
الأفق
تأليف باتريك موديانو
ترجمة توفيق سخان
عن الكتاب
بدأ باحثاً عن وطن، وانتهى به المطاف باحثاً عن الحب، تلك هي حال جان بوسمانس بطل رواية (الأفق) للكاتب الفرنسي باتريك موديانو، الذي ما أن وجد ذلك الحب أو شبه له أجهض، بفعل عوامل الزمن والحروب ومطاردة السلطات، ولكنه لم ييأس بل حمل حبّه في داخله على مرّ السنين وها هوم اليوم يبدأ بالبحث عنه. كان ذلك بعد الحرب العالمية الثانية، البطلان في العشرينات من العمر يعربان عن ضياعهما في بداية الرواية وسط العاصمة باريس في مرحلة قلقة وماضية أثناء الحرب العالمية الثانية، جانس بوسمانس ومارغريت لوكوز يلتقيان وسط حشد في إحدى ساحات العاصمة الفرنسية وهما يعيشان القلق والخوف من مطاردات معينة، كما كانا يمتلكان أحلاماً كبيرة لا يمكن أن تتحقق وسط مخاوف المرحلة . يقعان في الحب من لحظة لقائهما الاول، وفي نفس الوقت كانا يدركان أن حبهما سيكون مستحيلاً، هذا الحب الكبير والهائل ينقطع بطريقة فجائية في ظروف قاسية، لكنه يستمر داخل كل واحد منهما، وبعد أربعين عاماً وحيث لم يعد جان بوسمانس يقوى على فراق مارغريت، يذهب للبحث عنها في مسقط رأسها علَّها عادت الى هناك، ولتبدأ حياة أخرى وفصول جديدة. وبعد، (الأفق) رواية عن الحب الذي لا يموت، تستحق القراءة، والشرب منها حتى الارتواء.
عن المؤلف
باتريك موديانو من مواليد يوليو 1945 ببيلانكور جنوب غرب فرنسا. يعتبره بعض النقاد أهم كاتب فرنسي منذ بداية التسعينيات حتى الآن. نشر روايته الأولى (ساحة النجمة) وهو في الثالثة والعشرين من العمر. وقد فازت
اقتباسات من الكتاب
"الكلمات التي ملأت صفحات دفتره الاولى تذكر جميعها بمقالة كتبها حول «المادة القاتمة» والتي ارسلها الى مجلة تختص بعلم الفضاء. ووراء الاحداث المحددة والوجوه الأليفة، بدأ يشعر بكل ما اصبح مصبوغاً بهذه المادة القاتمة: اللقاءات المختصرة، المواعيد الفاشلة الرسائل الضائعة، الاسماء وارقام الهاتف التي كانت كلها في مفكرة نسيتها، وهناك ايضاً كل الذين التقيتهم من دون ان تدري. وتماماً كما في عالم الفضاء فان هذه المادة القاتمة تغلب وتتسع اكثر من الجزء المرئى من حياتك، لتصير لا متناهية. وهو ما كان يفعل اكثر من رصد بعض الالتماعات والاشعاعات البسيطة وسط هذه الظلمة. اشعاعات بسيطة وضئيلة الى درجة انه كان يغمض عينيه ويحاول ان يركز اهتمامه ليبحث عن تفصيل محرض يبني على اساسه المجموعة، لكن لم يكن هناك من مجموعة بل مجرد اجزاء، او غبار نجوم. اراد ان يغوص في هذه المادة المظلمة ليربط من جديد الحبال المقطوعة ببعضها فيعود قليلاً الى الوراء ويلتقط الظلال ليفهم اكثر عنها. مستحيل اذا لم يعد امامه سوى البحث عن الاسماء. وحتى الاسماء الاولى كانت تفعل سحرها مثل المغناطيس فتجعل بعض الانفعالات المرتبكة تستيقظ وتشع مع انه كان يصعب جعلها واضحة. فهل كانت تنتمي الى الحلم ام الى الواقع؟ ميرويه هل هو اسم عائلة ام اسم اول؟ لا يجب التركيز بقوة على هذا التفصيل كي لا يفلت منك الاشعاع. كان امراً جيداً انه سجله في دفتره. ميرويه احاول ان ادير اهتمامي نحو شيء آخر، انها افضل طريقة لأعود واحصل على الذكرى بسهولة وبشكل طبيعي. ميرويه. راح يتمشى على طول شارع الاوبرا، وكانت الساعة نحو السابعة مساء. هل هي الساعة التي احاول ان احددها هنا في هذا الشارع القريب من الجادات الطويلة ومن شارع البورصة؟ الآن يتوضح امامه وجه ميرويه. انه شاب يافع يرتدي سترة وتبرز على كتفيه خصلات شعره الذهبي اللون، حتى انه يراه يرتدي بزة «خاصة بالموظفين الواقفين أمام المطاعم أو أمام الفنادق الضخمة، وهو يمتلك وجه طفل شاخ باكراً. كذلك وجه ميروفيه يبدو ذابلاً مع صغر سنه. يبدو اننا ننسى الأصوات ايضا مع مرور الوقت. ومع هذا، هو يسمع صوت ميروفيه، ويتذكر تلك النبرة الحديدية والمحددة لتتلفظ بكلمات جريئة ووقحة، تلك النبرة التي تطمح بأن تكون مثل نبرة «غافروش» أو اي «داندي» متأنق. وفجأة يتحول الى ضحكة عجوز. كان ذلك الصوت يصل من ناحية البورصة، نحو الساعة السابعة مساء عند خروج الموظفين من مكاتبهم. راح الموظفون يتوافدون الى الخارج مثل سيول هائجة فيصلون اليك ويأخذونك بالفيضان الهائل. هذا «ميروفيه» يخرج مع اثنين او ثلاثة من المجموعة، ويبدو صبياً ضخماً أبيض البشرة ملاصقاً لميروفيه ويتحدث بشكل متواصل وبلهجة متوحشة. كذلك يرافقه شاب أشقر ضعيف الوجه ويضع نظارات ملونة على عينيه وهو يلازم الصمت. المسن فيهم كان ليصل الى الخامسة والثلاثين ويلاحظ بوسمانز انه يتذكره أكثر من وجه ميروفيه لما تميز به من وجه مليء يتوسطه أنف أفطس مثل كلب «البولدوغ» وكان شعره البني اللون متراجعاً الى الوراء. لم يكن يبتسم على الاطلاق وكان يبدو سلطوياً الى أقصى درجة وظن بوسمانز انه فهم تلقائياً ان ذاك الرجل هو مدير المكتب. كان يتحدث معهم بقسوة وكأنه يلقنهم درساً والآخرون كانوا يستمعون اليه جيداً مثل تلامذة مجتهدين. ربما حاول ميروفيه من وقت الى آخر تمرير ملاحظة وقحة، أما البقية فلم يذكر بوسمانز ابداً انه رأى اي محاولة ضمنها مجرد ظلال. هذا الشعور السيئ الذي كان ينتابه عندما يتذكر اسم ميروفيه عاد وأحس به تماما عندما تذكر كلمتين محددتين: «الشلة السعيدة».ذات ليلة وكان بوسمانز كعادته ينتظر مارغريت لوكوز أمام ذاك المبنى، خرج ميروفيه برفقة مدير المكتب والشاب الاشقر الذي يضع النظارات الملونة وتوجهوا ناحيته، فسأله مدير المكتب: «هل ترغب في ان تنتمي الى «الشلة السعيدة»؟ وارتسمت على وجه ميروفيه ابتسامة العجوز تلك، لم يعرف بوسمانز بما يجيب. الشلة السعيدة؟ الآخر، بوجهه القاسي الملامح، قال: «نحن نشكل الشلة السعيدة». واعتبر بوسمانز ان في الأمر ما يدعو الى الضحك بسبب هذه اللهجة المستفزة التي استخدمها. وحين تذكر بوسمانز هؤلاء الثلاثة تخيلهم وهم يمسكون كل واحد بعصا ويتمشون على طول الشوارع، ومن وقت الى آخر، يضربون أحد المارة بشكل فجائي. وفي كل مرة، كان يسمع صوت ميروفيه وهو يضحك ويقول: فيما يختص بالشلة السعيدة، دعوني أفكر بالأمر.."








