تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب سحر وأشياء أخرى
مجاني

سحر وأشياء أخرى

0.0(٠ تقييم)
ISBN
0
المطالعات
٧٠٠

عن الكتاب

ظهرت من جديد، هذه الليلة. لماذا من جديد؟ هل رأيتها فعلا من قبل، في مكان آخر، في وقت مضى؟ لماذا انتابني هذا الشعور، هذه الرعشة في القلب، منذ أن دخلت، هذه الليلة، في هذه الصالة الواسعة، برفقة تلك العجوز ذات النظرات الخبيثة -كلتاهما ترتدي ملابس سوداء كالغجر-، و بدأت تجتاز المطعم دون إهتمام للاضطراب الذي أثارته. وجهها كان جميلا، أنوفا مضاء ومستسلما للعبة الضوء والظل المنبثقين من السقف؟ لماذا شعرت بوجودها، حتى قبل رؤيتها، رؤية الإثنتين معا، عندما دفعتا الباب الزجاجي، قادمتين من غموض ليل هذه المدينة المفزعة، كلاجئتين في هذه الصالة الواسعة المعبأة بالضجيج؟ نعم أنا شعرت بذلك في داخلي، كنظرة غريبة، كحركة الهواء على جلدي، كخطر قادم، دخلتا هذه الصالة الضخمة والغريبة، معا في الحركة البطيئة لثنايا ثوبيهما الأسودين. يا لها من شابة، جميلة، ذات وجه متألق، ويا لها من عجوز سوداء، متجعدة، خشنة وذابلة، مع هذه النظرة الثابتة، الجامدة، كظل مدار فارغ. لكن لماذا يخفق قلبي بسرعة أكبر، بقوة أكبر، كأن هذه اللحظة كانت تمتلك أهمية كبرى، لا شيء مما كنت أعيشه، لا شيء مما عشته، كان مصادفة؟ نهضت قليلا عن الكرسي، أظن، أنه كان ذلك من أجل المغادرة، أو من أجل أن أذهب أمامها، لم أعد أدري. كنت أراهما تتقدمان عبر الصالة الواسعة، تتبعان خطا منحرفا، كانت في الأمام، هادئة، تقف أمام كل طاولة، متبوعة بالعجوز التي كانت تنحني، و التي كانت نظرتها تركض أسرع منها، باحثة عن شيء ما، لا تستطيع التقاطه. عندما وصلتا إلى آخر الصالة، استطعت أن أفهم السبب الذي جذبهما إلى صالة هذا المطعم، هذه الصالة التي لم توجد من أجلهما. في كل وقفة، كانت العجوز تخرج من قفتها وردة تميل إلى الذبول، وتعرضها على زبائن المطعم، الذين كانوا يديرون وجوههم في ملل، ربما في نفور. جمال الغجرية الشابة لم يكن مدركا، وجهها معتم، عيناها محتدمتان وغافلتان، فمها بهي، شعرها الأسود الطويل مفرود على كتفيها بانطلاق، يداها بمعصمين رقيقين جدا، جسدها اللين الرشيق في ثوب أسود طويل بال من الساتان، راقصة كظل، كانت هي التي تجبر الناس على الالتفاف عنها، على الهرب في محادثة مصطنعة، لا مبالاة مستعارة، أو حتى، على غضب موح. نعم، عدة مرات، رأيت نساء ورجالا، في اللحظات التي كانت فيها العجوز المتسولة تتوسل إليهم، كانوا يطردونها بعنف، رافعين صوتا يجلب الخوف و الهياج. المهرجتان تتابعان التقدم في الصالة الكبيرة، التي أصبحت شيئا فشيئا صامتة و فارغة. أما أنا، فأجلس على طاولتي وسط الصالة، لم أعد أرى المدعوين، لم أعد أسمع هيجان أصواتهم. على العكس، كنت أشعر، بشكل غير محتمل، بكل حركة صادرة عن المرأتين، كان يخيل إلي بأني كنت أسمع كل رنة من صوتيهما، أو بالآحرى، الصوت الرتيب والنائح للعجوز ذات النظرة الخبيثة، والصمت الأنوف للمراة الشابة الجميلة، التي كانت تمشى أمامها، وتنتقل، هي أيضا، من طاولة إلى طاولة لكن دون أن تستدير، النظرة ترقب البعيد في الفراغ، في ألق اللمعان القاسي، الذي يدعو إلى الفزع. أما أنا، فقلبي كان يخفق في صدري بقوة أكثر فأكثر، شعرت أن العرق يبلل راحتي. من أي شيء أنا خائف؟ بأي شيء تستطيع هاتان الغجريتان (فلم يعد لدي الشك بأنهما غجريتان بأثوابهما الطويلة، والشعر المحلول والعيون الشديدة السواد للمرأة الشابة والوجه الطويل الدقيق للمرأة العجوز المتسولة) أن تهدداني؟ و بالرغم من ذلك كان هذا: كنت أشعر بأن هذا المشهد لا يملك أي معنى إلا من أجلي، لأني كنت فيه. كأن المرأتين ذاتي اللباس الأسود لم يدخلا في صالة هذا المطعم من أجل أن يبيعا زهورهما، لكن من أجل أن يبحثا عني.

عن المؤلف

جان ماري غوستاف لوكليزيو
جان ماري غوستاف لوكليزيو

ولد جان ماري غوستاف لوكليزيو في نيس عام 1940 من أب بريطاني ذي أصل بريتوني وموريسي ومن أم فرنسية. قبل التحاقه بوالده عام 1948 في نيجيريا، ربته أمه وجدته، حيث كان لتلك المرحلة أكبر تأثير على اتجاهه نحو

اقتباسات من الكتاب

لا توجد اقتباسات لهذا الكتاب بعد.

سجّل الدخول لإضافة اقتباس

يقرأ أيضاً

غلاف الحوت

الحوت

جان ماري غوستاف لوكليزيو

غلاف نجمة تائهة

نجمة تائهة

جان ماري غوستاف لوكليزيو

غلاف موندو وقصص أخرى

موندو وقصص أخرى

جان ماري غوستاف لوكليزيو

غلاف ثورات

ثورات

جان ماري غوستاف لوكليزيو

غلاف الربيع وفصول أخرى

الربيع وفصول أخرى

جان ماري غوستاف لوكليزيو

غلاف حياة في الإدارة

حياة في الإدارة

غازي القصيبي

غلاف الخيميائي

الخيميائي

باولو كويلو

المراجعات

💬

لا توجد مراجعات بعد. كن أول من يراجع هذا الكتاب!