
تربية القرآن لجيل الإيمان
تأليف فوزي محمد أبو زيد
عن الكتاب
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { مَنْ لاَ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ لاَ يُصْبِحْ وَلاَ يُمْشِي نَاصِحاً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلإِمَامِهِ وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ }(1) أي أن كل مسلم يجب أن يفكر في أمور المسلمين، ومشاكل المؤمنين، بقَدْرِ ما يفكر به في مشاكل نفسه أو أكثر، خاصة وأن هذه المشاكل قد كثرت، والبلاء بها قد عمّ، بل إن الأمر قد انتهى إلى أزمة مستحكمة في الأخلاق والمعاملات، لا يجد كثيرٌ من الناس لها مخرجًا، وأصبح الأمر كما يقول أحمد شوقي: وإذا أُصِيبَ النَّاسُ في أَخْلاقِهِم فَأَقِـمْ عَلَيْهِمْ مَأتَماً وَعَوِيلا ويعكف الخبراء والعلماء الآن على بحث الطرق السديدة للنهوض بمجتمعنا- اقتصاديًا، وعلميًا، وثقافياً، وأخلاقيًا، وغيرها - ولكنهم لا يهتدون لذلك، لأنهم يبحثون عن الحل في تجارب الآخرين!!! فينظرون مثلاً إلى تجربة روسيا فيقومون بتنفيذها في مجتمعنا، مع علمهم - علم اليقين - أن لكل مجتمع طباعه وعاداته، وأخلاق أهله التي ينفرد بها عن سواه ! فإذا لم تفلح هذه التجربة وقد حث ذلك، نظروا إلى تجربة أمريكا فيطبقونها، فإذا ثبت فشلها، اتجهوا إلى اليابان أو إلى ألمانيا، وهم في كل ذلك يريدون أن يطبقوا علينا مبادئ القوم ومُثُلَهُم لعلنا نصير يوماً إلى مثل حالهم في الدنيا - من العلوِّ في الأرض، والزخرف والزينة ... ونسوا أن أساس الإصلاح في أي مجتمع من المجتمعات هو الفرد نفسه!! وهذا لا تقومه القوانين، ولا تصلحه اللوائج ولا التوصيات والتعليمات، وإلا فأى قانون يستطيع أن يمنع الغش نهائياً؟!! وأي قانون يمنع الغِيبَةَ والنميمة، والمكر والخداع، واللؤم والخيانة؟!! لا يوجد إلاَّ قانونٌ واحد .. هو قانون السماء، الذي أنزله الله في دستوره -القرآن الكريم - ووضع يده عليه النَّبِيُّ صل الله عليه وسلم، وأسَّس عليه دولة المؤمنين في زمانه وإلى يوم الدين، وإلى هذا الإشارة بقوله الإمام مالك رضى الله عنه: { إنما يُصلح أخرَ هذه الأمة بِمَا صَلُحَ به أولها }(2) وأولها لم يستمدوا مدنيتهم وحضارتهم من الفرس ولا من الروم، وإنما أخذوها من نور كتاب الله عزوجل . وأساس إصلاح الأفراد - والذي يتوقف عليه إصلاح المجتمعات - هو إصلاح النفوس والضمائر، لأن النفوس إذا صلحت، والضمائر إذا طهرت، لا يحتاج الناس إلى من يمنعهم من الغشِّ، لأن الرقيب في صدورهم، والمشرف عليهم والمحاسب لهم قلوبهم وأفئدتهم. فلا يرهبون من ذي سلطان، لأن سلطان الضمير أبلغ في التوبيخ والتقريع - إذا كانت النفس الأمارة بالسوء هي المهيمنة على تصرفات - وسلوك الإنسان، والنفس الأمَّارة هي المهيمنة على أهل النفاق وكل من لا إيمان له. فكل من لا ينقعد في قلبه الإيمان كما جاء به النبي العدنان صل الله عليه وسلم - وإن تظاهر يوماً بين الناس بالأمانة والصدق والمروءة - فهو داخل في قول الله عزوجل فى [53- يوسف]: } إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ { وإنما يكون تظاهرهم بالأخلاق الكريمة لخداع غيرهم، حتى يقعوا تحت سطوتهم، وبعد ذلك ينفذون فيهم مخططاتهم الإبليسية من الغدر والخداع واللؤم والخسة. والذي يرحمه الله بالإيمان، ويهذب نفسه بالقرآن، هو الذي يصلحه الله، فينبه في داخله النفس اللوَّامة التي أقسم بها الله في قوله: } وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ { [3- القيامة] فتلومه وتوبخه عندما يعصى الله، أو يفعل ما نهى عنه الله، أو يخالف في صغير أو كبير هَدْىَ رسول الله صل الله عليه وسلم والفرد الذي يتربى على ذلك لا يحتاج إلى مَنْ يمشي حوله ليراقبه من الشرطة أو المخابرات، ولا يحتاج إلى من يفاجئه في عمله أو في تجارته من أي جهة من الجهات، لأن الرقيب الإيماني الذي بداخله يمنعه أن يتصرف أي تصرف - بأي جارحة من جوارحه - دون الموافقة على ذلك، من هيئة الرقابة الإيمانية التي تسكن في صدره وفؤاده ولسان حاله يردد قول القائل: إذا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوماً فَلا تَقُـلْ خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَىَّ رَقِيبُ وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفِـلُ سَاعَــةً وَلا أَنَّ مَا تُخْفِـي عَلَيْهِ يَغِيبُ فهذا جنديٌّ منهم يدخل قصور كسرى – بعد ما فُتحت للمسلمين - ويعثر على صندوق كبير يحوي مجوهرات وحُلِيَّ نساء كسرى، فيحمله على حالته ويسلمه للقائد، فيفتحه وينظر ما فيه فيتعجب ويقول له: هل رأيت ما فيه؟!! قال: نعم. قال: ما اسمك؟ قال: ولماذا؟ قال: لنُكَرِّمُك! قال: لو أردت بذلك كرامتي عندك ما جئتك به لأن فيه الغناء!! فاستدرك القائد قائلاً: نرسل في أمرك إلى عمر ليعلم بفعلتك هذه هو وأصحابه فيثنوا عليك بسببها. فقال الرجل: إني لم أعمل ذلك من أجلك ولا من أجل عمر، وإنما عملته لله عزوجل ، ولا أريد أن يعلم بعملي هذا أنت ولا عمر: }َ وَقُل اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ { [105- التوبة]. هذا الذي ربَّى عليه مُحَمَّدٌ r أصحابَهُ. فتجد الرَّجُلَ منهم عارى الجسد إلاَّ الذي يستر عورته، وجائع البطن لكنه لو عرضت عليه كنوز الدنيا كلها تجده زاهدا فيها، لماذا؟! خوفًا من الله عزوجل ، ومراقبة لله سبحانه وتعالى. لا يمنعه قانون ولا يخوِّفُه مراقبون، إلا هيئة الرقابة التي بداخله - والتي لا تُفتح إلا بصدق اليقين في هذا الدين - فهي التي تمنعه من مثل هذا. فإذا سألته ما الذي يمنعك؟ يقول: منعني الله، وما الذي جعلك تترك هذا؟ يقول: نهاني الله، لأن في قلوبهم نَفْساً تتلقى عن الله U أوامره، وتُصدرها لهذا الجسم ليكون سائراً على ما يُحِبُّه الله ويرضاه. والذي أسعد هؤلاء القوم وبلَّغهم المنازل العالية، وجعلهم يجتاحون في زمانهم الأمم الراقية، لا يرجع إلى أنَّهم ربُّوا أبناءهم في مدارس أجنبية، أو لأنهم حفَّظوهم لغات أجنبية، وإنما لأنهم علموهم هذه اللغة الإلهية، وجعلوهم في كل نَفَسٍ يراقبون الذات العليَّة!! وشعارهم: ( نَزِّه الله أن يراك حيث نهاك، أو يفتقدك حيث أمرك ). وكان اعتناء الحكومة في زمانهم شديدًا في تفقد هذه التربية، فيخرج عُمَرُ إلى البادية - والتي هي بعيدًا عن العاصمة - ليتفقد هل وصلتهم هذه التعليمات الإلهية؟ فيجد ولدًا صغيرًا يرعى أغناماً فيناديه - وهو لا يعرف أنه خليفة المسلمين - ويقول: يا غلام بِعْ لِي شاة من هذا الغنم، فقال الغلام، إنها ليست لي، وإنما أنا أجير وهي ملك سيدي. فقال: يا غلام، قُلْ له أن الذئب أكلها. فقال الغلام: يا سيدي إذا قلت هذا لسيدي الصغير - هنا في الدنيا - فماذا أقول غداً لسيدي الكبير يوم القيامة؟!! ويمشي في طرقات المدينة بالليل يتفقد هذا الخُلُق - وهو مراقبة الله عزوجل - فيمشي بمفرده، وليس حوله حاشية ولا حرس - لأنه يحرُسُه إيمانُه، وعدالتُه بين الناس في زمانه - فيسمع حواراً يدور بين أمٍّ وابنتها - تختبر فيه صدق إيمانها - فتقول لها: يا بُنيَّة، ضعي على اللبن قدراً من الماء قبل أن نبيعه في الصباح. فقالت البنت: يا أُمَّاه، أمّا علمت أن أمير المؤمنين قد نهى عن خلط اللبن بالماء؟!! فقالت الأم: يا بُنيَّه، وهل أمير المؤمنين يرانا الآن؟ فقالت البنت: يا أُمَّاه إذا كان أمير المؤمنين لا يرانا فإنَّ الله عزوجل يرانا، فوضع حجرًا أمام الباب حتى يعرفه في الصباح. وفي الصباح جمع أولاده وقال لهم عمر رضى الله عنه: يا بَنِِىّ، لقد كَبُرَ سني وَضَعُفَتْ قوتي، ووالله لو كان بي قوة لتزوجت من هذه الفتاة، مَنْ مِنْكُم يتزوجها، وأنا أتكفل له بجهازها كلِّه؟ فقال ابنه عاصم: أنا، فتزوجها فولدت فتاةً جاء منها عمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس للخلفاء الراشدين، لأنه من بذرة منتقاة أُسِّسَتْ على تَقْوَى الله، وعلى مراقبة الله عزوجل في السرِّ والعلن. فهذه التربية الإيمانية التي تؤسس على المبادىء التالية: - مراقبة الله عزوجل فى السر والعلن. - إخلاص العمل لله. - والصدق. - والأمانة ... هي وحدها التي تستطيع حلَّ مشاكل مجتمعنا بِرُمَّتِهَا - بل حلَّ مشاكل البشرية كلِّها، لو سمحت لها الظروف بتطبيق مُثلها وقيمها الإسلامية، وهذا الذي دعانا إلى عمل مثل هذا الكتاب، والذي يتحدث عن تربية القرآن للمسلم - وليداً ورضيعاً، وطفلاً وصبيًّا، وشابًا ورجلاً - ليكون رَجُلاً من الرجال الذين يقول الله في شأنهم: } كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ { [110- آل عمران]. ونرجو أن يطلع عليه إخواننا المؤمنون، ويسيروا على نهج القرآن في تربية أنفسهم وأولادهم، لعل الله عزوجل ينظر إلينا بعين عنايته فيصلح أحوالنا، وينقلنا من ذلِّ المعصية إلى عزِّ الطاعة، ومن التَّبعيَّة لغيرنا إلى السِّيادةِ بمُثُلِنَا وقيمنا وتعاليم ديننا، فقد قال سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه : { إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نلتمس العز بغيره }(3) نسأل الله عزوجل أن يجعل بنا وعلى أيدينا إعادة مجد الإسلام، وإصلاح أحوال المسلمين وأن يجعلنا من المعنيين بخطابه في قوله عزوجل : } وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ { [55النور]. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
عن المؤلف

- ولد فضيلته بالجميزة بمركز السنطة محافظة الغربية بمصر، فى 18/10/1948م . وحصل على ليسانس دار العلوم بجامعة القاهرة 1970م، ثم عمل بسلك التربية والتعليم حتى أصبح مديراً عاماً بالتعليم بالغربية، وتقاعد ع
اقتباسات من الكتاب
ظهر فى الآونة الأخيرة مدى شدة حاجة العالم كله للإسلام؛ وتأكدت تلك الحاجة وأصبحت أكثر إلحاحاً يوماً بعد يوم .. وخاصة بعد إنهيار أنظمة عالمية كثيرة وكبيرة، أنظمة من وضع البشر؛ سياسية وإجتماعية ومالية كانت كلٌّ منها تدعى أنها القادرة على رسم سبل إصلاح وسعادة البشرية! وبإنهيار تلك النظم وتفتتها- والباقى منها فى سبيله لذلك - أصاب الخواء الروحى والتخبُّط النفسى والإجتماعى بل والإقتصادى مؤخراً! من آمن بها من جموع الناس وعاشوا فى كنفها ردحا من الزمان .. وما أكثر من نادوا بها؛ بل وحاولوا جاهدين أن يرغموا الناس عليها!؛ فصاروا يبحثون عن النظام الذى لم يفشل أبداً! بل ويزداد قوة وثباتا وجسارة مع الأيام! فلم يكن إلا الإسلام! فالإسلام! يزداد إنتشاراً على مرور الأيام ويتأكد لكل ذى فهم وعيان قدرته البالغة ونظرته الصائبة لصلاح الخلق على مرور السنين وتوالى الأعوام، وقدرته الهائلة على التكيف والإستنباط بالتوازى مع متغيرات الزمان والمكان. ومن أهم ما يميز الإسلام عن تلك الأنظمة البشرية الوضعية المنهارة أو التى تصارع جولاتها الأخيرة على مسرح الحياة؛ أن الإسلام تفرَّد بأنه يؤسس حضارته ويقيم دولته على أساس بناء الفرد أولاً بناءاً صحيحاً متكاملاً. ذلك لأن الفرد هو الذى لديه الصلاحيات لتشغيل كلَّ ما فى الكون من طاقات، والإستفادة بكلِّ ما فيه من العناصر وتطويرها تقنيا وتكنولوجيا وإجتماعيا بحسب ما يحتاج إليه الإنسان فى كل عصر، وهو اللبنة الأولى التى تتكون منها الأسرة ثم المجتمعات .. ولذا يعرج الإسلام فى بناء حضارته من الفرد إلى الأسرة .. فالجيران والأقربون .. فالمجتمع ....
يقرأ أيضاً
المراجعات (١)









