
مجاني
📱 كتاب إلكتروني
تاريخ الحب
ترجمة محمد الرحموني
4.0(٢ تقييم)•٤ قارئ
📄 قراءة PDFمجاني
عن الكتاب
تاريخ الحب هو ليس إلا تاريخ المرأة . . . تاريخ تمردها وتضحياتها وصمودها . . . تاريخ اضطهادها ووأدها وانتقامها، وأن تكون المرأة هي رمز الحب في التاريخ يعني أن الحب هو محرك التاريخ، هكذا يكشف لنا مؤلف الكتاب الباحث الفرنسي سيناك مونكو ول تاريخ الحب في العصور القديمة لدى المسيحيين والعرب والمسلمين والبرابرة ومن العصر الوسيط إلى القرن الثامن عشر. يرى مونكو في كتابه أن الأمم تنقسم في كل العصور إلى قسمين كبيرين سياسياً وأخلاقياً، فنجد من جهة الشعوب المستسلمة للفساد والإسراف، وهي الشعوب المهزومة ونجد من جهة أخرى الشعوب القوية التي تؤسس مجدها على صفاء الحب وعلى الشجاعة وعلى الإخلاص والصبر ... هذه الشعوب هي التي تزدهر وتنتصر.
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (٢)

المراجع الصحفي
١٢/٦/٢٠١٥
الحب تلك الكلمة الساحرة والعاطفة المعبرة التي يتشارك فيها البشر جميعاً، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، أنثاهم وذكرهم، والتي شغلت أخيلة الشعراء وجعلتهم يذهبون بعيداً في سمائه وصرفت أقلام المفكرين والكتّاب للبحث في هذه الظاهرة الإنسانية الفريدة التي كثيراً ما أطاحت بالعروش وحركت الجيوش خلال مسيرة الحياة البشرية الممتدة عبر قرون عديدة.
يتتبع كتاب "تاريخ الحب" لمؤلفه الباحث الفرنسي سيناك مونكو، تاريخ الحب منذ العصور القديمة إلى القرن الثامن عشر، ويعمد إلى تتبع تاريخ الحب في أوروبا استناداً إلى تاريخها السياسي والحضاري، بغرض تفسير العلاقة الجدلية بين الحب وما عرفته أوروبا من تحولات سياسية ودينية واجتماعية وأدبية.
وعبر التاريخ الذي يقصه المؤلف يصوّر المرأة باعتبارها رمزاً للحب والأخلاق في التاريخ، ومحركه الأساسي ويقوم أيضاً بممارسة عملية تحليل نفسي واجتماعي وسياسي وسلوكي للعلاقة المتبادلة والمتشابكة بين النساء والحب.
رمز الحب
لعل أمتع التحليلات التي وردت في الكتاب بهذا الخصوص هي تلك التحاليل السياسية والتي جاءت من وجهة نظر أخلاقية، للثورة الفرنسية، حيث لعبت المرأة فيها أدواراً خطيرة، وكان الوضع الأخلاقي دافعها الأساسي لهذه المشاركة.
وتكمن قيمة الكتاب في أهمية الفترة التاريخية التي يشملها بحيث إنه يعرض أمامنا تاريخ أوروبا العام من العهد الغالي إلى القرن الثامن عشر، وبفضل الكتاب يمكن الإلمام بوضعية المرأة الأوروبية ما يغري بإنجاز دراسة مقارنة بين وضع المرأة الأوروبية مما يعزي بإنجاز دراسة مقارنة بين وضع المرأة الأوروبية، وهذه الدراسة إذا ما قدّر لها أن ترى النور ستقوّم الكثير من اللغط الذي قيل بشأن وضعية المرأة في الإسلام ديناً وحضارة وتاريخاً.
ويحتوي الكتاب على أربعة أقسام رئيسية أوردها المؤلف على التوالي وهي:
1- الحب لدى الغاليين والمسيحيين.
2- الحب في ظل غزو البرابرة.
3- الحب في ظل الشعراء الجوالين.
4- الحب منذ عصر النهضة.
الحب لدى الغال
يتحدث مونكو عن الحب في بلاد الغال قائلاً إن "التاريخ قسّم منذ أقدم العصور العالم قسمين: الشرق حيث المرأة مستعبدة ومجرد أداة للذة الحسية، أما في الغرب فقد كانت المرأة فخورة بنفسها، مستقلة، ممتشقة راية قوتها وكرامتها".
وكانت بلاد الإغريق تنتمي من جهة أصلها إلى الشرق، ولكن لما كانت على تخوم الغرب فقد لعبت دور الرابط بين العالمين، ولذلك بدأت المرأة تدرك معنى الحرية ومبادئها، أما روما فكانت تنتمي للغرب، وقد بدت فيها المرأة حرة وفخورة بنفسها في الواقع المعيشي وإن كانت مقهورة بحكم القانون. وفي باقي بلاد الغرب أي بلاد الغال وإسبانيا وجرمانيا واسكندنافيا، فقد تمكنت المرأة من حل معضلة الاستقلالية في الواقع وفي القانون، فقد أسست سلطتها ومساواتها مع الرجل في المجتمع على عفوية مشاعرها وعلى حريتها في اختيار زوجها.
ويلفت الكاتب إلى أن النساء الرومانيات رغم أنهن قد غنمن مكانة كبيرة في المجتمع السياسي المدني بفضل استقلالهن العاطفي ووجاهة اختياراتهن، فإن الغاليات والجرمانيات قد تفوقن عليهن منذ قرون عدة بما كسبنه من سلطة وتأثير. ويوضح مونكو أن سلطة المرأة أو بالأحرى سلطة الحب لدى الأسلاف في فرنسا مثلت سلطة أصيلة، فيقول إن حرية الحب في تلك الربوع لم تعرف الطفولة، ومن البديهي ألاّ تعرف شيخوخة، لقد ظهرت مكتملة القوة منذ القرون الأولى وظلت على ما هي عليه من الحيوية إلى القرون الأخيرة، لقد عوض الحب القوي الصافي القومية الغالية الآلفة دون أن يفقد شيئاً من حسنه.
نشأة مرسيليا
نشأة مدينة مرسيليا أخاذة وشاعرية كما لو كانت فصلاً من الأوديسا، إن تاريخها يبدأ بقصة حب غاية في النبل والصدق بحيث يمكننا اعتبارها بمثابة قران بين الروح الإغريقي والروح الغالي.
وتفصيل ذلك أنه سنة ستمائة قبل ميلاد المسيح ألقى قارب فوسياني مراسيه قرب إقليم بوش دوي رون على أرض السيقوبريج فاستقبل الملك نان ملك البلاد أولئك الغرباء بكل لطافة الضيافة القديمة، فأقيمت حفلة كبيرة في قصره جمع فيها على مائدة الأكل عدداً كبيراً من الراغبين في خطبة ابنته التي كان عليها أن تختار بنفسها عريساً من بينهم، حث الملك نان الفوسيين على الجلوس إلى مائدة العائلة فسارعوا بالقبول، لم تحضر الشابة المسماة جيبتيس أو بيتا الحفل، فقد كانت العادات تحتم عليها ألا تظهر إلا في آخر المأدبة مشهرة بيدها كأس الزواج لتهديه للرجل الذي اختارته زوجاً لها.
ولما استحال وجود امرأة بلا فضول وبلا حب اطلاع، علينا أن نفترض أن بيتا قد اختلست النظر إلى المأدبة حتى تقرر في النهاية اختيار الرجل الأجدر بحبها والأكثر وسامة من بين المدعوين ومن ثم الأجدر بأن يكون زوجها، إن الطريقة التي انتهى بها الحفل تؤكد هذه الفرضية فعندما بانت "بيتا" لم تهد الكأس التي كانت تشهرها إلى شاب سيكوبريجي من أبناء جلدتها وإنما أهدته إلى زعيم الغرباء، إلى أوكسان الفوساياني الذي كان في زيارة لتلك البلاد لأول مرة في حياته، ولم يلبث أن أثار ذلك الاختيار غير المنتظر أقاويل غليظة تهامس بها المرشحون السابقون، ولكن الشابة الغالية تمسكت بحقها الذي تحميه الآلهة، رغم أن القوانين تعاقب عليه.
احترم الأب قرار ابنته فما كان من المرشحين الخاسرين إلا أن امتثلوا له، وهكذا تزوجت بيتا أوكسان فسماها ارستوكسان ومعناها في الإغريقية "أكثر الضيفات رشاقة"، ثم استقر بصورة نهائية في أفضل ولايات والده، وهكذا أسست مدينة ماسالي نزولاً عند رغبة شابة كانت متعجلة نوعاً ما في اتخاذ قرارها.
غزو البرابرة
من الغال ينتقل المؤلف إلى دراسة الحب في ظل غزو البرابرة متعجباً من أنه حين بدأت الأخبار ترد عن فظاعات البرابرة خلال القرن الخامس وما ذكره المؤرخون عن أخبار ممالكهم وشعوبهم وكذا حضارتهم ومعالمهم، كان متوقعاً أن تسحق المرأة ذات الأيدي الناعمة والقوام الرشيق والجسم النحيف تحت حوافر الخيل بعد أن تكون قد تعرضت للاغتصاب.
غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث، فمن أغرب ما حدث في التاريخ أن سقط سلطان روما وظل سلطان النساء قائماً، فقد خلع القوط والإفرنج والوندال والهونز (أجداد الأتراك)، خلعوا الأباطرة الرومان ودمروا المقاطعات وقتلوا في أحايين كثيرة الكهنة وخربوا الكنائس ولم يصدهم ويلطف من عنفهم سوى المرأة.
ذلك أنهم لم يصغوا سوى لصوت واحد هو صوتها.. لقد صورتهم الأخبار حيوانات متوحشة ولكن عند المعاينة تبين أنهم يقدرون المرأة جيداً عندما يعجبون بها، ويبدون خضوعاً كبيراً عندما يتوجب عليهم طاعتها، وبسهولة يتركون وثنيتهم ويعتنقون المسيحية طمعاً في حبها ورغبة في تزوجها.
ويوضح الكاتب أن هذا التناقض بين الرعب الذي يسببه البرابرة خبراً وبين الرقة التي يتمتعون بها نسبياً، يمكن إرجاعه إلى أنه رغم تعدد أسماء غزاة الامبراطورية الرومانية فإنهم ينحدرون كلهم عدا الهونز من العرق الجرماني الذي يتسم بتشدد قوانينه الخاصة بصفاء الأخلاق.
الرذيلة والفضيلة
من هنا فإنهم لم يجلبوا البربرية إلى العالم الروماني بل الأنوار، ولم يجلبوا الرذيلة بل الفضيلة. فلم تكن المرأة في نظرهم مجرد أداة تسلية ولكن كائناً علوياً يحظى بعناية الآلهة وبتقدير الناس العميق، وكانت العلاقات بين الجنسين لديهم عفيفة وصادقة على خلاف ما هو الأمر لدى الرومان الذين كانوا يحتقرون البرابرة أيما احتقار بسبب صدقهم في الحب وتشددهم في الزواج.
حتى أن رجال الدين في ذلك الوقت أظهروا للعلن هذه المفارقة، حيث كانوا يدعون رومان القرن الخامس إلى الاعتبار بأخلاق القوط والوندال تماماً مثلما كان تاسيتوس دعا رومان زمانه إلى الاعتبار بأخلاق أسلافهم الجرمانيين.
ويبين المؤلف كيف كان القوط الغربيون يضعون الأخلاق تحت طائلة القوانين المتسقة تماماً مع تعاليم المسيحية، لقد كان ذلك الشعب العملي بامتياز على درجة من النباهة بحيث إنه لا يعطي الأطباء أجورهم إلا إذا شفى مرضاهم، وإذا ما عجزوا عن ذلك يعزرون، وقد بلغ به الحذر أن حرّم عليهم فصد النساء في غياب أزواجهن أو جيرانهن الثقات، لقد كان يرى أنه من السهل التعود في حالات مماثلة على ارتكاب موبقات بحق الأشخاص الذين ينهارون بفعل النزيف.
هوس حقيقي
يتحدث المؤلف كون عن التناغم الذي حدث بين الحب الروماني والحب الجرماني موضحاً أن الجرمانيين تأثروا بالحضارة القديمة، ومع أنهم هزموا جيوش الامبراطورية فقد وجدوا أنفسهم في إسار أخلاقها رغم احتقارهم في البداية للإفراط في الترف والإباحية التي وجدوها لدى الغال والرومان.
وهذان الوضعان الاجتماعيان المتقابلان سيلتقي حداهما قبل الأوان وسيكونان سبباً لبروز ظاهرة أخلاقية جديرة بالملاحظة، حيث أن حدة طبع رجال الشمال ذوي البنية الجسدية القوية، وكذا اهتياج حواسهم قد اصطدما ببعض الموانع القانونية والأخلاقية في جرمانيا، ومن ذلك أن تابع الملك الإفرنجي يحب، مثل القرصان الاسكندنافي خطف النساء، ولكن الدافع إلى ذلك هوس حقيقي وليس عملاً خسيساً، حب صادق وليس نزوة ماجنة.
وليس الأمر بالنسبة إلى الزعماء الاسكندنافيين القدامى مجرد التعرف على المرأة والإعجاب بها ومن ثم غوايتها في لحظة مجون، بل إن للشهوة والخطف بعض القواعد كما سيكون للظرف قواعده في عصر الفروسية. ويذكر المؤلف أن الإفرنج كانوا يتبعون هذه القواعد عندما أرسوا على ضفاف نهر السان، وعندما نقلوا عن الغاليين الرومانيين فنون الإباحية، عندها أرخوا العنان لكل نزواتهم الماجنة فكلما رأوا امرأة جميلة طمعوا فيها، ثم انهم لا يبذلون أي جهد لخطفها بصريح القوة.
لقد تعلموا من الشعوب المنحطة أن غواية المرأة أنفع من خوض المعارك لخطفها، لقد نأوا بأهوائهم عن المخاطر التي كانت تضفي عليها شيئاً من الجلال.. ولم يحتفظوا منها سوى بمبدأ الاغتصاب المشين.. لقد أضحى الإفرنجي رجلاً غالياً - رومانياً قلباً وقالباً، لقد بدأ يعتاد مجون الحريم، ويأتي الأفعال الشائنة التي كان الأساقفة يحرمونها.. وهنا برزت بوضوح ظاهرة محاكاة الغاليين لأخلاق المغلوبين.
الشعراء الجوالون
في موضع آخر من الكتاب يدلف المؤلف إلى رصد الحب في ظل الشعراء الجوالين والذي بدأ يأخذ صورته التاريخية بدءاً من القرن الحادي عشر حيث كان هذا الرجل التافه الحقير الذي يكدي طعامه بنغمات كمنجته، هذا الأفاق من القرن الحادي عشر سيحيي المجتمع البرابري، فسلطان الموسيقى والشعر، ذاك الذي لا يمكن لأي أحد الفكاك منه، سيمكنه من أن ينشد أمام الجميع ما لا يجرؤ أحد على قوله، ومن أن يذيع أشواق المرأة إلى الحرية في زمن كانت تعيش فيه سجينة، ومن أن يذيع حقوق الحب وحريته في وقت كان فيه الأب يمتلك ابنته دون أن يبالي برغباتها وأمانيها، ومن أن يشـــيد، في حضرة ربات القصور، ببطولات الفــرسان، ومن أن يبدي شفقته، في حضرة الفرسان، لدموع ربات القصـــور وهمومهن، وهكذا سيتشكل، منذ ذلك الوقت، تيار قوامه الجاذبيـــة من جهة والتعاطف من الجهة المقابلة بين المضطهدات اللواتي يتألمن والرجال الشهوم الذين يرومون خلاصهن.
أدوات سحرية
في زمن لم يخترع فيه البريد بعد، والكتب فيه نادرة والجرائد معدومة، أصبح الشعراء الجوالون في الجنوب، التروبادور، وفي الشمال، التروفار، أدوات سحرية للتواصل بين الناس رغم أن دورهم في الأصل لم يكن يتعدى تسلية أهل التبطل والفراغ، لقد خبر الشاعر الجوال، بفضل مغامراته، الوجود وفهم آلام المرأة السجينة، فنـــظم حكاية شعرية في الغرض كلها صنعة وزخرفة بديعة ثم انطلق بعد ذلك يجوب الدنيا منشداً شكايته في مآدب الفرسان، وفي حانات الشرط وعلى أبواب الكنائس وموائد الأديرة، البعض كان يستمع إلى حكايته فضولاً، والبعض الآخر بلا مبالاة، منهم من يستحسن يقظة الزوج، ولكن أغلبهم ينكرونها عليه، ولا يستسيغونها، ولكن الأهم أنه يوجد دوماً بين القوم رجل شهم ونبيل يبدي سخطه على أسر المرأة، وفي الوقت الذي ينشغل فيه الآخرون بالتجادل في الأمر يكون هو قد فكّر وعزم على الفعل، فيتسلل خلسة ويركب حصانه ويتقلّد سلاحه، وبمفرده، يحاول تخليص تلك المضطهدة، فمن أين له هذا الإقدام؟ إنه ينبع من عاطفتين صنوين في القوة: الحب في المقام الأول ثم المحبة المسيحية ثانياً، إن هذا الرجل الذي استجاب لدافعي الطبيعة والإيمان سيشغل كل العصر الوسيط، لقد كان لدينا الشاعر الجوال التروبــادور، رجل الشـــعر والأخبار، ولدينا الآن الفارس، رجل الفعل، بطل المكارم الحقيقية.

المراجع الصحفي
١٢/٦/٢٠١٥
تكمن جماليات كتاب تاريخ الحب للكاتب والباحث الفرنسي سيناك مونكو (1814 – 1871) إلى كونه يربط تاريخ الحب بعنصرين رئيسيين تتشكل في ضوء تقلباتهما سيرة الحياة الإنسانية: المرأة والسياسة. فهو يربط الحب بالمرأة حتى يكاد يكون تاريخ أحدهما هو تاريخ الآخر، ويربط المرأة بالسياسة حتى يكاد أن يكون تاريخ أحدهما تاريخ الآخر، ليصل بنا إلى أن تاريخ الحب هو ذلك التاريخ الذي نعيش أزمنته ووقائعه وأحداثه وحروبه ومنازعاته وتقلباته، حيث يرى أن صلة صميمة "تربط تحولات عاطفة الحب بالتغيرات السياسية وحتى الدينية"، وفي هذا الإطار نحن أمام تاريخ المرأة جارية ومحظية وعشيقة وملكة وسرية ومومسًا، وتاريخ أوروبا العام من العصر الغالي إلى القرن الثامن عشر "عصر النهضة".
يتساءل مونكو:
كيف لهذه العاطفة الأكثر ارتباطًا بالإنسان أن تساير الأحداث التي تكون غالبًا لامنطقية ومحكومة بالصدفة، والتي تشكل التاريخ بحصر المعنى؟ فهل هذا التوافق هو بسبب تأثير الثورات الاجتماعية والسياسية في الحب أم بسبب تأثير الحب فيها؟ إن الجواب في منظورنا لا يحتمل الالتباس. إن الحب ليس نتيجة، إنه سبب، فرفعة الشعوب تبدأ برفعة الحب مثلما أن انحطاطها يبدأ بذهاب أخلاقها.
ويضيف مونكو في كتابه الصادر عن مشروع كلمة إحدى مشروعات هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث:
إن الحب هو أول شعور قوي ينمو لدى الإنسان، بل إن من خصائصه أن فترة سطوته تتفق مع عنفوان شباب المرء الذي يشعر به، إننا نحب بشغف قبل أن نعير أدنى اهتمام بالسياسة وبالعلم وبالجدل الديني.
لقد اعتمد مونكو في كتابه السرد القصصي مع بعض من التحليلات التي تجمع بين النفسي والاجتماعي، كاشفًا عن بحث دوؤب في أمر الحب، وقد قسَّم الكتاب إلى أربعة أقسام: الحب لدى الغاليين والمسيحيين، والحب في ظل غزو البرابرة، الحب في ظل الشعراء الجوالين "التروبادور والترفار"، والحب منذ عصر النهضة.
يشيد مونكو بالمرأة الغالية والجرمانية ويعدد فضائلها وقوتها ووفائها، فالغالية تقف وراء زوجها في المعارك وتحرضه على القتال حتى النصر أو الموت، وهكذا تفعل المرأة الجرمانية تقاسم زوجها ضراءه، لا تكتفي مثلما هو حال المرأة الرومانية بمشاركته عزواته مشاركة معنوية، بل تصحبه فعلاً راجلة أو راكبة عربة مشدودة إلى ثيران ضخام وتشهد معه كل معاركه وتواسيه في ضيقه وشدته.
ويضرب مونكو المثل بامرأتين يعتبرهما رمزين رائعين هما الكاهنتين إيبونين وفاليدا، الأولى أحبت سابينوس وكانا معًا يقاتلان سرًا الرومان، لكن سابينوس ينفضح أمره ويضطر للهرب وإشاعة موته، حتى انطلت هذه الشائعة على إيبونين فتمرغت في الأرض وانتحبت وقطعت شعرها حزنًا عليه، حتى أتاها من يخبرها سرًا أن سابينوس حي، ولا تقوى على كتمان لهيب مشاعرها فتلحق به في مخبئه، وتتعدد اللقاءات، وتقرر الذهاب إلى الإمبراطور وسبازيانوس بصحبة حبيبها طالبة عفوه، لكنها تتراجع وتعيش مع حبيبها لمدة تسع سنوات تنجب فيها طفلين
وأخيرًا اكتشف أمرهما وحملا مقيدين إلى روما وهناك ارتمت إيبونين تحت أقدام وسبازيانوس، وقالت له وهي تشير إلى طفليها "أيها القيصر لقد أنجبتهما وأطعمتهما في الكهوف حتى أضاعف أعداد المتضرعين تحت أقدامك يطلبون عفوك"، فما كان من الحضور إلا أن أجهشوا بالبكاء، ولكنه ظل على قساوته فأمر بتعذيب سابينوس، لكن ألم التعذيب على شدته لم ينل منه، لقد بدا ضياع آخر فرصة أمل وكأنه يزيدها شجاعة، عندئذ صاحت في وجهه: "اجعلني على الأقل أموت مع سابينوس فوجهك وقوانينك الجائرة أكثر فظاعة ألف مرة من ظلمات القبر.
أما فاليدا فهي، كما يقول مونكو، لسان حال الآلهة تشبه دبورة اليهودية وكاليبسو الإغريقية، نموذج للكاهنة القومية التي تصل الوطن الأرضي بالوطن السماوي، أحبت فاليدا سيفيلوس قائد المحاربين
وقبل أن تنهار أمام هيجان الأحاسيس وخفقان القلب كان عليها أن تعيش فترة هذيان وجنون تنسى فيها الإله وأنه موجود وأنه هو الذي يرسل الصواعق وأن عباده المؤمنين مستعدون لقتل الكاهنات الكافرات، لقد كان يسري في داخلها ما يشبه قصف الزوابع والعواصف فيصيبها العمى والضلال فتضحي بحياتها في سبيل لذة عابرة وفي سبيل إشباع فضولي.
ويتوقف مونكو عند الحب في الإنجيل مؤكدًا
أن إعلان الزواج الأحادي وأبدية الزوجية كان أكثر من مجرد تقديس للزواج، لقد كان أجلى تعظيم للحب أوحى به الإله
ثم مقاومة الحب الوثني للحب المسيحي، ليصل إلى الحب في ظل غزو البرابرة حيث كشف عن الدور الذي لعبته الأميرة المسيحية بأتهلير الذي كانت قد تزوجت حديثًا من الملك الوثني ملك الكانت وأعظم الأمراء الأنغلوسكسونيين، حيث وفرت على حذر للمبشرين بالتنصير، وعلى رأسهم الكاهن أوغسطينيوس، سلامتهم الشخصية والوسائل الكفيلة بأن ينصروا الذين قدروا على إقناعهم بالمسيحية من أهل بريطانيا، وكذا فعلت المسيحية أتهلبارغ بعد زواجها من الملك أدوين. يقول مونكو:
لا تناقض إذن بين مصالح الحب ومصالح المسيحية في بداية غزو البرابرة عدا بعض الاستثناءات.
ويصف الحب الإسكندنافي بالحب الصاخب مفسرًا ذلك
كان للنبلاء الإسكندنافيين مبادىء تنظم هذه العاطفة، ولا يمكن الزعم بأنها مبادىء مبتذلة، لقد كانت المرأة عندهم شيئًا عظيمًا وقدرها رفيع فاستنكفوا من تملكها وفق شروط الزواج الجرماني المتبعة، فعوض خطفها من أبيها أو وليها وعوض دفع هدية الصباح، كان الرأي الصواب عندهم خطفها بعد قتال ضار وبعد هرج ومرج، لقد كانت الغارات والمعارك الحربية مقدمات ضرورية للأعراس الأرستقراطية، لا ينجز العاشق مآثره الحربية لأجل استرقاق زوجته، ولكن لتخليصها من أبيها وأخوتها الذين يقفون بالمرصاد لحبها، وهكذا يصبح خطفها سببًا لحريتها. وفي المقابل تغدق العذراء ذات الدرع المزهوة بنفسها على خاطفها أعذب المكافآت إعجابًا ووفاء بطوليًا، فكانت تصحبه في كل حملاته الحربية وتشاركه كل مخاطره.
وعن الحب والدير يرى مونكو أنه إذا كانت المرأة الملتجئة إلى الدير تكتفي بالعناية بالحب القلبي فإن تطلعات لا تقاوم تدفعها نحو العالم الذي هجرته، إنها تروم استذكار كثير من الأهواء والأسرار الخطيرة ولو لأجل لعنها، يقول:
إن الراهبة المحرومة من الحب لا تظل رازحة تحت عبء هذا الهم الذي يرهقها مثل مرض مزمن، بل هي تجد متنفسًا في ما تلاحظه في حياة الآخرين، وهي غير منزعجة من أن تعرض على مرآها مشاهد من تقلبات الدنيا وفوضاها. إن المرأة تحب بقلبها أكثر مما تحب بحواسها فالخيال يلبي في الغالب رغبتها في الحب إلى درجة أنها تنسى الحرمان المفروض على الجسد.
ويضيف:
كانت المرأة، تلك البائسة المبعدة عن المجتمع والتي تطاردها حسرات لا ترد، تبحث بالتأكيد وربما دون وعي منها عن التشبث بصور ومشاعر ذوابة، إنها تخدع عفتها الظامئة عبر تغذيتها بأوهام خيالها أو ببعض أخبار الفجور التي تأتيها من خارج الدير، تلك الحياة في الدير الطاهرة بطبعها، ولكن المتلهفة جدًا لمعرفة ما يدور في الخارج من حكايات وأحداث، وذاك الامتحان لعالم فاسد ثاو في أعماق المنعزلين، قد شخصا بفعالية في مؤلفات هروزفيتا الراهبة المشهورة في إحدى صوامع الساكس.
ويحكي مونكو عن ملوك وأمراء ودوق ودوقات وكهنة وكاهنات فاسدين، يحكي حكاية الملك هيلبيرتك الذي خنق زوجته الملكة من أجل "سرية"، وخيانة الملك كلوتار لزوجته الملكة إنقوند مع أختها، وكذا أبناؤه الذين كانوا على شاكلة أبيهم حيث كانوا يتخذون الزوجات والسريات من كل فئات المجتمع، وإيديت زوجة إدوارد ملك إنجلترا التي كانت تنام إلى جواره دون أن تسمح له بمس جسدها، والكونتيسة الإنجليزية كوفنتري التي توسطت لدى زوجها لمصلحة الرعايا الذين انتفضوا في المقاطعات فعاقبها عقوبة امرأة زانية بأن أمر بأن تركب مطية بعد أن تجردت من كل ملابسها وأن يطاف بها في طرقات المدينة.
ويتوقف مونكو ليقول:
هذه الشهوانية الممزوجة بالشراسة ليست حكرًا على الملوك فقد أبدى أتباعهم استعدادًا ليكونوا نظراءهم في الأمر بل تفوقوا عليهم أحيانًا.
ثم يحكي مونكو حكاية دوق روشينغ:
كان أقوى أسياد أوسترازيا يتلهى بحرق أفخاذ جواريه المسكينات بواسطة شمعة يشعلها ويطفؤها بين أفخاذهن العارية، وكلما كن يتلوين من ألم الحروق البليغة كان يطرب لذلك، وبالإضافة إلى ذلك كان لدى هذا السيد الإقطاعي الكثير من الفطنة ليمارس اللعب بالكلمات فلما تجرأ شاب وشابة يعملان في مزرعته على أن يتزوجا دون إذنه استشاط غضبًا، ومع أنه قدم لأحد الكهنة ضمانًا بأن لا يفرق بينهما فقد زوجهما على طريقته الخاصة إذ دفنهما حيين في نفس القبر.
إن الكثير من الحكايات والنماذج التي يقدمها مونكو في كتابه تتميز بالتنوع والثراء على بساطتها، ليس لكونها تغطي عصورًا حديثة وتمتد لتطال شعوبًا كثيرة من غاليين وجرمانيين مسيحيين وبرابرة وعرب ومسلمين وأوروبيي عصر النهضة، ولكن لكونها دالة وتحتمل الكثير من التأويل، من هذه النماذج قصة ابنة الملك سيقور ملك اسكندنافيا التي تدعى ألفيلد:
كانت ألفيلدا على قدر من الشجاعة والعفة، وكانت تظهر دائمًا للعامة متشحة بحجاب، وقد عهدت بحمايتها الشخصية إلى محاربين اثنين يتم اختيارهما من بين أشد محاربي المملكة، ثم إن والدها الملك أشاع في من حوله أن البطل الذي يروم حطبة ابنته أن يصرع أولاً حارسيها الاثنين، لم يقبل التحدي سوى القرصان الشاب آلف، وكان النجاح حليفه، وبعد إنجاز المهمة لم يبق له في ما زعم سوى أن يحضر إلى القصر لينال أرق المكافآت، ولكن العذراء ذات الدرع اشترطت اختبارات إضافية فجمعت وصيفاتها وأعطتهن لباسًا حربيًا واتخذت لنفسها مثلهن وجهزت مراكب واندفعت نحو خليج فلندا على عادة القرصان، لحق بها آلف وأدركها واندلعت بينهما معركة حربية فتصادمت مراكبهما وتشابكت. صعد آلف على سطح سفينتها فحاولت صده وتقاتلا وجهًا لوجه، فعاجلها أحد أصحابه بفأس على رأسها فطارت خوذتها ووقعت على قفاها، ولدى رؤيته وجهها الذي كان ممتقعًا، ومع ذلك لم تفارقها أنفتها، توقف عن مقاتلتها حبًا وإعجابًا. وأخيرًا رضيت أن تكون زوجة أشد المحبين مثابرة.
ويحكي أن مدينة مرسيليا الشهير أخذت اسمها من قصة حب أخاذة وشاعرية غاية في النبل والصدق، ففي سنة ستمائة قبل ميلاد المسيح ألقى قارب فوسياني مراسيه قرب إقليم بوش دوي رون على أرض السيقوبريج فاستقبل الملك نان ملك البلاد أولئك الغرباء بكل لطافة الضيافة القديمة، فأقيمت حفلة كبيرة في قصره جمع فيها على مائدة الأكل عددًا كبيرًا من الراغبين في خطبة ابنته التي كان عليها أن تختار بنفسها عريسًا من بينهم. حث الملك نان الفوسيين على الجلوس إلى مائدة العائلة فسارعوا بالقبول. لم تحضر الشابة المسماة جيبتيس أو بيتا الحفل، فقد كانت العادات تحتم عليها ألا تظهر إلا في آخر المأدبة مشهرة بيدها كأس الزواج لتهديه للرجل الذي اختارته زوجًا لها.
ولما استحال وجود امرأة بلا فضول وبلا حب اطلاع، علينا أن نفترض أن بيتا قد اختلست النظر إلى المأدبة حتى تقرر في النهاية اختيار الرجل الأجدر بحبها والأكثر وسامة من بين المدعوين ومن ثم الأجدر بأن يكون زوجها. إن الطريقة التي انتهى بها الحفل تؤكد هذه الفرضية فعندما بانت "بيتا" لم تهد الكأس التي كانت تشهرها إلى شاب سيكوبريجي من أبناء جلدتها وإنما أهدته إلى زعيم الغرباء، إلى أوكسان الفوساياني الذي كان في زيارة لتلك البلاد لأول مرة في حياته، ولم يلبث أن أثار ذلك الاختيار غير المنتظر أقاويل غليظة تهامس بها المرشحون السابقون، ولكن الشابة الغالية تمسكت بحقها الذي تحميه الآلهة، رغم أن القوانين تعاقب عليه.
احترم الأب قرار ابنته فما كان من المرشحين الخاسرين إلا أن امتثلوا له، وهكذا تزوجت بيتا أوكسان فسماها ارستوكسان ومعناها في الإغريقية "أكثر الضيفات رشاقة"، ثم استقر بصورة نهائية في أفضل ولايات والده، وهكذا أسست مدينة ماسالي نزولاً عند رغبة شابة كانت متعجلة نوعًا ما في اتخاذ قرارها.
ومن قصص الطريفة ما يحكيه عن تجرأ أرسطو على إنكار حب الكسندرا "الحسناء الهندية" فأقسمت أن تنتقم منه لتنكره لحبها:
نزلت إلى الحديقة في زي شفاف وخفيف، كان المناخ الحار قد سوغ لباسه. شاهدها أرسطو وهي تقطف الزهور وسمعها تنشد أغانٍ غاية في الإغراء. فتن بها واختلجت جميع حواسه، فاهتاج ونزل إلى الحديقة يبحث وينظر ثم أطلق زفرة، وبعد أن أنكر على ملكه جنونه حسده على نعيمه. اقتربت الهندية وسمعت تنهداته، وما باح به ولكنها لم توافق على الإصغاء إليه إلا بشرط أن ينحني على قوائمه الأربع وأن يوضع على ظهره سرج وحول رأسه لجام وأن يجعلها تركبه كما لو كان دابة ذلولا. لقد أضاع الفيلسوف فلسفته وانصاع. وهكذا سعد الحسناء بأن عرضت على الملك وأعوانه المشدودين إلى فرادة المشهد، الفليسوف عدو المرأة ساعيًا إلى اللذة الحسية وقد مُسخ دابة، وحتم المثل الفلسفي بالقول: حقًا إن الحب يولد سريعًا وينتصر سريعًا على مدى الوجود.



