. ولشد ما عانيت من عسر الوضع، ولشد ما تألم دوستويفسكى وصلى وبكى خائفا علي من الموت. وفيما بعد وصف مشهد الولادة في رواية "الشياطين" ("الأبالسة"). كان دوسلويفكسي أبا من أرق الأباء. لكن الحظ لم يحالفنا إذ مرضت الطفلة وتوفيت في شهرها الثالث. ولم تكن لحزننا حدود. كنا نتردد على المقبرة كل يوم نحمل الزهور ولذرف الدموع. ولم يعد البقاء بهذه المدينة فى طاقتنا. 22. ايطاليا استقر رأينا على الرحيل إلى فيينا. ولا أذكر طوال 14 عاما من حياتنا الزوجية اننا عشنا صيفا حزينا لهذا الحد كصيف 1868 في تلك المدينة، حتى لكأن الحياة توقفت وتجمدت بالنسبة إلينا. كل أحاديثنا وذكرياتنا تدور حول الفقيدة وكل طفل نلقاه فى الشارع يذكرنا بها. واصل زوجى بشق الأنفس كتابة "الأبله"، لكنها لم تجلب له السلوى. فسافرنا إلى ميلانو، وأدى تبدل الموقف وانطباعات الطريق إلى بعض التحسن في مزاج دوستويفسكي، لكن خريف هذه المدينة بارد مطير، وليس في مكتباتها جرائد روسية، فانتقلنا بعد شهرين الى فلورنسا عاصمة ايطاليا آنذاك. ولحسن الحظ وجدنا في مكتبتها الرائعة جريدتين روسيتين مكنتا زوجى من الإطلاع على الأوضاع فى الوطن يوما بيوم. واستعار لأشهر الشتاء مؤلفات فولتير وديدرو وقرأها بالفرنسية التى يجيدها تماما. (فيما بعد تجلى تاثير "كانديد" واضحأ فى "الأخوة كارامازوف" وتجلى تأثير ديدرو فى "الأبله" وفى "مذكرات من تحت الأرض "). حل عام 1869 وجاءتنا معه فرحة، إذ اتضح أني حامل من جديد. أبدى دوستويفسكى عناية بالغة بصحتي. حتى أنه أخفى على أحد مجلدات رواية الكونت الشاب ليون تولستوي " الحرب والسلام " التى صدرت توا لمجرد أن الكاتب يصف في ذلك المجلد وفاة زوجة الأمير أندريه بولكونسكى اثناء الوضع. كان يخشى علي من تأثير هذا الوصف الفنى البارع. تعودنا على حياة الشظف والعناء، لكن مشكلة أخرى واجهتنا. فقد أدرك دوستويفسكى فجأة انه ابتعد عن روسيا كثيرا خاص العامين الأخيرين وصار الحنين يشده إليها. وشعر بحاجة ماسة إلى مادة من الواقع الروسي تمكنه من مواصلة الكتابة. فاقترحت عليه أن نقضى الشتاء فى براغ المدينة السلافية الأقرب روحيا إلى الأجواء الروسية. ولصعوبة الطريق علي توقفنا فى البندقية لأربعة أيام لم نبارح فيها تقريبا ساحة القديس مرقص لشد ما أعجب زوجى بمعمار كنيسته وبسقف قصر الأمطار الذي تزينه لوحات أفضل رسامى القرن الخامس عشر. 23. "الخاطئ" وصلنا إلى براغ بعد عشرة أيام من التجوال والترحال. وتعذرت علينا الإقامة فيها لغلاء المعيشة وارتفاع الإيجار. فاضطررنا إلى مغادرتها بأسف بعد ثلاثة أيام. تبددت أمنية زوجى في لقاء العالم السلافى، ولم يبق أمامنا ساعتها سوى العودة إلى درزدن من جديد. فنحن نعرف ظروفها، وثمة جالية روسية كبيرة قد تسري عنا. هناك ولدت ابنتى الثانية لوبوف وأشرقت السعادة في عائلتنا. (فيما بعد غدت لوبوف دوستويفسكايا روائية نشرت عدة مؤلفات وهاجرت من روسيا عام 1913، ولم تعد إليها، أصدرت بالألمانية فى 1920 مذكراتها عن والدها فجاءت شخصيته "صورة قلمية " بعيدة عن الواقع في بعض جوانبها، خلافا لمذكراث أمها آنا غريغوريفنا. فالكاتبة كانت قاصرة فى الحادية عشرة عندما توفى أبوها. وفي تلك الفترة أنهى فيودور دوستويفسكي روايته "الزوج الدائم" التي وصف فيها حياته بضواحى موسكو عام 1866. وانشغل دوستويفسكي، شتاء 1870، في وضع مخطط رواية جديدة ضخمة أراد أن يسميها "الخاطئ ". وتتكون من خمس قصص مطولة مستقلة ومترابطة تتناول بمجملها مسالة الخالق والخطيئة التى اهتم بها زوجى طول حياته. ولعل حياة الغربة أيقظت فيه المشاعر المسيحية العميقة والأفكار الدينية الصافية وخلصته من التعنت والمكابرة فجعلته أكثر طيبة وتسامحا واستسلاما، الأمر الذي تجلى بافضل تعبير فى مؤلفاته. كان يريد لأحداث القصة الأولى من "الخاطئ " أن تجري فى الأربعينات، ومادتها متاوفرة ونماذج شخوصها حاضرة فى ذهنه، وكان بوسعه أن يشرع في كتابتها وهو فى الخارج. إلا أن مادة القصة الثانية تعوزه. أحداثها تجري فى أحد الأديرة وبطلها الرئيسى شخصية واقعية وهو القسيس تيخون زادونسكى باسم اخر طبعا. وكان لا بد لنا من العودة إلى روسيا لتوفير المادة لرواية يعلق عليها دوستويفسكى أهمية بالغة ويريد لها أن تكون خاتمة لنشاطه الأدبى. لكنه لم يتمكن من تحقيق ما أراد لأنه انشغل فى موضوع آخر هو رواية "الشياطين" (1871) التي تناولت الحياة السياسية في روسيا آنذاك. ولم يكن دوستويفسكي راضيا عن الرواية حتى أنه أتلف خمس عشرة ملزمة من مخطوطتها وأعاد صياغة الجزء الثالث بالكامل. ويبدو أن الرواية المتحيزة سياسيا لا تتلاءم وروح نتاجه. ومع ذلك حظيت "الشياطين" بلإقبال واسع لدى القراء، لكنها من جهة أخرى جلبت المتاعب لدوستويفكسى وخلقت له أعداء كثيرين فى الوسط الأدبى. و انهالت عليه عشرات الصحف والمجلات من اليمين و اليسار بالتقريع و التنديد دون أن تقدم تحليلا للرواية واعتبرها النقاد تحاملا مجحفا وتجنيا لا مبرر له على الحركة الثورية والشباب المعاصر. وعندما أخفق دوستويفسكي في كتابة "الخاطئ " لم يهمل موضوعها، و أدرج كثيرا من شخوصها فيما بعد ضمن "الأخوة كارامازوف" التي غدت بالفعل خاتمة لنشاطه الأدبي. 24- التوبة مر على منفانا الاختياري في الخارج أكثر من أربعة أعوام. وكنت أتصوره سجنا دخلته ولن أتمكن من تركه. كانت بارقة الأمل في العودة إلى روسيا تلوح وتختفى بين حين وآخر. وعندما تختفي تنتابنا كابة لا تطاق. فيقول دوستويفسكى آنذاك إن موهبته الأدبية نضبت و إنها ستذوى وتموت. ولكي أخفف عليه لجأت إلى الوسيلة المجربة. اقترحت عليه أن يسافر إلى فسبادن ليسلي نفسه بالقمار عسى أن يحالفه الحظ. وكنت في الحقيقة أريد أن أضرب عصفورين بحجر. فانا واثقة انه سيخسر البقية الباقية من نقودنا. لكنه سيفارق همومه من جهة ويعود من جهة أخرى إلى الكتابة بهمة تعوض لنا ما خسرناه. وكما توقعت جاءت النتيجة مؤسفة، فخسر زوجي كل ما عنده. وتعرض لتأنيب ضمير لازمه أسبوعا لانه حرم زوجته وابنته من لقمة العيش! ولكنه صمم هذه المرة على التخلص من هذا المرض الذي عذبه طوال عشر سنين. وعدنى بعدم المعاودة إلى القمار مدى الحياة. ولم أصدقه بالطبع. فما أكثر ما كرر وعده فيما مضى. لكنه وفى به هذه المرة، و انقطع عن اللعب إلى الأبد. ففي رحلاته المتكررة التالية إلى الخارج لم يفكر يوما بالذهاب إلى الكازينوهات. صحيح أنها أغلقت في المانيا بعد رحيلنا، لكنها ظلت مفتوحة الأبواب في سكسونيا ومونت كارلو، و المسافة إليهما ليست بعائق على أية حال. إلا أن دوستويفسكي تخلص، والحمد لله، من هذا العيب الشنيع. شددنا الرحال إلى روسيا في 5 تموز 1871. جمع زوجي مخطوطاته وطلب مني أن احرقها. مانعت قدر المستطاع، لكنه أقنعني بان رجال الشرطة على الحدود الروسية سيصادرونها في كل الأحوال كما فعلوا اثناء اعتقاله عام 1849. وهكذا أتلفت مخطوطات "الأبله" و "الزوج الدائم" و "الشياطين". وحينما وصلنا الحدود تعرضنا لتفتيش دقيق كما كان متوقعا. لكن كل شئ مر بسلام، فما أعظم فرحتنا ونحن نعود إلى الوطن! 25. العودة عدنا من المانيا إلى بطرسبورغ في نهار صحو قائظ. إلا أن دوستويفسكى تصور مستقبلنا ضبابيا قاتما وتوقع لنا مصاعب جمة لا بد من تذليلها حتى نجد موطئ قدم على أرض الوطن. استأجرنا غرفتين فى شقة مؤقتة قرب منتزه يوسف. وكنت حاملا في انتظار المولود الثالث. بعد ثمانية أيام من وصولنا رزقت بابنى فيودور الذي سميته تيمنا باسم أبيه. (تخصص فيما بعد بتربية الخيول وكسب مالا من هذه الصنعة). ثم انتقلنا إلى شقة من أربع غرف. تقاطر عليا أقرباؤنا رأسا، و استقبلناهم ببشاشة وترحاب. ومن حسن الحظ أن أولاد أخي دوستويفسكي وأمهم إميليا صاروا يعيشون في بحبوحة ولم يعودوا ينتظروا منه مساعدة إلا في حالات إستثنائية. لكن ابنه المتبنى بافل، وكان تزوج قبل شهور، ظل يعول على "والده " متصورا أن دوستويفسكي ملزم بإعالته حتى الشيخوخة. وفي غيابنا تجرأ على بيع محتويات مكتبة زوجي الغنية. وكان ضياع المكتبة ضربة قاسية لدوستويفسكي. ومن جهة أخرى هجم علينا "جيش " من الدائنين حالما قرأوا في الصحف نبأ عودة الكاتب فيودور دوسلويفسكي، وهددوه بالسجن إن هو عجز عن تسديد الديون المستحقة من زمان. ومن ذلك الحين بدأت "معركتنا " الطاحنة مع الدائنين و استمرت تنغص حياتنا يوميا طوال عشر سنين حتى وفاة زوجى فى بداية 1881. 26. الرسام ورغم المنغصات كان شتاء 1872 حافلا باللقاءات الهامة. استعاد دوستويفكسي اتصالاته مع العديد من أصدقائه القدامى، والتالى بطائفة من علماء عصره كالمستشرق غريغوريف الذى نرى صدى لأفكاره فى رواية "الشياطين" و الفيلسوف نيكولاي دانيليفسكى مؤلف كتاب "روسيا وأوروبا " الذي ترك أثرا ملحوظا في اراء دوستويفكسي بخصوص "رسالة روسيا" كدولة غربية وشركية في آن معا. وفي ذلك العام رغب بافل تريتياكوف صاحب معرض الصور (الجاليري) الشهير في موسكو، وهو من المعجبين بنتاج دوستويفسكي، أن يحصل على صورة زيتية له فأوفد إلى بطرسبورغ لهذا الغرض الرسام الروسي المعروف فاسيلي بيروف. وقبل أن يبدأ هذا الأخير عمله صار يتردد علينا يوميا طوال أسبوع ويفاجئ دوستويفسكى فى شتى أحواله اللانسانية ويحاوره ويستفزه خصيصا للخوض في مواضيع شائكة، إلى أن تمكن من "تصيد" أعمق تعبير في ملامح زوجي وهو شارد الذهن غارق في تأملاته الفنية. التقط بيروف " لحظة الإبداع " أو الذهول التى كنت تلمستها مرارا و أنا أدخل على زوجي مكتبه لامر ما فأجده غائصا في ذاته يحدق فيها من الداخل، وأخرج دون أن أكلمه. وفيما بعد يتضح لي أنه لم يشعر بوجودي و لا يصدق بأنى دخلت عليه المكتب فى تلك اللحظة. كان بيروف رجلا ذكيا لطيف المعشر. وكان دوستويفسكي يرتاح إليه كثيرا حتى انه كتب عنه فى الصحف مرتين. وقد حضرت جميع وجبات رسم الصورة النصفية الشهيرة في نيسان- ايار 1872. ويتميز هذا البورتريه بقيمة فنية يعترف بها الجميع ولا تضاهيها من هذه الناحية سوى صورة نصفية اخرى بالحجم الطبيعى لدوستويفسكي رسمها كرامسكوي في اليوم الثاني لوفاة الكاتب. 27. المربية إننى أحتفظ بأطيب الذكريات عن ربيع 1872، لكن صيف ذلك العام كان أتعس فترة في حياتي. إذ توالت المصاب فيه الواحدة بعد الأخرى. كنا استأجرنا منزلا ريفيا يمتلكه قسيس طيب للغاية في بلدة ستارايا روسا الخشبية حيث البيوت كلها من خشب، وحتى أرصفة الشوارع مبلطة بالألواح، و فيها حمامات للعلاج بالمياه المعدنية. لكننا اضطررنا أن نترك رضيعى، وهو في شهره التاسع، في عهدة القسيس و المربية ونعود حالا إلى بطرسبورغ لإن ابنتى لوبوف تعرضت لحادث وانكسرت يدها، وأجريت لها عملية تجبير فاشلة ثم عملية جراحية فى منتهى التعقيد. وفي نفس الفترة توفيت أختى الكبرى في روما وانكسرت رجل أمي. بعد إجراء العملية الجراحية لإبنتنا عاد دوستويفسكي إلى الريف في اليوم الثالث، وبقيت أنا فى العاصمة أسهر على صحتها في المستشفى. ولشد ما دهشت حينما عدت إلى البلدة بعد أسبوعين ورأيت أن صغيرى نسيني تماما. كان يفر مني، أنا أمه ومرضعته، ويلوذ باذيال المربية العجوز. وهي والحق يقال امرأة في منتهى الطيبة و الأريحية والمرح (تحتسي قدحا من الفودكا على الغداء كل يوم بمناسبة وبغير مناسبة) ولا يعكر صفو حياتها سوى قلقها على ابنها الذى لا يراسلها. كان دوستويفكسى يعزها ويعتز بها لحبها الخالص لصغيرنا، وقد اتخذ منها في "الأخوة كارامازوف" نموذجا للعجوز التي تتقرب للكنيسة وتتصدق على المساكين ترحما على روح ابنها وهى تعلم حق العلم أنه على قيد الحياة. ولم تكن تلك الصورة من ابتداعات دوستويفسكي. فإن مربيتنا كانت تتصرف هكذا بالفعل، حلى أن زوجي نصحها بان تكف عن هذه العادة وتنبأ بوصول رسالة من ابنها في القريب العاجل. وهذا ما حصل فى الواقع. وبسبب برودة ذلك الصيف أصبت بمرض تسبب في ظهور دمل فى الحنجرة حبس أنفاسي وأشرفت على الموت. لكن الله لستر وزال الخطر. أما اثار كل تلك الاحداث فقد حفرت عميقا فى نفس دوستويف