تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب تدبير منزلي
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

تدبير منزلي

3.7(٤ تقييم)١١ قارئ
عدد الصفحات
٢٥٣
سنة النشر
2011
ISBN
0
المطالعات
٩٧٢

عن الكتاب

لطالما عرفت ألف طريقة لكي تحيطهن جميعاً بما بدا نعمة بكل تأكيد. كانت تعرف ألف أغنية. وكان خبزها طرياً ومربياتها شهية، وكانت في الأيام الماطرة تعدّ الكعك المحلّى وشرائح التفاح المطهية. وفي الصيف تبقي وروداً في الأصص على البيانو، وروداً ضخمة ضوّاعة، وحين تتفتّح وتسقط بتلاتها، تضعها في مرطبان صينيّ طويل، مع كبش القرنفل والزعتر وعيدان القرفة. وكانت تنيم بناتها على ملاءات مكوية جيداً تحت طبقات من اللحف، وفي الصباح تمتلئ ستائرها بالضوء على نحو ما تمتلئ الأشرعة بالريح.

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

المراجعات (٣)

المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
١٤‏/٦‏/٢٠١٥
"امرأة تعرف ألف أغنية، خبزها طري، ومربياتها شهية، وفي الأيام الماطرة تعد الكعك المحلى، وشرائح التفاح المطهوة. وفي الصيف تُبقي وروداً في الأصص على البيانو، وروداً ضخمة فوّاحة، وحين تتفتح تسقط بتلاتها، تضعها في مرطبان صيني طويل مع كبش القرنفل، والزعتر وعيدان القرفة. وكانت تنيم بناتها على ملاءات مكوية جيداً تحت طبقات من اللحف. وفي الصباح تمتلئ ستائرها بالضوء على نحو ما تمتلئ الأشعة بالريح". تخوض الكاتبة الأميركية مارلين روبنسون في روايتها" تدبير منزلي"عالماً متشابكاً، يظن القارئ للوهلة الأولى -ربما بسبب العنوان- أنه سيغوص في اجواء النساء. ولكن ثمة ما هو أبعد من تفاصيل عوالم المرأة والمنزل، إلى فكرة الاغتراب النفسي داخل بيت العائلة. إنه الاغتراب الذي يطيح بكل الأشياء جانباً، ويلقي بها إلى النار بهدف الانطلاق نحو عالم الرحيل. التشرد الذي يتناقض مع العنوان لم يكن مفروضاً، بل محض اختيار تقوم به البطلات"بطلة تلو أخرى، تختار الفرار من عالم البلدة الضيق"بحثاً عن فضاء أرحب بغض النظر عما يمكن أن تواجهه من صعاب. إحدى البطلات تتخلى عن طفلتيها، لأن التوق للرحيل ينتصر في داخلها، بل ويظل مسيطراً على النص ككل حتى في أعمق لحظات الاستقرار. " تدبير منزلي"من ضمن روايات روبنسون التي حازت من خلالها على جائزة همنغواي"وفي هذه الرواية نجد الكاتبة تتبع حياة نساء من أجيال مختلفة، يعشن في بلدة" فينغرتون"وهي بلدة متخيلة، لكنها لا تبدو كذلك على الاطلاق، إذ تمنحها الكاتبة، كل ما يمكن أن يجعلها واقعية تماماً، العلاقات الإجتماعية فيها مثل أي بلدة أو قرية، يشارك الجيران في تشكيل حياتهم عبر الثرثرة والنميمة. و"فينغرتون"أيضاً بلدة العواصف والأمطار، حيث الرياح قادرة على قلع أسقف البيوت، والثلج يتمكن من تجميد السكان في منازلهم لأيام طويلة، تقول:"لطالما تفاخرت جدتي أن الطوفان لم يبلغ منزلنا يوماً، ولكن في ذلك الربيع، تدفقت المياه من حواف البيت وغطت أرضيته على ارتفاع أربعة إنشات، مجبرة إيانا على انتعال الجزم عند القيام بالطبخ أو الغسيل". تدور أحداث الرواية على لسان"روث"التي تكشف أنها تربت هي وأختها الصغرى"لوسيل"في رعاية جدتها"سيلفيا فوستر"جراء رحيل والدتها الغامض، ثم بعد موت الجدة تتربى البنتان في كنف قريبتين للعائلة عجوزتين تعانيان من أمراض تقدم السن إلى جانب نمط تفكيرهما التقليدي والجاهل، ثم تؤول رعاية الطفلتين روث ولوسيل إلى خالتهما"سيلفي فيشر"التي هجرت البلدة قبل سنوات وأرسلت العجوزتان إعلاناً نُشر في الجرائد للبحث عنها"كي تعود لترعى بنات أختها. ومع عودة سيلفي تبدأ حكاية الرواية الفعلية. الذاكرة والحنين في الجزء الأول من الرواية يتركز السرد على شخصية الجدة، في تتبع تفاصيل حياتها بدقة. وفي الرجوع للحديث عن شخصية الجدة عبر حفيدتها"روث"يلمس القارئ ثلاثة عوامل تقوم عليها الرواية وهي: الذاكرة، الحنين، والحرمان. الجدة في الرواية ترمز إلى الذاكرة، التي تُمثل هنا عنصر الاستقرار والسكينة والدفء، في منزل تحرص أن يكون في أبهى حالاته. لكن منذ السطور الأولى يحضر الحنين كعنصر أساسي، يقوم عليه السرد، لكن هذا الحنين"للأم الغائبة"هو حرمان كبير يفرض حضوره في عالم الطفلتين، وفي عالم الجدة من قبل، وأيضاً في عالم الأم والخالة"حرمان يسببه الغياب المتلاحق لأفراد العائلة. فالجدة تفقد زوجها وتعكف على تربية بناتها، ثم بعد أن تكبر البنات -ولأسباب مختلفة- تبدأ كل واحدة منهن بالهروب من البلدة. والدة الطفلتين تفر مع رجلٍ مجهولٍ، وتنجب البنتين"روث ولوسيل"ثم تعيدهما ليتربيا في كنف أمها وتمضي، لتموت في ظروف غامضة. تعيش الجدة الحرمان من بناتها بعد هروبهن، وتعيش الطفلتان الحرمان من حنان الأم، وعاطفة الأب، هما لا تعرفان لم تركتهما أمهما، وبعد موت جدتهما تعانيان من الخوف من بقائهما وحيدتين، حتى ظهور خالتهما سيلفي، التي تعيش حياة مشردة بالانتقال من مكان الى آخر... إن حضور الموت في عالم الطفلتين"مع فقدان جدتهما مصدر الأمان بالنسبة لهما يؤدي إلى وجود حالة من القلق تسيطر على مشاعرهما،"روث"منطوية قليلاً، لكن "لوسيل"جريئة وطموح وتحس أن حياتهما غير طبيعية، وأن خالتهما"سيلفي"موضع سخرية من الجارات بسبب إهمالها في التدبير المنزلي، وفي اللياقات العامة، وفي الاعتناء بمظهرها، ومظهر الطفلتين. تحضر سيلفي كشخصية غامضة في البدء، يبدو أنها اضطرت الى العودة رغماً عنها، من دون أن تملك اختيار، فقد آل مصير رعاية الطفلتين إليها، وينبغي أن تؤدي المهمة. تبذل قصارى جهدها لكنها غير بارعة في القيام بالأمور الحياتية، بل إنها تنام قرب محطة القطار بثياب رثة أشبه بمتشردة، تجمع الصحف القديمة أو تُجري أحاديث مع غرباء عنها ومشتبه بأمرهم، وهذا ما يسبب غضب"لوسيل"التي لا تحرص على اخفاء غضبها، بل تنفجر في وجه خالتها لتنقل ما يتداوله أهل البلدة في السر عنها. تنتقد"لوسيل"خالتها التي تنام بملابسها، أو منتعلة حذاءها، وتنسى نفسها في نزهات طويلة عند البحيرة ... وكان لتكرار مثل هذه السلوكيات أن دفع"بلوسيل"إلى الانتقال للسكن عند احدى عائلات البلدة، لأن أعيان"فينغرتون"اتفقوا على عدم قدرة"سيلفي"القيام برعاية الطفلتين، حينها تبزغ رغبة الرحيل من جديد عند"سيلفي"فما كان منها إلا أن أخذت معها الطفلة"روث"ومضيتا معاً في فرار جديد، بعد أن أشعلتا النيران في منزل العائلة، كي يظن سكان البلدة أنهما قضيتا حرقاً لسبب ما، فلا يبحث عنهما أحد. لكن التشرد في الرواية يحمل وعياً بأهميته التي توازي الحرية، حيث المضي الى المجهول يُماثل القدرة على التمرد من دون كلام أو مواجهات مع المجتمع، بل عبر الفعل المباشر الذي بدا أكثر تحرراً وتأثيراً من أي قول. يمكن القول عن أسلوب مارلين روبنسون بأنه يتميز بالسلاسة والبساطة في الوصف، واللغة، هذا ما يتضح أيضاً في روايتيها"البيت"و"جلعاد"التي نقلها إلى العربية سامر أبو هواش، حيث يمكن ملاحظة قدرة المترجم على اختيار المفردات المنسجمة مع روح النص الأصلي.
Ahmad Hasan
Ahmad Hasan
٣‏/٦‏/٢٠١٥
يظن البعض ان رواية "تدبير منزلي" للكاتبة الأميركية مارلين روبنسون (ترجمة سامر أبو هواش، لدى "هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث")، هي محض سيرة ذاتية تروي حياة فتاتين عاشتا بلا أب وماتت أمهما في ظروف غامضة، لكن جوهرها أبعد من هذا بكثير. انها مرآة تعكس الحقائق المتنافرة التي يتخبّط بها المجتمع الأميركي جراء تفكك العائلة بعناصرها المبعثرة، حيث النهايات التراجيدية: الموت قهراً أو الانتحار أو التشرد في الظلمات أو العبث. [rtl]روثي ولوسيل هما اسما الفتاتين. كل منهما تعاني ألم فقدان الأم بطريقة تتشابه مع الأخرى حيناً، وتتناقض معها حد التطرف حيناً آخر. فالأولى أكثر خجلاً وانعزالاً، فيما شقيقتها الصغرى أكثر طموحاً وشباباً واصراراً. تعيشان بانسجام لم يخل للحظة من التوتر والقلق، لكنهما تستطيعان الاستمرار في حياة شبه مستقرة في كنف جدتهما الى حين وفاتها. تتجلى معالم عزلتهما عقب مجيء العجوزين ليلي ونونا فوستر، أختي جدهما، للاعتناء بهما. كانت هاتان السيدتان شديدتي التشابه، حتى في أتفه التفاصيل. حياتهما ملل قاتل، وروتين لا يرحم أحداً، بعيداً من درب الازدحام المحتمل. يمسي البيت فضاء آخر، تطفو فيه الحياة منعدمة الوزن، غير محسوسة، متعذرة المزج والفصل، مثل الانعكاسات على سطح الماء. فيض متلاحق من الصور السريعة يجتاح الفتاتين حالما تقرر العمتان ترك المنزل للخالة سيلفي. هي جزء من أمهما التي عبر الموت وخطفها من دون استئذانهما. ولكن، هل يطلب الموت اذناً من أحد كي يمد يده ويختطف من نحب؟ الجواب يظل لا دائماً. من الصعب وصف أحدهم، بما ان الذكريات في طبيعتها مجزأة ومعزولة واعتباطية، فكيف تكون سيلفي؟ هل ستشبه أمهما؟ ما لون شعرها؟  تتبدد هواجسهما عندما تدخل سيلفي البيت كطيف غامض يقف في ريح عاتية في تلك الليلة غير المقمرة. تبديان عطفاً تجاهها في البداية، إذ تخافان أن يطل شبح الفراق والموت ويأخذها من أمام ناظريهما فجأة كما حدث مع أمهما. تولى سيلفي مهمة التدبير المنزلي لحظة وصولها الى البيت، بيد ان تصرفات غريبة تظهر عليها مع الوقت: تنام دائماً بملابسها، أولاً منتعلة الحذاء، ثم بعد شهر أو شهرين واضعة إياه تحت الوسادة! تعاني تشرد الذهن قبل تشرد الجسد، هي التي لم تعرف يوماً الاستقرار. حياتها مع أمها كانت مليئة بالخيبات. ألق أسطوري ملحمي حزين، واختلاف قاتل في وجهات النظر. تترك بيتها أولاً ثم بيت زوجها ثانياً، كأن الاستقرار كابوس أزلي عالي النبرة يحرمها السكينة والصفاء. لم تنجب الأولاد، وأبدت عطفاً مبالغاً فيه تجاه الكلاب، فكانت تضع لها الطعام في الليل الدامس حيث الظلام والصقيع لا يرحمان حتى الحجارة. هذه سيلفي إذاً، غارقة دائماً في الصمت والظلمة حتى حينما تأكل. تروح الفتاتان تتذمران من سلوكها الشاذ، ولا سيما لوسيل. يتحول شغف لقائها، وهي من بقيت لهما من رائحة أمهما، ارتدادات عكسية تلامس الكره الحاد في بعض المواقف. تتغيّر لوسيل كثيراً، فتعيش انفصاماً مرضياً بين الواقع وما فوق الواقع. تقول الكاتبة في شأنها على لسان روثي: "كانت لوسيل ميالة الى الموقف العام، وكانت تنظر الى الزمن الذي لم يأت بعد-شذوذ في حد ذاته- بوصفه واقعاً شديد الحضور. كان بمثابة ريح قاسية تلفح وجهها؛ ولو انها خلقت العالم، لكانت تلك الريح الثابتة أحنت كل شجرة فيه، وجردت كل غصن، وعرّت كل فرع. كانت ترى في كل شيء احتمالات لتغيير بغيض". تسيطر العزلة بأبعادها الدراماتيكية على حوادث الرواية مثل أولاد يثرثرون في جنازة. الموت الجسديي رافق الشخوص الثانوية (الأم، الأب، الجد والجدة)، فيما الروحي والوجودي يرافق تلك الرئيسية (روثي، لوسيل، وسيلفي). تسيران على الطريق، ونظرات الناس تسحقهما كمرآة مشوهة. حياتهما لم تعد عادية: مد وجزر، رياح عاتية، غشاوة لزجة احتشدت فيها الكائنات غير المجسدة وتراكمت، على نحو ما تتراكم في شباك العنكبوت أو الزوايا غير المكنوسة في المنازل. المشهد مظلم وبارد تماماً. لا مكان، لا جسد. لا حاجة الى وجود طلل، أو أثر، أو هامش، أو تذكار، أو إرث، أو ذكرى، أو فكرة، لو ان العتمة كاملة ودائمة فحسب. عيون الناس في كل مكان، كثيفة، جاثمة جثوم الكتلة الثقيلة. الوهم أيضاً في كل مكان، وكذلك التبدد والاندثار. وأخيراً تقول لوسيل لروثي: "اننا نمضي الكثير من الوقت معاً. نحتاج الى أصدقاء آخرين". ارادت قتل السنوات الطويلة التي قبعت فيها في العتمة كطفلة مسجونة في ذات مستوحدة انطمست معالمها. تقول: "بدا اننا بفعل سحر ما ضائعتان في مشهد ما، وتكفي أي نسبة من الضوء، حتى يصبح مألوفاً بالكامل، ونصبح قادرتين على استنباط المعاني من الأصوات والأشكال، وعلى معرفة أين نضع أقدامنا". تنجح الرواية (الحائزة جائزة همنغواي-بن) في رسم صورة تاريخية عن مسار عائلة من خلال التوغل في الحكايات الصغيرة والهامشية والتفاصيل التي قد يعتبرها القارئ مملة أثناء القراءة. الموت، التشرد، الفقر، الغربة، العزلة، الألم، الخوف من الآخر، كلها تحضر، بأسلوب بين البلاغة والبساطة من جهة، والشعرية والواقعية من أخرى. فتجسد سير أناس كثيرين مشحونين بالألم والخراب، طامحين الى صفاء واستقرار لا ينفكون يسعون اليه جاهدين.[/rtl]
Ahmad Hasan
Ahmad Hasan
٣‏/٦‏/٢٠١٥
[rtl]روث هي بطلة الحكاية، وهي ساردة الوقائع بضمير المتكلم. ومسرح الأحداث هو بلدة فينغربون المتخيلة، المنسية في تضاريس الغرب الأوسط من الريف الأميركي بلا أي أمجاد أو تواريخ مهمة. ما يميز هذه البلدة هو مرور سكة الحديد بجوارها، والجسر المشيد فوقها، وتلك البحيرة ذات «المياه المعتمة الساكنة»، ولا شيء آخر يمكن أن تعرف به. «لم تكن فينغربون، يوماً، بلدة جميلة»، تقول روث وتضيف: «فقد كانت مبتلاة بطبيعة ضخمة تحيط بها، وبمناخ متطرف، ثم بإدراكها أن تاريخ البشرية برمته حصل في مكان آخر». لا تأبه البطلة الراوية لتاريخ البشرية تلك، بل تلتفت إلى شؤون عائلتها، باحثة في ثنايا الماضي البعيد عن الدروب والمحطات التي سلكتها. تقتفي في تعرجاتها آثار خطوات من رحلوا لترتحل هي الآن على تلك الدروب في محاولة لترتيب أرشيف العائلة الذي تبعثر مع السنوات، وضاع في متاهة الحياة. الموت سيطلّ برأسه في كل حين، إذ سنصغي مع روث إلى قائمة طويلة تضم أسماء الراحلين، من الجد الذي توفي بحادث قطار، إلى رحيل الجدة المؤلم، ثم ضياع بناتها، الشقيقات الثلاث وذهابهن في وجهات مختلفة، وبينهن هيلين، والدة الراوية التي توفيت في ظروف غامضة رجح أنها قد تكون انتحرت، وصولاً إلى الخالة سيلفي التي وصل إليها، في النهاية، تدبير المنزل ورعاية الشقيقيتن روث ولوسيل.[/rtl] [rtl]الجدة التي تتحدث عنها روث بكثير من الإعجاب والتوقير، ترمز إلى الاستقرار الموقت الهش، وإلى الإلفة والدفء العائلي، فهي بدت حريصة على نظام أسري دقيق، وعلى تربية بناتها الثلاث وفق مبادئ تحترم التقاليد، وتمجد الالتزام والمسؤولية: «لطالما عرفت ألف طريقة لكي تحيطهن جميعاً بما بدا نعمة بكل تأكيد. كانت تعرف ألف أغنية، وكان خبزها طرياً، ومربياتها شهية، وكانت في الأيام الماطرة تعد الكعك المحلّى، وشرائح التفاح المطهوة. وفي الصيف تُبقي وروداً في الأصص على البيانو، وروداً ضخمة ضوّاعة، وحين تتفتح وتسقط بتلاتها، تضعها في مرطبان صيني طويل، مع كبش القرنفل، والزعتر وعيدان القرفة. وكانت تنيم بناتها على ملاءات مكوية جيداً تحت طبقات من اللحف. وفي الصباح تمتلئ ستائرها بالضوء على نحو ما تمتلئ الأشرعة بالريح».[/rtl] [rtl]وفق هذا الإيقاع المضبوط كانت تسيّر الجدة شؤون المنزل. لكنها سرعان ما ترحل لتترك بناتها الثلاث لمصائر غامضة. تروي روث قصصاً مبتورة عنهن، بيد أنها تولي عناية خاصة للخالة سيلفي التي بدت عليها تصرفات غريبة كأن تنام بملابسها، أو منتعلة حذاءها، أو تتناول طعامها في الظلام، بل إنها كانت تنام قرب محطة القطار بثياب رثة أشبه بمتشردة، وتجمع الصحف القديمة أو تُجري أحاديث مشوشة مع غرباء، وتنسى نفسها في نزهات طويلة عند البحيرة، ناهيك عن الشرود والكوابيس والصمت المريب. هي عاشت الكثير من الخيبات، وها هي تعود إلى البيت الذي نشأت فيه مهزومة، مهيضة الجناح، لا تقوى على التمييز بين الواقع والوهم.[/rtl] [rtl]في كنف هذه الخالة، وفي ذلك المنزل الكئيب تمضي الشقيقتان روث ولوسيل حياتيهما، من دون أي مرح أو لهو. تخوضان نقاشات خفيفة، وتصغيان إلى موسيقى الحياة الرتيبة التي لا تتغير. تتذمران من سلوك الخالة، وسرعان ما تحجمان عن الذهاب إلى المدرسة. تصارعان مناخاً قاسياً في بلدة لا تعرف سوى الثلوج والفيضانات. وكأي بلدة صغيرة، تعيش في عزلة، ثمة متسع للنميمة والثرثرة المجانية وتزجية الوقت على ضفاف تلك البحيرة الموحشة. كانت ردود فعل الشقيقة لوسيل أكثر وضوحاً، فهي كانت تحتج على هذا الواقع المزري «وترى في كل شيء احتمالات لتغير بغيض».[/rtl] [rtl]على هذا النحو تمضي روث في سرد قصص أفراد الأسرة، وجلهم من النساء، وفي سرد تفاصيل حياتها المشتركة مع شقيقتها لوسيل. تواريخ وأجيال ووقائع لا يربطها أي رابط سوى تلك البلدة الغارقة في صمت لا يعكر صفوها سوى صفير القطار الذي يمر ليشير إلى ثقل الزمن، ووطأة الأيام ورتابة الوقت. ولا شيء يتبدل فيها سوى تقلبات الطقس وتعاقب الفصول. لكن روث التي كبرت الآن، تطل على تلك الأيام البعيدة، لتدون هذه الصفحات بمنتهى الصفاء والشغف. تغوص في تاريخ أسلافها وتنقب في أسرار العائلة وخباياها. تفتح دفاتر الذاكرة لتقرأ في سطورها تراجيديا الضياع والمكابدات. تستحضر الأحياء والأموات والأطياف، وتحاول استنطاقهم وإجبارهم على البوح والمكاشفة. تزيل عن وجوهمم الأقنعة، وترصد تحولاتهم ومشاعرهم وعداواتهم، كأنما تسعى إلى إعادة ترتيب مفكرة الأيام المنقضية. وهي، إذ تتقصى أحوالهم وأقدارهم، تجد نفسها ساردة قصصاً وحكايات موازية لهذا السفر العائلي. إنها تتنفس وسط هذه الحيوات المتشظية بين غبار الكلمات فتزدحم الحكايات، وتتناسل على نحو مكثف وثري.[/rtl] [rtl]يصعب استنتاج موضوع بعينه تتمحور حوله الرواية، بل ثمة عناوين عدة متداخلة، فالروائية مارلين روبنسون (1943) تتحدث عن الموت والعزلة، عن الفقر والتشرد، عن الغربة والخوف، عن القلق والألم، عن الأحلام والطموحات التي لم تتحقق قط... ولكن ثمة دائماً، فضلاً عن كل هذه المواضيع، رغبة في التوق والخلاص، وأمنية تراود جميع الشخصيات تتمثل في الذهاب بعيداً من هذه الأرض التي لم تمنح ساكنيها سوى الوحشة والخراب. هذا النداء الخفي هو الذي يحرك خيوط الرواية ويقود الوقائع نحو هذه الوجهة أو تلك. وتأتي النهاية متناغمة مع نزعة الرحيل هذه، فالشقيقة الصغرى لوسيل تنتقل للسكن عند إحدى عائلات البلدة، بينما يتصاعد في روح الخالة سيلفي نداء الرحيل. تقوم بحرق المنزل، آخر رمز للعائلة، وتمضي مع روث في رحلة جديدة نحو المجهول، فيما سيظل الحريق برهاناً على أنهما قد احترقتا، ولن يفكر أحد في البحث أو السؤال عنهما، ليكون الارتحال الأبدي هو قدرهما وقرارهما.[/rtl] [rtl]تهتم روبنسون بالطبيعة المحيطة، وبما يعتمل في دواخل الشخصيات، وهي تتخذ من الريف مسرحاً لأحداث الرواية، الأمر الذي يجعل قلم الكاتبة رشيقاً وشفافاً في ملامسة مشاهد الحياة في تلك البلدة النائية، الغائبة عن الأطلس. وأضفت نشأة الكاتبة في الريف، خبرة واسعة إلى قاموسها الذي يفيض بملامح الريف وتجليات الثقافة المحلية وفضيلة القناعة التي تعم النفوس. لكن عائلة روث لم تخضع لهذا الهدوء المخاتل وتلك القناعة، بل شقت طريقها نحو عوالم مجهولة غامضة، وراحت تصنع أسطورتها الفردية الخاصة في عالم لا يكترث بأحلام البسطاء، فكان الإخفاق هو المطاف الأخير.[/rtl] [rtl]مارلين روبنسون تتمتع بشهرة واسعة في بلادها. ولدت في ساند بوينت - ولاية آيداهو. أصدرت ثلاث روايات، وهي، فضلاً عن «تدبير منزلي»، «جلعاد» و «البيت» إضافة إلى دراسات وكتب نقدية مثل «البلد الأم»، «موت آدم»، «غياب العقل»، «عندما كنت طفلة قرأت كتباً». حصلت روبنسون على عدد من الجوائز مثل جائزة بوليتزر، وهمنغواي، وأورانج.[/rtl]