تخطي إلى المحتوى
غلاف كتاب حجر الصبر
مجاني
📱 كتاب إلكتروني

حجر الصبر

4.0(٥ تقييم)١٠ قارئ
عدد الصفحات
١١٢
سنة النشر
2013
ISBN
9781855169579
المطالعات
١٬٩٩٢

عن الكتاب

يختزل الكاتب الأفغاني "عتيق رحيمي" في روايته هذه، الحائزة على جائزة غونكور الفرنسية 2008 والتي تم تحويلها إلى فيلم سينمائي، مأساة بلاده في غرفة ضيّقة حيث تسهر امرأة شابة على راحة زوجها، الذي كان مجاهداً في أكثر الحروب عبثيّة، بعد أن أصيب بطلقة ناريّة في رقبته. عينا الرجل مفتوحتان وجسده الهامد غارق في غيبوبة عنفه وآثامه، والمرأة تتلو على وقع تنفسّه صلواتها وأسماء الله الحسنى. يغدو الرجل الغائب عن العالم حجر صبرها، وتغدو المرأة شهرزاد الأفغانيّة التي يتدفّق من فمها المطبق سيلٌ من الكلمات اللاذعة، المشحونة برغباتٍ دفينة. تدخل في مصارحة جريئة ومناجاة هذيانيّة مع زوجها وتبوح له بأسرارها الأكثر خطورةً، متحدّيةً خوفها وخضوعها…

عن المؤلف

عتيق رحيمي
عتيق رحيمي

عتيق رحيمي (ولد 1962م، كابل) هو كاتب أفغاني يكتب باللغتين الفارسية والفرنسية كما هو مخرج أفلام، من أسرة ليبرالية، وبعد الاجتياح السوفييتي لأفغانستان، وانهيار النظام السياسي غادر إلى فرنسا، حيث أتم درا

اقتباسات من الكتاب

الآن فهمت ما الذي كان يقوله والدك بشأن حجر مقدس. كان والدك مريضاً، ولم يوجد أحد غيري للعناية به. كان مأخوذاً بحجر سحري. حجر أسود. كان يتكلم عنه باستمرار.. كان يدأب على أن يطلب من أصدقائه الذين يعودونه أن يجلبوا له ذلك الحجر.. حجر أسود كريم.. تعلم ، ذلك الحجر الذي تضعه أمامك.. وتشرع أمامه في الشكوى والنواح على كل مصائبك، كل عذاباتك، كل آلامك، كل بؤسك.. والذي تفضي إليه بكل ما في قلبك ولا تجرؤ على البوح به للآخرين.. وأنت تكلمه، وتكلمه. والحجر يصغي إليك، يمتص كل كلماتك، وأسرارك، إلى أن ينفجر ذات يوم، ويتفتت. وفي ذلك اليوم تتخلص من كل عذاباتك، من كل متاعبك.. عشية وفاته، استدعاني والدك، كان يحتضر. همس لي: يا ابنتي، الآن أعرف أين يوجد هذا الحجر. إنه في الكعبة، في مكة! في بيت الله. تعرفين ذلك الحجر الأسود الذي يطوف حوله ملايين الحجاج في العيد الكبير! إذاً، هذا الحجر ليس سوى الحجر الذي كنت أحدثك عنه.. في الجنة، كان هذا الحجر مقعداً لآدم.. لكن بعد أن طرد الله آدم وحواء إلى الأرض، أنزله لكي يتمكن أبناء آدم من أن يكلموه عن مشقاتهم وعذاباتهم.. وهذا الحجر نفسه هو الذي قدمه جبرائيل لهاجر وولدها إسماعيل كمخدة بعد أن أبعد إبراهيم الجارية وولدها إلى الصحراء.. نعم، إنه حجر لكل مصائب الأرض. اذهبي إلى هناك. بوحي له بأسرارك إلى أن ينكسر.. إلى أن تتخلصي من آلامك.. أتعلم ماذا؟.. أعتقد أنني اكتشفته، الحجر السحري، حجري أنا. سَنْكَكِ صبور! هذا هو اسم ذلك الحجر: سِنْكَه صبور، حجر الصبر! الحجر السحري!. نعم، أنت حجر الصبر الخاص بي. سأقول لك كل شيء، يا حجر صبري، كل شيء. إلى أن أتخلص من عذاباتي، من مصائبي، إلى أن تـ..أنت..

يقرأ أيضاً

المراجعات (٤)

ح
حسين قاطرجي
٢‏/٨‏/٢٠٢٢
من الروايات مايَصُحُّ القول عنها أنها أوصلت صاحبها إلى القمة، وفي أرجح الظنّ أنّ أيّاً من الروايات التي سيكتبها لاحقاً لن تجنيَ له من المجد الأدبي كما فعلت الأولى، إلى هذا الضرب من الروايات تنتمي نوفيلا حجر الصبر للكاتب والمخرج الأفغاني عتيق رحيمي. حجر الصبر هو توصيفٌ لزوج بطلة الرواية الذي لم يُسمع له كلامٌ أو هسيسٌ طيلة العمل، رجلٌ مشلولٌ فاقدٌ للحركة كليّةً يقبع ناحية البيت كالحجر الأبكم؛ يأتيه غذاءه من خرطومٍ ممدودٍ عبر فمه. كان الرجل مقاتلاً/مجاهداً في صفوف طالبان، وفي فورة اقتتالٍ بين الأصحاب جاءته رصاصةٌ طائشة في رقبته أفقدته الحركة كما أفقدته جميع ميزاته كمحاربٍ سابق. تعتني الزوجة به كل العناية لكن بها من الحقد الكتيم ما يجعلها تستغلّ وضعه الصموت لتبثّ عليه الضغينة التي كانت تمسكها في قلبها المحزون، أخبرته أن ابنتيه ليستا من صُلبه، وأخبرته أنّ حبّها له مُجهضٌ منذ سنين، وأنّ حجم الكره الدفين الذي تكنّه له يكبر مع الساعات دون أن يعتريها شيءٌ من مشاعر التأثّم. كانت المرأة تنتقم لماضٍ أسود عاشته رفقة هذا الزوج الذي لم يعاملها معاملةً بشرية، لقد صادر حريّتها بأبخس الأثمان لكنها تحسب أن الصّاع الذي تكيله له الآن أقلّ إيلاماً ممّا عانته منه لأنها اليوم تجاريه في الخسران والتحسّر. أرى في الزوجين وجه أفغانستان، كلاهما جريرة الآخر كما أفغانستان التي نالت من أهلها أشدّ ما نالته من المحتل الغريب الذي جاس في البلاد حتى لم يترك في الأرض بقعةً عذراء قط. لقد أسرف أهل الأرض بصناعة هذا الدمار حتى ازداد البؤس ضراوةً، وترسّخ الجحيم في أفغانستان هذا البلد الطيّب العريق المنكوب بالأنذال. تميل الرواية إلى الميلودراما، وتُحكى قصتها بأسلوب المنولوج الداخلي الذي يصدر عن المرأة بطلة العمل والتي لم يذكر لنا الكاتب اسمها لتبقى مثالاً وأيقونةً تحكي أوجاع المرأة الأفغانية. تمرّ خلال الرواية شخصيّاتٍ متنوعة يندر أن نجد بينهم شخصيّةً طيّبة وكأنهم جبهاتٌ للشر حيث يزفر تجار الحرب أنفاسهم السامة. إذاً هي روايةٌ عن أفغانستان الحاضر التي تنوس بين حدّين متطرفين، بين الحياة والموت والوجود والعدم. وثيمتها الأبرز هي واقع المرأة في ظلّ حكمٌ يحتّم عليها إمّا أن تركع أو تموت. ومثل هذه الثيمات تتقبلها الجوائز العالمية بالترحاب فور خروج الرواية من المطبعة، وهذا ما حصل مع رحيمي حيث نالت روايته حجر الصبر جائزة "غونكور" عام 2008 وهي الجائزة الأدبية الأولى في فرنسا، وعُمِلَ من الرواية فيلمٌ سينمائي عام 2013 من سيناريو وإخراج المؤلف ذاته. صدرت الرواية عن دار الساقي وتقع في 112 صفحة من القطع المتوسط وعرّبها باحتراف صالح الأشمر، وهي بالمجمل نوفيلا جميلة ترسخ في ذاكرة القارئ، وتعيده إلى تخوم بلدٍ عانى من جرائمَ تأنف الشياطين من ارتكابها.
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٤‏/٧‏/٢٠١٦
يبني عتيق رحيمي روايته – في الظاهر- على محادثة كلامية من طرف واحد هو الزوجة، حيث ينساب فيض الكلمات كإبر النحل التي تنشد الخلاص بلسعاتها حتى لو كان موت كل نحلة محتّما بعد أن تنتهي من تلك اللسعة. إن الزوجة تذكرنا أيضاً، سواءً ارتدت شادورها أو خلعته، بكومة شجرة الأسل الخضراء التي تنتصب أطرافها حدة وضراوة بينما هي تنغرس في التربة المالحة وفي المستنقع الموحل.تلقي الزوجة سيل الكلام على زوج طريح الفراش، «جثة حيّة»، مستغرق في غيبوبة، مصاب في عنقه -إثر معركة أو شجار مسلح- بطلق ناري أخرس له لسانه بينما تمكث عيناه الغائرتان متسمرتان ومفتوحتان في محجريهما. لعل التشخيص الطبي سيقول لنا انّ تلك الرصاصة المزروعة في عنقه قد عطّلت أعصابه وجمدتها، وأنه يحتاج إلى وقت للتعافي من ذلك الشلل أو التشنج العصبيين، وهذا ما حدث فعلاً.إن إحساس المرأة بمرارة الوحدة، وبرعاية زوج هامد، مع طفلتين تحتاجان هما الأخرى إلى الرعاية والعناية اللازمتين، مع جو الاستنفار والصراع بين الأطراف المتقاتلة، إلى الإيقاع السردي الذي تتنازعه ذبابة ميتة ومجموعة من النمل وعنكبوت: يبرر لها أن تفقد أعصابها هي الأخرى، إذ تدفعها هذه الحالة، التي تمتزج بالصلوات والتسبيح والخضوع والنقمة، إلى حماسة غريبة وإلى نشوة يائسة لكي تقاضي، بالكلام، وجودها برمته ولكي تستعيد ماضيها بكل ما فيه من دم ودموع وضياع وآلام. هكذا إذن، ستتمكن الزوجة من جعل الماضي أمام وجهها وليس وراء ظهرها، ومن مساءلته ومحاكمته بشدة ودونما أية شفقة أو رحمة، لكي تتطهر الفراشة باللهب ولكي تغتسل الحرائق بالحرائق وحدها.إن سطوة التقاليد المرعبة في بعض المجتمعات الشرقية، خصوصاً في بلد مثل «أفغانستان أو في أي مكان آخر» حسب تعبير الكاتب، يجعل من رواية عتيق رحيمي مدخلاً فنياً لافتاً للكشف عن البنى المسعورة والمتكالبة ضد الذات في محاولاتها اليائسة للهرب والنجاة، حيث يحاول الكاتب من خلال آلياته السردية (كما يفعل مع الزمن في عدّ الأنفاس وحبات المسبحة وقطرات العينين) الإنصات بحرارة وصدق إلى وقر تلك الحمولة البغيضة التي تعيشها وتشهد صدماتها تلك المجتمعات، التي هي مجتمعات مخنوقة رازحة بفعل الجهل والتخلف والتناحر القبلي والطائفيّ والحروب العبثية، تحت طبقات معقدة وكثيفة من الظلام الدامس والانسحاقات النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية.إن الذات المنكسرة المهزومة تثأر لنفسها، وتنتقم من الاحتشاد الاجتماعي الذي يرى الباطل حقا والحق باطلا، والذي يُعلي من قيم الذكورة وأغشية البكارة ومفاهيم البطولة الجوفاء وشجرة الأنساب البائسة والمعاني الشائهة التي يتم بها تدثير الدين والأخلاق والجسد، تحت رعاية وسطوة وسلطة ذلك الكلّ الذي يسمّى مجتمعا أو إقليماً أو وطناً. فالزوج الممدد إلى جوار الزوجة كجثة، والذي ترعاه تلك المرأة بأساليب العلاج المتاحة لها من خلال محلول الماء مع السكر والملح، هو في حقيقته أقرب إلى الوحش، رغم أنه بطل من الأبطال في نظر أهل القرية. متذكرة أنفته الخرقاء وثقته وخيلاءه المرضيين، وعدم قدرته على العطاء والحنان وخوفه الذي كان يمنعه حتى من تقبيل زوجته على شفتيها.إن المرأة، بعد أن تنهشها الكلمات وتتخطفها يمنة ويسرة وبعد أن تتوقد في أتون حاضرها وماضيها معاً، وبعد أن يندفع المكبوت فيها إلى ثائر: تصبح خفيفة للدرجة التي تكون جاهزة فيها كرصاصة للفعل وللاختراق، ليس لجسدها فحسب، بل لجسد الآخرين وجسد المجتمع وجسد العالم. هنا تبدو علاقتها بالفتى الذي راودها عن نفسها لا علاقة استسلام لرجل عابر بل هو استعادة لبدايات رحلتها مع زوجها، وإيغال تقصد به المرأة تصعيد مكابداتها ومراراتها، والانتقال بالماضي المأساويّ المتكلم عنه إلى حاضر يشهد على ذلك الماضي، يوثّقه، يكثفه، يلعنه ويحتضنه في آن معا.كُتِبَت رواية حجر الصبر: «إحياءً لذكرى ن.أ- شاعرة أفغانية قُتِلَتْ بوحشية على يد زوجها»، ومن المعروف أنّ هذه الشاعرة الأفغانية التي يقصدها رحيمي هي ناديا أنجومان والتي قتلها زوجها عام 2005. وقد وضع الكاتب مفتتحاً استهلالياً على لسان الشاعر والمسرحيّ الفرنسيّ «أنطونين أرتو»، يقول فيه: «من الجسد وبالجسد ومع الجسد منذ الجسد وحتى الجسد». وقد يظن البعض أن عتيق رحيمي يحاول في هذا الاستهلال مغازلة الثقافة الفرنسية، التي ستمنحه جائزتها الشهيرة (غونكور) عام 2008، خصوصاً أنّه توجد في ثقافة بلده الأصليّ نصوص بالغة الثراء والعمق تمنح أو تقارب المعنى ذاته، لكنه لم يقم بالاستشهاد بها أو الاقتطاف منها، كما في أناشيد وأغاني النساء الباشتونيات مثلا، غير أنه يمكننا القول ان لكل كاتب تفضيلاته وانتقاءاته الشخصية جدا، كما أن أنطونين آرتو نفسه كان مصاباً بتشنجات وحالات اكتئاب حادة واضطرابات عصبية عميقة، قد تشبه حالة الزوجة في الرواية، فضلاً عن شهوة آرتو المتعاظمة في إعلاء «التفوق الموروث للثقافة الهندية القديمة على الحضارة الأوروبية الفاسدة» حسب توصيف مارتن إيسلن، وهو ما يقاربه رحيمي هنا في انفتاحه الثقافي والإبداعيّ، كما أن «حجر الصبر» قد كتبها رحيمي باللغة الفرنسية وليس بالفارسية كما في رواياته السابقة.تقصّ المرأة حكاياتها وتفضّ أسرارها على الزوج الذي لا يتحرك ولا ينبس ببنت كلمة، وتعترف في حضرة تمثاله الأخرس بتفاصيلها المحرمة، متأكدة بأنه يستطيع سماعها وفهمها حينئذ، وبينما هي تهزه أو تلامسه أو تعبث بلحيته أو تقبّله، يختلط فيها وفي تصرفاتها وفي كلامها الملقى على عواهنه: حبّ التشفي برغبة الشفاء من الكوابيس المترحلة في جسدها وروحها (وهما ليسا إلا شيئاً واحداً على أية حال)، وتمارس (كما لو أنها على خشبة مسرح، وهل يوجد مسرح أكثر من الحياة ذاتها) تبادل الأدوار بين الضحية والجلاد، بين القامع والمقموع، منتشية بالقول «بتّ أمتلك جسدك من الآن فصاعداً، وأنت تملك أسراري» أو تمضي في هستيرياها العادلة بعد أن غادرها الفتى ذو السادسة عشرة حين تقول: «الآن، إن جسدك هو الذي يقاضيك، يُقاضي روحك. من أجل ذلك أنت لا تتألم في جسدك، لأنك تتألم في روحك، هذه الروح التي ترى كل شيء، وتسمع كل شيء، والتي ما عادت تسيطر على جسدك. شرفك لم يعد سوى قطعة من اللحم!».نجد في الرواية مغزى واضحاً للعنوان الذي تخيّره الكاتب لعمله، وهو «حجر الصبر». فحجر الصبر، هو حجر سحريّ، إنّه «سِنْكَه» أو حجر صامد قويّ، لا يمكن أن يتكسّر أو يتفتت إلا بعد أن يفيض به الكيل، وذلك بعد أن يتشبع بأحاديث المشقات والعذابات التي يسمعها من المتألمين والمتعذبين. وبهذا يصبح الزوج هو حجر الصبر في العمل الروائيّ، إذ أنه يصغي، دون أيّ حراك، إلى أسرار الزوجة، إلى خياناتها «المبررة» التي كانت مستورة عنه، إلى سخريتها منه وكشفها حقيقته وحقيقة أمه وإخوته وعائلته جميعا، إلى أن نصل في نهاية الرواية حيث يُبعث الرجل حيّاً، و«ينتصب واقفاً على حين بغتة، كصخرة، صلبة وجافة، رُفِعت بحركة خاطفة»، حيث تمثل تلك القيامة، أو الانبعاث، أو الانفجار الصخري نهاية لآلام المرأة التي صاحت حينئذ:«شكراً أيها الصبور! لقد تخلصتُ من آلامي أخيرا»، في حين يشرع هو في تنفيذ القتل.صحيح أنّه لا بدّ من النظر إلى «حجر الصبر» باعتبارها عملاً فنياً خالصا، إلا أنّ أيّ عمل إبداعيّ لا يجر أو يسحب معه حمولاته اللغوية والجمالية فحسب، بل يوفر لنا كذلك مادة أو معلومات أو بيانات، بشكل غير مباشر (غالبا) وبشكل مباشر (أحيانا)، عن البنى السطحية والعميقة، للمكان والزمان الذي وَجَد فيه العملُ تربته السردية وماءه الحكائي، وقد تحقق ذلك، بشكل باهر، في هذا العمل السرديّ المنطلق من واقعة حقيقية مغلقة والذاهب إلى فضاء أسطوري فاتن مفتوح، حيث الحكاية داخل الحكاية، والخطابات المندسة المفضوحة، والترسبات الجاثمة في قيعان الذات المقموعة والمجتمع القامع، التي يدلل عليها عبارة العمة المومسة في قولها: «إن أولئك الذين لا يعرفون كيف يمارسون الحب يصنعون الحرب»
المراجع الصحفي
المراجع الصحفي
٤‏/٧‏/٢٠١٦
حجر الصبر" سيناريو فيلم أو نوفيلا عن الحرب في أفغانستان كتبها عتيق رحيمي بالفرنسية وحصدت غونكور، هذه الجائزة التي تعيد إلى ذاكرتنا الرواية الأكثر شهرة عن الحرب "صمت البحر" لفيركور. لعل الرواية الفرنسية وضعت قواعد جديدة لأدب الحرب، حيث لا العدو عدو ولا الصديق صديق، سوى تلك الأصداء البعيدة للحب المختوم بوشم الموت والعنف. كتبت مارغريت دوراس "هيروشيما حبيبي" سيناريو فيلم على إيقاع جسد امرأة يرفض الحرب ويقتات ملذاته على الهمهمات الموجعة للهوية الإنسانية المجردة من كل تفاهات الانتماءات. ذاك تراث فرنسي بامتياز فهل استطاع الأفغاني الذي يقف على المنقلب الثاني من هذه الثقافة، أن يجاريه أو يلمس مواجع حربه عبره؟ يقول رحيمي ليس بمقدوره كتابة هذه الرواية بلغته، لا لأنها ستكون مرفوضة، بل لأنه لا يستطيع ان يكتبها على هذا النحو، فالفرنسية هي التي وضعت له قواعد هذه الرواية. اللغة هنا تكون هي المنطق الذي نفكر فيه، وهي التي تدعنا نتكلم مع الأجنبي ونحن نذهب خارج لغتنا كي نصل معه منتصف الطريق. هذا ما كان يشغلني وانا أقرأ النص بالعربية الذي خرج بترجمات مختلفة، وأسأل نفسي هل وصل رحيمي إلى المنتصف وهو يروي بهذا الفيض الثر مشاعر امرأته؟ ربما وربما نجد في هذا النثار من الأفكار المتساقطة من فم امرأة خاسرة ما يمكن ان تتحدث به أية زوجة في أقصى قرية من قرى البؤس في العالم المنكوب بالفقر والحروب. هنا يحصل الالتباس الجميل الذي وضع قواعده عتيق رحيمي، أن تكون في منتصف القول وتغترف من اللغتين عمق تلك الحكاية وبساطتها وازدواجية تركيبها. لعل أفضل ما في هذا النص انه لم يصرف قارئه إلى عالم غربي او استشراقي، بل هو وضعه وسط الخراب الأفغاني، الذي زحف إلى بلدان بعيدة دون ان يغادر منطقته.حجر الصبر يوجد في كل الثقافات الشرقية، حيث الأحجار تمتلك قوة السحر، بما فيها القدرة على رفع الهموم عن الحزانى واليائسين وهم يفضون بأسرارهم إليها فتنوب عنهم بالانفجار. والرواية تتحرك على إيقاع هذا التراث الذي وضع قواعد لمنلوجات الوحدة والاستيحاش. فالبطلة في سيناريو رحيمي تجد في زوجها العائد من الحرب والمسجّى أمامها في غيبوبة إصابته القاتلة، ما يدفعها إلى تخوم بعيدة في فكرة الاعتراف، فهي تبوح بكل مشاعرها وأسرارها، وتنتظر أن ينفجر الزوج هلعاً أو فزعاً أو نقمة. وسيكون الجسد هو موضع هذه الأسرار، لأن حرب الأجساد في تماسها واتصالها وانفصالها، تضع قواعد للقيم، قيم الشرف التي يموت الأبطال من أجلها وتفنى بلدان وتعمّر أخرى على إيقاعها. اننا هنا أمام فكرتين مترابطتين يلعب عليهما رحيمي: "الاعترافات" وما يتبعها من أسرار فادحة، والحرب والعنف وقواعدهما. فالاعتراف وهو ليس من ثقافة الأفغاني، وخاصة المرأة التي ينبغي ان تتعود الصمت، يصبح ممكن التحقق كوسيلة لتعرية العنف، فليس العنف ان تقتل جسدا بل هو ايضا حين تستعبده او تنتهكه او تهمله، وتلك مصائر أجساد النساء في مجتمعات التخلف.ولعل بمقدورنا تقليب الرواية في حيز تحركّها بين صورة امرأة شابة تغص بحرقة جسدها الذي افتقد لمسة الحب والحنان، وزوجها الذي زُفّت إليه وهو سادر في حربه، فوضع الأهل خنجره جنبها، وطالبوها ان تنتظر عودته ثلاث سنوات. هي تسأله لأول مرة بعد ان افتقدت معه طرق الكلام سنوات طويلة: "من كنت على وجه الدقة؟ لا أحد يعلم. في نظرنا جميعاً، لم تكن سوى اسم: البطل! ومثل كل الأبطال، كنت غائباً. ولفتاة في السابعة عشرة من عمرها، كان من المستحسن أن تعقد خطبتها على بطل" . هذا البوح يصبح معبراً لفهم فكرة الحرب، كيف يتقاتل الناس وكيف يعم الخراب فيهم، خراب النفوس والأبدان؟ قضية المرأة أو معضلة جسدها تصبح التورية الأكبر لمشكلة افغانستان، البلد الذي يرافقه الفشل، فالوباء الأفغاني، لا يبدأ بحكاية الجسد باعتباره شرفا فقط، بل يشمل مفاهيم ومواثيق الشرف التي اختطتها الحرب، وتبدأ بالبطولة ولا تنتهي بالانتهاك.المكان بيت المرأة الذي يقع على خط التماس، وأصوات الرصاص والدبابات والغارات التي تشنها المليشيات تظهر وتختفي، وبطل الحرب في حالة موت سريري بعد اصابته برصاصة في عنقه. امرأته التي ليس لها ولطفلتيها غيره، تخاف ان يموت، فتسقيه من أنبوب معلّق بكيس طبي محلول الماء بالملح والسكر، وهي لا تعرف هل تكرهه إلى حد الانتقام أم تحاول انقاذه حد المخاطرة بحياتها. كل شيء يخضع إلى هذه المعادلة الدقيقة، هذا التوازن الهش بين السلم والحرب، بين الموت والحياة، الخطيئة والبراءة. فهي عندما "تصارحه" عن تلك المرارات التي تجرعّتها من فظاظته ومن حماقة جسده وأنانيته، لا تشك ببراءتها فهي امرأة مؤمنة ومطيعة ولكنها تحمل تواريخ معبأة بالقهر لا طاقة لها على حملها. فرصة موت الزوج السريري، موت الحرب وعلاماتها تتيح لها كسر الصمت. ولحظة التحول تحدث لديها بفعل الحرب وليس بارادة شخصية، فهي حين تستيقظ من حوارها العنيف مع زوجها تشك بسلامة عقلها " انا ممسوسة تلبستني شيطانة حقا . وهي التي تتكلم" ولكنها وهي تمضي في اللعنة إلى النهاية تكون قد أجهزت على كل قواها واستهلكت نفسها فتتخيله وقد استيقظ لتغرس الخنجر في احشائه..الرواية كتبها رحيمي احياء لذكرى شاعرة أفغانية قتلها زوجها بوحشية. لاشك ان فكرة الاستعادة تلك أي قلب المعادلة بين القوي والضعيف لم تبدّل المواقع بين الاثنين: الرجل والمرأة، فالمرأة حتى وهي تخاطب صمت زوجها، بقيت هي الحكاية الناقصة للحرب، ثرثرتها التي لا تنقطع دليل على استمرار حضور الرجل المهيمن. فالحرب عقيم لا تلد، كذلك بطلها، ولكن خوف المرأة على مصيرها بعد اكتشافها علة الزوج، يدفعها الى الخطيئة كي تأتي بأطفال وإلا سينتظرها الطرد والهجران. انها الحرب حتى ولو مرت باحتضار طويل، تملك امتدادها في أصوات الخارج، في سلوك صانعيها، فالمليشيات التي تقتحم البيوت كي تسرق وتغتصب، هي مجموعة من الرجال "المؤمنين" الذين فقدوا البوصلة بين الإيمان والجريمة، فهم يسرقون الطعام وكتاب الله معا. تخبر أحد المقتحمين بيتها انها من البغايا كي لا يغتصبها، فهو يتعفف عن ملامسة جسدها المدنّس، ولكنه يصحب معه صبياً التقطه من الشارع كي يعلمه فن الحرب، ولكن الصبي الذي يعاني من الحبسة في كلامه يصبح معادلاً للمرأة، فهو منتهك جسديا مثلها حتى وهو منخرط في العنف.لا يغيب الحس الميلودرامي عن رواية او سيناريو " حجر الصبر" ولعل الأفغان الذين اغترفوا من ثقافتين: الهندية والفارسية، ليس بمقدورهم الخلاص من هيمنة النزعة الميلودرامية التي تطغى على الثقافتين. ولكن هل بمقدور رحيمي أن يخفف من حس الرواية المأساوي وواقع الحرب أشد بؤساً من استطالة زمنها ومن بشاعة سردياتها.
A-Ile Self-hallucination
A-Ile Self-hallucination
٢‏/٦‏/٢٠١٦
الذين لا يعرفون كيف يمارسون الحب يصنعون الحرب. هذا ما جاء على لسان الشخصية الرئيسية لدى “عتيق رحيمي”. شخصيةٌ بلا اسم ولا هوية، إنها عبارة عن كائن يمتلك الذكريات والرغبات، فيفضحُ السرَّ الأعظم في بلادٍ أنهكتها الحروب والذكورة المتديّنة. شخصيةٌ اختزلت تاريخاً طويلاً من معاناة الإنسان والمرأة في عصر الجهل والحرب. أمام مونولوجٍ طويل هذياني، يُدخلنا “رحيمي” مباشرةً إلى عالم المرأة المسلوبة بمعايير التعصّب والعشائرية والمذهبية التي أودت بلادَ أفغانستان إلى حروبٍ لا تنتهي، حروب تُصبح فيها المرأة هي لسان حال الواقع والحلم مجتمعين. تسردُ الشخصية على زوجها الذي أصابتهُ رصاصة في عنقه فأضحى أسير غيبوبةٍ طويلةٍ لا يُعرفُ مداها، كل ما يختلج في نفسها وهواجسها ومعاناتها، داخل مجتمع أحبطتهُ قيود التعصّب والقوانين المُشرّعة باسم الله، فأضحت بطلة رحيمي، الراوية التي شرّحت مفاهيم البؤس عندما يُصبح الإنسان أسيراً للعنف والدم والموت. منذ البداية يُعلّقنا “رحيمي” بمجابهة واعية مع الطبيعة الفكريّة لذلك المجتمع الذي يتحكّم بمصائر الناس، عندما يبدأ الملا خطبتهُ : اليوم هو يومٌ دامٍ، لأنه في يوم ثلاثاء نزفت حواء دماً نجساً للمرة الأولى، وفيه قتلَ أحدُ ابني آدم أخاه، وقُتِل غريغوار، وزكريا، ويحيى – عليهم السلام – وكذلك سحرة فرعون، وآسيا بنت مزاحم، زوجة فرعون، وعجل بني اسرائيل. منذ الصفحات الأولى، يرتكز فعل القراءة مع تابوهاتٍ مؤلمة وأسطورية، إننا أمام معرفة جاهلة لمجتمع محكومٍ باللامنطقية. الملّا، وصي الله على الأرض، يقول، فيصدقه الناس. يصدمنا رحيمي بعقليّة الجهل التي تتحكم بالبشر، تلك العقلية التي تقولب الذهن والرؤى بما يناسب الذكورة والشرقية بمعاييرها الدينية. من هناك تنطلق بطلة رحيمي لتسرد باللاوعي كل أسرارها على زوجها الجثّة الجامدة، وكما اسمته بحجر صبرها. إنها حانقة، تريد السبّ والشتم، لكن هناك ما يمنعها. إنها في شكل الهذيان. غاضبة من مصيرها وواقعها وحياتها. تلوم زوجها البطل في نظر مجتمعه دون الوقوف عند كيانها، فالمرأة في مجتمع الحرب الدينية، هي كائن منحط. تدريجياً ينطلق لسانها، لتبدأ مسيرةً سينمائية في السرد الأدبي، وميلودراما مسرحية في الحكاية المنطوقة بلسان اللاوعي، فتُحدّثُ زوجها عن شهواتها وليلة زفافها الأولى وبكارتها، وشبقها، وتتكلم عن البطولات التي يمارسها الرجال في الحروب التي تؤدي غايةً واحدة، وهي شعور الذكور بأنهم أبطال، متناسين نسائهم : أنتم الرجال عندما تملكون السلاح تنسون نساءكم. المرأة حاقدة، وفي مجتمع يحكمه التخلف والدين والحرب مثل أفغانستان، لا قيمة للمرأة سوى بقوطها، إنها قطعة لحمٍ لإفراغ شهوة الأبطال، أبطال الحروب. في عالم رحيمي، كل شيء بليد، الحركة سينمائية رمادية وباهتة، الشخوص تعبر بسرعةٍ وتنتهي، عمة البطلة العاهرة العاقر، الملا، المقاتل المُتأتئ، القيادي الذي اتخذ المُتأتئ صبياً له لنكحه، اللصوص. في ذلك المكان البارد ذو البعد الواحد للسرد الحكائي، تمر الشخوص سريعةً ليُثبت لنا رحيمي واقع أفغانستان، وفي كل ذلك هناك ضحية واحدة، هي المرأة التي تعلم كل أسرار البلاد والعباد، لكنها لا تستطيع قول شيء لأنّ الموت مصير الذين يعرفون الحقيقة. تصمتْ، لكن صمتها لا يستمر، غيبوبة زوجها جعلت منها امرأة متحدثة، خلقت منها شهرزاد أفغانستان، خلف حكاياتها وأسرارها التي ركّز فيها رحيمي على هواجس المرأة الشبقية ومعاناتها الروحية في مجتمع ينتهكها على المستويين، تبان لنا ببُعدين مكشوفين، الأول هو ما تعانيه المرأة بشكل مباشر من هواجس وأحلام تتمناها، والثاني هو ما يرتكز خلف تلك الهواجس من حقيقة البلاد والعقول، صورة الحقيقة لأفغانستان المُسلمة. تُشرّحُ بطلة رحيمي الصورة الحقيقية للذكورة المختبئة بستار الدين، فكلما بحث الإنسان عن صورةً للشرف والطهارة والعذرية، يكون الخوف قد تملّكه أكثر. أبطال الحرب يريدون امرأة عذرية، ليُثبتوا أنهم أبطال حرب وأبطالُ جسد. عندما تضاجعون مومساً لا تمتلكون جسدها. أنتم في وضع تبادل. أنتم تعطونها مالاً، وهي تعطيكم لذة. ويمكنني أن أقول لك إنها هي التي تُسيطر عليكم في غالب الأحيان، هي التي تضاجعكم. إذاً، اغتصاب مومس ليس اغتصاباً. لكن انتهاك بكارة فتاة يعني اغتصاب شرف امرأة ! تلك هي عقيدتكم. شهرزاد أفغانستان، لا تتوقف فقط عند السرد، بل تسخر من كل الواقع ومن الصورة التي يختبئ خلفها المُقاتلون. تسخر من الدم والشرف والقسوة، تسخر من البطولة والأبطال. والدك كان يحبني لأنه كان يحبك، أنت. كان فخوراً بك عندما كنت تقاتل من أجل الحرية. وكان يحدثني بذلك. بعد التحرير فقط بدأ يكرهك، أنت، ويكره أخوتك أيضاً، عندما أصبحتم لا تقاتلون إلا من أجل السلطة. رحيمي ببطلته، يخلق عالماً من القسوة والألم، يسرد علينا حكاية وطن وحرية بلسان امرأة، يقذف في وجوهنا حقيقة الحروب التي تحوّل عقولنا ورؤانا وتجعلنا كائنات أكثر دونية وحقارةً وسفالةً بالوعي مختبئين خلف شعارات كبرى لكنها شعارات تزيد التخلف والموت : من لا يعرف كيف يمارس الحب يصنع الحرب. شهرزاد أفغانستان، هي صورة تاريخ الحروب، هي الضوء المنسدل من ثقب الجدار إلى داخل العتمة لتفسّر كل تخلّف الأبطال الذين يُدمّرون أنفسهم قبل الآخرين.