
مجاني
📱 كتاب إلكتروني
ظلال وارفة
تأليف سعاد الناصر
4.0(١ تقييم)•٢ قارئ
📄 قراءة PDFمجاني
عن الكتاب
الكتاب عبارة عن مجموعة قصصية مكونة من عشرين قصة.
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (١)
Ahmad Hasan
٢/٦/٢٠١٥
عنوان المجموعة "ظلال وارفة"؛ يمثل مدخلا رقيقا إلى الشاعرية التي تحكم هذه المجموعة، وتسري في مفاصلها، وتؤكد على شاعرية المؤلفة التي عبرت عنها نظما في المجموعتين اللتين سبقت الإشارة إليهما، وعبرت عنها نثرا في السياق القصصي الجميل في هذه المجموعة القصصية وغيرها. وبصفة عامة، فالشعر يمثل للكاتبة حياة كاملة تظلل ما تكتبه بظلال وارفة، وهو ما عبرت عنه بقولها: "منذ بدء الحنـين، كانـت القصيـدة ولم تـزل، تتعمق كوشـم صارخ فوق جسدي، هـي لقـاء في سمـاء متوضئـة بالسـؤال، أبتعـد عنها كلمـا أحرقني الواقـع بفيـض يغمـر شاعريتي، لأتجه صوب وجهها الغائب في ثنايا السرد، ألج عنفوان القصة القصيـرة، فأنبتـتـني أول مجموعة: "إيقاعات في قلب الزمن"، و تقول: الكتابة: "نهر من أزهار وأطيار وأشواك وعلامات، تبوح بأسرارها..".
وروح القصيدة موجودة في المجموعة التي بين أيدينا – أعني ظلال وارفة – وتهيمن على أهم خصائصها ومميزاتها التي يمكن الإشارة تلمسها في حضور المكان والأمومة والطفولة والحياة الزوجية والتحول السلوكي والتناص والتضمين والمجاز.
وحضور المكان في المجموعة قائم بقوة : البيت – المدينة – البحر - الطريق – مكان العمل أو الدراسة أو المصنع أو مرتيل أو الغرب الإنجليزي.
والمكان يمثل منبعا للشاعرية الجارفة، سواء بالحب أو بالرفض، وهو رمز الحنين والانتماء، وهو أيضا مفجر أحاسيس الغربة، والكاشف عن قسوة الأجانب وبرودهم وتعاملهم المادي الذي لا يعرف معنى التراحم والمودة.
يدرك ذلك من فارق الوطن وذهب إلى بلاد غريبة، لا أهل فيها ولا خلان، ففي قصة رجوع نرى البطل المغترب يرثي نفسه، وقد تحول إلى مجرد آله بلا روح، مما يدفعه إلى القول :"كنت أتمنى أن أكون ثورا في بلدتي على أن أعيش هنا بهذه الطريقة. لم يعد عندي إحساس بالفرق بين شيء وآخر، أصبح رحيل النهار كرحيل الليل، وأصبحت أعيش خارج حدود الزمان والمكان " ص 15.
ثم تتفجر مشاعره وأشواقه إلى أهله وموطنه، والبحر الذي عاش بالقرب من شاطئه، وكأنه يعيدنا إلى المتنبي وهو يحن إلى أهله، والشاعر المعاصر الذي يحن إلى أمه وخبزها وقهوتها، يقول:
"اشتقت إلى حنان أمي، إلى لهفتها علىَ، افتقدت الجلوس مع عائلتي على مائدة واحدة، نأكل في صحن واحد، نتسابق على قطع اللحم القليلة، نتبادل الضحكات. افتقدت كثيرا زرقة البحر الذي كنت أطل عليه من نافذة غرفتي، رائحته المختلطة مع صدى الأذان، افتقدت سريان الحرارة في مشاعري، لم أعد أستطيع الاستمرار في هذا المنفى، تخليت عن كل شيء، وهانا أحاول استعادة شيء من الصفاء " ص 15.
لقد كان البطل الشاب في قصة رجوع يرغب في الزواج من فتاته الزميلة الطالبة في الجامعة، كان يبثها إعجابه ورغبته القوية في مشاركتها حياته، واتفقا على أن يتقدم لخطبتها بمجرد حصوله على وظيفة كيفما كانت ريثما ينهي دراسته العليا. كان واثقا من تهافت الشركات عليه بمجرد تخرجه لامتلاكه التفوق في تخصصه، وخبرة نادرة نتيجة التدريب في عدد من الشركات. ولكنه اصطدم بأرض الواقع، فقد توفي والده، ولم تقبله شركة من الشركات فقرر الهجرة إلى دولة غربية، وتزوج بريطانية، وبدت عليه تغيرات جسمانية بسبب دوامة العمل المتواصل، وتحكم زوجه البريطانية فيه بسبب ممارسات عديدة لم يكن يتصور أنه يمكن أن يقدم عليها يوما. وقع على أوراق تؤكد أنه مدين لها بآلاف الدولارات. قالت إنها مسألة شكلية فقط، ليوافق صديقها على توظيفه. ولكنه افتقد السعادة والأمان، ولم يحصد غير التعاسة والاضطراب، ومع ذلك فهناك "كثير من الشباب يحسدونني على ما أنا فيه، لا يعرف قيمة الوطن إلا من تغرب عنه، وذاق طعم المرارة الذي ينفجر من كل زاوية من زوايا الغربة، ولا الاستمتاع به إلا من قلبه عليه انفطر " ص 15.
ويؤكد بطلنا الشاب هنا تعلقه بالوطن أو المكان، لأنه رمز للأمان والصفاء،أما المكان الآخر، مكان الغربة ففيه الاستغلال، والقيود، والعمل المستمر بلا رحمة ولا عائد ؛ اللهم إلا إرضاء السيد الأجنبي القاسي، وهو هنا يتمثل في الزوجة التي حصلت على توقيعاته وصار مدينا دون أن يأخذ شيئا حقيقيا ذا قيمة في المقابل، وأصبح مستعبدا لها، تتحكم فيه وتحركه كيف شاءت لا كيفما يريد هو. يتحول الوطن إلى مكان آمن يستحق من أجله أن يضحي بالزوجة البريطانية الأنانية القاسية.
وإذا كان بطل قصة رجوع يحن إلى زرقة البحر التي افتقدها في غربته، فإن البحر في قصة تحمل اسمه إلى حالة من الشاعرية الفياضة المترعة بالأسى والغموض، بل إننا نرى مدى تأثير البحر على البطل بل الكاتبة، وذكريات الطفولة على شاطئ البحر، وانتظار السفن القادمة بالصيد، أو السفن الذاهبة إلى الصيد، وها هو بطل القصة يتغزل شعرا شفافا - إذا صح التعبير - في البحر، وعالمه الزاخر:
"تطلع بعينين حالمتين إلى البحر، تمتد أمامه زرقة منبسطة تلتقي بحمرة متناثرة، فيشكلان لوحة طبيعية رائعة، أصاغ السمع إلى الهدير الخافت الممتد منه إلى شرايينه، ثمة زورق يستعد لرحلة ليلية في صيد السمك..." ص25.
وها هو يسجل بعض ذكرياته مع البحر في طفولته:
"كانت أمه توقظه مع الفجر، ليذهب إلى الشاطئ مع إخوته ومجموعة من أطفال القرية لانتظار السفن الصيد التي خرج بها آباؤهم، فتخرج السفن، ويفرز السمك، ويذهب كل واحد إلى شأنه، ويظل هو في البحر، يضمه بصدره، ويدخل معه في علاقة حميمة خاصة، حوارية أو صامتة؛ إلى أن تغيب الشمس.." ص 25.
هذا البطل هو نسخة مكررة بطريقة أخرى من بطل قصة رجوع، فهو يحلم بالهجرة إلى الشاطئ الآخر، وتحقيق الحلم بجمع الثروة، ولكنه ينتظر دون جدوى:
.."أخذ حجرا وجلس عليه بين يدي التلفزيون، في انتظار موعده مع الرجل الذي وعد بترحيله إلى الضفة الأخرى من البحر، بعد أن سلمه كل النقود التي ادخرها لزواجه من جارته.."ص26.
ولكن أحدا لا يعرف ماذا جرى بعد الانتظار الطويل، وضياع مدخراته، فنهايته غامضة، وتعددت الروايات عن مصيره المجهول:
"وفي كل مساء، تختفي الشمس في الأفق الوردي، باسطة للتواصل مع الشاطئ جسرا بلوريا يتلألأ على صفحة البحر" ص 26.
هكذا تأتي الخاتمة الشاعرية للنهاية الغامضة، وكأنها توحي أن البحر مصنع الأسرار والأحزان معا، وعبوره مصدر خطر عظيم!
البحر حاضر في السرد بكثافة، والتعبير عنه كأنه الحياة المتوهجة التي تستشعرها شخصيات القصص بصورة يبدو فيها البحر مهيمنا على الروح والوجدان كما تقول الشخصية الرئيسة في قصة "نوارس اليقين" :
"البحر بالنسبة إلى ذاكرة نحو عبور مرافئ الروح؛ هنا بأرض كاظمة تطل شرفة غرفتي على الخليج العربي الممتد مثل فجر بلوري، وبمدينة الحنين و"طيبة"، يطل بيتي على المحيط الأطلسي كأنه فاتح يقود جيشا ضد الظلام، وأنا المسافر من بحر إلى بحر كأني سندباد العصر، أجد مرافئ الروح في البحر، ولكن لوحاتك تخلو من البحر فهل صار، في روحك، كومة من ملح أجاج؟ " ص 133








