
تحت الجرس الزجاجي
تأليف أناييس نن
ترجمة محمود منقذ الهاشمي
عن الكتاب
" رحلة العين " كان يعمل على الأقمشة الصغيرة باللمس الخفيف خفة العنكبوت والتكوين المستمد من السراب ، وعاش هناك ، في قاع البحر ، ولكن قاع البحر امتلأ بأشياء من حطام السفن مركونة بغير انتظام الأسماك تمرّ بالأبراج ذات العين الواحدة ، وبالراسي ، وبالنباتات المائية تنمو من هياكل السفن ، كل ما يمكن أن يسقط من كيس جامع النفايات منتفخ طمره هانز في حطام سفينة الأمزجة المتكسرة ، الشظايا الضائعة من العوالم المتعذر استردادها . وكان الأخضر الذي غلّف الأشياء المكسورة هو أخضر العفن الفطري ، والنبيّ الذي غطّى المشاهد هو نبي الركود وبإدراكه أنه بالعين يجتاز المسافات ليصل إلى هذا الجانب الآخر من العالم ،ـكان يرسم دائماً عيناً بشرية صغيرة في الزاوية ، الباب السرّي لهربه إلى المناطق العميقة التي يجهلها سطح العيون . وكان ينفذ إلى العين كما ينفذ إلى المرآة ، فعبر جذورها قبل الولادة وبعد الممات ، وهناك يحد طبقات النور وأمواج الأمزجة الغارقة ، وخلايا الجمود والألم المتآكلة من صدأ الركود . وفوق ذلك على الدوام عاصفة ، عاصفة لا يعلم أحد من أين تأتي ، ولذلك كانت معجزات الجمال المجهضة في الماء يتهددها دائماً البرق الوشيك ، الإنفجار القريب . وكانت العين الصغيرة في زاوية الرسم مُنوّمة مغناطيسياً من الرعب ، عالم على وشك الزوال دوماً ، على حافة الكارثة المطلقة ، وفي البدء حين منع النهار ، كان المعبر عبر العين أملس ، فانسال هانز خارج غرفته وخلّف شقائه . وكان جسده ساكناً كأنه مخدّر والعين وحدها تحمله إلى كل مكان ، ساعة ، منزلقة ، مذيبةمشهداً لتُحل محله مشهداً آخر تدريجياً ، متغلغلة ، ولكن بعد بضع ساعات ماتت الألوان على رؤوس أصابعه ، وأصبحت العين التي في زاوية الرسم مزجّجة ثم عمياء تماماً ، ولم يعرف أبداً أكان جسده متنبهاً إلى الجوع النهم ، أم إلى برودة الغرفة التي تستره ، أم إلى البقع على جدرانه الأربعة ، أم إلى رخاوة بزّته الوحيدة المعلقة على المشجب ، فراغ جيوبه الممزقة ، الغبار على الجوانب ، أم إلى صوت البواب على الطبقة .. ولكن العين أغمضت ، ثم أبحر متنقلاً ومتقلقلاً باتجاه الشراب . لعله في الشراب يجد شيئاً من الدفء الضائع ، التوهج الضائع ، التوسع الضائع ، وما كاد يشرب حتى ذابت السماء ، وركضت السحب ، وكفّت الكآبة عن الإزعاج وأصبحت كوابل لطيف من المطر ، وزال التشنج الذي حدث في معدته بسبب خوائها من الطعام . الدفء واللون وامتداد القلب والأمعاء في عالم لانهائي . كانت هجرته هي التي يتضيق حوله ، وتصغر ، وتصغر ، وتخلو ، حتى أوشكت العزلة أن تخنقه . والآن كل شيء مفتوح ، على حين أن الزجاجة مملوءة ، ولكن حين أصبحت الزجاجة خالية ورفض الساقي أن يملأها ، سقط في الهاوية مرة أخرى ، وضعفت ساقاه وغشيت عيناه . أضاع كل شيء رغم انكمش العالم ثانية ، وتعمقت العزلة ، وتعمقت العزلة لأن الناس أخذوا يضحكون عليه ، ويتكلمون عنه .... وحين كان يجلس هنالك كان يعلم أن ثمة شخصاً يفتش غرفته ويحاول أن يسرق رسومه ... " تقوص أناييس فن في المحيطات الداخلية ، لحرصها على اكتشاف العمق الإنساني ... ففي مجموعتها هذه " تحت الجرس الزجاجي " يرى القارىء الشخصيات المتمردة ، والخائبة ، من الفنانين المشاغلين الذين تحطمت أحلامهم ، والمشردين الذين رفضوا الطاعة ، والمأزومين الذين حال تزمتهم النفسي ونقص بصيرتهم دون الإنفتاح الخلاّق على الحياة ؛ كما يرى القارئ الشخصيات الطفلية ذات الثراء الداخلي والإخفاق الخارجي ، والفقراء والمتسكعين على جوانب الحياة ، ويتعرف على سحر المتاهة في أعماقها اللاشعورية ، وعلى الطفولة الضائعة ، ووراقه الحياة والموت .. إن روح التمرّد هي التي تسكن هذه القصص وما تركّز عليه هذه المجموعة القصصية ؛ إنما هو الدراما الداخلية في علاقتها بالدراما الخارجية ، وما هو متنوع من العالم الخارجي إنما هو لتصوير ما يعيش سراً في العالم الداخلي ، والجوهري في الإنسان ، بقطع النظر عن عرقه وبيئته ، فعلى الرغم من أن أشخاص القصص يمثلون مجتمعات مختلفة ؛ فإن القصص لا تشير من خلالهم إلى المجتمعات التي أتوا منها ؛ بل هي تشير إلى ما يشترك فيه البشر من توق إلى الإمتداد الإنساني ، وما يعانونه من الضياع ، وما يقف في وجوههم من العوائق .
عن المؤلف

روائية، ناقدة، كاتبة يوميات. اسبانية الجذور فرنسية الثقافة - أمريكية المقام ولدت سنة 1903، في ضاحية ( فويي) الباريسية وتوفيت بالسرطان سنة 1977 في لوس انجلوس . من أهم أعمالها: عشرة مجلدات من اليوميات (
اقتباسات من الكتاب
لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.
سجّل الدخول لإضافة اقتباسيقرأ أيضاً
المراجعات (١)







